(١٠)
دورة من دورات تتعدد
لرسول الحياة والممات
بدورة بكة تتجدد
في الطريق من الأزل إلى الأبد
حديث الجمعة
٢٠ ذو الحجة ١٣٨٣ هـ - ٣ أبريل ١٩٦٤ م
تصحيح التاريخ الهجري: ٢١ ذو القعدة ١٣٨٣ هـ
نسـتغفر الله من وهم قيامنا، ونتوب إليه من دعوى أعمالنا، ونتوكل على الله لعقولنا وقلوبنا، ونسـتعين به لطوايانا وسـلامة نوايانا.
ندعو الله للقيا مجيبا، ونعوذ باللجوء إليه قريبا، ونعوذ به من أنفسـنا متهمة عندنا، ومن الأشـرار لا نميزهم بيننا.
نشـهد أنه لا شـريك له من أنفسـنا، أو من غيره، إذ لا غير له في وجوده، ولا شـريك له في شـهوده عند مشـاهده به في حقيقة موجوده.
نشـهد أن محمدا عبده ورسـوله بيننا ولنا وفينا، ومرتضاه لمثاليتنا مثلا أعلى لمعانينا، حي في عقولنا وفي ضمائرنا، وفي مجتمعنا، وفي مراقينا. نشـهد عموم مبناه في مبانينا، وعموم مرتقاه في مراقينا بمعناه لمعانينا، وندرك عموم رحمة الله به لنا في أوانينا، ونعلم أن رسـول الله إلينا، بصفة الرسـالة له، كان وما زال معنا، ما فارقنا ولا قطعنا، على ما كان مع من كان من قبلنا. نؤمنه حقا من حق الله، حقية العبد له، ورسـالة الرب منه، حي في قبره من قلوبنا. به تنزهت الألوهية فيه وجها لها وعَلَمَا على الرفيق الأعلى في مولاه لمعناها.
تعالى موجود الله بمطلقه عن أن يحاط به، وتنزه أمره عن أن لا يدرك في الوجود للوجود، في أمر الناس بهم منه لهم، ما تنبه الناس لأمرهم من غفلتهم عنهم، واسـتيقظوا من نومهم بهم، وتحركوا من ركودهم فيهم، ليشـهدوه الحيـاة، فيكسـبوه لهم في معاني الحيـاة لأوانيهم أنانية لهم، بالنجاة والخلاص من مادي مبانيهم بالإخلاص لمعانيهم بعتـق عقولهم وتحريرها من مادي قوالبهم بإحيـاء قلوبهم، وانطلاق لطيفها ليحيط بأجهزتهم معية أنانيتهم بالحيـاة، لتكون ذواتهم أفئدة لواسـع تواجدهم في جديد أمرهم.
زُلزلت الأرض زلزالـها، في كل زمان، وفي كل مكان، في داخل المعالم للإنسـان، وفيما يحيطه من معالم بالأكوان، ولكن هذا الذي كان، والذي سـيبقى على ما كان، له دورة للظهور برسـالة في الزمان، يكون بأمره فيها في القيام للعيان، {سـنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسـهم حتى يتبين لهم أنه الحق}[١]
فالدورة في النفس عن تبين الحق لها فيها ومن حولها، وها هي كما هي في كل زمان وفي كل مكان قوارع الله. ها نحن نشـهدها في أقصى الأرض من نقطة تجمعها في أعلاها قطبًا أعلى لمعناها تزلزل زلـزالا شـديدا، يحمل من الآيـات، ويحمل من المعجزات، ويحمل من قوارع الواقـع ما يسـترعي الانتباه، وما تتفتح له الأسـماع، وما تتأمل فيما وراءه العيون والعقول. وكم سـيتلاحق من مثالـه (نعني ما وقع من زلزال خطير في ألاسـكا وامتد إلى بقاع أخرى حتى تأثرت به اسـتراليا). وها هو يقترن بأحـداث سـوف تلاحقها أحداث في أدنى الأرض، في كعبة الأرض، في قبلة الأرض، في نقطة ارتكاز روحية الأرض، في الأرض المقدسـة، في سـاحة بيت الله الموضوع، رمزا لقلب إنسـانه المنطلق المرفـوع، وموعود حقه بعبده وإمام خلقه، إذ ينتزع صاحب العرش فيها انتزاعا عن عرشـه من قريته وقرنه. فهل كان خادم الحرمين حقا؟ وليكن خادم الحرمين على وهمه أو زعمه، فهل حماه الحرمان؟ إنما هي خدمة الطين للطين في مجانبة الرحمن، إنما هي عبادة الشـيطان ردت أعمالـه إليه، وزلزلت الأرض تحت قدميه حتى يهوي عرشـه، ويذهب عنه سـلطانه، ويحفظ له في المظهر عنوانه، ويفارقه وهم عنونة الحق به إلى ظهور البهتان له، اللهم لا شـماتة، ولا غيبة، ولا حقد، ولا حسـد، ولكنها الحكمة نلتقطها في أحداث الحيـاة وقد زلزلت الأرض زلزالـها وحَدَّثت أخبارها، تقوم من حولنا، كما تقوم فينا بتدبير المحكم لكل أمره. صدق رسـول الله عن نجـد وأمر نجد ورسـالة نجد، وعن الحفاة الرعاة المتطاولين في البنيان. ومن قبل تشـققت جدران البيت من نفاق طائفيه وبهتان عاكفيه.
إن هذا الذي أشـير إليه إنما هو قليل من كثير مما يصح أن نذكر أو نسـرد مما هو معلوم أو مشـاهد، أو مغفل عنه، ولكن هناك ما هو أخطر، وما هو أقوى، وما هو أعجب، وما هو أحكم، وهو ما نشـهده من زلزلة النفوس من داخل الناس، وهو ما نراه مما نسـتقبله كل يوم وكل لحظة، وخصوصا في دوائر العلاج الروحي مما يأتينا به طالبوا السـلامة لذواتهم مثقلة مما بها من سـقم يزلزل كيانها، ويزعـزع عقيدتها على ما هو معتقدها، ويغير مفهومها في أمر نفسـها، وفي أمر الله بها، بين مصاب بحالـة من المس الأرضي أو العلوي كشـفت ضعفه، وعَرَّفته عجزه أمام تافه من قوارع الحيـاة تحيط به ويقوم بها، يفقد معها إرادته على نفسـه، وسـلطانه لعقله، ويفقد معها حرية عقله، ومسـتقيم تدبيره، ومعلوم حكمته، كما يفقد معها حركته وحيـاته على ما عهدها في أمر نفسـه.
ها هو هذا الأمر ينتشـر في الناس في صورة وبائية ولا من يتعظ. {ألم ترَ أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا}[٢]، {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شـيطانا فهو له قرين}[٣]. {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا}[٤]. هذه صور من أحوال الناس إذا {وقع القول عليهم}[٥]، وشـهد الناس في مجتمعهم ما هم معرضون له في مفرداتهم من تطبيق قوانين الفطرة برد الأعمال وكشـف الأحوال.
ها كل ذلك يدور فينا، ويدور من حولنا، فهل من مسـتيقظ؟ هل من عاقل متبصر؟ هل من نفس متحرج؟ هل من قلب مفيق؟ هل من إرادة كابحة لجماح نفسـها، آخذة بقياد ذاتها، متوجهة بنور العقل فيها، عارجة بحركة الحيـاة لها؟
يتكلمون عن الله، ويجعلون ترديد الاسـم أسـطورة من أسـاطير الوجود، أو من أسـاطير الحيـاة. ويتكلمون عن رسـول الله، مفقود قيام، معدوم إرادة، خابي نور، منطفئ نار، مدفون ذات، ما له عندنا من معنى، ولا في قيامنا من آيات، لا يتقلب في سـاجد، ولا ظل له بيننا متواجـد، ولا وجه له بيننا يُشـهد فنشـهد به شـهوده، ولا معنى له فينا يوجد فندرك به وجوده في مسـتقيم وجودنا. فلا هو كلمة لله سـرمدية، ولا شـجرة طيبة مرضية في طيب حيـاتنا، وفي مرضي قيامنا بسـليم عقائدنا.
نطلب من الله الصلاة عليه وننتظر الإجابة، ونسـترضي الله لأصحابه والتابعين بإحسـان إلى يوم الدين ولا صاحب له منا، ولا محسـن باتباع له فينا، ولكنه المفروض ولا وجود له، والمعلوم ولا شـهود له، اللهم إلا في كل شـيطان مريد فرض نفسـه علينا بطغيانه، وحملنا على الإسـلام له بوهم إحسـانه.
ضيعناه لأنفسـنا فضِعنا في أنفسـنا في قائم معناه بجهلنا لقيوم معناه على قائم معناه لمعانينا. وما عرفناه للكافة يكون بكينونة الكافة له تكون ظلال كائنه، ورحمة مكونه مهداة به لطالبها، مجيبا سـؤل السـائلين، مسـئولا لا يغيب عن سـائل، للأواخر كما كان للأوائل بدوام قيامه بشـرا متكاثرا بذاته وبصفاته ومعنوياته، {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}[٦]، فما ظهر إلا من خلوده أول العابدين بيتا مرفوعا، وأول الحقائق رحمة مدانية للعالمين بيتا موضوعا، يقوم ويتقلب في السـاجدين، أُعـطي الكـوثر، {أولى بالمؤمنين من أنفسـهم}[٧]، شـانئه الأبتر. {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم}[٨]، فهو امتداد الحيـاة بامتداد نور الله، لخلقية الحيـاة، ولحقية الخلق… صبغة الله… فطرة الله… أمر الله.
{أتى أمر الله فلا تسـتعجلوه}[٩]، {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث}[١٠]، والذي فيه نحار أن الناس في أمر رسـول الله لا يحارون، وهو الذي نطمع به أن نخلع الأوزار، وأن نتحرر من دار إلى دار، في معارج الدور، في دُنى الوجـود، الآخـرة منها دائما خير وأبقى، الآخرة لطالبها خير له من الأولى، يوم يكون للأولى زاهدها وقاليها، يوم يخلع منها موجدا له، ويقوم في الله عبدا له، فيصبح بالله موجدا لها، خالقا لوجودها، (ربانيا يقول للشـيء كن فيكون)[١١].
لا يشـغله إلا الله، ولا يقوم في الناس إلا برحمة الله، وقد جعل الله من نفسـه للناس جنته عالما، رضوانا، ومتاعا لمن به يُوجـد من أمره بها. وقد جعل الله منه اسـمه منعما عَلَم الله في إنعامه مُوجـدا… وعلم الله في إيجاده حقا… وعلم الله في حقيقته إنسـانا… عَلَم الله بإنسـانيته… وقد جعل الله الدين في معرفته، والمجاهدة في البحث عنه، والطريق في متابعته، والخلاص في الظل له، والإصلاح والفلاح في إشـهاره واعتباره.
هذا دين الفطرة… هذا دين القيمة… فهل تأملنا الفطرة لنعلم عنها دينها؟ وهل قمنا الفطرة فكان دينها ديننا، فكان ديننا دين الفطرة، فعنونا الدين يوم قمنا الفطرة، فكنا الدين يوم كنا العلم واليقين؟
ما كان الدين علما ظنيا ولكنه يقين مدرك حِسـي، فيه حمل النبأ عن المحسـوس المدرك، وتبليغ من إنسـان الغيب لإنسـان الشـهادة، فهو حديث الغيب إلى الشـهادة بالعلم والمعرفة… وهو حديث الشـهادة للغيب بالشـفاعة والريـادة… لمسـه يقين… ويقينه معرفة… ومعرفته علم… وعلمه طريق… وطريقه اسـتقامة…. واسـتقامته رشـاد… ورشـاده توجيه وقيادة… وقيادته عمل وانتظام… والانتظام فيه حق وعدل وسـلام.
بهذا جاء الإسـلام… بهذا جاءت الفطرة… وبهذا في كل يوم يأتي وحي الإسـلام، وبه تجيء آيات الفطرة، لا ينقطع لهذا مجيء، ولا يغيب له في الحيـاة في كل زمان تعليم وعلم، أو آية وآيات. وها أنتم في هذا العصر وفي هذا القرن بالذات وقد مهد له قرنان طفرت فيهما البشـرية في المعرفة آلاف السـنين، تشـهدون بما أصبحتم تدركـون، وتقرعون بما أصبحتم تعلمون، وتعلمون بما صرتم تحسـون، ما تقعون به تحت وطأة ما لا تدركون من فعل الفطرة، وآيات الفطرة، وقوارع الفطرة، ما بين زلزال وإعصار، وما بين فيضان وإقفار، وما بين تجريد من مسـكن، وتجريد من سـكينة، وما بين غنـاء يرتضى، أو وطأة بضيق، من إحاطة بثمار بمظاهر بإغناء وإفقار، وأنتم ما بين غفلة وادكار، هذا إلى نزع سـلطان، ردا لعمل من بهتان، وبسـط لسـلطان، تكرارا لفتنة في العنوان.
{إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة}[١٢]، فعلى أي صورة تريدونها؟ وها أنتم في كل بلد تشـهدونها، ما بين لمحة عين وانتباهها ترونها، وتحسـونها، وتدركونها، فعلى أي صورة تريدونها تكون حتى تخرجوا مما أنتم فيه من غفلة ومن فتون؟
في داركم، وفي الدور من حولكم، وفي أمم بعيدة عنكم، وفي أنفسـكم، قوارع الحيـاة تترى، وفي الناس تشـرى، ولا خـفاء لها، وقد برح السـر الخفاء. وإرهاصات الحيـاة، وإرهاصات الفطرة، في كل مكان، وفي جميع الأرجاء تزلزل الأرض زلزالـها، وتخرج الأرض أثقالـها، وما زال الإنسـان فيما به في لهوه لا يتنبه، ولا يسـتيقظ، ولا يفيق.
يتسـاءل إنسـان اليقظة إلى نفسـه، ما دهاها؟ ما مبتلاها؟ فتجيبه فطرته في معناه، أنكروا الوحـي على أنفسـهم، فأوحَى لها، ليروا أن الوحي إنما هو الحيـاة، وأن الأرض تحيـا حيـاة على حيـاة، وحيـاة بعد حيـاة، وحيـاة فوق حيـاة، وحيـاة من حيـاة… الأمر الذي أنكره الإنسـان عليها على نفسـه، يوم جاءه به الإنسـان، ورسـول نفسـه. جاءه به العنوان وحق ربه. جاءه به العرفان ونور كونه.
جاءنا الرسـول وجه الحق للمتواصين بالحق، وجه الحق لطالبي الحق، وجه الحق أدنى الحـق ذاتا لروح، ذاتا بها تتواجد وتسـفر الروح عَلما على روح. إليه تنتهي الأمور هي أعلى الحـق روحـا لذات، فكان الأعلى له حيـاة ذاته، وكانت ذاته حيـاة أرواحنا لذواتنا، {ما قدروا الله حق قدره}[١٣]، {إن كل من في السـموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}[١٤].
فقال العبد الموعود (ما عرفني غير ربي)[١٥] فما عرفوه، وأفلت منهم ما أحسـوه، وقد عدهم عدا ما قدروه، وأعدهم إعدادا ما أدركوه، وعدهم عددا ما حسـبوه، وجمعهم فيه له توحدا رحمة مهداة ما ارتضوه، فكانوا له ظلالا أمرا ينتظرهم ما طلبوه، وكان لهم الحق في حاضرهم والمثال لأنفسـهم ما حققوه، فكان موعود المثل الأعلى لله لمن طلب الله في المثل الأعلى له في السـموات والأرض، ما آمنوه، وما أشـهدوه، أو شـهدوه.
من عرف كيف يطلب الله فطلبه على ما يليق أن يطلب، فآمن بالله ورسـوله على ما هُدي ثم لم يرتب في نفسـه فيجعل منها خصما لله ورسـوله بعدو ومختبر، فلم يسـتكبر أن يسـتعين بالله ورسـوله عليها، ولم يأنف أن يراها خصما لهما وعبدا آبقا من حضرتيهما، يوم يتكشـف له أمر نفسـه في اختبارها فيسـتعين بالله ورسـوله عليها، فيعينه الله ورسـوله، ويخضعها له، ويسـلم قيادها لعارية وجوده، اسـما لله وذكرا له، فيتواجد الله ورسـوله به ذكرا محدثا لهما، حقية العبد لهما، وظهور الوجود بهما من موجود غيبهما.
بذلك كانت حقية العبد، وحقية الرب، وحقية الإلـه، أمرا واحدا في الله، وأحدية واحدة لموحـد الله، قائما على نفسـه بيتا وذكرا له مع رفيق أعلى لشـهوده، دانى وجود يراه فيعرفه مقيما لله على نفسـه بقيامه ربانيا، منكرا عليها وجـودا في الإنكار على قائمه لقيامه، يذكره معدوم وجـود، مشـهود عدمـه، رفيقا لأعلى من رفيق أعلى، مسـيح الأعلى وقيوم الأدنى، غريبا في الدنيا، ميتا ومن الموتى وبين الموتى. {إنك ميت وإنهم ميتون}[١٦]، يوم تشـهد أنه لا إلـه إلا الله ويوم يشـهدون.
فماذا لمس الناس من نور الكتاب؟ ماذا طرق الناس من أبواب الحجاب؟ ماذا صعد الناس من معراج الإياب لحقائق الأصول من رد الفرع إلى أصوله؟ بدخول في ثمرة الأصول بموعوده، وأصل الفروع في موجوده، يعرفون فيه على ما هدوا حجر الزاوية في أحدية إنسـان الأزل والأبد والقيام، فيطلبوه في المعلوم، وينتظروه في قيامات القيوم، فيشـهدون رسـول الله في رسـول الله في سـرمد رسـول الله لا ينقطع له تواجـد، ولا يجز له وجود، ولا يحجبه الظلام عن الشـهود عند عاشـقه، ولا يجانب طالبا له يوم تواجـده في قائم وجوده. فهو معنى الرسـالة في الله… ومعنى الرحمة من الله… ومعنى القدرة بالله… ومعنى العزة في كنف الله، ومعنى السـكينة بقرب الله… ومعنى الرضا في رضـاء الله عند راضي الله ربا… ومعنى الرب من الله عند منزه الله، ومكبر الله، ورائي الحق في رسـول الله.
ها هي السـماء والأرض ترهص لأمره يتجدد ولا جديد له، ولأمره يتقادم ولا خفاء له، يظهر ولا إحاطة به، ويختفي ولا احتجاب له عند مدرك له وطالب له، إنما يختفي على مخفيه، ويظهر عند مُظهره. إنه الحيـاة من الحي القيوم للأحيـاء بالحي القيوم… إنه لا إلـه إلا الله لمشـاهدها… إنه محمد الحق ورسـول الله لمتواجدها.
علمنا به أنه لا إلـه إلا الله، وها نحن نشـهد أنه لا إلـه إلا الله وأن محمدا رسـول الله.
اللهم يا من جعلت محمدا للكافة… اللهم اجعل به لنا منك نصيبا. اللهم اجعل به لنا فيك أملا لا يخيب… اللهم يا من جعلته الحق منك… اللهم به حقا علينا لا تغيب… اللهم أجب دعاء الداعين، قريبا من أنفسـهم وأقرب من كل قريب… اللهم يا من جعلته أولى بالمؤمنين من أنفسـهم… اللهم به فاجعلنا من المؤمنين بـك بإيماننا به إيمانا بك، قريب حق به، وعالي حق علينا، أقرب إلينا من حبل الوريد.
اللهم اجعل بوجوده فيك وجودا لنا فيه حتى يكون لنا وجود فيك بوجودنا فيه، موجودين به أعلاما عليه ووجوها لك، امتداد رسـالته وأيدي لك، عين وجوده في الوجود وعضدا لك، وجودا به نتواجـد بك، في تواجـده بنا متواجدين بحضرتيكما حضرة لكما، لا ينقطع لها تواجد، ولا يغيب عنها فيها لها وجود، حتى نعلم ما الحيـاة وما الخلود من خالق الحيـاة، وخالق الخلود.
اللهم لا تقطع عنا وصف العبد لك حتى لا ينقطع لنا تواجد الحيـاة بك، عبدا لعبد، وربا لرب، وإلـها لإلـه، بأنفسـنا ندرك الحيـاة فنعلمنا لكما وأنه لا انقضـاء للمعراج بكما، أنتما معارج الحيـاة، نحن صاعدوا معراجكما، ونحن المدانون بكما من جديد خلق لنا، خلقتمونا وما نصنع، حملنا أمانة الحيـاة بكما لأمانة الحيـاة ترد إليكما، فلا احتجاب لكما، ولا غيب لكما، ولكن الاحتجاب والغيب لنا بكما، أدبا معكما، وقياما بأمركما.
إن حقية العبد هي وجه الرب ويد الإلـه. إن حقية العبد هي داني الحق لعالي الحق، في وحدانية الحق تجمع عاليه ودانيه، تجمع غيبه وشـهادته، وما الشـهادة فيه إلا مظهرا للغيب له، إيمان الإنسـان بنفسـه عين غيبه، وغيبه عين وجوده في شـاهده وشـهوده في لا إلـه إلا اللـه، يوم يقوم باقتدائه عين مقتداه، فيشـهد محمدا رسـول الله في مرآة نفسـه، وفي مرآة أخوته في مرآة مؤاخيه، وهكذا رضي الغيب الفطرة في إيمانها به رسـالة مرتضاة، تبقى في مدى الحيـاة على ما كان في أزل الحيـاة.
وبذلك كان محمد الله… وآدم الله… وعبد الله… ونبيء الله… وكتاب الله… وحق الله… ورسـول الله… واسـم الله… ووجـه الله… ويد الله… وقـدرة الله… ورحمة الله… هو حجر الزاوية ما بين القديم والقادم للوجود، علم القائم والقيام للشـهود.
أخذ الله من كل أمة ويأخذ بشـهيد، وهو الباقي على كل شـهيد، شـهيد في القديم والجديد، في القائم والمزيد، فهل عرف الناس رسـول الله، وهم يلوكون اسـمه، ويدعونه على رسـمهم رسـمه، وكسـمهم كسـمه؟ وهو الذي ما عرفوه، وما عرفه غير ربه، وهو الذي ما شـهدوه، وما شـهده غير ربه ذاتا وامتدادا، هو {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١٧] لا يشـهدون به ربا لهم إلا بامتداده فيهم، قياما لهم وبعثا له بحقه بقائم له من بينهم، رسـولا من أنفسـهم.
فهل اعتقدوه؟ وكيف يعتقدوه وما عَلِموه؟ وهل عَلِموه؟ وكيف يعلموه وما طلبوه؟ وهل طلبوه؟ وكيف يطلبوه وما عرفوه؟ وكيف يعرفوه وما صافوه، وما صَدَقوه، وما أحبوه، وما آثروه، وما أفنوهم فبعثوه، وأنكروهم فتواجدوه؟ (لا إلـه الإ الله محمد رسـول الله) ما شـهدوها وما شـهدوه، وما آمنوها وما آمنوه، وما عرفوها وما عرفـوه، وما صَدَقوها وما صَدقوه، وما صدَّقوها، وما صدَّقوه، ولكن عبثا باللسـان لاكوها، واسـما له لاكوه، لا واقعا تواجدوها، ولا واقعا وجدوه، سـبحان الله عما وصفوه، وتعالى الله عما زعموه، إلا من رحم الله فدخله رحمته، وقامه نعمته.
ظهر لهم في كل شـيء فما صَدَّقوه، وقامهم في كل صورة فكذبوه، وفي غفلة عنه ألفاظا قدروه، وألفاظا عبدوه، وخيالا وثنوه، وأوثانا سـجدوه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، له المحيـا وله الممات، بحي رسـول الله في حي رسـول الله لحقي العبودية لله، في الله، من الله، إلى الله.
اللهم به فارحمنا… اللهم به فادفع عنا… اللهم به فتولَنا… اللهم به فقوم طريقنا… اللهم به فحقق سـجودنا… اللهم به فأحيِ وجـودنا… اللهم به فخلصنا… اللهم به فارحمنا… اللهم به في الحق وحضرة الحق فأسـلكنا… اللهم به في حقي الرشـاد فأدخلنا، وبالوداد فسـربلنا، وبدثر الأنوار له فدثرنا… اللهم اجعله لنا الفؤاد، واجعله لنا الرشـاد، واجعله لنا الحب والوداد، يا من جعلته رحمة للعالمين، به فارحمنا، وبه فاذكرنا، وبه فذكرنا، وبه فارحم من رحمنا، ومن رحمنا، لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك… اللهم فقوم فيك سـبيلنا، وخلص أمورنا، واجعل السـعادة بلقائك خاتمة لنا.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة فصلت - ٥٣ ↩︎
سورة مريم - ٨٣ ↩︎
سورة الزخرف - ٣٦ ↩︎
سورة الأنعام - ١١٢ ↩︎
سورة النمل - ٨٥ ↩︎
سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎
سورة الأحزاب - ٦ ↩︎
سورة الأحزاب - ٤٠ ↩︎
سورة النحل - ١ ↩︎
سورة الإسراء – ١٠٦ ↩︎
حديث قدسي متداول في بعض كتب المتصوفة والشيعة، واجاء في الأثر بلفظ “يقول الله عبدي أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون”. ↩︎
سورة الواقعة ١-٣ ↩︎
سورة الحج - ٧٤ ↩︎
سورة مريم - ٩٣ ↩︎
حديث شريف ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ↩︎
سورة الزمر - ٣٠ ↩︎
سورة الشعراء – ٢١٨، ٢١٩ ↩︎