(٥)

\{ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه\}
زويت له الأرض وجعلت له مسجدا وطهورا
اللهم برحمتك فاكشف عنا الغطاء لنرانا فيه

حديث الجمعة

١ شوال ١٣٨٣ هـ - ١٤ فبراير ١٩٦٤ م

{ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه}[١].

ربنا… علمنا، وأدركنا، وعرفنا، وآمنا أن رسـول فطرتك… وحوض رحمتك… وعبد عظمتك… وجيئة حقك… وسـر خلقك… وباطن أمرك… وظاهر سـرك… وحديث جهرك… ولسـان حكمتك… وكتاب علمك… وبيت قبلتك… ونُصب شـعارك… وجنة دارك… ونار عدلك… وعوالم خلقك… ورب عوالمك… وحق ناسـوتك… ووجه لاهوتك… ومظهر ملكوتك… كان هو نبأ أيامك عن يوم لك لا ريب فيه.

بأيامك لآحادك (يوم لا ريب فيه). جعلته بينهم لنا ولهم (يوم الجمعة)، يوم ينادي منادي الحجيج للاجتماع بأيامه له ليوم لك… يوم يؤذن مؤذن الصلاة للإقامة بالاتباع {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه}، {إن كل من في السـموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}[٢]، إلا آتي عبدا للرحمن، إلا آتي الرحمن (يوما لا ريب فيه).

برحمتك بنا جعلته باطن قيامنا، يظهر في قيامنا حقا ورسـولا وعبدا لا عوج له، ولا ريب فيه. رحمة للعالمين أبداه مولاه يوم جعله في العالمين اسـما له وعبدا بمعناه، جاء به الحق لمعناهم رسـولا من أنفسـهم عالَمين بمبناهم، رسـولا من أنفسـهم بدأ، ومنه بدأهم. بدأهم منه أرواحا، وبدأه منهم أشـباحا، فكان جماع أرواحهم روحا جامعا، على ما هم جماع أشـباحه هو روح الحيـاة لهم. أول حقهم وخلقهم، حقا ومظهرا لأول العابدين له به فيه، (يوم لا ريب فيه).

رسـول الله (يوم لا ريب فيه)، به جاء الحق للعيان ولليقين علم الحق للموقنين… وقِبلة الله للمتقين… وبيت الله للمسـعَدين… ومطاف الله للطالبين… وعين الله للمبصرين… ووجه الله للناظرين… ويد الله للمبايعين… وقريب الله للمجابين… ونور الله للحائرين… ونعمة الله للمفتقرين… وحق الله للمتخلقين.

إنه يوم الدين… ولولا كلمة سـبقت من ربه لقضي في أمر العالمين. ما أبرزه الله للأشـقياء التعسـين إلا رحمة للعالمين، فما أشـقاه بينهم بهم إلا ليذكر المتذكرين، إن نفعت الذكرى في عالم الشـقاء نفعت المختبرين في عالم الأرض بالصدع والابتـلاء، المبتدئين مرة وأخرى في عالم الألواح بجـديد من موالد الأشـباح، القارئين لأنفسـهم في عالم الأشـباح والألواح لإدراك النقيض لها ينتظرهم لعالم الأرواح، المتبصرين لما في السـماء الدنيا، الراجين لما في سـماوات الله العليا، النابتين كلمات طيبة في مهدها بالطيبين أصولها ثابتة للعارفين وفروعها في السـماء متصاعدة، للمتجددين المبدلين تؤتى أُكلها كل حين بإذن ربها بالخبراء من عباد الرحمن الموحدين، سـرمد الرسـالة للمتشـرعين، ودائم الطريق للسـالكين.

{ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه}[٣]… في دورة الزمان… في سـرمدية الدهر… في دورة الأمر خلقة الزمان والعصر… في دوحة الإنسـان… في جنة العنوان… في دار الرضوان بالإنسـان للإنسـان… تبدأه الفطرة من أرض الطغيان والبهتان، تنشـق عنه الأرض ببنيان، ذاتا لإحسـان، عَلَما على من تنشـق عنه السـماء كتـابا وعنوانا، تدانيا ووجدانا، فيلتقي فيه شـديد القوى مع شـديد الافتقار، فتتواجد العزة لعزيز الدار، فيخفض جناح الذل من الرحمة للادكار، ويبسـط جناح العزة في خفاء للاعتبار، ويكشـف للناس أنهم بين يدي رحمته، بين يدي رحمة الله، يذكر الله وحده أمرًا قد قُدِر، مذكرا، مبشـرا، منذرا، محذرا.

يعلم أن له عقبى الدار على ما كان له من أمر عند بدء الدار، وعلى ما لربه بقائم الدار، فهو بدء العَمار، وهو مراقي المعمار. يسـفر سـيد الـدار يوم تُبَدّل الأرض غير الأرض، يوم يُبرزها جنة قيام، وجنة مزار.

هو الفطرة… هو عين الفطرة… هو عودة الفطرة… هو دورة الفطرة… هو واحدية الكثرة… هو عِلم اليقين… هو عَلَم العبرة، جُعل لطالب الحق عبرة وفكرة… هو الأسـوة والقدوة والكائن والقدرة، جُعل من مظهره لظاهر الناس بداية الناس لمعاني ومعارج الإنسـان، وجعل من مخبره لنهاية الناس رجاء الناس، وبشـرى الناس، ومآل الناس، يوم هم به يتواجدون لأمر أنفسـهم ناسـوتا عبدًا للاهوت، يوم يتواجدون به آدم بنيان، مظهرا لإنسـان إحسـان، به عُرف الله، وبه قُدِر الله، وبه كان الإيمان به إيمانا بالله، وبدائم رسـول الله. سـبحان الله، وتعالى الله، {ربنا إنك جامع الناس، ليوم لا ريب فيه}[٤].

أبرزه الله يوما وليلة، ويوما وليلة، دواليك في مدار الزمان. كما أبرزه ليلة ويوم، وليلة ويوم كذلك. وها نحـن يقع علينا القول فنسـتقبل إدبار ليل لفجر يوم جديد بعيد الفطر، بعودة الفطرة للسـفور بمن عرفناه محمدا اسـما، وما احتفظنا به في الناس أو في أنفسـنا، لا معنى ولا رسـما، وما آمناه للناس كوثرا، وما قَدَّرناه في السـاجدين جوهرا، وما اسـتخبرناه في الخبيريـن خبرا، ولا تابعناه في العالِمين عَلَما، ولا في المعلمين كتابا ومِنةً وأثرا، ولا في المشـرقين به لله نورا، ولنور الله نُصبا، ولحق الله سـاحة وحضرة وشمسـا وأرضا وقمرا.

ها نحن يقع علينا القول مرة أخرى، برسـول من أنفسـنا تواجد بيننا عجيبا، وعِيد إلينا غريبا، عندما طلبته في يومه قائما قلوب تنشـد الحق، وقد ظهر الحق بفجره من ليله بيوم لقبله قلوب لباها فعرفته، قلوب أحبته فأمسـكت به لظاهر الحق حجابا، وسـألته عن الله ورسـوله في الناس عشـقته معرفةً، قربا من الله ورسـوله آمنته، فرفعت أغطية المظاهر، وتكشـف الحق بجـوهر ظاهر، وقد لبى الله ورسـوله لا يفرق بينهما فارق النداء، وحقق الله لطالبه الرجاء، فظهر الأب السـريع مجيبا لأهل الدعاء، وهو الكل الملبي للجزء منه بأهل النداء، أولى بالمؤمنين من أنفسـهم ظلالـه من أزواجه، لأحدية أمره عَلَم الأحد وحقه في خدمة المؤمنين والأبناء - ظهر العبد وربه لطالبيهم فقام الطالب بالمطلوب، وعُرف به ظاهرا هو لهما له باطنا الحق المرغوب.

يقوم ويتقلب في السـاجدين عبادا للرحمن، وأبوابا لحضرته، ونوافذ لإشـراقه بطلعته، وأحواضا للحيـاة برحمته، وسـفن للنجاة بشـرعته، والطريق السـوي باسـتقامته. {ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه}[٥]. ربنا لا تتناسـانا في هذه الكرة، ولا تدعنا نتخلف هذه المرة، ربنا عليه فاجمعنا، ومدخل صدق فيه فألحقنا.

ها نحن نطأطئ الرؤوس لبيت قبلتنا، وواقع شـريعتنا، بدورة رسـالتنا… ها نحن ندخل الباب سُـجَّدا… ها نحن نعرف مواضعنا عند أقدامه، ونعرف افتقارنا وحاجتنا لقسـمه من يد إحسـانه، نؤمن به إيمـانا بالله ورسـوله، لا شـريك في الأمر لله ورسـوله، نعرفه رسـول الله، ونؤمنه وجه الله، ونسـتقبله يد الله، وننتظره قرب الله، ونتواصى به حق الله، ونسـعد به وجها من وجه الله.

محمد… عيد… غريب. محمد في الأولين، ومحمد في الآخرين. نسـي اسـمه يوم ظهر في العالمـين، وقد سـقطت قيمة الأسـماء عند الراشـدين، وتجاهل وضعه يوم نزل للوضيعين، وأنكر على نفسـه عين الحق للعالمين يوم ظهر في الأمة الوسـط للحق والدين، ولم يُيَئِّس أو ييأس من كسـب الحق للهاوين.

بَشـر بالأعلى… بشـر بالرفيق الأعلى من المرسـلين، وهو جماع الرسـل للعارفين، وهو رسـالة الله للمكبرين، هو الله أكبر للعالمـين، وهو لا إلـه إلا الله للمؤمنين، وهو سـفن الخلاص للعاملين، الداعين، المجاهدين. وهو الجزاء والعطاء للمؤثرين، المضحين، الأصفياء، الصافين، يقوم ويتقلب في السـاجدين.

إنه بين العالين، وإنه إلى الهاوين، وإنه في القائمين، جعلت به حضرة الأرض وسـطا بين العالين والسـافلين من العالمين. وما اتصف العالون بالعالين إلا عليها قائمين بكسـب معناها لعين معناهم بادئين، به مرتقين. وما سُـمي السافلون بالسـافلين إلا لأنهم دونها لفقدان معناها منها هاوين. وما سميت حضرة للحق للموحدين إلا بالحق به في المتواجدين، ليتواجدوا بمعناه متحققين. شجرة الإنسـان طيبة به أصلها ثابت وفرعها في السـماء متصاعد، تؤتي أكلها كل حين.

إن الأرض بسـماواتها وبسـفلها وحدة إنسـان، أو وحدة نفس لإنسـان، قيام أحد بعنوان، اسـما لله بالإيمان. اسـتوى على عرشـها علم الإحسـان، ووجه الرحمن، وسـر الإنسـان، وباطن العنوان لظاهر القيـام والكيان، {مالك الملك تؤتي الملك من تشـاء}[٦]. تأملوه يوم قال بظاهره لرجل من أصحابه صحا به، (تحشـر على يدي هذه إلى الجنة يوم القيامة)[٧]، يوم تسـتكمل نموك فيَّ معي. وتأملوه يوم قال (أعلمني الله في موقفي هذا، في دورتي هذه، في قيامتي لكم بالحـق، ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة)[٨]، يشـير إلى أنه أحدية بمعناه لها أطرافها من الخلق والحق. تأملوا قول الله له، وهو إلينا يوجه القول وهو يقول {قل جاء الحق وزهق الباطل}[٩]، وقوله {أولم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[١٠]، {أرأيت الذي يكذب بالدين}[١١]، {فذلك الذي يدع اليتيم}[١٢]، الذي يدعـك أو يدع كوثر ذاتك، يتيما مُآوىً دائما، أنت اليتيم المـُـآوى، بلا عَد وبلا حد، أما السـائل فلا تنهر، وأما اليتيم فلا تقهر.

وقد أظهرك على الدين كله، خاطب الناس على قدر عقولهم، واخفض لهم جناح الذل من الرحمة، {واصبر نفسـك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي يريدون وجهه}[١٣]، فأنت وجهه لهم حتى تُرفع الغشـاوة عن أبصارهم، ولا تعدو عيناك عنهم تريد زينة الحيـاة الدنيا من الناس، ملكتهم دنياهم عبادا لها.

إن الله جامع الناس عليك يوما لا ريب فيه في دوام، وقد جعل في الاجتماع عليك الدين والعلم والحيـاة، وأنه مُظهرك يوما بالمحمود عندهم {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا}[١٤]، يعرفونك اليوم لا ريب فيه، اصبر وما صبرك إلا بالله، عسـى أن يبعثك ربك مقاما محمودا عندهم، فما عرفـوا ربهم إلا بعزته، وقد أنكروه عليك وجها له برحمتـه، وقد جعلك الله رحمة للعالمين بوجوهه بآياته لمعناك ليشـهدوك يوما، وقد جعلك لهم يوما لا ريب فيه، يوم تنشـق الأرض عنك، ويخرج الله لهم دابة من الأرض تكلمهم، أن الناس كانوا بآياته منهم لهم لا يوقنون.

{فذكر إن نفعت الذكرى سـيذكر من يخشـى ويتجنبها الأشـقى}[١٥]، لا نسـألك رزقا من عباد فأنا الغني عن العالمين، ولو شـئت لهديتهم أجمعين، ولكن أرزقك ظلالا لك وعبادا لي لعين عبوديتـك، فاصبر وما صبرك إلا بالله وسـأعينك على الصبر فلا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، إنما يريد الله ليذهب الرجس عن أهلك ويطهرهم تطهيرا، وقد جعلك لهم بيتا موضوعا يذكـر فيه اسـمه بجمعهم عليك، يوما لا ريب فيه يتحقق لك بهم ظلالا لك، ولهم بك عقبى الدار، ولله بهم أسـماءً له عقبى الدار، ولعباد الله سـادةً وعبادا لهم عقبى الدار، وجوه الله لوجهك ناظرة، ومنك منظورة، وجوه ناضرة لربها ناظرة.

يسـفر ذلك للمؤمنين يوم يكون أمر الله أمرك. أرسـلناك أمر الله ولم نجعل فيك عجلة الإنسـان. وجعلنا لك بالرفيق الأعلى في رسـالتنا اسـتواء، وجعلناك وإياه سـواء، قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، قل إني ومن اتبعني صراط ربي المسـتقيم، قل إن ربي لعلى صراط مسـتقيم، قل إن الرفيق الأعلى لي والأعلى له على صراط مسـتقيم، قل ها أنا أظهره صراطا مسـتقيما إلى أبد وهو لي ظاهر الصراط المسـتقيم إلى أزل.

اسـألوني ما شـئتم، فإن سـألتموني عن ربي أجبتكم، وإن سـألتموني عني كنتكم، فلا فرق بيني وبينكم، اتبعوني يرحمـكم ربي كما هو راحمي، وكما رحمني، وكما سـوف يرحمني، فإني بافتقار لرحمتـه كنت، وفي افتقار لرحمته ها أنذا كائن، ولن أتخلى عن معاني الافتقار لرحمته مهما أعطيت ومهما كسـبت.

فمهما تكاثرت، ومهما تجددت، ومهما في الناس امتددت أعلمه لا إلـه إلا هو، وأشـهده لا إلـه إلا هو، وأقومه لا إلـه إلا هو، وأدعو إليه لا إلـه إلا هو، وأدل عليه لا إلـه إلا هو، وأُعلمه لا إلـه إلا هو، وأقومه بقيامي لا إلـه إلا هو، وأنزهه لا إلـه إلا هو.

لا إلـه إلا هو شـعاري، ورسـول الله شـعاركم، وفي شـعاري مَنْ يكون محمد، وفي شـعاركم من تكونوا أنتم.

لقد بُعث الرسـول بالحق، وغاب عن وصف الخلق، وقام بوجه الخالق روح قدس الله، ورسـول الله، وعبد الله. عبد الله وأي عبد… ورسـول الله وأي رسـول… روح الله وأي روح… رب الناس وأي رب… ورب العالمين وأي عالم للعالمين… إنه الحق من الله لطالبي الحق… إنه الصدق يوم يصدق الصادق مع الله في طلب الله… إنه الوفاء يوم يُتَوفى الإنسـان في الله… إنه تلبية النداء يوم يدعو الإنسـان ربه فيجيبه إليه… إنه الإنسـان يوم يتجاوز الآدم ظاهر مبناه إلى باطن معناه… إنه اسـم الله لذات الله… إنه روح الله لقدس الله. لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله.

إلى رسـول الله… إلى عبد الله… إلى ابن عبد الله… إلى إنسـان الله… إلى عبد الإنسـان في الله… إلى إنسـان وجه الله للإنسـان… إلى يد الله، وصفات وجوارح إنسـان الله… إلى عَلَم الله، وشـعار الأقدس لأعـلام الله… إلى الأقدس لأعلامنا، أعلاما لله… إلى الوجود… إلى مظهر الوجود… إلى سـيد الوجود… إلى وجه الوجود… إلى يد الوجود والجود مبسـوطة… إلى رسـول الله نلجأ، ونجـأر، وندعو، ونفتقر، ونطلب، ونصل، ونصلي، لنتواجد بدائم موجوده لتواجده حتى نحيـا بكسـب دائم الحيـاة فيه، ودائم الحيـاة له.

به نتوسـل إلى الأعلى في معارج الله، وبه نسـتعين عزة الله وعزة الأعز للرفيق الأعلى في رسـول الله، أن يولي أمورنا خيارنا، وأن لا يولي أمورنا شـرارنا ردا لأعمالنا علينا. وبه نسـأل الله أن يتجاوز عن سـيئاتنا، وأن يسـتغفر عنا إلى الرفيق الأعلى لمعناه حتى يرضى، {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما}[١٦].

ها نحن في سـاحة مَن عَاد غريبا بيننا، محمدًا لنا، فما عرفناه بنا إلا بالأسـماء لنا روح إرشـادنا، روح القدس لعوالمنا، روح القدس لأرضنا، روح الأرواح لسـماء عوالمنا، وسـماوات مراجعنا، ومعالمنـا، الروح المرشـد لنا بعلمه عليـه لمعناه، روح قدس الله، كما عُرف قديما بمحمده، قد عِيد غريبا بيننا على ما شَـرُف، وما عرف، به نتوسـل على ما أمرنا ونتابع على ما هُدينا.

لقد قَدَّر الناس لمحمد أمره فيهم بمقياس أنفسـهم، أنه كلما غاب علا، وأنه كلما أعطى اسـتعلى، ولم يدركوا أنه كلما غاب بنى، وكلما أعطى تواضع بيننا. رُب أشـعث أغبر لو أقسـم على الله لأبره، قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشـاء، وكيفما تكونوا يولَ عليكم.

إن الأشـعث الأغبر تحت الأقدام، إنما هو السـيد المالك فوق الـهام، تيجان الملوك عند نعليه، وقلوب العبـاد بين أصبعيه. ما ظهر إلا بجناح الذل من شـامل معناه ليرث الأرض ومن عليها بذاته ومبناه، {يوم لا ريب فيه}، عبدًا وعبادا للرحمن في معناه.

ما عرف صدر الإسـلام رسـول الله، إلا حاكما، إلا أميرا، إلا آمرا، إلا أمير قرية، أو أمير قريتين، أو أمير بلقع من صحراء، وهو الذي بدأ بينهم مثالا لهم يحتذوه من القاع. بدأ بينهم من تحـت الثرى مغمورا، انشـقت عنه الأرض وعمل عليها حتى صار عَلَما مذكورا. انشـقت عنه عين انشـقاقها عنهم، وقام بينهم رسـولا منهم فما عرفوه، هل هبط عليهم من السـماء في أمسـه أم أن السـماء هبطت عليه، وها هو يعود غريبا فلا يقدروه، ويظهر أبا سـريعا من أنفسـهم فلا يسـتنجدوه، وتجتمع فيه الأرض والسـماء عَلَما وحجابا فلا يسـتقبلوه.

وهم ما زالوا يتحدثون عن الله، وعن رسـول الله، وعن رسـالة الله، ويتبعون كل شـيطان مريد باسـم الله ورسـوله، فإنهم لا يعرفون الحق حتى يعرفوا أهله، ولا ينظرهم الحق فيحسـون بالحق يوم يتخلل أنفسـهم بروحه ونوره. وكيف يتخلل أنفسـهم، وأنفسـهم مزورة عن الحق، وهو الغني عن العالمين؟ فليربحوا كرتهم، أو ليخسـروا كرتهم كما يشـاءون، فإن الله معهم يخسـروه وإن الله معهم يربحوه، من شـاء فليؤمن ومن شـاء فليكفر، فهكذا أراد من كانت إرادته لا تعصى ولا تخالف، ولا ترد.

إنه الـهادي للسـبيل يوم تكفر النفس، وإنه الـهادي للسـبيل يوم تؤمن النفس، هدى السـبيل شـاكرا وكفورا. عَلَّمنا ذلك كله مَن عَلِمَ ذلك كله ومثله معه، أُعطي الكتاب لأمته يتلوه فيهم على مكث له بينهم، ومثله معه لحقيقته في دوام تجمعهم.

نسـأل الأعلى فيه أن يرحمنا به، ونسـأل الأعلى عليه أن يحقق له في دوام إرادته بالرحمة لنا، ونسـأل الأدنى فيـه أن يصلي عليه بنا، {إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسـلموا تسـليما}[١٧].

تذكروه في أوقاتكم، وفي أنفاسـكم، وفي كل وقت وحين، وكلما عِيدت فطرة بعيد الفطرة. وكل عام وفي دوام وأنتم بخيره آمنين، وأنتم بخيره سـالمين، وأنتم بخيره مسـلمين.

أضواء على الطريق

عن المرشـد الحكيم السـيد الروح (سـلفربرش)

(ما زلتم تفكرون بلغة الأجسـام المادية. إنكم لا تفكرون بلغة الأرواح التي تعبر عن نفسـها خلال الأجسـام المادية. الجسـم عرضي والروح أبدية. يجب أن تركزوا جهودكم في الروح، لأنـه إذا ما علمتم الروح وأعددتموها فإنها سـوف تظهر خـلال الجسـم ومن تلقاء ذاتها ما هو صواب وصالح وضروري.

إني أعلم أن هذا كله شـيء يسـير جدا، وسـبق أن قيل لكم ولكنه يجب أن يقال ثانية وثالثة لأهميته وخطره في حيـاتكم. إذا كان الثأر هو دفة القيادة اقتلعت العاطفة الجامحة المنطق المسـتقيم من الناس، وماتت الحكمة.

أنتم تعيشـون في عالم مادي، وبذا تصبحون منهمكين في الأمور المادية. وهي مهما كانت مُرَّة وصعبة، مهما كانت شـاقة ومتعبة، مهما كانت مرهقة ومظلمة، فهي ظلال الحقيقة الخالدة هي ظلال الروح.

أُريد منكم جميعا أن ترددوا دائما نغمة الثقة الـهادئة، وأن تتمسـكوا بما لديكم من معرفة. تأكـدوا أن الضوء يسـطع خلال الظلام، أن أشـعته سـوف تحيط بعالمكم. وإن الظلام لا ينكشـف للغارق فيه. ويراه على حقيقته من خرج منه إلى النور).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة آل عمران - ٩ ↩︎

  2. سورة مريم - ٩٣ ↩︎

  3. سورة آل عمران - ٩ ↩︎

  4. سورة آل عمران - ٩ ↩︎

  5. سورة آل عمران - ٩ ↩︎

  6. سورة آل عمران - ٢٦ ↩︎

  7. من حديث شريف ذات صلة: “لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته في الدنيا، إلا أنا فإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وإنها نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً.” صحيح البخاري. ↩︎

  8. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  9. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  10. سورة الرعد - ٤١ ↩︎

  11. سورة الماعون - ١ ↩︎

  12. سورة الماعون -٢ ↩︎

  13. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  14. سورة طه - ١٠٨ ↩︎

  15. سورة الأعلى - ٩:١١ ↩︎

  16. سورة النساء - ٦٤ ↩︎

  17. سورة الأحزاب - ٥٦ ↩︎