(٤)
المخلوق المتخلق بخلق الخالق
النبأ العظيم والعبد الحق المقيم
الفطرة به تملأ فراغ الوجود بالحياة
بتجديد مفردات وجوده لعين موجوده
اتساعا لعالم شهوده
إنسان الحياة وحق وعبد الله
حديث الجمعة
٩ رمضان ١٣٨٣ هـ - ٢٤ يناير ١٩٦٤ م
الله أكبر… الله أكبر… الله أكبر. لا إلـه إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، عبادًا له مخلصين له الدين، إليه دوما مفتقرين. منه دوما يطلبون الإيمـان واليقين، إسـلاما له بالإسـلام لرسـوله، وإسـلاما لرسـوله بالإسـلام للمتابعين له ظلالًا له بمعناه، دوام قيامه يقوم ويتقلب في السـاجدين، تاليا كتابه على مكث ليبين عبد الله وأول العابدين.
ما جعل لبشـر بفرده ولعنوانه بهيكله – الخُلد - من قبله، وله جعل في دثار متجدد بجلباب متعدد قياما دائما لنور منتشـر، قبضة نور السـموات والأرض لموجود عالمه من خالق السـموات والأرض، بدءا ودوما وعودا لاسـمه باسـمه وأعلامه، عَلَما على واجب الوجود لكل وجود، ووجها للمعروف بكل معرفة، وكتابا للواسـع العليم المقدر بقدره بالمطلق اللانهائي، رب الأرباب، وإلـه الآلـهة بعظمته وتعاليه، وتحت العباد بيد رحمته وتدانيه…
لا شـريك له بوجود مما أوجد، ولا موجود معه بوصف الموجود ممن به تواجد. الكل عين وجوده، ووجـه شـهوده، ويد قدرته، وقدم سـعيه، وعين بصيرته، وأُذن سـميعته. الواحد الأحـد لا شـريك له من عبد أو رسـول، الظاهر بتواجده بوجوده لأسـمائه وحقائق حقيقته في لانهائي موجوده.
بدأ خلق جلباب الإنسـان ذاتا من صلصال كالفخار، موصوف الخلق له مخلوقا لخالق، خلقه خالقه لنفسـه، وليصنع على عينه. خلقه الأعلى من نفسـه الأدنى نفسـا له، إذ هو نفس لنفسـه. خلق فسـوى وقَدَّر فهدى. خلقه إنسـان حقه ليتواجد به، ويتعارف إليه معروف نفسـه، على ما هي نفسـه في معرفتها عنها للأعلى لها.
الإنسـان مخلوق متخلق بخلق خالقه، حتى إذا ما كان فيها متجاوزا وزره من ماديته كان اسـما لخالقه، وكان خالقا بصفات خالقه على ما شـهد من أمر خلقه، فهو المخلوق المهيأ ليكون خالقا بالتخلق بخلق خالقه، وما زال معبرا عن معناه في صورته على ما هو في عالم خلقته وبيئة تكوينه.
فماذا أفادت إنسـانية هذه الأرض من رسـالة الفطرة؟ ماذا أفادت هذه البشـرية برسـالة أوادمها من الحكماء وأوادمها من الأنبياء، وبرسـالة أوادمها من عباد الرحمن؟ ماذا أفادت هذه البشـرية من رسـالة النبوة؟ وماذا أفادت هذه البشـرية من رسـالة العبودية؟ وماذا عرفت هذه البشـرية عنها، في قائمها، وعنها في قديمها، وعنها في قادمها؟
ماذا عرفت هذه البشـرية عن سـرمديتها الإنسـانية؟ ماذا عرفت عن أزليتها النوعية؟ ماذا عرفت عن أبديتها البشـرية الكونيـة؟ ماذا عرفت عن قائمها بوصف الخلق؟ ماذا عرفت عن قيومها لها باسـم الحـق؟ ماذا عرفت عن القيوم عليها باسـم الرب؟ ماذا عرفت عن سـموات معانيها لمعارج القدسـية لها؟ ماذا عرفت عن انزلاقات مبانيها عن مراد معانيها لوصف الـهاوية؟ ماذا عرفت عن أياديها أيدي للحق عاملة، وأيد للعدم خاملة؟ ماذا عرفت عن أيادي الرحمة مقلة أو عن أيادي القدرة مظلة منها لها، ومن الأعلى إليها، ومن الأدنى في طلبها بعينها فيها؟ ماذا عرفت عن وحدانيتها مع الأعلى أو مع الأدنى أو في ذاتها لمفرداتها ومعانيها أو عن وحدانية مبديها؟
قامت رسـالة الحكمة، الحكيم بعد الحكيم، كما قامت رسـالة النبوة، النبي بعد النبي، كما قامت رسـالة العبودية، الآدم بعد الآدم، إنباءً عن منشـودها لمعانيها، تخلقا بأخلاق مبديها ومتجليها وبانيها، لتكون وجوها له عندها، ولتكون عضدا له فيها، ولتكون هياكل له بوجودها، ولتكون بيوتا له بمعانيها بقلوب متحدة يذكر فيها اسـمه، لتكون عوالم له يظهر فيها لها بمعناه لمعانيها، وبمبنـاه لمبانيها، مدانيا بالأعلى لمعانيه لقائم معانيها، لتعرف عنها وعن مراقيها لمعانيها، وعن قادمها من قائمها لمبانيها.
يداني الخالق الخلق ليتلاقى مع خلقه، معنى بمعنى في هياكل عوالمه في بيوت لقائه من قلوب عباده، بذوات إنسـانيته لحضرة بشـريته، فيرتقي بهياكل العباد إلى بيوت أسـمائه، فيجعل من الخلق بتخلقهم بخلقه بيوتا له ماثلة في معاني نصبـه من أهل اصطفائه، من أوادم اختياره بعد ابتـلائه، وأوادم رضوانه بجزائه قائمين بنعمائه، تمسـكهم يد قدرته، وتبعثهم يد رحمته جديدا لقديم، يقومون بظاهرهم عين القديم في جديدهـم، جديدهم عبد قديمهم بمعناهم لعين معناه بأسـمائه، عبادًا عين ربهم، وأربابٌ عين عبادهم، ملأً لفراغ الوجود بالحيـاة، واتسـاعا لموجوده، وتجديدا لمفردات وجوده علما على الموجد، باطن الوجود كلما ظهر للشـهود وجود.
قامت رسـالة النبوة، والحكمة من قبلها، والعبودية من بعدها، إخبارا للإنسـان عن نفسـه، وتعريفا له بنفسـه من يكون، ومن كان، ومن سـيكون، ومن سـوف يكون. عم يتسـاءلون عن النبـأ العظيم الذين هم فيه مختلفون. كلا سـيعلمون ثم كلا سـوف يعلمون. قل جاء الحـق وزهق الباطل. ولتعلمن خبره بعد حين، {ولولا كلمة سـبقت من ربك، لقضي بينهم}[١]، {أتى أمر الله فلا تسـتعجلوه}[٢].
بُعث بالحق ليتلو على مكث كتابا وبيانا، قدوة ومعلما لجنسـه في جميع مسـتوياته. أُعطي الكتاب ومثله معه. أُنزل عليه الكتاب فأخذه بيمينه مدركا ما كُشـفَ له من غطاء عنه قام عليه وحجبه عن حقيته، فتحرر من حجابه بمجاهدته وتوفيق ربه، ضالا هُدي، ويتيما أُووِيَ، وفقيرا أُغني.
أُوتي الحكمة ومن أُوتي الحكمة فقد أُوتي خيرا كثيرا، فما غَنيَ إلا بالحكمة، لم تغره الدنيا قهرها، ولم تبطره الآخرة مَلكها، ولم تخدعه النعمة بذلها. لم تشـغله النعمة عن المنعم، ولا أطوار الخلقة عن الخالق، ولا معارج القدرة عن الضعف مع القادر.
أُعطي العزة ليكون عزيزا قادرا، فلم تبطره القدرة عن المزيد وعن طلب الأعز عبدا إليه ينسـب. عرفه كبيرا فقام عبدا للأكبر، وعرفه عاليا فقام عبدا للأعلى، وعرفه قديما فقام عبدا للأقدم، شـهده في صلة المؤمنين به ظلالا له مثالا لأنفسـهم ارتضوه، فقام بهم ربا بعثوه، وللأصغر والأضعف عبدا نسـبوه، وقد عرَّفه الرب خادما لا مخدوما، فكان المعلم حقا والمتعلم من الحق صدقا، فكشـف عن صفة العبد في الرب، وكشـف عن صفة الرب للعبد.
ظهر الرب خادما لا مخدوما… ظهر الرب عالما لا معلوما… ظهر الرب قادرا لا مقدورا، ووصف ذلك معلوما له لصفة الرب منه مضافا للأعلى عليه، هو له على ما هو للأدنى منه. عَرَفَ وعَرَّف السـيد خادم مسـوده. عَرَفَ وعَرَّف الرب قائم موجوده بعبده مما أوجد. وبشـر الخلق بقادم الحق لمعانيهم وجوها ناظرة للأعلى، عبادا له، ووجوها راعية للأدنى، أربابا منه يوم يكون لهم ما له برضاء الأعلى ينظرهم في متابعته إليه.
كان أول العباد… كان أول الرشـاد… كان أول السـداد… كان أول الإنسـان… كان أول العنوان… كان أول الحق… كان أول الخلق… كان أول القرب… كان أول البعد… أنهى الإنباء عن المنبـأ عنه، وبدأ الوصلة بالمبشـر به، لقي ربه في بشـريته عبدا يلاقي ربه في نفسـه وفي قلبه… عبدا يطرح وزره وذنبه… عبدا يخلع الدثار، ويسـفر وجها للمعروف، وجها للمنشـود، وجها للمعبود، عبدا عابدا لمشـهوده ومنشـوده ومعبوده حق موجوده… عبدا يرى وجه الله في الناس، ويُري وجه الله للناس. به جاء الحق وزهق الباطل… به جاء الحق لمن يطلب الحق… وبه يُزهَق الباطل لمن يحاول أن يزهق عن نفسـه الباطل… به جاء الرجاء… به لبى الله النداء… به ظهر لآدم العفو والعطاء وانقضى الحرمان… وبه قام رباط الولاء واسـتقبال الجزاء، {تمت كلمة ربك}[٣]. عبد ورب الله من ورائهما بإحاطته، فلا عبد ولا رب، ولكنه لا إلـه إلا الله يدخلها من تخلقوا بأخلاق الله، وتواجدوا في متابعة المتخلق بأخلاق الله في القيام بخلقه خلقا معلوما لهم، قائما بينهم رسـولا من أنفسـهم، متجددا بذاته في عداد ذواته، ومتجددا بخلقه في بيوت صفاته، تجدد وتعدد من قديمه نبأ بالإنباء. وتجدد وتعدد من معروفه ومشـهوده وموجوده أثرا وخبرا بالعلماء. آدم أوادم وحكيم حكماء.
أيها الخلق… الله خلقكم وما تصنعون. أيها الخالقين بما تصنعون لا تنسـوا أن لكم خالقا، ينشـدكم لتتخلقوا بخلقه فتكونوا أكرم الخالقين، يوم تتخلقوا بأخلاق أرحم الراحمين، وقد بعث بينكم برحمته رسـول رحمته وأول العابدين، وخاتم المنبئين، وما كان الخبر كاليقين. إذا سـألك عبـادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعين إذا دعـوني على ما يليق بدعوتي، على ما فعلت، وعلى ما أجبتك فأكونهم على ما كنتك. ألم ترَ {أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[٤]، {وضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك}[٥].
سـلهم هل رشـدوا فيَّ؟ وسـل نفسـك أنت عن جهدك بينهم باخعا نفسـك على آثارهم آبقين، وعن ندائك لآذانهم صامين وما كان نداؤك إلا ندائي، فارين من قربك وما كان قربك إلا قربي، كنودين عن حضرتك، {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما}[٦]، وكم قلت لهم ما عند الله خير من اللهو ومن التجـارة، وما عرفوا أن ما عندك إنما هو ما عند الله، وما عرفوا ما أنت وما أنت لهم إلا وجـه الله، وعين الله، عين الله السـاهرة، ويد الله الـهادية، وقدم الله المقاربة السـاعية، وهيكل الله لشـرف البشـرية، ولشـرف الإنسـانية، ولشـرف الإنسـان.
أمرنا أن تعلن وتسـفر وتقول جاءكم الحق بمجيئي يا من يطلبون جيئة الحق لا مكان له ولا زمان له، الذين عرفوا حق العبد فيه إن كل من في السـموات والأرض إلا ملاقيه، وما قامت السـموات والأرض إلا العبد فيه، وما ظهر بمعاني ظهوره إلا معاني العبد له، فما رأى فيه العبد إلا عبدا، وما كان الأعلى للأدنى قياما ورعاية ووصفًا إلا حقا على حق، وربا على رب، وإلـها على إلـه، فما ظهرت الحقيقة إلا في معاني العبد على العبد عزة بالله، وذلا لله في وحدانية العزيز والذليل لا تُطغى عزته عزيزا بها عبدَه، ولا تعطل الذلة له رحمة منه، أو وارد عزة به عزة تتزايد خالصة مغفورة، قرين ذلة متزايدة مرضية مأجورة.
جاءت رسـالة النبوة بنبأ ذلك ببشـريات موعودة على تعاقب حتى ختمت برسـالة العبودية، وتحقيق البشـرى بحجـر الزاوية للخلق والخالق. جاءت لنفاذ ما عنه أنبأت رسـالة الأنبيـاء عن النبأ العظيم، والعبد المقيم، والحـق الكليم المتكلم، عبد لا ينقطع من بعده العباد، رشـاد لا تحرم البشـرية من بعده أعلام الرشـاد، وجود لا ينقطع له منه به في البشـرية التواجد. به تتحقق نبوءات الأنبياء لمن تابع الأنبياء بإيمان وولاء، رسـول الفطرة وقائمها وكتابها، أول العابدين حقا، ربا وعبدا، ظاهرا وغيبا. إليه ينتهي السـبق من أزل الإنسـان، ومنه يبدأ اللحاق لأبد الإنسـان…
أول البيوت موضوعة… تمام الكلمات المدانية لبيت يذكر فيه اسـم الله موضوعا، جديدا لقديم بيت يذكر فيه اسـم الله مرفوعا. فما كان البيت الموضوع به ببعث معناه لمبناه إلا عين البيت المرفوع، بمعناه من عين عالم مبناه ذكر محدث هو عين الذكر القديم، ذكر هو عين المذكور، به قام ذكر الله في بيت الله موضوعا أو مرفوعا، فكان بحق عَلَم لا إلـه إلا الله عاليا مرفوعا، علم لا إلـه إلا الله حكيما عاقلا معقولا، وعلم لا إلـه إلا الله قائما موجودا فوق المعقول والمنقول.
هذا هو عبد الله الذي ظهر عبدا للرفيق الأعلى، وعبدا لله وصف الأعلى بمعنى الطريق المسـتقيم، ووصفه الأعلى قائم ودائم الطريق المسـتقيم، فكان ظاهر الطريق لباطن الطريق، كان ظاهر الحق لباطن الحق، كما كان باطن الحق لظاهر الحق كلما تكاثر أو تجدد بجديد بدء. كان الخلق والتخلق والعلم والمعلم بظاهره وباطنـه. كان منشـود الخلق لوجه الخالق، يظهر لهم من أنفسـهم، في أنفسـهم، لأنفسـهم، بأنفسـهم، ظهورا لكتـاب علمه في ظاهر قيامهم من باطن قيامهم بقيومهم لقيومه عليهم.
كان الله ولا شـيء معه، ثم خلق الخلق متجليا بهم وعلمهم عنهم محققا لهم، فعرفوه في قائمه على ما عليه كان، فمن عرف أنه مخلوق لخالق، وقـام به يقين الخالق لقيامه لمعاني دائم الخلق له، فرد الدين للدائن، فقام المخلوق بالخالق وجها له لا تعدد لهما في حصن لا إلـه إلا الله، انتهى وصف الخلق عنه، وزهق وصف الباطل له، فبعث بالحق فقام به الحق. وهذا ما يكون للمؤمن بالله ورسـوله يوم يتابع الرسـول أو ظلالـه متواصيا بالحق متواصيا بالصبر.
{قل جاء الحق}[٧]… فمن رأى في إنسـان الله وعبده جيئة الحق لا شـيء معه، فأضاف نفسـه إليه مسـتقبلا فيض نور الحيـاة منه فكان ظلا له، حقِّي الحق معلوما له ولا شـيء معه، وهذا ما عناه الرسـول بحديثه عن الله من أنه كان ولا شـيء معه وهو الآن على ما عليه كان.
هذه رسـالة أول العابدين، تابعه عليها عباد مشـوا على الأرض هونا، وسـالموا الناس، ودعوا الناس للأعلى، وعبَّدوا الناس للأعلى على أنفسـهم، وعبَّد لهم الأعلى الأدنى لقادم أنفسـهم من صنعهم، وآخى بينهم لقائم أنفسـهم وأحدية جمعهم. دين القيمة قوامين على الخلق باسـم الخالق، عبادٌ وجوه المعبود، أعلام عَلَمِ المعلوم بعالمه عين معلومه، كتب علمه عرفوا أنه الحق لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية ولا يمحوه جحود، وأن المؤمن فيه من آمن به إيمانا بالحق لرسـوله، وإيمانا بقربه من نفسـه، وإيمانا بعظمته لا تحاط ولا تدرك، فعرفه عبدا شـرف أن كانه وأن يكونه، فأشـهره في دائم قيام العبد له، وحرص على وصف العبد له في كل معارجه بقيامه محلا لله ورسـوله، ووجها لهما بدءا من قيامه.
هذا هو دين الإسـلام… هذا هو دين الفطرة… هذا هو دين السـلام… هذا هو دين السـلم… هذا هو جوهر الدين… هذا هو عماد الدين، لا تسـلم عُمد الدين إلا بركونها إلى هذا العماد.
هذا هو الحق… هذا هو التركيز… (لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله)[٨] يصلح مجتمعكم، لا تشـهدوا غير الله تسـتقيم طريقكم، لا يتجول العقل في غير الله يُنتفع بعلمكم، ويقوم ويرفع ويعلو علمكم. لا تتبعوا أهواءكم، ولا أهواء بعضكم البعض، ولكن ارجعوا إلى أعماقكم وضمائركم، (استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك)[٩]، {بل الإنسـان على نفسـه بصيرة}[١٠]، وإن كان الإنسـان أكثر شـيء جدلا، مجادلا مبديا معاذيره، فلا تقل إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتفون، فكم قالـها من قبلك الآباء في طريق انحدارهم، وفي هاوية تقاليدهم. حرر عقلك من عقول الآبـاء. وحرر عقلك من عقول من حولك. وحرر عقلك عن المنقول عن الآبـاء بمفهوم قومك، واعلم أن الله معك يراك ويسـمعك، وأنه يعلم السـر والنجـوى، وأنه أقرب إليك من حبل الوريد، فقم في تقواه، فمن اتقاه علمه مولاه، ولا تزعم لنفسـك معناه، فالعبودية لك نهاية المطاف، كما هي بداية الطواف.
إن كنت في الأرض فأنت عبده، وإن كنت في السـماء فأنت عبده، وإن كنت وجهه فأنت عبده، وإن كنت إلـها على من عنه احتجبت برحمة ربك لخدمته فأنت عبده، وإن كنت ربا لمن رعيت برحمته فأنت عبده، وإن كنت عبدا في حقيقتك لحقيقتك فما زلت عبد عبده، {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسـنون}[١١]، {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}[١٢]، من وراء كل شـيء بإحاطته، قيوم كل إنسـان بتواجده بخليقته، في خلقيته وفي حقيته، في بنائه وعبوديته. فما كان النبأ إلا الإنسـان، وما كان المنبأ عنه أو المنبئ إلا الإنسـان. وما كان المعلوم في الله من الله وعن الله إلا الإنسـان. وما كان المعلم في الله عن الله إلا الإنسـان. وما كان العارف بالله إلا الإنسـان. وما كان المعروف له إلا الإنسـان. وما كان كتاب العلم عن الله إلا الإنسـان. {وكل شـيء أحصيناه في إمام مبين}[١٣]، وكل شـيء أحصيناه في كتاب مبين. {الحـمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب}[١٤]، جعله كتابا، ومثله معه، ولم يجعل له عوجا، وجعله قيما على نفسـه بقيامه على النـاس بمن هو عليه قائم، وبه فاعل، وعليه قيم، جعله شـهادة لا إلـه إلا الله، يوم يشـهد الناس أن محمدا رسـول الله، فيعلمونه الحق من الله، فيقومون لا إلـه إلا الله، على قائم لا إلـه إلا الله، في قيامهم إنسـان على إنسـان إلى إنسـان في الله ذي المعارج.
إذا شـهدوا لا إلـه إلا الله شـهدوا بها محمدا رسـول الله، وإذا شـهدوا محمدا رسـول الله شـهدوا به لا إلـه إلا الله.
هذا هو خاتم وطابع وخُلق وخَلق النبيين. هذا هو الحق من الله، وأول العابدين، ما زالت البشـرية مفتقرة إليه، وسـتبقى البشـرية مفتقرة إليه، وما كانت البشـرية في يوم من الأيام غير مفتقرة إليه، وما غاب عن البشـرية يوما فهو عبد الرحمن دائما. الراحمون والمرحومون ظلالـه، هو عبد الإلـه دائما والآلـهة وجوهه ومثالـه، هو عبد مطلق الله، من كان الناس عباده في ربوبيتهم وألوهيتهم بكسـب أحوالـه.
عبد وأي عبد، به قُدِر الله حق قدره، وبه عُرِف الله حق معرفته، وبه عَرف الناس عن أنفسـهم في الله، فعرفوا عن الله، إحاطة أنفسـهم وقائم وقيوم حيـاتهم.
لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله، وعبد الله، ووجه الله، والحق من الله.
اللهم يا من جعلت من محمد آدما وخلقا… اللهم يا من جعلت من محمد إنسـانا وحقا… اللهم يا من جعلت من محمد كلمة قائمة بك على كلمات تتواجد لك… اللهم يا من جعلت في مشـيئة الناس مشـيئتك، وجعلت في رضاء الناس رضاءك، وبشـرت برضوان أكبر، وبمشـيئة أدرك، وبإرادة أقدر، وبقدرة أكبر، وبقيام أوسـع لمن تابع محمدا، فكان عينه، وجلبابا له، ارتقى به إلى الأعلى، رفيقا يُنشـد، وسـماءً تقصد، وحقا يُطلب، وطورا يقوم، بدأه رسـول الله يوم طلب - وهو الرفيق الأعلى لنا - الرفيق الأعلى له ليكون بجواره حتى يُخلي مكانه لمن أراده فكانه، تخلقا بأخلاق ربه خلقا لله وقانونا للفطرة، فيسـتخلفه الأعلى فيخلي له، وقد أراده فكانه، مجلسـه ومكانه إلى أعـلى، فأعلى، فيتابعه رفيقا له، ويطول بنا إسـناد عنعنة حتى إلى الذات الأعلى، أو الذات الأقدس، أو إلى الذات، فبالأعـلى في الأعلى يدرك الأدنى معنى الأعلى بقيام عين معناه يوم يدرك علميته على الأعلى لا تنقطع. وهذا هو المراد بالمقام المحمـود يسـفر به الرسـول يوما لمن كانه.
اللهم يا من جعلت من محمد لنا حقا لمعانينا، وحيـاةً لمبانينا… اللهم به فأحينا، وفيه فأحينا، حيـاة حيـاتنا، وبنـاء مبانينـا، هو الأعلى، وهو الأدنى، في معانينا وفي مبانينا، وفي تدانينا ومراقينا، منا يتواجد بتدانيه لمبانيه، وبنا يتصاعد لعلي معانيه ومراقيه، علم لا إلـه إلا الله، وشـعارها، وقائمها، وقيامها، وقيومها، إنسـان الله، وعبد الله، وربا للعالمين رحمة بالعالمين من الرحمن الرحيم.
اللهم اجعلنا في إنسـانه، من إنسـانه، لإنسـانه، عباد عبوديته، وحقائق حقيته، ومراقي رقيه، ومشـاهد طلعته، ووجوه حضرته، وأهل عليائه، في قائم جنته أوادم جدته في عوالم خليقتك لحقيقته.
اللهم به فارحمنا… اللهم به فاسـترنا… اللهم به فوفقنا… اللهم به فيسـر أمورنا… اللهم به فولِ أمورنا خيـارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا ردا لأعمالنا علينا… اللهم به فاكشـف حجاب الغفلة عنا… اللهم به فاكشـف الظلمة عن أنفسـنا وعن أرضنا، وعن قيامنا… اللهم به فأنزل السـكينة على قلوبنا والسـلم والسـلام على أرضنا… اللهم به فألف بين القلوب… اللهم به فاغفر هذا الركـام من الذنوب… اللهم به فاسـتر منا العيوب… اللهم به فارزقنـا… اللهم به فاحكم أمرنا، لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين. لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله.
أضواء على الطريق
(من حكم القوم من المسـلمين):
قل للورى فلينتهواعن قولهم أنا أنت هو
ما ثـم إلا واحــدمنه لـه المتوجـــه
فهو المشـبه والمنزهشـبهوا أو نزهــــوا.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة هود - ١١٠ , سورة يونس - ١٩ , سورة فصلت - ٤٥ ↩︎
سورة النحل - ١ ↩︎
سورة الأنعام - ١١٥ ↩︎
سورة الرعد - ٤١ ↩︎
سورة الشرح - ٢-٣ ↩︎
سورة الجمعة - ١١ ↩︎
سورة سبأ- ٤٩ ↩︎
استلهاما من {ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎
من الحديث الشريف “استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.” أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي. ↩︎
سورة القيامة -١٤ ↩︎
سورة النحل - ١٢٨ ↩︎
سورة الانعام - ١٠٣ ↩︎
سورة يس - ١٢ ↩︎
سورة الكهف - ١ ↩︎