(٣)

ليس الذاكر غير المذكور
ولا العارف غير المعروف
هدي الكتاب واستقامة الطريق
ويقين الإيمان

حديث الجمعة

٢ رمضان ١٣٨٣ هـ - ١٧ يناير ١٩٦٤ م

معنى الله… لاسـم الله… هو المقصود عند ذاكر الله… ذاكرًا له وحده لا شـريك له. له الملك، وله الحمد، وهو على كل شـيء قدير، وبكل شـيء بصير.

هو له المحمود… والحامد… والأحمد… والمحمد… والحمد. هو له الموجود… والموجِد… والوجود.

لا وجود لغيره عنده… ولا يتواجد فيه غيره… ولا يطلبه غيره… ولا يتعارف إلى غيره، فليس ثمة غيره.

الكل فيه، لا ينحصر كله في عين جزئه، ولا ينحصر دهره في ظهوره لعصره، ولا تنحصر ذاته في وجهٍ لذاته. ولا يحيطه مكانه في لانهائي مكانيته. المكان والزمان صفات فيه، والإيجاد والتواجـد أفعال له. هو المعنى وما يُعنى، هو ما يوعى لمن يعي، والوعي لمن وعى، هو مَن وعى وما وعى. كل ذلك معانٍ لقيامه في قيومه تدرك لاسـمه لقائمه…

جعل الإنسـان معناها، وبه عناها، وبها عناه. فما كان العبد فيه غير مولاه، وما كان الخلق في عزلةٍ عمن خلق. وما كان الوجود في أوصافه وفي شـهوده غير تعبير عمن أوجد، وما أوجـد ما أوجد إلا وجود باطن الوجود لما أوجد، إلى أزل لا بدء له في دائم فعل لا انتهاء له. {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}[١]، {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين}[٢].

إن العلم بالله، والعلم عن الله، والعلم بمعنى الله، إن الله العلم… والله الوجود… والله التواجد… والله الأزل… والله الأبد… والله القيام. وإدراك ذلك، والتدريك به، والعمل لتحقيقه، والقيام فيه، هو الدين.

إدراكه هو الإيمان، وتدريكه هو الرسـالة، والقيام فيه هو الاسـتقامة، والحيـاة به هو الطريق، والتطور في معراجه هو الحقيقة، ومواصلته هو الرقي والسـلوك، والرضاء والقناعة به هو الرضوان والجنة، والبعد عنه هو الكفر والمقت، والـهلاك، والعدم، والجحيم.

جاءت الرسـل في تاريخ الجنس ببدء معلوم، وبسـبق غير معلوم، ونُسـِخَت الآيات بعد الآيات، بإنسـانية الرسـالة، الرسـول بعد الرسـول، والرجل بعد الرجل، حتى توجها المصطفى لمعاني العبد لله، عبدًا لله وحقا، وبذلك توجها الحق عبدا، هو حق العبودية، وهو عين الربوبية ووجه الألوهية.

أظهره الغيب ليكون عَلَما على الغيب… أظهره اللامعقول ليكون العقل عاقلا للامعقول بمعقوله، بعقل معلومه ومجهوله… أظهره ليكون قدوة للكافة، لجنس الإنسـان، لجنس البشـرية مقامـا، دابةً مشـت على الأرض بين دوابها، رسـولا من أنفسـهم جُعل فيه شَـرف الحـيوان بمواصلة الحيـاة لأنـاه، مبشَّـرا بكمال نعمة الإنسـان له لبهيمة الأنعام منه، بقيام ديمومة الحيـاة لمعناه قائما بالحيـاة، لنفسـه تتكاثر بقائم منه لقيوم له، قيوما بالحيـاة بمعناه على من رضيه لنفسـه، ممن آمن به إيمانا بربه ورسـوله إليه.

فكان الإيمان به هو الدين، والاجتماع عليه هو المعرفة، والقيام به هو اليقين والنجاة، قياما متكاثرا بحيوان ذاته، متحليا بدوام صفاته، ظَهرًا امتطته روحه للظهور بين دواب الأرض لقَدم الإنسـان عليها.

كان الإيمان به رسـولا للفطرة هو الإيمان بالله ورسـوله، يوم يكون المؤمن في مقام المرسَـل إليه، اسـتقبل الرسـول إليه من المـُرسِـل غيبا عليه، وشـهادة بالوجود إليه في موجود نفسـه وغيب نفسـه، فكان الرسـول عنده القيوم على نفسـه لظاهر وقائم نفسـه، وكان الله على نفسـه باطن الرسـول لباطن نفسـه به على ما كان رب الرسـول به وعليه من الأعلى رسـولا ومرسـله، نزلة وأخـرى لشـديد القوى من الرفيق الأعلى من الغيب بشـهادة لرسـول إلى الأزل.

فكان الرسـول للمؤمن أمر الله، بينه وبين ربه، وبينه وبين نفسـه. وكان هو بين الرسـول وربه بين يدي رحمة الله. وكان ربه بينه وبين الرسـول حائلا بينهما ما احتجب الرسـول عليه بفتنة نفسـه، أو ظاهرا بهما مظاهرا لهما ما أوثق الصلة بينهما بحبه.

إن الإنسـان مُرسَـلا إليه، والرسـول إليه، والمرسـِل إليه، حق واحد، وحقية واحدة… وحضرة واحدة… وقيام واحد… وعبد ورب واحد… وأحد واحد، وواحد أحد لا موجود فيه لغيره، أحدية وجود، وأحدية شـهود، وأحدية حيـاة. وهو ما يظهر بوضوح في الرسـالة الروحية بالوسـيط الفطري مع الروح المهيمن والروح المرشـد له.

إن الجدل في الله لا يقوم على حق، ولا يكون له أثر بحق عند المتناجين في الله، ما لم يقم على أسـاس من عِلم، وهدى، وكتاب منير، علم يُعلمه الله. (عِلمَنا عن الله نأخذهوغيرنا ما قالـه السـلف)[٣]. {واتقوا الله ويعلمكم الله}[٤]، {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}[٥].

هكذا يقول من قال فيهم ربهم آتيناهم من لدنا رحمة، وعلمناهم من لدنا عِلما. وهم من يدعـو خلقه لصحبتهم بقوله {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٦]، (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٧]، فليس بعالم من لم يرحَم، وليس بمرحوم من لم يعلم. والرحمة قبل العلم، والرحمة فوق العلم، والرحمة باب العلم، والعلم باب الرحمة، وهو فوق الرحمة وقبل الرحمة، عباد الرحمن هم الذين يمشـون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما، مَن آتاهم الله من لدنه رحمة وعلمهم من لدنه علما، ودعا الناس بما فيهم الأنبياء لمعرفتهم والاغتراف من فيض علمهم ورحمتهم.

إن الذي أخرج للناس عبده، فحمد نفسـه على فعله، والحمد له، والشـكر له، ما دامت النعماء له، {الحمد لله، الذي أنزل على عبده الكتاب}[٨]، الحمد لله الذي جعل من عبده ومصطفاه أول العابدين، ولم يجعل منه خاتم العابدين والمصطفين. الحمد لله الذي نسـخ النبوة عن الأرض رحمة للعالمين، وتعميما للصلة بخلقه ليحقق منهم عبادا له، ربا للعالمين فجعله خاتم النبيين، إعلاءً لشـأن الإنسـان، وتطويرا لشـأن هذا الحيوان، وارتفاعا ببهيمة الأنعام، ظهرا ومطية وقدما، لمقام الإنسـان، لمقام العبد للرحمن، سـدرة المنتهى لما يصل إليه العنوان من هياكل هذا القيام، وهذا البنيان، ناشـئة الليل، وإحاطة النور، حجابين لحقِّي الإنسـان.

جعل من محمد أول العابدين، وفتح به أبواب رحمته، وكنوز عطائه، وبحار الحيـاة، للواردين… للمفتقرين… للطالبين… للمتقين… للعالمين… عبادا لله يتتابعون لأول العابدين في حضرة حاضره وعبر السـنين. أعطي كوثر التكاثر بحق عبوديته بقيامه فيهم سـجودا لرب العالمين، يكسـبون وصف العبـد لله، بين المفرطـين، بين الغافلين، بين الجاهلين، بين المرتابين، بين الناقصين، لا يضرهم من ضل فهم المهتدون، ويخفضون جناح الذل من الرحمة للمؤمنين رسـالة الرحمة للرحمن الرحيم.

إنهم لربهم، على مقام الرب له لا يزاحمون. يترفعون بأنفسـهم عن الجهل ليزحزحوا ربهم عن عرشـه، ويجلسـوا مجلسـه بجهلهم باسـم بطشـه، أو يزحزحوا رسـوله، لم يرسـل إليهم باسـم المرسـلين، وباسـم أمانة الدين، وهم خلو من الدين، يشـوهون اسم الرحمن الرحيم، الخير، الكريم، لا يعذب أحدا، ولا يبطش بأحد، ولا يقهر أحدا، ولا يُحقِر أحدا، ولا يشـاركه شـيء، ولا يزاحمه على خلود كائن.

هو كل الأشـياء… هو كل الكائنات… هو كل الوجود… الواحد غير المـُـشَـارك، العابد لنفسـه في معبود نفسـه بعباد رشـاده. الإحاطة وراء ظاهره بوجوهه، الظاهر بوجوه إحاطته، يوم يحيط عبده بعبده بآحاد حقائقه، بمعاني العبد لمطلقه، أو كائنه بكائنه، أو أمره بأمره، أو قيامه بقيامه، أو مكانه بمكانه، أو زمانه بزمانه، بقانون فطرته على ما هي صبغته.

عرفه الناس في أنفسـهم يوم رأوه لا شـريك له من أنفسـهم، أو ممن يروا، أو مما يروا، فرأوا وجهه، منظورا منهم، وجـوها له، فيما ينظرون، ورأوا وجهه ناظرا إليهم، بكل من نظر إليهم، وبكل ما نظر إليهم وجوها لوجوه له.

عرفه عارفوه، اللطيف الخبير، القانون القدير، الوجود الكبير، عرفوه عِلمَا، في قيامهم معلوما، كتاب علمه، ويد قدرته، ووجه جمالـه، وقدم سـعيه، وعين بصيرته، وأُذن سـمعه، وبالغ شـمه، المـُعبِر بما يعبر به من الروح والناس، المـُلهِم فيما يُلهِم الروح والناس من مُلهِم من الروح والناس، رسـولا يوحى بإذنه ما يشـاء.

كان محمد أول عباد، وكانت رسـالته في تتابع أوليته، لا انقطاع لها بجديد على ما بشـر وبه وعد، كوثر الاسـتقامة بجنسـه لجنسـه، دوام العبد مظهرا لدوام الرب، يقوم ويتقلب في السـاجدين. كان خاتم النبيين بوصف قديمه في النبيين، وكان أول العابدين بوصف جديده للعابدين. وكان بقيام معنى عبده عبدًا لله قيوم نبوته، فكان بجديد أديمه يتجدد بتواصل بعث آدمه بدوامه وسـلامه.

فما أُرسـل الأنبياء بعلم إلا ممن أُوتي من لدنه رحمة، وعُلِّم من لدنه عِلمَا، من حضرة رسـالته من شـامل رحمته من الإنسـان، فكان الرسـول لله عبدا لقديم العبد فيه، قام بالإنباء حديثا عنه بمُحَدِثه. وقد جاء العبد الحق فيه بكوثره ليكون عطاء الرب لآدمه، بعثا بالحق، بمعاني تعدد وتكاثر العبد فيه، بأول العابدين فيه، كلمات لله تبدأ، وكلمات لله تتم.

فماذا فهم الناس فيمن جُعل قدوة للناس، وأُرسـل كافة للناس، وبُشِّـر به كافة الناس ليكونوا عينه ومعناه ما باختيارهم إلى ربه تابعوه وعلى أنفسـهم بايعوه؟ ولكن الناس بحماقتهم، وبجهلهم، وبجامد أنانيتهم، وبكزهم على باطل قيامهم، وبحرصهم على موقوت أوانيهم للحيـاة ما ملكوها ولا كانوها، أرادوا بفعلهم، وبخُلِقهم، لا بل وبألسـنتهم، أن يزحزحوا العبد وربه عن مكانتهم ليجلسـوا على عرش الوجـود باسـمهم، فيرونهم هم المذكور في ذكرهم أنفسـهم، أو ذكرهم لبعضهم البعض بأهوائهم، راغبين عن أقباس نوره بينهم، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون.

وآخرون من الناس طلبوا الحق يطلبهم، فداناهم فنسـوا الرسـول وأدب الرسـول لقيامهم ومعناهم، متجـاوزينه إلى نفوسـهم بوصف مولاهم، فمنهم من يقول (ما في الجبة إلا الله)[٩]، وآخـر يقول (سـبحاني ما أعظم شـأني)[١٠]. ذكـر الجبة وشـأن الجبة وهي معدوم الوجـود لمن بها ظهر وبفنائها ذكر. نعم سـبحان الله الذي نطق بسـبحانه في بناء من بنيانه. نعم، لا إلـه إلا الله، الحيـاة، وروح الحيـاة، وظاهر الحيـاة، وسـر الحيـاة، فما في جلابيب خلقه إلا الله، سـبحانه، نطق وهو الحيـاة، من إناء من أواني الحيـاة لأواني الحيـاة إعلاما عن الحيـاة في أوانيها لأوانيها، فما قامت رسـالة إلا بمبانيها لمبانيها تعريفا لها بالحيـاة فيها بمعانيها لمعانيها.

شـيء كرم بالحيـاة يوم يكرم بها، ويشـرف بقيامها في إنكاره على قيامه بغيرها… أو شـيء رجـيم في طريقه لفقدان الحيـاة، يوم طان، بشـيئه، لأناه، منكرا على أناه بالحيـاة حيـا بحيـاة الحي القيوم، من حيـاة مولاه، والرفيق الأعلى لمعناه. (إن الشـيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)[١١]، (ضيقوا مسـالك الشـيطان بالجوع والعطش)[١٢]. وإدراك ذلك أو القيام فيه هو أول المعراج وبداية السـلم. إنه أول الشـهادة للا إلـه إلا الله، بها يُشـهد محمد رسـول الله، وبشـهادته يعلم الله أكبر.

تسـاءلنا بيننا… كيف نحقق لأنفسـنا ذلك؟ فتوجهنا إلى غيب أنفسـنا شـهادة له مناجين، يا من أعطيت كل شـيء خلقه ثم هديت، يسـر لنا سـبيل خلق أنفسـنا واهدنا لما أردت بنا، فأجابنا من ضمائرنا: لكم في رسـول الله قدوة، ولكم في رسـول الله أسـوة، عَلَّمناه، فاسـألوه أن يعلمكم، واختبرناه، فاسـألوه أن يختبركم، إنه أولى بالمؤمنين من أنفسـهم.

تسـاءلنا بيننا… ما يكون الاقتداء به؟ وما يكون التأسـي معه؟ فهيأ الله الأمر لنا بخبير من رحمته من بيننا من أنفسـنا عيد غريبا، فظهر قريبا بإقامة الأمر به إلينا، فيه، نصحنا الله به نصيحة واحدة، وأمره أن ينصحنا على ما عرف نصيحة واحدة. أما نصيحة الله لنا صادقا هاديا، فقد كشـف لنا به قوله، {أتى أمر الله فلا تسـتعجلوه}[١٣]، أما ما أمره أن ينصحنا به فأمره لنا إلينا قديما بقوله {قل إنما أعظكم بواحدة}[١٤]. قل إنما آمركم، قل إنما أهديكم، قل إنما أُعلمكم واحدة، {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[١٥]، فبيّن الرسـول الحكمة بهديه (لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه)[١٦]، أي لنفعه اعتقاده، ففي هذا إنكار على نفسـه، وفي الإنكار على النفس كل الخير، {وما أبرئ نفسـي إن النفس لأمارة بالسـوء}[١٧]، (أعدى عدوك نفسـك التي بين جنبيك)[١٨].

فمع من نقوم مثنى؟ قال له قديما ودائما، قل لهم {قل جاء الحق وزهق الباطل}[١٩]، {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}[٢٠]، {قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٢١] {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}[٢٢]، ولك جعلناه، وقد أعطيناك الكوثر، {تقوم وتقلبك في السـاجدين}[٢٣].

فما كان المعنى بالقدوة في رسـالة رسـول الفطرة؟ ما كانت القدوة في رسـالة أول العابدين؟ ما كانت القدوة إلا أن يقوم الإنسـان في الله لله مثنى ذاتا وروحا، لا ييأس من روح الله، ولا يقنط من رحمة الله روحا لروحه، ولا يُغَّيب عن الأرض وعن بيئتها عباد الرحمن ذاتا لذاته، يمشـون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما.

ألم يقل لهم رسـول الرحمة، ودائم الرسـالة، وتمام الكلمة، (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٢٤]؟ ألم يقل لهم: (لا زالت طائفة من أُمتي قائمون على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم السـاعة)[٢٥]؟ ألم يقل لهم: (ما زال هذا العلم… ما زال هذا النور… ما زالت هذه المعرفة، يحمله أو يحملها عدول من هذه الأمة، طبقة بعد طبقة إلى أن تقوم السـاعة)[٢٦]؟

ألم يقل لهم كلمة الله وكليمه، وابن إنسـانه، ووجه عنوانه، وروح قيامه من قيامه مبشـرا بمن أعطي جوامـع الكلم، وقام وبعث روح قدس الله، أزلا وأبدا، دائم رسـالته ومعنى رسـوله، ألم يقل لهم (رسـول الله الذي يأتي من بعدي هو الذي يبقى معكم إلى يوم القيامة)[٢٧]؟ كيف هو رسـول الله إلى يوم القيامة؟ أيبقى بجلباب لا يبلى؟ أم بتسـجيلات في صحائف من ورق تتلى؟ بقصص في هزر يروى باسـم كتاب يقرأ في مزامير تغنى، في أنغام بصوت يشـجى تغلب على المعنى، فيطرب الناس بالصوت، ويقذفون بالمعنى.

يحرصون على قشـور الحديث الإلـهي ويقذفون بلبابه، وهم في قيامهم وفي معانيهم قشـور الكتاب ولبابه، {واتقون يا أولي الألباب}[٢٨]، {وفي أنفسـكم أفلا تبصرون}[٢٩]، (استفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك)[٣٠]، {بل الإنسـان على نفسـه بصيرة}[٣١]. لم يخاطب الله القوالب، وهو لا يسـأل القوالب.

فماذا يقدم القائمون على الدين باسـم دينهم بوصفهم أمناء دينهم وأُجراء خدمته، وفقهاء بلاغه؟ يقولون إن باب الاجتهاد قد قُفِل، وهم لا يعرفون ما هو الاجتهاد، وفيما الاجتهاد، ومتى الاجتهاد، وباب الاجتهاد في الإسـلام لم يفتـح لدوام قيام الصلة بمصدر التشـريع. فما اجتهد من المسـلمين إلا من جهل أو تجاهل خبراء الرحمة في عصره، أما علماء الإسـلام فما رأوا الاجتهاد إلا في ديانة الببغاوات، ينطقون كما نطق رسـول الله، ويقفون كما وقف رسـول الله، ويلبسـون كما لبس رسـول الله، فهم بذلك في نظر أنفسـهم يقتدون برسـول الله، وينقلون عن رسـول الله. يؤمنون بتمثال، ويقتدون بتمثال، ولا يعرفون شـيئا عما في قلب هذا التمثال من أسـرار المثال.

إن ما كان في قلب هذا المثال هو ما كان لهم ليكون في قلوبهم، أولي الألباب، جلباب للب، وقلوب لقلب، فقد كان بينهم جلبابا للب وقلبا لقلب، قدسـا لأقدس، وعليا لأعلى، رسـولا من أنفسـهم. فما كان الاقتداء أن يحاكوه في حركات البدن، ولكنهم ما عرفوه إلا بدنا، وما آمنوه إلا وثنا، وما تابعوه إلا نصبا، لنفسـهم ادعوه. حتى بيتا ما عرفوه، ولا نصبا ما أدركوه فطافوه، أو طرقوا بابه نصبا لبيت يذكر فيه اسم الله فدخلوه.

هؤلاء من باسـم الصحابة وصفتم، وتمثالا لأصحاب عرفتم، وباسـم السـلف الصالح ذكرتم، (من وقع نظرهم على الرسـول أو وقع نظره عليهم)[٣٢] كما عرّفتم، وبينهم وبين الصالح والطـالح ما ميزتم، والمنحرفين والمريدين لأنفسـكم اخترتم، وما كانوا إلا سـلفا طالحا. تألف قلوبهم فلم تأتلف، وخاطب عقولهم فلم تعترف، وأخضع نفوسـهم فلم تخشـع، وأشـبع نزواتهم بالمال، والجاه، والسـلطان، فلم تقنع، ولم تشـبع، ولم تخنع، ولم ترجع. فهم بحق، خلق ما أفلح، تركتم بينهم من أفلح، ومن بالله نطق، ومن بالنور امتد، ومن لمعاني القدوة جدد، ولمعاني العبد معه عدد، ولله سـجد فأسـجد، وخلطتم بينه وبين الحيوان من أمثال بينكم تتكاثر وتتعدد.

عليّ ومعاوية رضي الله عنهما!؟ ما أجمل الدين، ما أفدح الجهل، ما أظلم العقول، ما أقسـى النفوس، أفكل من مشـى بجوار رسـول الله، أو ألقى نظرة على رسـول الله، أو وقع نظر رسـول الله عليه بمعاني التمثال له والتمثال لرسـول الله، كان من أهل النجاة؟!

إن الذي وقع عليه نظر رسـول الله، بمعاني الحق من الله، بمعاني الحق لله، نعم نالته النجاة. ومن وقع نظره على رسـول الله، حقا لله، نعم فقد نالته النجاة، (من رآني فقد رآني حقا، فإن الشـيطان لا يتمثل بي)[٣٣].

إن المرتدين عن ديني هم من لا يتمثلون بي. إن الراجعين عن طريقي، وعن هديي، وعن تعاليمي، إنهم المرتدين عن متابعتي في جديدي بقيامي لا أغيب أبدا، أتلو كتابي على مكث بعترة هي صنو كتابي، وهي دائم قيامي، ودائم حجابي، ودائم حقي بينكم، الثقلان تركت، كتاب الله وعترتي، لا يفترقان أبدا، ما إن تمسـكتم بهما لا تضلون أبدا.

إن تمسـكتم بوهم الكتاب بعيدا عن عترتي، فالكتاب كما عرفكم عن نفسـه، يهدي به الله كثيرا، ويضل به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسـقين. وإن بعترتي تمسـكتم دون كتابي، فهذا ما لا أرتضيـه، فسـيكون من ذريتي نتن وغث، كما سـيكون منها كريم وطاهر وقيم، فمن قام كتابي، وقامه كتابي، وقام بكتابي، فعليكم به، هو عين قيامي.

عترتي بينكم هم دوام حديثي وكلامي، هم باب سـلامي في جديد قيامكم، بجديد قيامي. أتجدد كلما تجددتم، وأتقادم كلما تقادمتم. أتحدث بينكم لا ينقطع حديثي بعترتي، عباراتهم قلائد التحقيق لأهل المبـاني من أمتي، يبينون كتابي لأنه عين كتابهم، ويقومون حجابي لأنه عين حجابهم، ويهدون بهديي عين هديهم، لأني في قيامي عين قيامهم، ولأنهم قيامهم عين قيامي.

(وا شوقي إلى أحبابي، قوم يؤمنون بي ولم يروني)[٣٤]، وبإيمانهم يقوموني وأقومهم، فيروني في مرآة أنفسـهم. لهم من الله ما لي، نفاذ أمره، وقيـام قانون فطرته، قديم وجديد سـنته، جعل لي بهم بشـرا منكم الخلود بينكم، ودوام النبأ إليكم بما حجب عنكم، بهم أخلد بخلود بشـريتي في خالد بشـريتكم.

أقوم بما أودع فيَّ في السـاجدين، فأجدد لله سـجودي، وأواصل بين الخلق وجودي، واسـتمتع بشـهودي لموجدي وموجودي، فتعرفون ما أعرف، وتعلمون ما أعلم، (علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[٣٥]، يتواجدون بينكم في كثرة وبكل أرض وبكل أمة، عباد لأول عابدين تبعث على رأس كل قرن لتجدد أمور الدين الفطري الدائم القيام والدائم التجدد.

أُمِرت في يومي، وأنتم اليوم قومي، أن أخاطب الناس على قدر عقولهم، وهذا شـأني كلما بين الناس تواجدت، وها أنا أخاطبكم على قدر عقولكم: أُعطيت الكتاب ومثله معه، أعطيت ثلاثا من العلوم، عِلم أُمِرت بتبليغه، ومثله معه احتفظت به لنفسـي، علم لباطن ما بلغت، والمراد به والحكمة منه ومعنى الاختبار به، أمر قام بي في عين معناي، لقائم أناي، ولدائم مبناي، إلى أبدي معناي، بعثا بأزلي مولاي لمعناي، ما عرفني غير ربي. به عرفت ما معناي لي، لمعناي عندكم، وقد احتفظت به لنفسـي رحمة بكم هو لمن صارني وصرته. وأعطيت عِلما خيرت فيه، فاخترت له. فما بلغتكم بلغوه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. وما تخيرت له منكم فلتتخيروا له، ولا تظلموا الناس بمنع الحكمة عن أهلها منهم، ولا تظلموا الحكمة ببذلها لغير أهلها، حتى لا يُفتنوا أو يَفتنوا بها.

فما هي علوم الدين إذن؟ إن بين أيدينا القرآن، ومثله معه خفي علينا، والرسـول يقول لكل حرف من حروف القرآن، ظاهر وباطن، والكتـاب يقول أتوا به متشـابها، ويضرب الله الأمثال للناس. كما يقول هو نور لا يمسـه إلا المطهرون. فماذا عرفنا من دين الله؟ وعلى أي صورة ذكرنا دين الله؟ وكيف عاملنا دين الفطرة؟ وبأي لون تعاملنا مع الفطرة؟ هل حررنا أنفسـنا من ظلمات الآباء؟ هل حررنا أنفسـنا من ظلمات الأجواء؟ هل حررنا أنفسـنا من ظلمات أنفسـنا؟ هل ربطنا بين الثقلين من العترة والكتاب؟

جعل لنا في رسـول الله قدوة، وجعل لنا في معاملة الله مع، حقا من الحقائق، وخلقا من الخلائق، وعبدا من العباد، أول عابدين، لا خاتم لهم، وأول حقائق لا آخر لها، وصفة الخلائق، ما انقطع في الله خلق بوجود في أزل، ولا ينقطع لله وجود بخلق في تواجد بأبد. الخلق أزلي أبدي بوصف الخـالق بالأزلي والأبدي، العبد أزلي فيه أزلية المعبود به. إن الله فوق العبد والمعبود… إن الله قبل الأزل وبعد الأبد… إن الله هو العصر والدهر والقيام، وما قبل العصر والدهر والقيام، وما بعد ذلك… إن الله هو القائم وما قام عليه قائم… إن الله هو الحي، القيوم على الحيـاة بالحيـاة… وهذا معنى لا إلـه إلا الله.

أما أن الله جعل من إنسـان قائدا، أو رائدا، أو قدوة، أو محل تأسـي، فهذا هو أمر الدين عملا، بعد أمر الدين عِلما، وإعلاما، ورؤية الله عِلمَا وقياما. وهذا شـأن الله الصمد لا جديد فيه ولا غيرية له بآحاده.

إن القدوة إن عرف، وهو دائم الوجود والتواجد، واجتمع عليه المقتدي، كان من وصفه عنده: كلمة الله، واسـم الله، ووجه الله، {عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنا علما}[٣٦]. إن المقتدي يكسـب العلم باقتدائه، ويكتسـب الخلق، تقوم في مقتداه، في متابعته، وما متابعته إلا المحبة في الله. فالإيمان به عبدا لله عين الإيمان بالله قياما في الوجود. (إن لله عبادا إذا ذُكروا ذَُكر الله) [٣٧].

النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم، يوم يكون النبي محل اقتدائهم، وقائم قدوتهم، وذات محبتهم، وحق رضائهم، ورضوان أنفسـهم، فيمن هو من ورائه ومن ورائهم بإحاطته، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}[٣٨]، (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ومن نفسه التي بين جنبيه)[٣٩]. فهل تعطل كسـب الإيمان بتحكيمه، بغيبة ذاته أول العابدين؟ أم أن كسـب الإيمان لن يتعطل بقيامه، وتقلبه في السـاجدين، بعباد متلاحقين؟

لقد كان محمد، ذاتا وصفاتا، وقياما، وتكاثرا، رحمة للعالمين، مَثَّلها أول العابدين قديما، وأول عابدين بعثا بالقديم، ولم يكن نكبة على البشـرية فيكون آخر النبيين، أو خاتم العابدين. إن الذي أُرسـل رحمة للعالمين لا يصح أن يقال إنه خاتم النبيين، بمعنى حرمان البشـرية من النبيين، وإلا كان نكبة على البشـرية، لا رحمة للعالمين، وهو الذي يقول لكم (علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[٤٠]، فماذا فعلتم بأنبيائكم؟ قبلتم من كل ناهق، أو ناعق مثال النبوة، وأبوتم على كل ناطق باسـم الله لسـان الحـق من الله، وقلتم هؤلاء أهل المواجيد، هؤلاء القوم، هؤلاء أهل الخيال، نحن أهل السـنة، هؤلاء مجانين، وما كانوا بنعمة الله بمجانين.

وهؤلاء هم المسـلمون حقا، وهم الأنبياء حقا، وهم العباد حقا، وهم الحقائق حقا، وهم وجوه الله حقا، ولكن الناس أشـاحوا عنهم بوجوههم، وظاهروهم وأعطوهم أقفيتهم، وهم برحمة من الله، باخعي أنفسـهم وراءهم دون جـدوى، وما يزالون. {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة…}[٤١]، {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا}[٤٢].

إن من جعل الله منه قدوة، وهو في دوام في الخلق جاعل، تنصب عليه رحمات الله، كما يسـجلها تشـريعه في قوله، الله وملائكته يصلون على هـذا الإنسـان… على هذا النبي… على هذا الذي يحمل خبر الحق… على هذا الذي يتحدث بلسـان الحق… على هذا الذي يقوم في الناس عبدًا لله… على هذا الذي يقوم بين الخلق حقا من الله، إن الله وملائكته يصلون على عباده الذين حققوا معاني العبد لأنفسـهم، ومعاني العبد في الخلق تتكرر بلا انقطاع، {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور}[٤٣]، وجعل من القدوة صلاةً لله بالسـكينة، {وصلِ عليهم إن صلاتك سـكن لهم}[٤٤]، فالنبي يصلي على المؤمنين، لتكون صلاته سـكنا لهم، وسـكينة أنفسـهم، {الذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد [وهو الحق] من ربهم كفر عنهم سـيئاتهم وأصلح بالـهم}[٤٥]، (إن الله ينظر إلى قوم كفاتا وينظر إلى قوم من قلوب قوم آخرين)[٤٦].

إن الطاقة المطلقة في الله بلانهائي أزله في أبدي تواجداته بحقائقه، تنصب على مركز لها في الخلق على بؤرة من الخلق، على عبد من الخلق، لتمتد منه في الخلائق سـكينة للنفوس، ومحوا لظلامها، وذهابا بباطلها، وبعثا لأحسـن تقويم من خُلق إنسـان قويمها، في قديمها. وقد أخفى الله ظاهر هذا الإنسـان بين الخلق، ولم يُظهره، ولكنه يظهر به الكثيرين من عباد للرحمن يمشـون على الأرض هونا، كما يولي به الحكام الزمنيين تطبيقا لقوانين الجزاء من محصلة الفعل ورد الفعل ومداولة الأيام بين الناس، ويبدلهم ويبدل بهم، كما يغيرهم ويغير أحوالـهم ويغير بهم، أو ينزعهم عن سـلطانهم ويولي غيرهم. إنه يعمل في دولة الله مجندا لنفاذ إرادة الله ورسـوله، على ما هي به قائمة وبه ومنه مقامة، كلمة الله التامة المسـتخلفة أو المخلِّفة بها يملأ الله فراغ الوجود بالحيـاة، ويزيد في الخلق ما يشـاء روحا وذاتا متجسـدا.

إن الاقتداء، إن صح عند المقتَدِي، وإن صادف المقتدَى، أدرك به المقتدِي لنفسـه كل صفات المقتدَى، مما رضي من خلقه، وقام بنفسـه في نفسـه، بكل ما عَلِم المـُقتدَى، مما علّمه الله، أو علمه الرفيق الأعلى لمعنى مقتدَى.

فنحن نتحدث كالببغاوات بذكر السـلف الصالح والتابعين وتابع التابعين بإحسـان إلى يوم الدين، وما ذكرنا من سـلف صالح قط، وما أخذنا من تابع ومتابع متابِعا صدق مع متابَع وفق وتحقق. ولكن أخذنا دائما قشـور الأشـياء، وتوافه الأمور، وَردَ عن فلان (بال الرسـول واقفا على كناسـة قوم)[٤٧] وبذلك جاز لنا أن نتبول في الطريق وقوفا، ثم نعقب ونحلل ونفسـر ونسـتنتج من هذا الفعل ما يحلو لنا. وبذلك نشـغل الأذهان بتوافه الأمور جرف بها بعيدا عن جوهر الدين من أمر صلاح القلب وإحيـائه، وتحرير الروح وإنمائه، وتنوير العقل وإذكائه، وإشـعال النفس وإرضائه، وإصلاح الجمع وإعلائه.

هل الاقتداء بالرسـول يكون في حركات؟ ما أتاها الرسـول في ألوانها وصورها إلا ليجعل اليسـر للناس ولهـذه العقول الضيقة في آفاقها، إن الرسـول أحَب أن يذكره الناس في أنفسـهم، وأن يذكـروه في متابعتهم لفعله في أفعالـهم، أنهم يقتدون به لعل قلوبهم يوما ترق، ولعل قلوبهم بالحق يومًا تدق. (…عد نفسـك من الموتى تكن مؤمنا)[٤٨].

(دقات قلب المرء قائلة له إن الحيـاة دقائق وثواني)[٤٩]

فيحيون في صحبته مع أنفاسـهم وبكل أحوالـهم، فيتبين لهم أثر الصحبة في أنفسـهم، بتغيير ما بهم إلى ما به من أمر قلبه عن طريق محبة قالبه ذكروه، فكيف بهم إن هم في جديد لاقوه! …

فهل في أنفسـهم يبصرون؟ وهل في أنفسـهم أبصروا؟ إن الإسـلام يتجدد مع كل مسـلم صدق إسـلامه. (يبعث الله في هذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمور دينها)[٥٠]، على رأس كل قرن من حيـاة كل إنسـان… على رأس كل قرن من حيـاة كل عنوان… على رأس كل قرن من بدء كل بنيان. إن هذه الرسـالة بنبوتها وبقرآنها وبسـنتها تتجدد في دوام، ولذلك ارتضاها الله، ولو أَسِـنَت كالماء الآسـن ما ارتضاها الله، {ورضيت لكم الإسـلام دينا}[٥١]،{إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد}[٥٢]،{وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث}[٥٣]. لا تظنوا أننا من هذه الآيات أدركنا أو أننا من قراءة هذه العبارات عَلِمنا، لو وقفنا مع هذه الآيات وهذه العبارات لكنا على أمثال من ترون في هذه الجهالات.

لقد تحررت العقول منا، فتعثرنا، وكبونا، ثم وقفنا، واسـتيقظنا، ولكبوتنا عَلِمنا، فانعكسـنا إلى أنفسـنا متحررين، وصاحبنا كل من أعجبنا صدقه متابعين، وما زلنا، ولن نزال، كلما رأينا للحق في الخلق مثال، فكسـبنا يوم أدركنا، وكسـبنا يوم أنّا لعقولنا حررنا، وكسـبنا يوم أنّا لنفوسـنا قومنا، ولجوارحنا أعملنا، وما زلنا، وما إلى الحق وصلنا، لا ولا من ماء الحيـاة روينا، فكلما شـربنا عطشـنا، وكلما أدركنا… أدركنا في إدراكنا إدراك الجهل لنا، وكلما تحققنا، وحققنا، زدنا في طلب الحق لنا من الخلق حولنا، لا نطلب الله بعيدا عن خلقه، ولا نطلب الحق بعيدا عن حقائقه. إننا نرى الحق في المسـيء قبل المحسـن، وفي المخطئ قبل المصيب، وفي المظـلم قبل المشـرق، وفي الجاهل قبل العالم، نُقلب صحـائف كتابه في عوالم حجابه، فنعرف ما وراء هذه اللفائف، وما بين السـطور من هذه الصحائف، في كتاب نتلوه ونقرأه في دوام، ونرجو ألا نُحرم بتكاثر فيه على قيام به، على ما نحن قيام ونيام، وعلى ما الناس نيام وقيام، في أزل وأبد ودوام.

عَلَّم آدم الأسـماء كلها، وما تَعلَّم آدم أسمـاءً إلا كلمات الله، وما كانت كلمات الله إلا أبناؤه، وما أحاط بعلم عَلَّمه شَـرُفَ به على الملائكة، وعلى الجان، وعلى الكائنات، إلا بما عرف عن نفسـه يوم رآها بدء العبودية لرب له، ورأى هذه الكائنات موجودات فيه تواجدت منه به.

واضرب لهم مثل ابني آدم بالحق، فما كان آدم إلا عين الحق، يوم كان ولداه فيه حقا بالحق مثلا لألوان فعل الحق فيه، منه، إليه، بمقاربة أو بمباعدة.

إن الإنسـان ما حرص في دورة الحيـاة القائمة على أن يجد له قدوة هي قدوة رسـول الله، يشـهد فيـه أسـوة هي أسـوة رسـول الله، ينشـد به حقا هو حقائق الله، بعباد الرحمن يمشـون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما، كوثرا لرسـول الله ووجوها لله إلا بدَأ الحيـاة وركب سـفينة السـلامة والنجاة.

إن الله برحمته ولنشـر كلمته أبعد القدوة والأسـوة عن مقعد السـلطان وعن مقعد الملك في حيـاة البشـرية حتى الآن، ليجعل القدوة والأسـوة في متناول كل إنسـان، لأنه جعلها في عباد الرحمن الذين يمشـون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما، (رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره)[٥٤]، وما جعل السـلطان لرسـوله فترة قصيرة من الزمـان إلا ليكون بقدوته وأسـوته في رسـالته مثلا مرضيا للحاكم والمحكوم، كمال رسـالته وتمام البلاغ بنعمته.

أصر الناس على أنهم لا يرونها في الضعفاء من بينهم، ولكنهم يرونها في أهل السـلطان عليهم من حكامهم وأمرائهم، ويرون المنعم فيما فيه اختبر الناس، ولا ينشـدون النعمة في متناول أيديهم من يد المنعم بعباد للرحمن يمشـون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما. فجعلوا الدين جدلا وكلاما في خدمة أهل الطغيان من عالم هذا البنيان، يجادلون في الله بغير علم ويتبعون كل مريد من شـيطان. يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، يحرفون الكلم عن مواضعه، يتلون الكتاب وينسـون أنفسـهم، ولا عقل لهم.

هذا هو حال البشـرية الآن، سـواء في أهل هذه الملة أو في غيرها من الملل. جعلوا من الدين قصصا، وخيالات، وأوهام، ومناسـك، وتجسـدات للمعاني ما أنزل الله بها من سـلطان، سـواء المسـيحيين، أو المسـلمين، أو اليهود، أو البوذيين، أو البرهميين، أو كل من تقل الأرض اليوم ممن ينتسـبون إلى ملة أو إلى دين، إلا من رَحم الله، وقليل ما هم. ورحمة الله لا تغيب عن الأرض في أهل مِلـة من هذه الملل، بقيـام أُناس في هذه الجماعات على حق في إدراك، وعلى صدق في عمل.

فلا الـهندوكية وطوائفها تخلو من أهل الصدق، ولا المسـيحية تخلو من أهل الصدق، ولا المسـلمين يخلون بينهم من أهل الصدق. ولكن أهل الصدق في هذه الملل جميعا مغلوبون على أمرهم، مسـتضعفون في أقوامهم إلى أن يأتي نصر الله، وإن لله لنصره ينصر به هؤلاء المسـتضعفين يوما ما، لا ندري أقريبا أم بعيدا ما توعدون، ولكنه ما بين لمحة وأخرى أمر قد يكون. {ونريد أن نمن على الذين اسـتضعفوا}[٥٥].

إنه أمر السـاعة… إنه أمر الرسـالة الجديدة… إنه أمر تجديد رسـالة الفطرة… إنما هو أمر عودة الإسـلام غريبا على أهله، غريبا على الناس، غريبا على البشـرية، ولكن الله وعد أن يظهره على الدين كله، وهو الصـادق وهو القادر، وهو مظهره يوما على الدين كله. فيوم يظهره على الدين كله، فهذه هي السـاعة، يومئذ يجيبون الداعي لا عوج له، وخشـعت الأصوات للرحمن فلا تسـمع إلا همسـا، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. يوم يبدل الله الأرض غير الأرض والسـموات.

اللهم مالك الملك… اللهم واسـع الرحمة… اللهم معطيا بلا جز، وبلا حد… اللهم خالقا بلا وصف، قادرا بلا قيد… اللهم بعبدك ورسـولك فارحمنا… اللهم به فوفقنا… اللهم به فيسـر أمورنا… اللهم به فقوم إمكاننا وجوارحنا… اللهم به فحرر عقولنا وأنرها… اللهم به فأطلق أرواحنا وأمددها… اللهم به فأعلِ كلمتك، وانشـر في الناس أمرك وحقيقتك… اللهم به فتولَنا في الصغير والكبير من شـأننا… اللهم به فولِ أمرنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شـرارنا بما كسـبنا… اللهم به فعاملنا برحمتك وعافنا من غضبتك، وتجاوز عن سـيئاتنا، وعن إقامة عدلك فينا، وعاملنا بمغفرتك وعفوك يا أرحم الراحمين، وقوم أحوالنا حكاما ومحكومين، عبادا ورابين، روادا ومرودين، قوادا ومقودين، مجاهدين ومتابعين، يقظين وغافلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

بذاتي لذاتي لا لكم أنا ظـاهروما هذه الأكوان إلا مظاهــر

تقيدت والإطلاق وصفي لأننيعلى كل شـيء حين لا حين قادر

فمرتبة التقييد أظهرت رحمةومرتبة الإطلاق بالرحمة ســاتر

فهذي بمخلوق تسـمت وتلك بخالقوفي التحقيق للرائي أين التغاير.[٥٦]

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة يس - ٨١ ↩︎

  2. سورة الأنبياء - ١٠٤ ↩︎

  3. معنى تناقله الكثيرون من المتصوفة ومنهم الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية عن قول أبي يزيد البسطامي: “أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثني فلان وأين هو؟ قالوا: مات عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات.” ↩︎

  4. سورة البقرة - ٢٨٢ ↩︎

  5. سورة طه - ٥٠ ↩︎

  6. سورة الفرقان - ٥٩. ↩︎

  7. حديث شريف: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  8. سورة الكهف - ١ ↩︎

  9. مقولة شهيرة للحلاج. ↩︎

  10. مقولة لأبي يزيد البسطامي. ↩︎

  11. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الشـيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.” أخرجه مسلم والبخاري. وكذلك: “فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا ومنك يا رسول الله؟ قال ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.” أخرجه أحمد بلفظه، والترمذي والدارمي. باختلاف يسير. ↩︎

  12. حديث شريف ذكره الإمام الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” أن الرسول قال لعائشة: ضيقي مسالك الشيطان بالجوع. ↩︎

  13. سورة النحل - ١ ↩︎

  14. سورة سبأ- ٤٦ ↩︎

  15. سورة سبأ- ٤٦ ↩︎

  16. حديث مشهور. يوصف بأنه موضوع ولا أصل له. ويمكن فهمه من السياق. ↩︎

  17. سورة يوسف -٥٣ ↩︎

  18. حديث شريف. أخرجه البيهقي، كما أخرجه الطبراني بلفظ: “ليس عدوُّك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نوراً، أعدى عدوِّك نفسك التي بين جنبيك.” ↩︎

  19. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  20. سورة الفتح - ١٠ ↩︎

  21. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  22. سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎

  23. استلهاما من {الذي يراك حين تقوم. وتقلبك في الساجدين} سورة الشعراء – ٢١٨، ٢١٩ ↩︎

  24. تقول معظم كتب الأحاديث الشريفة إنه لم يثبت عن الرسول كحديث شريف ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  25. إشارة إلى حديث شريف أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. وعبارة “حتى تقوم الساعة”، من الحديث الشريف: “لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.” أخرجه الحاكم. ↩︎

  26. حديث شريف ذات صلة: “يحمِلُ هذا العِلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الجاهِلينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الغالينَ.” المحدث الإمام أحمد، أخرجه العقيلي وأبو نعيم والبيهقي باختلاف يسير. ↩︎

  27. استلهاما من الآيات: “وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَر لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ" (إنجيل يوحنا ١٤:١٦-١٨). ↩︎

  28. سورة البقرة-١٩٧ ↩︎

  29. سورة الذاريات - ٢١ ↩︎

  30. من الحديث الشريف “استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك.” أخرجه أحمد بن حنبل والدارمي. ↩︎

  31. سورة القيامة -١٤ ↩︎

  32. إشارة لتعريف الفقهاء عمن هو الصحابي. ↩︎

  33. حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎

  34. من الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد من حديث أبي جمعة - رضي الله عنه - قال: "تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، أحد منا خير منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك، قال: نعم، قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني. "رواه الدارمي وأحمد والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وإسناد الدارمي. ↩︎

  35. حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎

  36. سورة الكهف - ٦٥ ↩︎

  37. حديث شريف: الراوي: الحسن البصري. صحيح ابن ماجه. ↩︎

  38. سورة النساء -٦٥ ↩︎

  39. إشارة إلى الحديث الشريف: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ.” صحيح البخاري. "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. "متفق عليه. ↩︎

  40. حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎

  41. سورة الأنعام - ١٥٨ ↩︎

  42. سورة الانعام - ٩ ↩︎

  43. سورة الأحزاب - ٤٣ ↩︎

  44. سورة التوبة - ١٠٣ ↩︎

  45. سورة محمد – ٢ ↩︎

  46. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  47. حديث شريف في الصحيحين. ↩︎

  48. من حديث شريف أخرجه البخاري. (عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من الموتى تكن مؤمنًا). ↩︎

  49. من أبيات شعر لأحمد شوقي. ↩︎

  50. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داود والحاكم. ↩︎

  51. سورة المائدة - ٣ ↩︎

  52. سورة القصص - ٨٥ ↩︎

  53. سورة الإسراء - ١٠٦ ↩︎

  54. من حديث شريف: " رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ذِي طِمْرَيْنِ، تَنْبُو عنه أَعْيُنُ الناسِ، لو أَقْسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّهُ". خرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، وأصله في صحيح البخاري ومسلم بنحوه. ↩︎

  55. سورة القصص - ٥ ↩︎

  56. من ديوان الشاعر العثماني عبد الغني النابلسي (١٦٤٠ – ١٧٣١ م) ↩︎