(١٨)

الإنسان بمعانيه لمبانيه
هيكل ونوافذه لطائفيه
وبيت وأبوابه لساكنيه
لا يدخله إلا من كان فيه
ولا يطوفه إلا من تواجد لمراقيه

٨ جمادى الآخرة ١٣٨٣ هـ - ٢٥ أكتوبر ١٩٦٣ م

ن والقلم وما يسطرون.

من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.

ووجدوا ما عملوا حاضرا… كفى بنفسك عليك حسيبا، يوم تفيق من سكرتك، أو تستيقظ من رقدتك.

ما كان الإنسان إلا عمله بمن أعطى كل شيء خلقه ثم هدى فطرة وصبغة.

صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، فطرة الحياة لا إله إلا هو الحي القيوم، الواحد اللانهائي، الأحد الفرد الواسع الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ما ظهر في شيء مثل ظهوره في الإنسان للإنسان بالإنسان هو الوالد والولد والروح والجسد.

اللهم انشلنا بمنتك من أوحال التوحيد إلى فضاء التفريد المنزه عن الإطلاق وعن التقييد، وأدخلنا برحمتك في حصن لا إله إلا الله، وقمنا بعليمك مؤمنين أسماءً لله، وكلمات منك، ووجوها لك.

عباد الله… آمنوا بالله، واتقوا الله الذي به آمنتم معية قيامكم وقيوم حياتكم، واجعلوا عقائدكم في خلقه أزليا أبديا سرمديا، فانظروه فيما تنظرون، وقوموه فيما تقومون، وتأملوكم في أي عالم أنتم كائنون، ومن أي عالم تجيئون، وإلى أي عالم ترحلون، وتنبهوا إلى ما تسطرون بما تكسبون من عمل قلوبكم، وأنتم ببصائركم له مدركون، وبجوارحكم لأمره عليه قادرون فيما أنتم فيه قائمون أو تقومون، وقلوبكم معكم تحملون ولا تملكون.

أنتم الناس، وعالم الناس، ومظهر الناس، وقائم الناس، وتواجد الناس، وقديم الناس، وقادم الناس، خلق السماوات والأرض كبير خلقكم وأنتم من السماوات والأرض صغير خلقها.

أنتم بأرضكم وعالمكم في هذه الحضرة من الأسماء للوجود وواجب الوجود… أنتم في هذا الطور من الوجود والتواجد أمة وسطا من عوالم في كائنات من رجال بأشياء من أشباح بوصف رجال من الإنس، ورجال من الجن، ورجال من الملك، ورجال من الروح، ورجال من الحق، في صعيد واحد، وفي عالم واحد من حيث مظاهركم في جلباب الأرض. إن هذا العالم إنما هو عالم ما قبل الحياة لأهله، وعالم ما بعد الحياة لرسله، وأن الدار الآخرة من بعده ومن قبله لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.

إنكم في عالم هو عالم حضرة أمر الله وحضرة علم الله، هو عالم كتاب الله، وأم الكتاب، كل شيء في كتابه أحصاه في إمام مبين، لا يغيب عن قطيعة من العالمين.

أنتم في عالم ما قبل الخلق… أنتم في عالم أمانة الله، أشفقت منها السموات والأرض وحملها الإنسان ليكون عن الله العنوان، وله الذكر، ولسان البيان.

فمن آمن بالله لا يعزب عن علمه، ولا ينفصل عن وجوده مثقال حبة من خردل في السموات أو في الأرض، واعتقد خلق الله على ما يقوم وعلى ما يرى محلا لبروز حكمته، وسفور طلعته، وكشف كنزيته بأمانة ذكره في خلقه، فقد وحد الله وأسلم لرسول الله.

من تأمل ذلك فحرص على معناه، وكتب بقلم القدرة بذاته صفحات حياته في عالم الحياة، فقد سلك سبيل الرشاد والنجاة، فخلق بعمله وإرادته لدائم معناه وجوده وأناه، وبذلك كان بعمله يقوم ويتواجد بأناه ومعناه في عالم الحياة بدءا من عالم الكتاب بإرادته بدأه فأبداه، فعرفه اليوم ن في وجوده كائنا حيا نفسه حوت (حوتا) سابحا في موجود معبوده، بعين معناه لوجوده، وعرفه قلم قدرة الله الذي خط في عوالم الحياة كتابه لمعناه، وطريقه لمبناه، وقسطه من سعادته وشقوته في دناه، راضيا عن مولاه برضائه عنه في عطائه رضاءً بقضائه حلوه ومره. من عرف ذلك لنفسه فقد سلك سبيل الحياة بحاضره لقادمه بعثا لقديمه في أحسن تقويم.

الناس… بمعانيهم بمعنى الناس، بين يدي قدرته بين الآلهة والشياطين لقادم معناهم بقائم مبناهم أقلام قُدرته، يفعلون الخير كما يفعلون الشر، لا يضرهم الشر يوم آمنوهم وقد آمنوه في كل شيء بعلمه وحكمته. ولا يطغيهم الخير وقد آمنوه الخير فيما أجرى بهم من خير، فعرفوه وراء مظاهر الشر بتدبيره وبحكمته، {فضُرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب}[١]، وقد عرضهم لاختباره وفتنته إذ جانبوه مطلوبا لهم إلى طلب نعمته أو الخلاص من نقمته، فحفوا النار بما تشتهي نفوسهم، وحفوا الجنة بما تكره عقولهم.

إن من عرف الله فطلبه فآمن بالله في نفسه عبدا له، فطلب مرشده من خلقه اعتقادا في رسوله إماما له فأحبه وارتضاه في معناه وفي مبناه وفيما حوله، مشاهدا الله به من ورائه بإحاطته، ومن وراء الخلق بوجوه حكمته، قائما بالخلق رسولا برسالته، فاعتقد الناس بما يليق بالله، واعتقد نفسه بما يصح لها، واعتقد الوجود بما يليق بحكمة الموجد له مؤمنا به ظاهر التعريف عن غيبه، وجها لمعاني الأقدس لقدسه وتعريفا بظاهره لباطنه، قياما لله، فاتقى الله، وذكر الله في نفسه تضرعا وخيفة، ودون الجهر من القول بالغدو والآصال، ولم يكن من الغافلين، فقد استقامت طريقه، ورأى الله معه أينما كان، وكيفما كان، في كل حال، وفي كل مكان، في أي وقت، وفي أي زمان، فعرف الناس على ما يليق بالناس…

رآه ربا راعيا له في ليله وفي نهاره، رآه في حركته وفي سكونه، رآه في غفلته عنه وفي يقظته منه، نسي نفسه فذكر ربه، وتذكر نفسه فغفل عن ربه، وعرف الظلام والشرك في غفلته، وعرف الرشاد والوحدانية في يقظته، فكلما استيقظ ذاكرا ربه بذاته ناسيا نفسه بصفاته سأل الله لأقرب من هذا رشدا، متذكرا بالله له الله أكبر عليه، من فوقه مُظِله، ومن تحته مُقِله، ومن حوله حافظه، ومن داخله مرشده ومعرفه، فقال لا إله إلا الله موقنا بها قلبه، مشرقا بها عقله، متزكية بها نفسه، مدركا لما حمل إليه من كله رسولا لكله…

تلقى بأذن واعية يوم أعلمه منبئا، {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}[٢]، ما كان لبشر أن يكلمه الله بمعاني الغير معه إن كان له مقام البشرية به فيه، وقد خلقه لنفسه، وصنعه لعينه، وكيفه وصوره بيديه، ولم يخرجه بعيدا عن ناظريه، ولم يفرغ بعد من إقامته لعين شهادته. إنه إن كلمه فإنما يكلمه من أعماقه من صميم قلبه بقيام أنانيته لنفسه بمعناه لاسمه ومعناه، يصحو ضميره لعينه بقلبه ولبه ليشهده عينيته له، ووحدانيته به، يوحي إليه كما يوحي منه ويجعل منه الوحي له، وإن حدثه من محيطه محيطا به فقد حدثه من الأعلى رفيقا فسمعه بكله لا بلفظ ولا بصوت بل المعنى قائم في قيامه والصوت ظاهر في جنانه.

إنه لا يتلاقى الحق يوم يتلاقى في وحدانيته في معاني التعدد معه بعبد ورب، بل يتلاقى الإنسان به فيه مع عين معناه يوم يصبح وجها لمولاه يشهد وجها لمولاه ما زاغ البصر وما طغى، أو يوم يشهد بمبناه رفيقا أعلى لمعناه ما كذب الفؤاد ما رأى. أما الأحدية الكبرى للانهائي فلا سبيل إلى لقاء معها، ولكن السبيل إليها في العلم بها عنها، ويقين العلم بها في كشف غطاء الخلق عن قائم الحق بها في معارج الرشاد بها عنها في مراقي الإنسان في كماله إلى الأكمل.

فما كان في تعبير رسول الله عن وعيه، ولا في حديث الله منه بأمره إذ يقول {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}[٣] أي إهانة للبشرية، فلا هوان لها عنده وهي التي خصها بأمانة ذكره، وشرف القيام باسمه قائما على كل نفس، ومن وراء كل نفس بإحاطته أقرب إلى كل نفس من حبل الوريد، قائما عليها ومعها أينما كانت، فلا تظنوا بالله ظن السوء، ولا تظنوا بالله الظنون، وقد جعل أمره معكم وأمركم فيه عند ظنكم به، إن خيرا فخير فهو الخير فيكم أخيارا وبكم خيرين، وإن شرا فشر فهو الشر بكم أشرارا وبفعلكم شريرين ، {أرسلنا الشياطين على الكافرين، تؤزهم أزا}[٤].

فأنتم الناس، أنتم البشر، بين الآلهة والشياطين، ومع أنفسكم، فإن تغلفتم بأنفسكم بعيدين عن أعماقها وما خلقت له، أغلقتم أبوابكم ومنعتم داركم عن الآلهة، وعن الشياطين، وقمتم في أنفسكم بأنفسكم على ما تعلمون، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، غير معانين من آلهة إلا مما فيكم من رحمته، وغير مفتونين من شياطين إلا شياطين معانيكم في معاني قيامكم من مادة الحياة، من مادة الكون، من مادة الوجود، من ظلام الحياة، من ظلام الوجود. (إن الشـيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)[٥]، بطبيعة الإنسان، فهو بطبيعة قيامه ليس غريبا عن الشيطان، وليس الشيطان غريبا عنه، كما أن الله برحمته أقرب إليه من حبل الوريد، فهو ليس غريبا عن الرحمن، وليس الرحمن غريبا عنه، وهو في أمر نفسه بالأمرين، ومن الأمرين، فهو أمر قائم بذاته، ليس غريبا عن الله، وليس الله غريبا عنه، فماذا يفعل الناس في أمرهم، بين الآلهة والشياطين لأمر أنفسهم؟ لا إكراه في الدين من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

إن المتأمل الحكيم… إن اليقظ العليم… إن المجرب الخبير… يرى الناس في هذا الأمر ثلاث فرق، منهم من يحاول أن يغلق داره دون ما حوله من الآلهة والشياطين، قياما واكتفاءً بما فيه من ألوهيته وشيطنة لمعناه ولمبناه، منشغلا متأملا في أمر نفسه، مستقيما أو متعثرا في طريقه في حدود توفيق الفطرة له واختباره فيه، وهذا فريق من الناس الحرب فيه بين نفسه وشيطانه وبين نفسه ورحمانه، والعقل في عون أحدهما بما فيه من قدس الإرادة، والحرب مشعلة سجالا بينهما ما قام في هذا الطور من الحياة حتى تتغلب الرحمة بإشراق عقله وبسط سلطانه، فيتخلى الشيطان منه عن سلطانه عليه إلى جديد له به فيملكه ويخضعه بفعل رحمانه، فيصبح مسلما بشيطانه لربه لرحمانه في نفس عنوانه بجماعه لمعنى إنسانه، أو يتعثر في طريقه حتى يتخلى عنه رحمانه لغلبة شيطانه، فيتخلى عنه رحمانه إلى قديمه من أمره بعيدا عن جديده لأمره، فيتغلب الشيطان على إناء معناه لمعناه باسمه لمبناه، فتصبح هذه الكرة من الحياة خاسرة بالنسبة لرحمانه في قديمه في أحسن تقويم. وهذا حال فريق من الناس، بها يصبحون أسماء للشيطان وجندا لإبليس، وهؤلاء قوم يجادلون في الله بغير علم، ويتبع كل شيطان مريد، {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد}[٦]، فالرفيق الأعلى من الشيطان مقامهم المحمود عندهم لمعاني الإحسان.

وفريق من الناس لا يعرف الحق ولا يعرف أهله، ولا يعرف الباطل ولا يعرف أهله، ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وكلما طرقه طارق من غيب عن مبناه لحاضره فتح له أبواب داره بلا تمييز منه بين آلهة وشياطين، فتقاربه الآلهة برحمتها الشاملة ولكنها لا تدخل داره لأنه لم يعدها لها، فإن تخلت عنه يائسة منه فأحاطت به الشياطين تفتحت لها أبوابه ميسرة لها بغفلته، فدخلته واحتلته باسم الآلهة والرحامين، وهو لا يميز بين الشيطان والرحمن لأنه لا يعرف الحق فيعرف أهله، فيبلس في أمر نفسه لقائمها وقادمها، فينطلق منه ما للرحمن فيه، وينمو بالشياطين ما للشيطان فيه، وهذا فريق خسر الله وكسب موقوت الدنيا له، أو خسرها به بإرادته على مراد الله فيه، وهو في الحقيقة خسر الدنيا والدين، فلا هدى، ولا علم، ولا معرفة، ولا وعي، ولا كتاب منير، لا رحمة، ولا رسول رحمة، لا رحمن ولا رحيم، بل الجبروت لاسمه ولنفسه، والطغيان لإرادته، والشيطان لمعناه، متابعا الرفيق الأعلى لمعناه من الجبروت، متابعا من الأدنى لمعناه اسما للطاغوت، منتظرا ليومه يوم نرسل الشياطين على الكافرين فتأزهم أزا، كلمات خبيثة، تتجدد جلودهم من التراب حتى تجتث من فوق سطح الأرض فما لها من قرار، أولئك هم الكفرة الفجرة، وإن لبسوا مسوح الرهبان، ونطقوا بقول أهل الإحسان، وقاموا في دعوة إلى الإيمان.

وفريق من الناس - وقليل ما هم - يقوم يقظا من وراء أبواب داره، محسنا الظن بالله، غير مسيء للظن فيه، عالما بما فيه من معاني الحياة بالرحمن، وبما فيه من مزالق الهوى إلى الهاوية والعدم بالشيطان، مدركا لما فيه من معركة بين رحمانه وشيطانه، مستنجدا بالرحامين والآلهة لعون رحمانه، مستعيذا خاذلا استنجاد شيطانه، بنوعه من الشياطين لعنوانه.

هذا رجل يعرف الحق ويعرف أهله، ويميز بين أهل الحق من الآلهة، وبين أهل الباطل من الشياطين، ويعرف لنفسه أمرها، ويضعها في الله موضعها، ضعيفا أوجده قوي لنفسه، مفتقرا فقيرا أوجده غني لمعناه، قاسيا، ظالما، ضالا، أوجده رحيم حوضا لرحمته، ظالم أوجده عادل ميزانا لعدله، جاهل ضال أوجده عالم كتابا لعلمه، فحمد الله على أمره على ما خلق له، قبل أن يأتيه من الله أمر القيام فيما أوجده له، فتعرض لنفحات الله، واستنجد لرحمانه، رحمان الآلهة من حوله، فطرقوا بابه، فعرف الطارق وطرقته، وشم ريح الرحمن ورحمته، ففتح الأبواب، فحلت الرحمة، ودخلت الآلهة، فامتنعت الدار على من يحيط بها من الشياطين، وقست على ما بها من شيطان نفسه، فلم يجد له فيها معاشا فتركها، في عين الوقت لدخول الآلهة لها، حتى لا يلتقي بجحافل أعدائه في مناصرة عدوه المقيم من رحمان الذات لهما، فاحتلت الآلهة الدار والبيت، لم تفارقها، فطابت الدار لرحمانها، فخرجت الدار والبيت من معاني الحياة والعدم بينهما تقوم، إلى معاني الحياة لها لا تفارقها، بعيدا عن معاني العدم وأهله، فياضة ذاته بمعانيها بماء الحياة على طالبها ومستسقيها.

وهذا ما عناه رسول الله يوم قال عند خدعة غيبته باسم الموت، اختبارا للمؤمنين بالحق معه، إيمانا بالله ورسوله به، وهو من تحجبت به من ورائه بحار الحياة، يقوم ويتقلب في الساجدين ممتدا بنوره نورا لله في العارفين، (نحن معاشر الأنبياء لا نورث)[٧]، وكيف نورث وقد أصبحت لنا الحياة، وأنا الحي في قبري، ولا يورث إلا من فقد الحياة، ونحن من حيينا بقلوبنا وهياكلنا ومعانينا، تنام عيوننا وقلوبنا لا تنام، نحن الأحياء، نحن الحياة، لا موت لنا، وقد متنا قبل أن تموت أجسامنا، وإذا كنا لا موت لنا فلا ميراث عنا، نحن الحياة ولا بعد لنا إذ نحن الدوام ولا انتهاء لنا… نحن الماء ولا جفاف لنا، نحن الماء المتجدد لا يأسن، نحن البحار المتزايدة لا تنقص ولا تفرغ… نحن البحار المتواجدة لا تنقطع ولا تغيب… نحن الحياة السرمدية الواحدة، المتعددة بالأزلية والأبدية لآزال وآباد الإنسان…

فكيف تغيبونا لترثونا؟ إنكم تقومونا وتكونونا، وبقيامكم بنا تدركونا فلا تغيبونا، ولا تميتونا، وتدركوكم فلا تلمزوكم وبنا تقوموكم إذ نقومكم.

(نحن معاشر الأنبياء لا نورث)، أما سمعتم لقوله تعالى: أولئك يحشرون مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا!.. أما سمعتم لتعريفه تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين!.. أما تأملتم في خطابه له بمعنى الناس: فبهداهم اقتده، وخطابه لهم بمعناه بهم: أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه! فانظروهم بحار الحياة مهتدين، وانظروهم في كل شيء متأملين.

يا أيها الناس… يا أيها الأنبياء… يا أيها العباد… يا أيها الأئمة… يا أيها الرشاد… يا أيها الحقائق أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه، وكلما جاءكم رسول من أنفسكم مصدقا لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه. ما ينسخ من آية أو ينسها يأتي بخير منها أو مثلها.

فإذا كانت قيامة الإنسان في دورة الزمان، يومئذ يخرج المتخلفون من الأجداث إلى ربهم ينسلون، نباتا للأرض على ما تقومون، ويجددون نسلهم عملا لهم فيما يتوالدون، من الأرض يخرجون بجديد لباس لمعانيهم بذواتهم، ومن السماء يعودون بقديم معانيهم بأرواحهم مآبا للطاغين وبعثا للصالحين، وقياما لرفيع الدرجات وجها لله إليه ينظرون. به خليفة الغيب يشهدون، محمدون يبعثون، وللمقام المحمود بينهم يشهدون، ولجماله يشهدون، وبه يرحمون، أشرقت الأرض بنور ربها للناظرين، وخرج الناس من أجداثهم بارزين لله جميعا عبادا عابدين، ولوجه الإله آلهين، وعلما للساعة يعلمون في علمها يدركون ويشهدون مع علمها يلاقون، وتعالى الله عما يصف الجاهلون.

لا إله إلا هو فيما يشهدون، ولا إله إلا هو فيما يقومون، ولا إله إلا هو فيما يؤمنون، ولا إله إلا هو فيما يعتقدون، ولا إله إلا هو فوق ما يشهدون وفوق ما يعلمون وفوق ما يعتقدون.

لا إله إلا هو الحي القيوم، يوم يعلمون، ويوم يستيقظون، ويوم هم من غفلتهم يخرجون، ولأثواب الظلام يخلعون، وبجلابيب النور لقلوبهم يتسربلون، وطريق الرشاد يسلكون، وجوها ناضرة بالله ينظرون إلى وجوه منهم للواحد الذي يعرفون ويتقون، وبه يؤمنون وله يطلبون، وإلى ساحة الأحد الأعلى يتجهون متعالين به عما يصفون… لا إله إلا هو تعالى عما يشركون. محمد الحق رسول الأعلى ورب العالمين فيمن ليس كمثله شيء عند العارفين، ومن هو في كل شيء عند المتقين، ومن يقومه عبادا له الموحدون.

اللهم يا من أوحيت إلى النحل أن تسلك سبل ربها ذللا، آية منك للناس حتى لا ينحطوا بأنفسهم دون حيوان صغير يشهدون، فأنفسهم يلمزون… اللهم يا من أوحيت إلى كل نفس سبيل رشادها وضلالها، اختبارا بحكمتك في ضلالها، وفيضا من رحمتك في هديها وشكرها… اللهم يا من كنت وراء الآلهة والرحامين، عين إحاطتك من وراء الأبالسة والشياطين، وجعلت الناس بين يديك مرحومين ومبتلين، اللهم فاجعلنا من المرحومين… اللهم أخرجنا من بلائنا في المبتلين، وخذ بنواصينا إلى الخير في العالمين.

اللهم بمن جعلته رحمة للعالمين، وهدى ونورا للمبصرين، ويد نجدة للمستنجدين الجائرين الذين جأروا من أمر أنفسهم ظالمين، اللهم بيده فانشلنا إلى حضرات رحمتك، وكنوز وحدانيتك، وأنانية عوالمك لك، عبادا لك، ووجوها لإحاطتك.

اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا، اللهم به فانزع من قلوبنا الحقد والحسد والقلق والمحن، ولا تحكم فينا سلطان العدم والزمن، اللهم به فتولَنا في الصغير والكبير من شأننا.

اللهم به فأدخلنا في رحمتك به لنا، ولا تجعل لأنفسنا سلطانا علينا، واجعل من أنفسنا نفسا له، أحييتها وزكيتها وأمتها عنها إلى حياتها بك في حياتك به يا حي يا قيوم، لا إله غيرك ولا معبود سواك.

اللهم اجعلنا من الموحدين بك، المنزهين لك، المؤمنين بأنفسهم منك، المعتقدين في خلقك، القائمين بأمرك، المباعدين بينهم وبين أمر أنفسهم، الراقين، العالمين، المدانين، في ساحة رحمتك وساحة قدسك، وساحة علمك، وساحة حكمتك، المشاهدين لوحدانيتك، الداخلين في حصن لا إله إلا الله بك، في رسولك، برسولك الداخل بها فيك، العارج بها إليك، الطالب بها منك، القائم بها علينا، الفياض بها إلينا، الراحم بها لنا، لا إله إلا أنت سبحانك، إنا كنا من الغافلين.

آمنا بك واحدا لا شريك لك، وعرفنا وآمنا واعتقدنا بسر خلقك، ونور حقك، محمد عبدك ورسولك، فشهدناه رسول الله، في أمر أنفسنا، وفي أمر قيامنا، وفي أمر وجودنا، وفي أمر وجودك لنا، لا موجود بحق إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

أضواء على الطريق

(أنا شمس لوجه معناي تشرق على أرضها لقلب مبناي يوم أصير عبدا لإنسان مولاي).

(من عرف رسول الله حقا فقنع، أخرجه الله من معاني خلقه وأسفر به بحقه لحقه فانتفع ونفع).

(لرجل من القوم)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الحديد - ١٣ ↩︎

  2. سورة الشورى - ٥١ ↩︎

  3. سورة الشورى - ٥١ ↩︎

  4. سورة مريم - ٨٣ ↩︎

  5. إشارة إلى الحديث الشريف: “إن الشـيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.” أخرجه مسلم والبخاري. وكذلك: “فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، قلنا ومنك يا رسول الله؟ قال ومني، ولكن الله أعانني عليه فأسلم.” أخرجه أحمد بلفظه، والترمذي والدارمي. باختلاف يسير. ↩︎

  6. سورة الحج -٣ ↩︎

  7. حديث شريف روته السيدة عائشة زوج الرسول: " قالَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: لا نُورَثُ؛ ما تَرَكْنَا فَهو صَدَقَةٌ." أخرجه مسلم والبخاري باختلاف طفيف. ↩︎