(١٩)
كلمة الأزل وكلمة الأبد
الإنسان وابن الإنسان
الأول والآخر يجتمعان
والباطن والظاهر يتوحدان
١٥ جمادى الآخرة ١٣٨٣ هـ - ١ نوفمبر ١٩٦٣ م
أعوذ بمن لا يستعاذ إلا به رب الناس… وأستعين بمن لا يكون العون إلا منه ملك الناس… وأتوكل عليه على ما يليق بالتوكل عليه مع من أحسن التوكل عليه فكان حسبه إله الناس، وأسأله برحمته أن يكون حسبي، وأن يكون ربي، وأن لا يكلني إلى نفسي.
أطمع أن أقوم باسمه مؤمنا للمؤمن، على ما أراد بالناس، وعلى ما اجتهد، وأرجو لنفسي برحمته، أشهده قائما على كل نفس آمنت بأحديته لأحديتها، من ورائها بإحاطته، ولها بواحديته، ومنها برحمته… الكل به وجوه حكمته، لواسع حضرته، في لا نهائي فطرته بالإنسان.
نوحده برد وجودنا لوجوده لا شريك له، ونستعينه بكلياته لجزئياته لا عجز له، ونعمل بقدرته قدر فهدى، لا قدرة مع قدرته، إنما هي قدرته، لا معين له ولا وجود للأغيار معها بقدرة أو معه في أحده بوجود.
إنسان الأرض في أحديته اسم علمه وظل مظهره… وإنسان السماء بواحديته اسمه وكتاب خبره، وإنسان الوجود بالوجود علمه لمعناه.
لا يخرج الكل عن رحمته، ولا يمتنع عن الكل بنعمته، ابتلاؤه في نعمائه عين نعمته في ابتلائه، الكل في نعمائه والكل في بلائه، ليبلوهم فيما آتاهم أيهم أحسن عملا ليتبوأ مقعده في قادم مجتمعه، لا يأمن مكره إلا الفاسقون، ولا يعطل رحمته إلا الخاسرون، ولا ييأس من روحه ينفثها فيسويه ويمنها فيحييه إلا القوم الكافرون.
جعل للأرض أبناءً من طبيعتها هي أجساد الناس… وجعل للسماء أبناءً من طبيعتها هي عقول الناس… وجعل للإنسان أبناءً من طبيعته هي كلمات الله بظواهرها أوادم الناس… وجعل الإنسان بأديمه أبا لصنعه، وبتقواه آبا لرجعته إلى أحسن تقويم لحضرته.
وجعل الإنسان بمظهره وجوهره، وأبناء الإنسان بعلمه وخبره كتاب المعرفة عنه، ورسل الرحمة منه، ووجوه الدلالة عليه، وأيدي النجدة برحمته، وأقدام السعي بهدايته.
وجعل الإنسان به إماما لنفسه، وإماما وروحا لأمته من جمعه، ولبنيه من صنعه.
جعل الإنسان في أحديته جديد قديمه ذكرا محدثا، وقديم جديده ذكرا قديما أزلا، تقادم متخليا منفردا فلا صاحبة ولا ولد، وجد مصطفيا لنفسه مقتديا فلا صاحبة ولا ولد مع قائم لقديم قام به على الصاحب والصاحبة والولد، قام به منه على الأب والحفيد والجد، قيوما ليس كمثله أحد من والد أو والدة أو ولد.
جعله إنسانا يوم ظهر به في كل شيء. وقد أظهر محدث إنسانه بمبانيه في صور معانيه، أودعها صفاته، جمعها في اسم ذاته لأحديته علما على غيبه بشهادته، ظهورا لغيبه بقيامته لجماعه في حضرة ظهوره واجتماعه.
جعل على الأرض حضرة خلافته في قائم قيامها أمرا مريحا لأحدها بواحدية ملئها في أحديته بروحها.
وجعل الشتات الدائم بالتعديد لأمر روحها القائم بالتوحيد لمبانيها من خلقها، القديم والقائم والقادم والجديد، لصفاته بمعانيه لحكمته بمبانيه في اجتماع صفاتها لمعانيها بمبانيها انتظاما لقائم أمرها، ومتواصل حياتها في صمديتها بأحديتها للانهائيتها، بلانهائية زمنية لقيامها بين ليلها ونهارها، لمعاني موتها وبعثها، في نومها عنها ويقظتها إليها، ولانهائية مكانية لامتدادها بسلطانها في تكاثرها بمعناها على جديد في الكون بمبناها، ولانهائية صفاتية للانهائي رقيها بصفات قبلها، وبذل صفاتها لبعدها، بنشر الحياة عنها لمن يأخذها منها.
جعل من الملأ الأعلى منها عليها باطن ظاهره بالملأ الأدنى منها بدوره يتواجد لأسمائه وصفاته. وجعل من الملأ الأعلى والملأ الأدنى معها قياما واحدا متحدا لإنسان وابن إنسان لروح قدسه بها لكمال قديم لأحد واحد من إنسانيته للانهائي حضرته إبرازا من غيبه بحضرته لاسمه الواسع العليم.
وجعل من ظاهر حضرته بكلمته بابن الإنسان مرآة لباطنها لتمام كلمته بالإنسان، فكرَّم بذلك الإنسان وابن الإنسان، وسوى بين الإنسان وابن الإنسان في الواسع العليم…
فظهر الأقدم من خلال القديم للأزلي بالقائم من الإنسان، وظهر الجديد من الأحدث في الأبدي، فبقي كمال الإنسان في كنزيته لغيبه قائما مع كمال ظهوره بكلمة الله منه له، {وتمت كلمة ربك}[١].
جعل من أبناء السماء خلقا وملأً أعلى، وجعل من أبناء الأرض أشياءً لداني أمر له، وأنزل الروح من عليّ أمره، من ملأ قربه على الأشياء من ملأ أمره، وعلى الملائكة من ملأ خلقه، {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس}[٢]، فأحيا الأرض بعد موتها عنها إلى علميتها له إنباءً عنه بكلماته، وشق السماء بأهلها بعد الذي جاءهم من العلم عن شهادته وغيبه، في خلافته وأمره برسالته، هو الذي أمات وأحيا، وهو الذي قدَّر فهدى…
فجعل من أشياء أمره خلقه لأحسن تقويم بأهل قربه كائنات علمه وعالمه لقربه بجديد أمره، كما جعل من جمعها، واجتماعها، وانتظامها، ظاهر الوجود له، عَلَما على الوجود الموجد غيبا له في وجود أكبر، من وجود أقدم، بوجود أعلى، من رفيق أعلى، من علم أعلى، من ملأ أعلى، من حضرة أعلى، في معارجه تعرج إليه الملائكة والروح، ويطول بنا إسناد عنعنة حتى إلى ذات واجب الوجود للقيام الموجود المعروف لوجوده الذي تقوم السموات والأرض بأمره، وهو الأحد الذي يمسك بيد رحمته وإحاطته السموات والأرض أن تزولا.
جعل من الإنسان وجه الحق منه بحق العبد له للعلمية عليه لذاته عَلَما على الأقدس وعلما بقدس على أقدس، وجعل من قيامه بأوصافه وخلقه أسماءً للعلمية على صفاته في قيامه في اعتبارات الإنسان لنفسه بصوره في أي صورة ما شاء ركبه…
ركبَّه ربا يرعى من يرب ويقوم في خدمته… وركبه مربوبا يرعاه من يربه ويسهر على رحمته… وركبه خلقا ظاهرا لنفسه وفعله… وركبه إلها خالقا لصنعه بأمره، وجعله إلها قائما على معاني الخلق له، محييا للخلق به، وجعل الخلق أطوارا خلقا من بعد خلق، لكل طور معاني الرب والخلق فيه له منه به.
بذلك كان الإنسان هو الغيب والشهادة في وجوده، والخالق والخلق في موجوده، من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. إنه عمل صالح، أو إنه عمل طالح، إذ انبعث أشقاها. يقابله رسول الله من أنفسهم لقائم الله على كل نفس.
فالإنسان بنفسه بين اسم للإيمان، أو اسم للعصيان، لاسم لله يجمعهما لأمره، يتقلب باسمه بين العصيان والإيمان، وبين الإيمان والعصيان، فيخرج من العصيان إلى الإيمان عارجا للرحمن، حتى يلقى الرحمن معية عبد للرحمن، تابعه ليؤاخيه، فإذا هو له وجه ربه له ورسوله إليه، ورفيقا أعلى، برحمة الله داناه ويدانيه، لا فرق بينهما يوم كانا له يتيما يأويه، الله لهما، وبإحاطته من ورائهما وجوه له، لوجوه له، وجوه ناضرة، لوجوه لربها ناظرة.
ومن الناس من ينحدر بريبته في الله ورسوله بعد إيمان بهما إلى الهاوية سقوطا من سلم الإيمان، إلى حال الفسوق والطغيان فيمسخ على مكانته {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}[٣]، {إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}[٤]، {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون}[٥]…
إنما هي وجوه ووجوه، وكل من عليها فان، وتبقى الوجوه هي لمن آمن بالله، واعتقد في خلق الله باعتقاد في رسول الله، وجها خُلق خاصا لعموم الخلق لشهوده هو من ورائه بإحاطته، وهو الذي عرف واعتقد في الخلق وجوها يقومها لنفسه يراها وجها خاصا لواسع الخالق من ورائه بإحاطته ومن ورائها بوجوده، وهو ما يجب أن نتابعه عليه فنرانا لله وجها برسول الله في أنفسنا، ونرى الناس لله وجوها برسول الله يرى لنا بعيدا عن لمز النفس، أو تحقيرها، أو حرمانها من حقها بحقه، وهو القائم عليها، والأقرب إليها من حبل الوريد، وهو معها أينما كانت.
فكيف يضيع شرفها، وكيف ينفرط أمرها ما ذكرته، وما به آمنت، وبه في خلقه اعتقدت ومن عقيدتها به تواجدت وجودا لا يشارك، وقياما لا يغيب، وغيبا لا يدرك، في صحبة معتقدة لمـثل أعلى من خلق، في معراج لعباد الرحمن يقومون بالإحسان، ويذكّرون بالديان، ويمشون على الأرض هونا، رحمة من الله بعالم الإنسان من البشرية، وهم وجوه الرحمن، وهم أيدي الرحمن، وهم أقدام الرحمن، وهم رحمة الرحيم الرحمن للرفيق الأعلى من الإنسان، رسلا إلى وجوه للظلام هي أسفل الإنسان، تقوم بالبهتان، أُنظرت لليوم المعلوم على ما علمت في معية الزمان دواما لمعاني الخلق، مجالا للخالق يتواجد منه بوجه للحق من الخلق للخلق رسولا من أنفسهم، فيستيقظ المبلسون من نومهم بسكرة الموت، مغيرين ما بأنفسهم بمؤمن بينهم ليكونوا به من المؤمنين مَثلا أعلى يشهدونه ويعرفونه ويقتدونه، ويصيرونه، {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض}[٦]. (مثل أهل بيتي فيكم كسـفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك)[٧].
أبرزت الفطرة محمدا ليكون تعبيرا من إنسان الله، إنسان الوجود، وإنسان الحياة عن نفسه ومعناه بظاهره لمبناه وباطنه لمولاه كلمة لله وعبدا لله.
أودعت فيه بقائمه لباطنه وظاهره مظهر قديمه وأمر قادمه، وجعلت قائمه نوعا يتواجد ويتكاثر ما توبع واتبع وأطيع بموجود وجوده.
وأبرزت الفطرة وجوب وجوده بموجوده، وإعمالا لقوانين قيامها بصفات رحمتها فكان عبد الله ورسول الله بباطنه وظاهره، أمرت بالبحث عنه والسعي إليه والمجاهدة للاجتماع به بكثرة السجود لقيوم الله بقائمه بعباده اتجاها إلى بيته بقلب كل إنسان مع أي إنسان. (المرء على دين خليله…)[٨]حتى يحيي منه قلبه بصدقه إذ يرى الله في كل إنسان فيصبح من أولي الألباب…
فيرى بقلبه، فيهديه الله بقانون فطرته إلى معراجه وسبيله لعصره وإمامه لأمته وجمعه فيستوفى سيره ومرتقاه وقد قامت بحياة لبه قيامة ذاته بصحبته، وبعث بقديم معناه لقادم أمره من خلال قائمه لهما، هما له يدا رحمته من غيبه وهما منه يدا رحمته بصحبه لنفسه.
إن المرسل والرسول والمرسَل إليه عند محمد أمر واحد وإنسان واحد وحق واحد، وهذه وحدانية ثالوثه لأحدية القائم على كل نفس، هي بيت وجوده، ونواة قيامته بتواجد من جوده لتكاثر موجوده بجديد وجوده.
قام محمد مع الناس على ما هم الناس من إنسانهم لجمعهم في قائمهم لقائم قيامه بهم، كما قام مع الأنبياء على ما هم من قائمهم في القائم بهم، سواء جاءوا من قبله مرسلين وبه في التبشير بالإنسان مُبَشرين، أو جاءوا من بعده علماء وحكماء مبينين، وعنه في التعريف عن شرف الإنسان معرفين.
إنه ما زال حتى الآن يقوم ويعمل بمجاله مرسلا إليه قدوة وأسوة لمتابع من فرد، ولم يظهر بوصف الرسول بعد بحال ميسرة للكافة على ما أريد به. لقد قبله الناس لمعناهم بشرا مرسَلا إليه، ولم يقبلوه لمرجو معناهم به، رسلا منه أو رسلا إليه إنسانا منهم لهم يستقبلون من قديمهم لجديده بهم، ما استقبل هو من قديمه لجديد له به. لقد وضعوا أنفسهم ضالين في موضعه، بمجاله مرسَلا إليه من قديم نفسه، مهتديا بمثله لقديمه، بل تجاوزوه إلى قديم نفسه رسولا فقاموهم رسلا بمقولة أو بعبارة منقولة…
فأضاعوا أنفسهم بوهم المتابعة له رسولا إليهم، وما كان عموم ودوام رسالته إلا في تعميم ودوام قيام قدوته لتحقيق متابعه لنفسه ما حقق المتابَع لنفسه. {وما أرسلناك إلا كافة للناس}[٩]، يقوم ويتقلب في الساجدين، فقال {فاتبعوني يحببكم الله}[١٠]، (ما أعطيتـه فلأمتي)[١١]، (ما كنتكم كان لكم من الله ما لي)[١٢]، {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}[١٣]، فأنا من {أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[١٤]، {أول بيت وضع للناس}[١٥]. فما كان في معاني المتابع له وعترته وصنو كتابه إلا من حقق لنفسه بصيرة هي عين بصيرته، وهؤلاء وأممهم هم أمته، ولكل فرد منهم من متابعيه على بصيرته، أمته تدعى باسمه في الأمة الكبرى لنبي الأمم ونور الكتاب ونور الكتب ونور العالم ونور العوالم، شهداء على الناس الرسول عليهم شهيد، الرفيق الأعلى له هو به الرفيق الأعلى لهم.
وعلى أساس من هذا تظهر رسالة الروح في هذا العصر لتجديد هدي الفطرة به وبرفيقه من الأعلى روحا وإنسانا ومن الأسفل بشرا وآدما، ولتأخذ رسالة الفطرة معه مرحلتها التالية بقيامه رسولا وروح قدس جامع لكلمات لله قائمة به وجوها له ورسلا منه جديدا لقديم، مصاحب لقديم وجديد معناه خليلا وحبيبا، وعَلمَا على الأعلى هو منه له في الأزلي بصامد وصفه وفعله، في ظاهر الإنسان إبرازا لقائم به في باطنه، وفي باطن الإنسان، قياما بالأعلى والأعلى في المطلق اللانهائي، مقيما منه بقائمه بداية أمره لقادمه بعين قديمه لأبدي قيومه في أبدي خلق الله لأبدي خلقه بتكاثره إبرازا لأزلي خلقه كشفا عن صفة الأزل لله ولخلق الله بالإنسان للإنسان.
لقد قَبِل الناس محمدا فردا وما عرفوه إلا فيما تهوى أنفسهم لذواتهم في حدود عقولهم، ورفضوه بيتا، فعقروا رسالته إليهم قدوة، وما عطلوها إليه من الأعلى لقديمه رحمة، (كل بني امرئ يدعون إلى أبيهم إلا بنو فاطمة فأنا وليهم وأنا أبوهم)[١٦]، {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون}[١٧]، (جعل الله ذرية كل نبي في ظهره وجعل ذريتي في ظهرك يا عَلِيّ)[١٨]، ولو قبلوه فردا وبيتا وحقا لكان لهم من الأعلى اسمه وبيته وحقه.
إن الذين استجابوا لأمر الله، وقد أمرهم هو{الرحمن فاسأل به خبيرا}[١٩]، فطلبوا العلم والمعرفة مع أهلها والذين انتفعوا بهديه وقد هداهم {إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[٢٠]، فتابعوا الرسول إماما من أنفسهم بقيامهم في قائمهم والذين آمنوا واعتقدوا بخلقه، وعرفوا الخير في خلقه لا يغيب ولا ينقطع، (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٢١]، فآمنوا بالحق للرسول جديدا لقديم، وقياما على قائم، ومرجوا في قادم، فمن فاته معناه في قديم بقائم، وطلبه ليتابع مبعوثا في قيام مع من كسب معناه لنفسه في قديم، فبُعث به في مستديم فاتخذه لنفسه إماما وقدوة، أولئك لهم عطاء غير مجذوذ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
من عرف الرسول معنى دائما، وبشرا خالدا، وإنسانا أزليا، وآدما أبديا، قائما بذاته، قيوما بمعناه، سر الحياة لكل كائن ما صار كائنا، ووعت أُذنه قول الصادق القادر، {واعلموا أن فيكم رسول الله}[٢٢]، واعلموا أن لكم رسول الله، واعلموا أن بشراكم رسول الله، واعلموا أن رسول الله هو لكم كافة قدوة وأسوة، به تبعثون في وجودكم إن عاجلا أو آجلا، لا يحرم منه كائن في قيامه وهو الرحمة للعالمين، {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة}[٢٣]، ولا يمتنع على مؤمن بالله ورسوله كسبه لمعناه، في قائم أو قادم من أمره.
فمن قام بقائمه بأمره موهوبا بمولده فإنما قام بعثا لقديمه وبروزا للحق بكسبه، إذ كان معه يوم كان بسابق ظهوره برسالة صديقا له صادقا معه قام للحق بالقائم على كل نفس بما كسبت.
فما كان محمد يوم بعث برسالته في قائم ذاته بقديمه جديدا في أمره، ولكنه كسب الحق في قديم بالأقدم فبعث بالحق في جديده بالقديم. فما كان منزلا لجديد خلقه من الحق عليه له إلا قديم الحق لعينه قديما له قائما على جديده. بالحق أنزله الأعلى، وما نزل عليه إلا ما كان له بالحق ينزل.
فهو بحقه لحقائقه متصلة في حرية إرادته، وفى ربوبية رحمته، وفى ألوهية عظمته، وهو في صفة خلقه في كامل طاعته لصفة حقه، لا ينطق عن هوى، ولا يقوم في نزوة. الوحي إليه من قديمه، والوحي وصفه في قائمه، والوحي منه لجديده، في قائمه وقادمه بقائم أمته تتجدد، وبأئمتها تقوم وتتعدد، طبقا فوق طبق تتصاعد، وسماءً فوق سماء ترفع وتتواجد، ومن أسفلها أرضا أسفل أرض تتواضع، وقياما أسفل قيام تتساند، وعالما أسفل عالم تتزايد، كما يرد من السماء منها، من يرد طبقا بعد طبق.
جعل منه بين المرفوع والموضوع، والمرتقي والسافل من الخلق، والمداني والمتعالي من الحق، عَالَما وأمرا وسطا، وحجابا بين الأعلى والأسفل، وبرزخا بمعناه لمعناه بين الخلائق والحقائق بقائم بالحق في معناه لآحاد عالمه بأحديته لأحديتهم، رسول القديم إلى القادم، وحق القيام لمن طلب الحق في قائم…
يتعالى ولا يغيب، ولا يتوقف عن ظهور في جديد، ولا يتعطل عن معراج لقديم، ولا عن مصاحبة لسافل، في أي صورة ما شاء ركبه، رحمة بالناس في الناس شتته، ثم جمعه فوحَّده… وألَّفه فحققه، ووجوها ناضرة لربها ناظرة فيهم أقامه وجدده. وحَّده وعدده. وأخفاه وأظهره.
إن العلم في رسول الله هو الدين. إن الإدراك لرسول الله هو اليقين. إن الإيمان به حقا لله هو الإكبار والتقدير لله. إن القيام برسول الله هو التوحيد وهو الحق والتحقق والتحقيق للقديم والقائم والقادم والجديد.
إن الوحدانية لا تكون إلا معه في معارجه عبدا ورسولا وحقا لله، به يكون الخروج من صفات الخلق، والدخول في صفات الحق… هو حصن لا إله إلا الله، وإنسانها للنفوس المطمئنة، والغرفة وبنيانها، والروح والحياة وعنوانها للقلوب المسعدة المستعدة.
إن الرسالة المحمدية أول رسالة فطرية سماوية سامية نعرفها جاءت في تعميم الرحمة والنعمة ودوام الرسالة، وخرجت من تخصيص الرحمة والنعمة بفرد أو بأسرة أو بقوم أو بموطن أو بزمن، وشملت عموم الناس، وعموم الأجناس، وعموم الأرض، وزويت الأرض لصاحبها ومؤسسها أمرا لله، يمتد به في متابعيه على بصيرة تُزوى لهم الأرض أول ما تُزوى كما زُويت له في انزواء يبقى لا يغيب حتى يستخلف فيه.
يتحقق به من أمته كل قائم بأمره، جديدا لقديم في أمر رسول الله، أمرا لله، برسالة لله لا تتعطل ولا تنقطع. وقد أنجز الرسول وعده وحقق الله أمره، المرة بعد المرة، على رؤوس القرون من كل حين، بالمؤمنين بالله ورسوله والناس في غفلة عن أمرهم.
وها نحن في هذا العصر نشهد إرهاصات للساعة لدورة قيامة على مثال مما سبق أن أرهصت، أو تتكامل الرسالة الفطرية بالذات المحمدية إلى رسالة روحية للأمة الرحمانية من عباد الرحمن للحضرة الرحيمة، حضرة من حضرات الواسع العليم، المنفرد بحضراته لآحاده بأعلامه بإنسان حقيقته، مرسِلا ورسولا ومرسَلا إليه، وهي دورة تقوم كلما استكمل الإنسان قيامه بأحسن تقويم، فاتسع لما لم تتسع له السموات والأرض من أمر الله، ومن حكمة الله، ومن علم الله، ومن شأن الله الواسع العليم.
وما استكملت بعد رسالة الفطرة بمحمد حلقاتها، لدورة حلقات كلماتها، لتمام إنسانها، تُمسكه يد الإحاطة واللانهاية معروفة له، معلومة به للناس ليظهر الحق بالإنسان في كماله لمعنى الله، ولوجه الله، ولأسماء وصفات الله، يظهرها الإنسان في واسع قيامه في داره عرضها السموات والأرض، يجددها ويعددها به مَن خلق السموات والأرض لإنسان ذاته، القادر على خلق مثلهن من سموات وأراضين، الموسع فيهن وفى الخلق كما يشاء بمحيط يده وبأياديه لحقائقه بإنسانية قيامه لقيومه، وعباد رحمته لحضرات حقائقه بآحاد وجوده في واحدية كبرى لأحدية أكبر، في معراج لا يدرك، بحق لا يوصف، وهو ما تأتي به رسالة السماء بعالم الروح في هذا العصر بمحمد وربه ليعرف ويكشف ويقوم الناس به، على الناس فيه.
ما قدَّر الناس الله حق قدره، ولا تقدير لهم إلا بما يحيطون به من علم عنه في أنفسهم مقدرين لأنفسهم، يوم يشهدوهم بيتا له، وقبلة صلاة لعوالمه فيعرفوهم له وجه، وتقوم بهم إرادتهم له يد، ويظهرون حركته له بهم، قدم سعي يدانون، ويعلون، لا يستكبرون، عبادا له مكرمين، ومستخلفين.
ويعود لعالم الخلق يطلبون ويرجون ليكونوا مع من يخلفهم، ممن يصنعون لأنفسهم على ما صنعهم الأعلى لنفسه، يدانونهم عينهم على ما كانوا ليكونوا على عينهم على ما هم، برحمة الله الأعلى، خلق فسوى…
طالبين من الأعلى وهذا سلطانه وإحسانه أن يفعل لهم بهم ذلك، رحمة منه، أمرا عنه يعجزون، {سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى}[٢٤]، هو{الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[٢٥]، {فلعلك باخع نفسك على آثارهم}[٢٦]، (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)[٢٧]، {فاتبعوني يحببكم الله}[٢٨]، (ما أعطيتـه فلأمتي)[٢٩]، (الله معطي وأنا قاسم)[٣٠]، (من رآني فقد رآنى حقا)[٣١]، {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا}[٣٢].
هكذا يُسبح الإنسان على ما أمره اسم الله الأعلى مع اسم الله الأدنى الذي خلق في قيام اسمه، بالإيمان عَلما على الإيمان به، باسمه المؤمن لمعناه بالإنسان في معارجه بالإيمان بنفسه، إذ يسوي اسم الله المؤمن الأعلى اسم الله المؤمن بالكائن الأدنى، باسم الله المؤمن بالقيام الخالق. وبذلك اتصف من خلق فسوى بالأعلى على من سوى وعلى من خلق.
لذلك أمر رسول الله أن اخفض لهم جناح الذل من الرحمة، واعلم أن الله معك فقل جاء الحق وزهق الباطل، واعلم وعلِّم وبشر أن الذي معك من الحق وهو الحق لك، وهو اسمك ومعناك، وأنت اسمه ومعناه، هو أيضا كما يجب أن تعلم بحقه وحقائقه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
قل للناس لعلهم يؤمنوا ويستجيبوا فيرشدون، أنت وجه الحق إليهم، وهم وجه الحق لك، والله من ورائكما محيط.
استقم كما أُمرت، عاملهم بما عاملك به الرفيق الأعلى لك رفيقا أعلى لهم، إذ كان وجه الحق لك وكنت وجه الحق له من عينه ومعناه قبس نور الله، وعين طلعته، يشهد فيك ما وراءه من الأكبر رفيقا أعلى له في مرآتك بنفسك لنفسه وقد قال لك لا فرق بيني وبينك نفسا له، فتخلق بخلق ربك، واشهد ربك من ورائك بإحاطته، اشهده أمامك في مرآتك من المؤمنين بك نفوسا لك بأنفسهم منك نفسا له ونفسا لك في إيمانهم بالله معك لك ولهم على ما هديت…
يتابعونك لا يعصونك، ويؤمنون بالله ورسوله في إيمانهم بك قدوة وأسوة، ثم لا يرتابون في أنفسهم لله ورسوله، ولا في إيمانهم بالله ورسوله، ولا في قائم الله ورسوله معهم. يبايعونك على أنفسهم في دنياهم على نفسك لهم في أخراهم. أولئك الراشدون حقا، أولئك الصادقون حقا، أولئك المؤمنون حقا، أولئك المتحققون بالحق، أولئك وجوه الله وحقائقه وعباد الرحمن وخلائقه.
إننا في هذا العصر يشهد المبصر منا ما يبرز الله أمام أعيننا في الآفاق، كما يبرز في أنفسنا ومن حولنا، وفى أحداثنا من إرهاصات لتمام حلقات الرسالة الفطرية، بأولها لأول العابدين، بذات عرفناها وأمرنا أن نتخذ منها قدوة وأُسوة.
جعل بها في متابعتها والتخلف عنها أول الحشر، وعلم الساعة، وكشف أمر القيامة.
وعرفنا بها رسولا من أنفسنا يتكاثر، وأنبأنا أنه بها قام وجاء الحق بأول عباد للرحمن…
يتابع في متابعته عباد للرحمن، هو وهم الصراط المستقيم، لربه سبيلا لله هي سبيل ربه، وهي سبيله وسبيل متابعيه بدعوته ودعوتهم إلى الله على بصيرة به هي عين بصيرة من يتابعه، دعوة إليه قائما على نفس كل من يدعو إليه…
لا يعبد ما لا يرى، ولا يعبدون ما لا يرون، ولا يسمع ممن لا يعرف، ولا يسمعون من أثر ترك برق نشر، ولا يتابع ما غاب عنه في قصص يحمل ذكرى اسما لمثل في أوصاف تروى فيتخلق برواية عن أخلاق…
ولكن عرف أن الناس يدعون بإمامهم ظلالا له، وأن المرء على دين خليله، وأن الرسول ممتد وقائم، وعلى الناس أن يتخلقوا معه بخلقه تخلقا بأخلاق ربه، يقومها ويشهدها، وللناس يعرِّفها ويظهرها بمتابعيه على بصيرة به عين بصيرته، كما كان سابقوه والمبشرون به…
عبدا هو عين الرب عليه، وربا هو عين العبد له، وعين العبد لربه معه، عرف عن وجه الله ما يكون ومن يكون وكيف يكون. وهو الوجه لإلهه على ما قام بعينه ومعناه لذاته. وهو قائم الحق لأمره، وقيومه برحمته على المؤمنين…
محروم منه من كفر، بعيد عنه من ظاهر، بعيد عن رحمة الله به، من أصم أُذنيه عن سماع صوت الله منه وأغلق عينيه دون وجه الله به، وعطل وحرم أنفه عن شميم ريح الله فيه، وضم جناحه عن الامتداد لمصافحة يد الله يده بمؤاخاته وبيته على نفسه، وحرم عقله من إدراك البيعة لله في مبايعته رسولا لله وعبدا له.
يزكي النفوس بنفسه يوم ينحر النفوس عن نفسها إلى قيام نفسه بها، ويطلق العقول من عقالها بعقله يوم يشرق بنوره في ظلام عقولها، ويحيي موات أرض القلوب بنظراته يوم يمتد بإرادته لوجوه تطلب وجه الرحمن، فينظرها لا تعدو عيناه عنهم، صابرا نفسه، محكما أمره، حليما في فعله وقوله، كريما في بسطه، جوادا في نجدته، متسامحا في حكمه، مقدرا لأعذار الناس في اعتذاره عنهم عند نفسه، مستغفرا لهم عند ربه قبل أن يقدموا أعذارهم أو يستغفروا ربهم.
ذلك من أرسله الله رحمة للعالمين. ها هو يستكمل حلقات رسالته، ويستكمل ظهور وجوده في جديد وجود، بقديم وجود، يصاحب قديمه جديده تعريفا عن معروفه، بمعروف ربه، لمن عرف فيه وجه الله له، معتقدا فيه سيدا له، ومولى له، وراعيا له، ويد خدمة له، ووجه رحمة له، وعين إرادة له، فشهد أن محمدا رسول الله ووجه الحق لله، فدخل في حصن لا إله إلا الله…
بدخول نفسه المطمئنة في ساحة ربه آواه إلى بيته بعبده، فشهد أنه لا إله إلا الله، يوم آمن بالله في قوله وفعله بلا إله إلا الله، مستقيما عليها، مجاهدا فيها، فلقي سبيل الله في مشاهدة محمد رسول الله اجتمع عليه فعرف الله لنفسه قائما به، وعرف الله أكبر للرفيق الأعلى والقيوم عليه عبدا له.
ها هي رسالة محمد تستكمل لمحمد معاني ظهوره من جانبي غيبه وشهادته، يقوم ويتقلب في الساجدين نور الله لجماع خلق الله، وروح الله لعباد الله، ضمائر الناس، وعقول الناس، ونفوس الناس، ما ذكروا الله فعرفوهم رسول الله، وعبد الله، وخلق الله، ما تأدبوا مع الله منزهين مقدرين، اعتقادا في خلق الله في الاعتقاد به، يوم يؤمنون بالله في إيمانهم بأنفسهم منه بقلوبهم لقوالبهم عبادا له في روح قدس الله، وجماع كلماته وقيامة عباده لساعتهم بقيامه في مشاهدة قيومه.
هذه هي الرسالة الفطرية يبدأها محمد، حق العبد لعين الرب ووجه الإله في تعميم، وقد قامها من قبله الرسل عين ظهوره في تخصيص، تخصيص في زوايا المعرفة عنها، وتخصيص في بيئة القيام بها، وتخصيص لزمن قيامها.
أما محمد فقد أرسل بها في تعميم للجنس كله، وفى تعميم بزوايا الفطرة للناس على دوام قيام لها، بتجديد أمرها في دورة الزمان، على دوام وعلى تواصل وعلى تباعد.
أظهره الله على الدين كله، وأقام به الدين كله، وأشهر به الدين للناس دينا جامعا للدين كله، وللناس جميعا في كل بقعة وفى كل أرض…
نور الله مثلته ذاته، ونور الله تمثله ذواته، في كل أمة، وبأي لسان، وفي أي وطن، وفي كل دولة، وفي كل جماعة، وفي كل مستوى من مستويات الإدراك للمعرفة، ومستويات العروج للعقل، ومستويات التزكية للنفس، ومستويات التطور للذات، بذوات تجمعها روحه من روح الله، وتقومها ذاته جماع ذوات الناس.
كلما استكملت رسالة الفطرة بإنسانها تمامه لكماله، وظهوره من غيبه بعينه في شهادته، فتواجد في عين الشهادة من عبر بقيامه ووعيه عن غيب الشهادة لإنسانها، فقام في البشرية أملها ورجاءها، وقائمها وقيومها، تجددت رسالة الفطرة بالإسلام حقا وكتابا، وعاد الإسلام غريبا وهو الغريب كلما بدا، فهو للبشرية فجر ظلامها، ويوم بعثها وقيامها غريبا يقوم، وقائما يغيب.
كلما قام في الشهادة قائم لعين القديم، تواجد معه في الشهادة قائم لعين القادم، فما ظهر الإنسان بآدمه في تمامه بمعانيه لإنسانه في غيبه بحال كماله، إلا تواجدت معه كلمة لله جديدا لقائمه وبدءا لقادمه بفطرة دوامه لإنسان آدم، في دورته بدائرته لذاته ابنا للإنسان، مصطفى عين اصطفاء أصله، مصطفى لباقي الإنسان لقائم أبده. اصطفاه أصله لقديم الإنسان لقائم أزله، {إن مَثل عيسى عند الله كمثل آدم}[٣٣]، {ويكلم الناس في المهد وكهلا}[٣٤]، (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها)[٣٥]، (من كنت مولاه فعَلِيٌّ مولاه)[٣٦]، (هو منى بمنزلة هارون من موسى …)[٣٧]، (أنت ذو قرنيها)[٣٨] يا عليّ.
إنه إذا ما ظهر رسول الله بآدمه على الأرض، عنوانا على إنسانه في سمائها لقائمها وقيومها، تواجدت معه كلمة الله، تواجد معه قدم عيسى، تواجد معه إنسان الرجاء، تواجد معه إنسان العطاء، تواجد معه إنسان الجزاء، تواجدت كلمة الله في صحبة عبد الله، وإنسان الله، وآدم الله لإنسان الله، وهذا قانون الفطرة لظهور الحق الموجود بالخلق المتواجد.
ها هي إرهاصات الأحداث لجديد من الأمر، ها هم يقع القديم من القول عليهم، وقد قيل لهم يوما من النذير {لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا}[٣٩]، سبحانه {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا}[٤٠]، قيوما عليهم أحصاهم وعدهم عدا، وقائما بهم أتوا به الرحمن فردا، به برزوا لله جميعا الواحد القهار، القاهر فوق عباده، لا إله غيره، ولا موجود بحق إلا هو، لا وجود لموجود في دوام إلا بوجوده وجها له، واسما له.
تعالى أمره، وعظمت فيه كلمته، عجز الإنسان بذكائه عن تقدير عطائه، فكيف يتمكن العاجز عن تقدير العطاء من تقدير القادر، أو أن يحيط بإدراكه للمعطي وهو العطاء؟ تعالى الله عما يصفون، لا إله غيره، ولا معبود سواه، إنا لله وإنا إليه راجعون.
ها هو القول يقع في موضعه وعند من وصفوه بابن لله، وعلى من اعتقدوه بذلك. تُحَدِّث الأرض أخبارها وتشارك بأحداثها في رسالة البيان لقديم حديثه وقد أوحى لها.
وقد أنكر الناس على الوحي لهم تلقاه خيروهم فكذبوهم أو قتلوهم، فها هي السماء بخبرها، وها هي الأرض بأحداثها ترهص للمنتظر من الأمر، أو بكشفه لمن أنكره في قيامه {ويكلم الناس في المهد وكهلا}[٤١]، يقوم ويتقلب في الساجدين.
اللهم يا من لا يُلجأ إلا إليه، ولا يَشفع لديه إلا بإذنه بحقائقه ممن حقق من خلقه خلقا يشهدون حقا، كان خلقا من أنفسهم، اللهم إنا إليك برسول الله نتوسل… اللهم إنا بك إلى رسول الله نتجه.
اللهم وقد جعلتنا خلقك، قائما على كل نفس… اللهم ألحقنا برسولك، حقا لك، ووجه رحمتك، وأدخلنا فيه في ساحة نعمتك، وأخرجنا به من بلاء محنتنا، واختبارنا، ويسر لنا به سبيل استقامتنا، وطريق قيامنا، وحوض ورودنا.
اللهم منه فانفخ من روحك به في روعنا، فأحيِ موات قلوبنا، وزكي أنفسنا، وأنر عقولنا، وحررنا من أوزارنا لمعانينا، وأطلقنا عبادا لك في دارنا أوجدتها لنا، عرضها السموات والأرض، ولا تجعل للدار سلطانا علينا، عبادا لك، وحقائق منك في حضرة حقك المداني برسولك، ولا تحجزنا في دائرة السموات والأرض عن شرف المثول في علوي حضرتك له.
اللهم بمحمد الذي لنا به رحمت، وبإظهاره بيتا دانيت وقدمت، اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، وجددنا به خلقا بعد خلق، وطورا من بعد طور، وارفعنا به طبقة من بعد طبقة، وسماءً فوق سماء، إنما هو سموات رحمتك على ما علمنا، وعلى ما بلغت، وبمتابعته أمرت، ومن التخلف عنه حذرت، وبنعمتك عليه لنا بشرت، وبه رحمت واصطفيت، وما أرسلته إلا رحمة للعالمين عوالم لك منا تقيم… اللهم به فاختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك في صحبته، لا إله غيرك، ولا معبود سواك.
لا إله إلا الله، محمد رسول الله
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الأنعام - ١١٥ . ↩︎
سورة الحج - ٧٥. ↩︎
سورة الحجرات -١١ ↩︎
سورة الأنعام - ٤٤ ↩︎
سورة الروم - ١٢ ↩︎
سورة الروم -٢٧ ↩︎
حديث شريف: “مثل أهل بيتي مثل سـفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.” أخرجه الحاكم في المستدرك. ↩︎
حديث شريف: " المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ." أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
سورة سبأ - ٢٨ ↩︎
سورة آل عمران، -٣١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الأنبياء - ٣٤ ↩︎
سورة يوسف -١٠٨ ↩︎
سورة آل عمران -٩٦ ↩︎
حديث شريف: “كل بني آدم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم.” الراوي: السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. المحدث السيوطي. المصدر: الجامع الصغير. خلاصة المحدث: حسن. كما جاء في شرح إحقاق الحق – السيد المرعشي – المكتبة الشيعية. ↩︎
سورة الصف - ٨ ↩︎
حديث شريف: “إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه وإن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب.” أخرجه الطبراني، والسيوطي، وغيرهم من المحدثين. ↩︎
سورة الفرقان -٥٩ ↩︎
سورة سبأ-٤٦ ↩︎
حديث شريف تقول معظم كتب الأحاديث إنه لم يثبت عن الرسول ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
سورة الحجرات - ٧ ↩︎
سورة النحل- ٦١ ↩︎
سورة الأعلى - ١:٢ ↩︎
سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎
سورة الكهف - ٦ ↩︎
حديث شريف. أخرجه البخاري في صحيحه. ↩︎
سورة آل عمران-٣١ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: “أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم”. أخرجه البخاري. ↩︎
حديث شريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎
سورة الإسراء - ٧٩ ↩︎
سورة آل عمران - ٥٩ ↩︎
سورة آل عمران - ٤٦ ↩︎
حديث شريف: “أنا مدينةُ العلمِ، وعليُّ بابُها، فمنْ أرادَ العلمَ فليأتِ الباب”. المحدث: السيوطي. المصدر: الجامع الصغير، أخرجه الطبراني، وابن عدي، والحاكم. ↩︎
حديث شريف، يوم غدير خم، بعد حجة الوداع، حيث أخذ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، بيدِ عليٍّ رضي الله عنه، فقال ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسِهم قالوا بلى قال ألستُ أولى بكلِّ مؤمنٍ من نفسِه قالوا بلى قال فهذا وليُّ من أنا مولاه اللَّهمَّ والِ من والاهُ اللهمَّ عادِ من عاداهُ. صحيح ابن ماجه، أخرجه ابن ماجه وأحمد. ↩︎
إشارة لحديث شريف جاء في أكثر من صياغة: “قَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِعَلِيٍّ: أمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى”. صحيح البخاري. و “أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال لعليٍّ: أنت مِنِّي بمَنزلَةِ هارونَ مِن موسى، إلا أنَّه ليس بَعدي نَبيٌّ”. أخرجه النسائي. ↩︎
حديث شريف: " يا علِيُّ، إنَّ لكَ كَنزًا مِنَ الجَنَّةِ، وإنَّكَ ذو قَرْنَيْها؛ فلا تُتبِعِ النَّظرةَ النَّظرةَ؛ فإنَّما لكَ الأُولى، وليست لكَ الآخِرةُ." الراوي: علي بن أبي طالب | المحدث: أحمد شاكر | المصدر: تخريج المسند لشاكر. خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح. ↩︎
سورة مريم – ٨٩ - ٩٢ ↩︎
سورة مريم -٩٣ ↩︎
سورة آل عمران - ٤٦ ↩︎