(١٦)
الفطرة والدين
هي
الطريق واليقين
٩ جمادى الأولى ١٣٨٣ هـ - ٢٧ سبتمبر ١٩٦٣ م
بسم اللــه، نعـوذ باللــه
بسم اللــه، نستغفر اللــه
بسم اللــه، نستعين باللــه
بسم اللــه، نشهد أنه لا حول ولا قوة إلا باللــه
باسم اللــه، نشهد أن لا إلى الله إلا اللــه
باسم اللــه، نشهد أنه لا إله إلا اللــه
يتحدث الناس عن الطريق إذا هم عنها تحدثوا، حديثا خاليا من الإدراك أو الوعي، خاليا من الهدف أو العزيمة، خاليا من الجد وحسن القصد، خاليا من الاستقامة والصفاء.
الطريق… وما تكون الطريق؟ إنها الحياة… إنها الفطرة… إنها استقامة الكائن الحي مع قوانين الحياة… إنها الإفادة من قوانين الحياة… إنها عدم تعويق قوانين الحياة عن العمل لصالح الكائن الحي، وهو ما نسميه بالدين. فإذا ما برزت الحكمة من الكائن المستكمل لبدء الحياة في صورة تعاليم وأنباء عن أثرها، في تقدير أو تشبيه، أو قصة أو خبر، أو وعد أو وعيد، اعتبر الناس القول والفعل منه هو معالم الطريق، ورأوا فيه مؤسسه، وبذلك تضاف الطريق عادة إلى مؤسس لها من الناس، أو إلى قائم بها، أو إلى طارق فيها منهم.
فإذا عنينا بالطريق محاولة كشف حقيقة الإنسان وحقيقة الوجود كان المؤسس لها في الحقيقة هو المعروف المطلق بمعاني الخالق للوجود، والخالق للخلق بآباء الخلق من أصول الحقائق، وهو إنسان الله الخالق للإنسان لمعروفه بتحقيقه بكلمته لنفسه وجها له، وأحدية حضرة له لوجوهه. فالطريق هي الحياة، وفطرة الحياة، وصبغة الحياة، أما القائم بها وقيامها الذي به تقوم فرسول الحياة ويد الحياة وحوض الحياة لهذا المعروف بالخالق أو هو أصل لحقائق هذا الحق الأكبر ظهورا للتعريف بالحق اللانهائي.
أما المنتفع بها، السالك فيها، فهم من نصفهم بالآباء، والحكماء، والأنبياء، وأخيرا بعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما… عباد آتاهم الله من لدنه رحمة وعلمهم من لدنه علما.
والطريق كما أشرنا إنما هي الجانب الإيجابي من الرسالة. والرسالة في العرف الفطري هي الجانب النظري من الدين. والدين في واقعه من القول هو القائم العملي من الفطرة. والفطرة هي الظاهر الموجود للوجود علما على الموجد، وقياما به، وتجليا منه، والإنسان في علميته على معلومه من الإطلاق هو نور السموات والأرض برحمته، وهو ظلام السماوات والأرض بشيطانه، وهو النور الساري في الظلام المستقر به المتسربل بجلبابه منه، وهو الظلام الساري في النور المستقر به المتسربل بجلبابه منه.
في أحاديث سابقة تكلمنا عن الرسالة بصورها بمعاني ألوان النشاط الصادر من الفطرة بمصدره من الروح، ومن الإنسان، ومن البشرية، ومن الطبيعة، وأن رسالة الإسلام لله بالإسلام لمعناه بحاضر الحق مع المحمد، أي بالإسلام لرسول الله من أنفسهم حقا من حقائق الله الواسع العليم، إنسان الموجود تواجد فوجد، فمات فبُعث فحيا فقام بكلمة الله بذات تتكاثر بمعناه وحاله تعرف باسم ولفظ وصفات تحمد. هو محمد الله قديم بدوام في جديد يبعث عَلما على معلومه من إنسان الله. هو واجب الوجود لواجب الوجود.
عرفنا به كيف يتواجد الحق بالخلق، وكيف يتواجد الحق في الخلق، وكيف يقوم الخلق بمعنى الحق، وكيف يتحقق ويتطور الخلق في خليقته إلى حقيته، وكيف يتجلى الحق بقدرته وبصفته بخلقه حال قيامه، وبصفته في كائناتهم بصفاتهم.
كل هذه القضايا جاء بها الإسلام، فتكشفت وتجددت وقامت الطريق فطرية. انتهى بها الإنباء وقامت بها قدسية الفطرة وسفور الوجود عن الحق، سواء كانت على أساس من الطبيعة وكائناتها وأحيائها بإدراك قيام الطبيعة بما هي به قائمة في كيان وقيام ثابت صامد سرمدي أزلي أبدي، أو على أساس من الروح يتصل قديم الإنسان روحا بجديد الإنسان روحا وشبحا، وبذلك يقيم الإنسان طريقا للمعرفة، وللوعي، وللحكمة، متجددة بتجدد طبقاته، هي طريق البشر للبشر رسول من أنفسهم لمرسل إليهم من نفسه، وعبد للحق لمعبود من الحق يعرِّف العابد عن معبوده وربه من إنسان الله، ويطلب إلى المؤمنين به الإيمان بمن يؤمن به ربا لهم هو وجهه إليهم إن كانوا يطلبون لهم ربا، ويرون فيمن لقي ربه وصار في معنى العبد له وجه ربهم ليكونوا عبادا له باختيارهم ورضائهم، ظاهرا في عبده بمرضي صفاته عندهم. وهذه رسالة البشر للبشر، بمعاني الإنسان للإنسان في ظاهر الفطرة، من الإنسان تجديدا وتعبيرا وتعريفا عما هو بأزل قائم في باطن الفطرة، للإنسان من الإنسان في أزله إلى الإنسان في أبده خلال الإنسان في قائمه وسرمديه من الفطرة.
كل هذا جاء به الإسلام مع محمد، وقد جاء متجمعا ومبعضا مع الحكماء والأنبياء من قبله، ومع عباد الله من الحكماء والعلماء من بعده رسالة متصلة محكمة، هو العروة الوثقى لقديمها بأزله لقائمها في سرمده، وقادمها في أبده، فصار جديدا لقديمها في أزله، وأصلا وأزلا لقادمها في أبده، تسرمدت به على ما هي في قائمها على ما كانت في قديمها بأزلها، وبقيت به بقديمها مبعوثا في قادمها على أساس من قائمها.
لقد كان محمد بؤرة اجتمع فيها ضوء الإنسانية الأزلية، وانعكس منها يتساقط منبعثا من بؤرته على الخليقة المتجددة في مشروع الحياة الأبدي تعريفا عن قائم الحياة الأزلي، وهو ما استحق به التسمية بالعبد لله، وبالرسول، وبالإنسان، فكان الإنسان به صاحب القدح المعلى على سائر الكائنات يوم يكسب وصفه بمعنى الإنسان، سواء في القديم أو القادم أو القائم. فالإنسان في الواقع هو مؤسس الطريق، وهو القائم بالطريق والذي به تقوم، وهو العامل فيها والمجدد لها، وهو في الوقت نفسه المنتفع بها، والطارق لها.
إن الذي نريد أن نخلص إليه، إن الطريق لطارقها في علاقته مع قائمها وإيمانه بداعيها لا تقوم على القهر سواء من الطارق بافتقاره أو من القائد باضطراره، ولا تقوم على المحو سواء من القائد في انفراده أو المقود باعتقاده، ولكنها طريق بناءة تقوم على أساس من البقاء للأنانية بمعشوقها وصفاته، وتقوم على الحرية لعزة إرادتها بعزة مرادها، فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة. وضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك. جعلناك ربانيا تقول للشيء كن فيكون. ارتفعنا بك فوق الصواب والخطيئة أو المعصية والطاعة، فهذا من صفات المادة وقوانين الطبيعة. غفرنا لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، حررناك من أوانيك من الماضي والحاضر والقابل من الطبيعة هي دوما لك عبدا ومكانا وبيتا.
اعمل مغفورا، وقم محمودا مشكورا، أخطأت أو أصبت عند ناظريك، فالإحسان في العمل صفتك والسلام سجيتك. قل للناس: أنا صخرة الحق وزاوية الطريق، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. قل للناس إنا هديناهم السبيل إما شاكرين وإما كافرين. قل للناس إنا صعدنا بهم النجدين طائعين وعاصين لخلق الأنانية لهم بالنور والظلام. ما يفعل الله بعذابهم وهو ما يرسل بالآيات إلا تخويفا! قل للناس: إن الذي تنشدون، والذي تطلبون، والذي تعرفون، والذي لوجوده توجبون، إنما هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فكيف يعنونه شيء وهو كل شيء؟ كيف يعنونه فرد من إنسان وهو كل الناس وكل إنسان؟
إن الله وهو المؤدب الهادي، الآخذ بالنواصي إلى الخير، الذي يعلم السر وأخفى، والذي لا يعزب عن علمه مثقال حبة من خردل في السموات أو في الأرض، إن الله على وصفه قام في كل شيء، وبكل شيء، وعلى كل شيء، بوصف من وصفه، وبأمر من أمره. إن لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق. إن الله قائم على كل نفس، وقيامه عليها بما كسبت لمعانيها من معاني الحق بها، وعليها ما اكتسبت مما افتقدت ففقدت لأنها ما عارفت، فعرفت، فآمنت، فأمنت، فتكشف لها ما أخرت، فكان عليها ما اكتسبت مما فوتت.
ما مات أمرؤ إلا ندم، إن كان قد أحسن أنه لم يزدد، وإن كان قد أساء أنه لم يُقلع. فلله طرائقه بقائم الخلق في قيامهم على ما هم به قيام، يتطورون ويتجددون لكسب أنفسهم، يفارقون المرذول ويحاولون الممدوح تخلقا بأخلاق المثل الأعلى عندهم من أنفسهم، معلوما بحقائقه بوصف عباده ورسله، ورسل رسله بألوانهم ومعادنهم ومعانيهم أوادم خلقه معلوما بعباده، وعباد عباده وجوه ذاته، وحقائق معانيه في معراج إليه بوصف واجب الوجود، معروفا بأثره بمرئي الوجود، متجليا بقائمه بكمال الوجود الإنساني عوالم الوجود لمعاني ذاته، علما على الأعظم والأعظم لذاته من الأكبر والأكبر لذواته، بالأقدس والأقدس حتى لانهائي القدس لواحدية ذاته بأحدها الجامع لمعاني وحقائق ذواته لصفاته.
فالإنسان بذاته طفل وجوده لظاهر موجوده من قائم مشهوده ابن الأرض وابن الشمس، ابن السماء والهواء وابن الأرض والماء، ابن النار والتراب وابن الطبيعة الصماء هو تكوينها ووليدها، هو قديمها وجديدها من حيث ذاته وطبيعته، وهو روحها في الوقت نفسه وأصل وجوده من حيث روحه، هو ابن الروح الأزلي ووليدها الأبدي، وعينها لعينها، وجديدها لقديمها، بل وقديمها لجديدها، وشهيدها لشهادتها، ومشهودها لشهيدها، وقيومها لقائمها، وقائمها لقادمها.
الإنسان هو في عالم فطرته بذاته دنيا نفسه لآخرة دنياه، دنيا حاضره بيومه لآخرته بغده، أوله وآخرة يومه، وآخرة أمسه بيومه، وآخرة يومه بغده، وآخرة أبيه بقيامه، وهو غيب جده في سلامه، وأصل ولده لقادمه لقيامه، وغيب حفيده لمعلومه من قادمه، أو قادم قادمه في قائمه. الإنسان بنفسه لنفسه بداية المعرفة ونهاية المعروف. بدايته طائفا ونهايته غرفة وقبلة المطاف له بطائفه.
الإنسان هو تعبير الفطرة في عظمتها للواسع العليم عن نفسها، بأبعاضها وكلياتها بآحاد عوالمها لحاضر الإنسان في عوالمه عن قديمها بقديمه، وعن قائمها بقائمه، وعن قادمها بقادمه. الفطرة قديم الإنسان بقيامه خلقا متطورا. والإنسان قديم الفطرة بقيامها خلقا متطورا، وقيامه عليها حياة سعادته وسعادتها. فالإنسان أقدم من مشهود الوجود بحقائقه، ومشهود الوجود أقدم من الإنسان بخلائقه، وللفطرة قيام حقي على الإنسان الخلقي وفي هذا شقوته وتعاسته وهلاكه.
الإنسان لا يكون إنسانا ولا يكون جديرا بوصف الإنسان إذا فرط في إرادته المطلقة وحياته المطلقة لدنيا نفسه، ولآخرة دنياه لا ينشد إلا قيام حقه على خلقه يؤمن به قائما، ويطلبه له قياما في دخول حصن وحدانيته يوم يدخل حصن لا إله إلا الله فيقوم عبدا لرب، عبد هو عين ربه، وربه له عين عبده منه، والله بعظمته من ورائهما بإحاطته، هما فيه له وجهان، وجه لوجه… وجوه ناضرة لربها ناظرة. كونوا ربانيين بما كنتم تُعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون، كونوا ربانيين لأن الله لا يتعارف إلى غيره، ولا يتعارف لمن يؤمن بغيره، ولا يتعارف ولا يعرف عند من يقوم بغيره، ويعمل بغيره، ويعمل لغيره. إن الله لا يغفر أن يشرك به. إن الله لا يبقي على غيره. كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
إن الذين كفروا بوحدانيته وبقائمه وقيومه للعبد والرب والإله، هي لهم مظهرا لغيب بأزل وقياما به في أبد، لا فرق بين غيب وشهادة في قائمهم لقيامهم في قائم الله بهم في حصن لا إله إلا الله، الظاهر فيه مرآة الباطن له، أولئك لا بقاء لهم ولا غفران لهم.
إن الله يحرر العبيد من أسر نفوسهم بوهم غيره بكشف القناع عنه فيهم لهم يوم يضع عنهم أوزارهم، وتنعكس إليهم أبصارهم، وتنبعث فيهم بصائرهم، ويحتد بلطيفه ونوره بصرهم، فتكشف عنهم غشاواتهم فينظرون، وما أدراك ما ينظرون! ينظرون قياما بالله، منظورا منهم، ناظرا بهم، ناظرا إليهم، هو عين قائمهم لقيامهم بقديمهم وقادمهم بمعية الله الأزلية لتواجدهم.
إن الله لا يُعرف إلا في حرية عارفه، وفي إرادته المطلقة من الإرادة المطلقة لمعروفه بعبده ومعبوده لقائمه في اللانهائي الكريم باطن ظاهره، به يقوم جلال وجهه بكل ذكر له بوجود أسماء أيمانهم في أي صورة ما شاء ركبه، هو معلوم باطنه له بقائمه عبدا، لمعناه ربا.
فالطريق التي تقوم على قهر من قاهر، إنما يقوم فيها محو المقهور وقيام القاهر، فلا حياة فيها للمقهور بقائم القاهر، ولا جديد فيها للقاهر في قائم المقهور، إنه العدم، إنه فقدان الحياة إلى قيام من العدم إلى عدم ولا قيام، فهذا هدم وهذه طريق الشيطان للشيطان وجنوده.
وهي طريق ودين يقهر من يقهر بوهم عزته يراها لنفسه لم تغنِ عنه شيئا مع العزيز الحكيم، فلا يجدد لنفسه عزة وقد أُزَّ من على الحق عز، ونُرسل الشياطين على الكافرين فتأزهم أزا، من تدبير العزيز الحكيم، فلا جديد بخلافة ولا تقوى في ضيافة.
وإذا قلت الشياطين فلا نعنى في ذلك معاني المادة من الطين وكفى، ولكن نعنى في ذلك الطبائع بألوانها في طبائعها، فإذا محا النور النور كان شيطانه، وإذا محت الروح الروح كانت شيطانها، وإذا محا الإنسان الإنسان كان شيطانه، وإذا محت فطرة فطرة كانت شيطانها. إن طريق الشيطان إنما هي استهلاك المستهلك لمن يهلك حرصا على حياته، بوهم الحياة لمعاني الحياة على وهم ما قامت فيه.
فموقوت الحياة عدم، وموقوت الحياة لا تكسب منه حياة لطالب حياة. فالكائن الموقوت الحياة من البشر لا يعطي الحياة لمثاله من كائن موقوت الحياة من البشر، ولكن الذي يعطي الحياة إنما هو الحي بالحي القيوم على حياته حيا… إنما هو الحق الرسول… إنما هو الحق المرسل أو الحق المبعوث في جلباب من الخلق… إنما هو الحق العبد… إنما هو الحق الرب… إنما هو الحق الظاهر للحق الباطن. وسَمِّه بما شئت… إنه النفس العليا للنفس الدنيا في الإنسان. شَرُفَ به الإنسان خلقا وحقا.
إن لاقينا وعرفنا هذا المستوى من الإنسان، وآمنا به خلقًا حقيا للإنسان لحق خلقي من الإنسان، جديدا لقديم من حقي الإنسان بتجليه بخلقه، وهو خالقه لنفسه وليصنع على عينه عباد مكرمون، بذلك تقوم الرسالة وتبدأ الطريق ونرد حوض الحياة، فيداني الخالق عباده بعباد يصفهم رسلا أو رسولا من أنفسهم التي هو عليها القائم وبها الفاعل. كيفما تكونوا يولَّ عليكم.
فإذا ما قامت الرسالة أو الدين، وقامت وتأسست وبدأت بهما الطريق واليقين من هذا الإنسان للإنسانية، تحققت للمجتمع أحواض الحياة، واستقامت له طريق النجاة، وتهيأت له أسباب ووسائل السعادة، والحرية والعدل. وما قام ذلك إلا على أساس من الإرادة لطالبي الطريق في طالب لها، فيه تنشأ، وفيه تقوم، وبها يتواجد، وبه توجد مع جمع متواصين بالحق متواصين بالصبر، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[١] (الزم الإمام - فإن لم يكن - الزم الجماعة - وإلا - عض ولو على جذع شجرة)[٢]، في معراج من المجاهدة إلى مصدر الإرادة، وهو الحق من الله بكلماته التامة، لا فرق بين إرادة العبد وإرادة الرب… لا فرق بين إرادة الخالق وإرادة المخلوق… لا فرق بين حكمة الخالق وحكمة المخلوق، يوم يعطيه من لدنه رحمة ويعلمه من لدنه علما. وهنا يقول الرسول تخلقوا بأخلاق الله، ويقول الله كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون.
إن الطريق لا تعرف قهر الطارق، ولكنها تعرف السهر عليه لكسب حريته، ولنمو شخصيته، ولتطور قدرته، ولقيام إرادته في دنيا نفسه وآخرة دنياه في عالم خلقه لحقي معناه، سواء قلنا طريق الفطرة، أو طريق الروح، أو طريق البشرية، أو طريق الكتاب، أو طريق الإسلام، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وأن أعمالكم سترد إليكم يوما، فإما العذاب وإما الساعة. وهي مردودة إليكم دوما ما حاسبتم أنفسكم في قيامكم مع تعاقب أنفاسكم.
لا إكراه في الدين تبين الرشد من الغَي، مَن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وما أنت عليهم بوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا رسول الله ونعم الوكيل، بإرادتنا… بإيماننا… بفعلنا… باختيارنا… بسيرنا… بطبيعتنا… بجبلتنا… بفطرتنا… بأرواحنا… بإنساننا… بحقائقنا… لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
اللهم يا من هو لنا في قائم وقديم وقادم… اللهم برحمتك فاكشف حجاب الغفلة عنا، وأنر الطريق أمامنا، وخذ بنواصينا إلى الخير.
اللهم يا من هو لنا برحمته، وبفضله، وبحقه، وبقائمه، وبقيومه… اللهم كن لنا على ما أنت في كل قيام لنا برحمتك وبمغفرتك، وعاملنا بعفوك وكرمك وجودك، وكن لنا في الصغير والكبير من شأننا، وطور صغيرنا لمعاني الكبير منا، والكبير فينا في واسعك يا من هو أكبر من كل كبير، ويا من هو أقرب من كل كبير لكل صغير، عاملنا بعفوك ورحمتك، وقنا شر غضبتك، وأزل العوائق من طريقنا، وأنر بنورك سبيلنا، وقوم بفضلك جوارحنا، واسلكنا الطريق بهديك. لا إله غيرك ولا معبود سواك.
وولِ اللهم أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، وارحمنا حكاما ومحكومين، واغفر لنا حكاما ومحكومين، وقوم فيك طريقنا حكاما ومحكومين، وخذ بنواصينا إلى الخير حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، مجاهدين ومتابعين، يقظين وغافلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎
من الحديث الشريف: “تكونُ دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَنْ أجابَهم إليها قذفوه فيها، هم قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا، يَتَكَلَّمُونَ بألسنتِنا، فالزمَ جماعَةَ المسلمينَ وإمامَهم، فإِنْ لم تَكُنْ جماعَةٌ ولَا إمامٌ فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجَرَةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ كذلِكَ.” أخرجه ابن ماجه بنحوه، البخاري، ومسلم مطولا. ↩︎