(١٤)

القدوة المرتضاة
تمت مروءته ووجبت للنجاة صحبته
من عامل الناس لم يظلمهم
وحدثهم لم يكذبهم
ووعدهم لم يخلفهم

٢٥ ربيع الآخر ١٣٨٣ هـ - ١٣ سبتمبر ١٩٦٣ م

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. من الله ومن رسول الله نستمد. وبهما نقوم وبتوفيقهما نعمل.

فسبحان الله تعالى على كل وصف، وسبحانه في أنفسنا، ومن حولنا، ومن فوقنا، ومن قبلنا، ومن بعدنا.

سبحانه جعل العلم في تقواه. وجعل الهدى في معناه. وجعل الحق والرحمة فيمن طلبه فلقيه فلاقاه، فكان وجها لربه، وعبدا لله، واسما وذكرا للإله، وقياما ووجودا للحق، للا إله إلا الله، إليه المصير. شمل الصغير والكبير، وتنزه عن الكبير والصغير، وقام به الصغير قبل الكبير.

جاء دين الفطرة بالتعريف عنه، والارتباط به، والقيام فيما يرضيه. هو الغيب والشهادة، وقانون الحياة. جعل رسالته فيه منه إليه طريق السلامة، وسفين النجاة، فجاء رسوله وجماع رسله بالدين كله. وقد أظهره على الدين كله إذ جعل الدين كله في معرفة الإنسان عن نفسه، فعرفه عن نفسه وقد كشف عنها غطاءها من نفسه العليا، ومن الأعلى، من أزلي قيامه مع رفاقه الأعلى من الرفيق الأعلى، وبذلك تمت وتتم له غايته، وتقوم له نعمته، وتتحقق له كرامته إنسانا، وابنا للإنسان، إنسانا وعنوانا للإنسان، عبدا بكثيفه من الجسد، وربا بلطيفه من الروح. ما ينشد من الحقيقة عن أمره وعن نفسه إنما هو ما يقوم عليه من عين معناه قيوما عليه بالحياة. إن رآه ولدا فأبوته العليا، وإن رآه أبًا فرفيقه الأعلى في معراج إلى اللانهائي، ارتدادا لقديمه لأحسن تقويم لا بدء له، أو كسبا لقادمه لأحسن تقويم بتخلقه بأخلاق القيوم عليه، إلى كمالات تطوره إليه بعطاء وهبي لا يجز، وعمل كسبي لا يتوقف إلى ما لا نهاية لتواجده أبديا في مرتقاه دائم قيام بمعناه لمعناه، في قادم مرجو لأناه بعين الأعلى في أحسن تقويم منه تواجد، وبه يقوم، وإليه يصير، فيمضي إلى أهله من أحسن تقويم، رجوعا إليهم بتخليه عنه أو انتظارا لكسبهم ووصلتهم بمعناهم، مضيا في الحياة، وارتقاءً لمعارج الطريق إليهم حتى يلقاهم بمعناه من عين معناهم ففي لقائهم يلقى الله، وما يلقاهم إلا يوم يلقى الله في معناه بروح إنائه، روحا لله من روح الله من الروح الأعظم من الله، فيعرف أن الله قائم على كل نفس حقيقة، وأنه أقرب إلى كل نفس من حبل الوريد يقينا، وأنه معه أينما كان حسا وقياما، فينظر في نفسه ويتأمل من حوله.

إن هذا كله لا يتحقق إلا لمن استمع لرسول الله وما صدر عنه من قول أو فعل، وما صدر عنه حملا لحديث من الله وتنفيذا لأمر من الله، وعرف معنى رسول الله في الله، عرف رسول الله في الله معنى في الله ما غاب يوما، وما حدث يوما، ولا ينقطع يوما، استمع إلى قوله تعالى إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا، فعرفه تحقق للرسول وربه رفيقا أعلى، فطلب من يقوم معه مثنى وفرادى صاحبا أو مصاحبا حتى يقوم فيما تحدث به رسول الله بحكمته عن الرفيق الأعلى بقوله المؤمن مرآة أخيه، لنفسه ولأخيه، والمؤمن مرآة المؤمن، لإيمانه ولمن به آمن، ولمن يذكر مؤمنا. فإذا تساءل الناس وما تكون صفات المؤمن؟ وما تكون صفات الكريم من أبناء آدم وقد كرم الله أبناء آدم؟ فيجيبه الرسول (من عامل الناس فلم يظلمهم، ومن حدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فذاك ممن تمت مروءته، ووجبت صحبته)[١].

هذه معالم للمؤمن الصالح لأن يكون مرآة لطالب الإيمان، أو لكشف معاني الإيمان في نفسه لمعرفة نفسه، متواصيا بالحق مع طالب له طلبه له، حدث الناس فلم يكذبهم، عاملهم فلم يظلمهم، وعدهم فلم يخلفهم، قامت بهذه الصفات حياته، وخلقه، وعمله، وقيامه، وصلته بالناس، ووصلته بأهله، ووصلته بقومه، ووصلته بجمعه، عامل لم يظلم، حدث لم يكذب، وعد لم يُخلف، صاحب أو صُوحب فصدق مصاحبا وآثر صاحبا.

المسلم من سلم الناس من يده ولسانه. المؤثر، المـُصلح من آثر على نفسه، من لم يرَ في الكذب نجاة، ولا في الظلم كسبا، ولا في إخلاف الوعد مروءة. لقد رفع الله الناس في الأرض بعضهم على بعض بما جعل فيهم من خلق، في تخلقهم بأخلاق ربهم في التخلق بأخلاق مُثلهم في تخلقهم بأخلاق الله. إن الله يربط بين الناس، يربط بينهم نفوسا، كما يربط بينهم قلوبا، كما يربط بينهم عقولا، ينتظمون فيه وإن اختلفوا، ويتحدون فيه وإن تفاوتوا، ويتوحدون فيه وإن افترقوا، الله للجميع أحد الجميع، وواحد الجميع، وعين الجميع، ورب الجميع، والمتواضع للجميع بعباد له هم كرامته وقدرته ووجهه، يخفضون جناح الذل من الرحمة لخلقه وعباده، إكراما له، وتقديرا له، ورؤية له، وتخلقا بخلقه وهو القاهر فوق عباده. ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة.

إذا كنت في كل الأمور معاتباصديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه.[٢]

ومن عفا وأصلح فأجره على الله. إن المودة بين الناس هي المودة مع الله، من الله، وإلى الله، فمن وادد الناس وادد الله، ومن أحب الناس مؤمنا باللهم (الله – هم) فقد وادد الله، ومن غفر للناس فقد قبل قضاء الله، ومن أدرك معنى مغفرته للمسيء فيما أساء علم أنه ما أساء ولكنه قام بقضاء، ونفذ جزاء، وأدرك أنه عوقب بمثل ما عاقب به عن فعل أتاه استحق به ما وقع عليه، وأن الله بالغ أمره فيما يقع عليه، وأن الله بالغ أمره فيما يقع منه، فرد الأمر كله لله طالبا إدراك حكمته فيما هو قائم أمام نظره، وبين يديه، ومن خلفه، وعليه، ومن فوقه، ومنه، ومن تحته.

من طلب الحكمة وعرف أن مخافة الله رأس الحكمة، وأن تقوى الله رأس المعرفة، وأن الحكمة بداية الطريق، وبداية السلوك، وبداية المعرفة، وبداية اليقظة من النوم، طلبها طلبا للعلم عن معروفه في أمر نفسه، وجودا أوجب عنده التفكير في واجب الوجود له، معروفا لنفسه بما أوجب عنده التفكير في المعروف له بالمعروف به، فقامت وحدة القيام له في وحدة الوجود به فقام الحب بين العابد والمعبود في الموجود بهما فيه لهما.

إن لم تعمل الفطرة فيه وتُحرك ساكن غفلته، ومقيم ظلامه، إن لم يستيقظ من نومه بقانون طبيعته بين الليل والنهار من دورته، إن من لم يبكر ليستقبل فجر يومه ويودع إدبار ليله، بالتفكير والتأمل في نفسه دانية في وجوده من داني الوجود، تقله أرضه عالية في جهله بها موضوعة بمعرفته عنها، علويها من نفس علوية تظله هي سماؤه، عَلِم بوجودها بموجوده موجدَه ووجوده، وشهدها العقل في شهود ما يشهد بجوارحه، ففكر في الناس وفي نفسه، فكر في الوجود وفي وجوده، فخشي الله واتقى الله يراه فيما يرى من الناس ومن الوجود، فيعامل الناس لا يظلمهم، ويحدثهم لا يكذبهم، ويعدهم إن وعد لا يخلفهم، فذاك ممن تمت مروءته وصحت صحبته.

المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل، فلينظر أيكم من يرتضي لنفسه رفيقا، ولمن يرتضي لنفسه خليلا، فلينظر لمن يرتضي لنفسه حبيبا. هل ارتضى لنفسه خليلا وحبيبا وصاحبا، من عامل الناس فلم يظلمهم، ومن حدثهم فلم يكذبهم، ومن وعدهم فلم يخلفهم؟ أم أنه تابع وناصر وزامل وخالل واتحد وتحاب مع من عامل الناس فظلمهم، ومن حدَّث الناس فكذبهم، ومن وعد الناس فأخلفهم؟ فلينظر الإنسان في أمر نفسه بنفسه. والإنسان في أمر نفسه على نفسه بصيرة، وإن أبدى معاذيره، ولله الحجة البالغة. وكان الإنسان أكثر شيءٍ جدلا، وما جادل إلا ضميره، وما أخفى الحق إلا عن ضميره ووعيه. إن في الإنسان ضمير صادق لا يكذبه. إن كانت الدار الآخرة خالصة لكم من دون المؤمنين فتمنوا الموت إن كنتم صادقين، ولن يتمنوه أبدا بما كسبت أيديهم. من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. خُلق الإنسان هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين. فهل صلى الناس وأنتجت الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر؟ وما الصلاة إلا الصلة بالله ورسوله، في قيام الله ورسوله على قائمهما من الإنسان بشرا خُلق من عَلق من الإنسان. كان علقة في أبيه سواها به من خلق فسوى. وهو في قائمه من نبات الأرض علقة من الأرض، يسويها بها من خلق الأرض وخلقها منها. يسويها مسكينا ذا متربة، ويحققها يتيما ذا مقربة، ويظهرها وجها لله وضع عنه وزره، له الجلال والإكرام من اصطفى آدما وكرم بني آدم. فمن يكون صاحب الحظ كله؟ من يكون القدوة! من من هو على الخلق العظيم! من من هو على الصراط المستقيم! إن الرسول يقول إنه من عامل الناس فلم يظلمهم… إنه من حَدَّث الناس فلم يكذبهم… إنه من وعد الناس فلم يخلفهم، ذاك من تمت مروءته ووجبت صحبته.

اللهم يا من جعلت من الإنسان ذكرك، وجعلت من الإنسان كتابك وخبرك، وجعلت من الإنسان حقك وأثرك، وجعلت من الإنسان حقيقتك وخليقتك، اللهم يا من جعلت من الإنسان كل شيء، وأظهرته على كل شيء، وعلمته كل شيء، وركبته في كل شيء، وجعلت منه كل شيء، وجعلت فيه كل شيء، وجعلته عَلَما على كل شيء، اللهم بالإنسان فارحمنا… اللهم بالإنسان فأكرمنا… اللهم بالإنسان فألحقنا… اللهم بالإنسان فقومنا… اللهم بالإنسان فأحينا… اللهم بالإنسان فَصِلنا… اللهم بالإنسان فتواجدنا.

صليت وملائكتك على الإنسان في أزلك، وتصلي وملؤك على الإنسان في أبدك، وتصل الإنسان في قائمه بقيومك، لا إله غيرك قديما وقادما وقائما، ولا معبود سواك، معبودا هو عين عابده، قائما على عبده، أقرب إليه من حبل الوريد، ومن ورائه محيط.

جعلت من الكيان المادي وجودا وعبدا، وجعلت من القيام الروحي حقا وربا، فخاللت بين العبد وربه في الإنسان بين الكثيف واللطيف، فكنت موجود الرب وموجود العبد بالإنسان، وكنت من وراء الرب، كما أنت من وراء العبد فيه.

يا من هو متكنز بحاضره على أزله في قائم أبده، تكنزه على أبده بحاضره في قائم أزله، يا من جعلت من حاضر الحق لك قائما رباط الأزل لك مع الأبد منك، وجعلت خلافتك عنك لجلال وجمال وجهك لا تعرف إلا بخليقتك من الإنسان، ولا تُشهد إلا برسالتك من العنوان، ولا تُعلم إلا عن عبوديتك من الإحسان، بها تقوم لانهائيتك لذاتيتك، ويعرف تنزيهك عن تقييدك، وتنزيهك عن إطلاقك، مطلقا لم يخرج المقيد منه، ومقيدا لم يتحدد الإطلاق فيه، فكان الناس وكان الإنسان في ظهوره رسولا منك وجه سعتك ووجه إطلاقك، وكان بوجهه لك لسعته في سعتك قائما لقيوم وجهك، ظاهرك لباطنك، فكان الإنسان بك ظاهرا للإنسان فيك، وكان الإنسان فيك باطنا للإنسان منك…

كل من في السموات والأرض آتيك يوم يأتي عظمة العبد لك ووجه الطلعة منك رسولا من عليائك برسول من أنفسهم.

يا من جعلت لنا في محمد أسوة وقدوة لكل هذه المعاني، فكان ظاهرا لنا رسولا من أنفسنا، عزيزا عليه ما عنتنا، باخعا نفسه على آثارنا، صابرا على التذكير لنا، قابلا للشقاء في سبيل دعوته إلينا إلى الحق بنا عين الحق لك، خافضا جناح الذل لنا بأمرك، مشجعا مُرغِّبا، مُرهِبا بهديك، بشيرا ونذيرا بحقك، وداعيا إليك بإذنك برحمتك، وسراجا منيرا بنعمتك، دعوت أنت بعظمتك إليه بهديك وقدرتك وفعلك وكلامك {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله، يؤتكم كفلين من رحمته}[٣]، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم}[٤]، أزواجه أمهاتهم يوم يعرفون أن أبوته لا تشابه ما يشهدون في أمر أبوتهم وبنوتهم. ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين. إنما يريد الله أن يذهب الرجس عنكم أهل البيت ويطهركم تطهيرا. يا من جعلت لنا بمحمد كل هذا، ألحقنا اللهم بمحمد وبيته وأهله.

إن محمدا إنما هو بيت الله يذكر فيه اسمه، من دخله وعرف أمه في أزواجه كان في معنى الولد له، ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن نور الله المنتشر، ولكن ذكر الله المدكر، ولكن حق الله المبسوط للناس، الداني للناس، المتواضع للناس، المقارب للناس، الذي يقوم في الناس فيخلصهم عن معانيهم من الظلام، ومن الفناء، ومن القطيعة، ومن التوقيت، ومن العدم، إلى نفسه يقتلهم نفسا بنفس، نفسا ضائعة بنفس لا تضيع عند الله أبدا. إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله أنت، فوق أيديهم، صل لربك وانحر، أفمن جعلنا له نورا يمشي به في الناس، وقد جعلناه لك ثم ضاعفنا لك الحياة بما أنزلناه عليك لتمشي به في الناس فتهدي به من نشاء، تبعث فيهم، فيتغنون بالحياة، يوم يقولون (أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع) [٥] يا أول بيت وضع للناس، أفمن كانك أو كان مثلك كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟

اللهم يا من جعلت هذا كله للإنسان، وجعلت من آدمك محمدا إنسانا، خلقته في أطوار حياته وحيواته من علق من الآباء بهم سويته وبخلقه من علق من الأبناء به تسويهم، وجعلت منه علقا من الأرض بقائم الناس قياما له بها سويته، فجعلته أرضا طيبة طاهرة لا يعصى الله فيها أو عليها قط، ثم رفعته فجعلت منه سماءً لأرض مظلة، فعرف الدين كله يوم جعلته سراجا وهاجا، جعلت الشمس عليه دليلا، به استدار الزمان على هيئته كيوم خلقت هذه السموات والأرض، به تجددها له كما جددتها في قديم لقديمه، وتجددها في قادم لقادمه إنسان قيامك وعبد إحسانك وحق خلقك، داعيا إليك بإذنك وسراجا منيرا.

بالحق في قديم أنزلته. وبالحق في دائم تنزله. وبالحق في قائمه ينزل. نجما يهوى إلى الأرض غيبا على أهلها، رسولا من أنفسهم ما عرفه غير ربه، وما زال في كل دورة يعرف بظاهره من أمره، باطنه لأمره مجهولا حتى على نفسه، ولما أودع الله فيه ما زال يكشف، فيتكشف له ما سبق أن غمض عليه من الأمر فيه، فما عرف وما لم يعرف، في تزايد بما عرف، وفي حلول بما لم يكن يعرف، عطاءً غير مجذوذ حتى يعرف. فهو بمعاني العبودية فيه، حقا لله أزليا أبديا، قائما قيوما لمعاني العبد فيه ومعاني العبد له، فيقرأ كتاب نفسه كتابا لله وأُما لكتب الله، فيعرف عن الله في معرفته عن نفسه في دوام طلب للمعرفة عن الله، بدوام وارد المعرفة عليه في نفسه. (إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة)[٦]، وما هي إلا أغيان أنوار المعارف تتزاحم على نفسه.

بهذا جاء نبي الفطرة… ورسول الفطرة… وعبد الفطرة… وحق الفطرة… ورب الفطرة… وإله الفطرة… وإنسان الفطرة… علما على معلومه مما لا نعلم ولا ندرك اللهم إلا واجب وجود لله، وواجب معروف للعقل نعرفه لا إله إلا هو، ونعرف الحق منه في رسول له، ورسول منه، نزلة وأخرى، يرشدنا ويعلمنا وهو في الأفق الأعلى، نراه شديد القوى حتى لمعنا قاب قوسين أو أدنى يعرفنا ويعلمنا، رسولا من أنفسنا قائما بقيام طبقات مجتمعنا متجددا بتجددها ويعرفنا ويعلمنا، رسولا علينا واجب الوجود عندنا، وواجب المعرفة لنا في صحبة ضمائرنا بنا لنا.

إن الله في عظمته بكليات وجوده لا يتعارف إلا بوسيلته عن طريق رسله من مفردات أبعاضه. إن {الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس}[٧]، فإن من الناس اصطفى لكمال الإنسان حقا يبعث عرفنا وشهدنا وتلاقينا وجوها للحق بسريان وجه الحق فينا، وجوها ناضرة لربها ناظرة، كلمات لله أناجيلها صدورها، وفي هذا يوم من أيام الله بقيامته، وبدء من حق لله برسالته برسله من صوره، {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}[٨]، {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال}[٩].

وإن اصطفى من الملائكة والروح لبعث رسوله من الناس بهم روحا ونورا، تكنز علينا وجه الله فيمن يصطفي من بيننا من عباد للرحمن رسلا له، وحقائق منه، وقد قام محمد بيننا بالأمرين مبلغا مشرعا بالروح والملك، وأمرا متحققا بالحق به.

بذلك عرفنا أن رسول الله بيننا على ما عرفنا قام في كمال معارف بما عرف. وما عرف ربا له إلا رسولا لله من الملأ الأعلى ورفيقا أعلى، استمهل عند لقائه حتى يصلي للأعلى من أمر ربه، فعرفنا الله به اسما لذي المعارج في الواسع العليم.

وعرفنا أن لقاء الله إنما يقوم في لقاء عباده بعباده، وأن معرفته بالعلم عنه إنما هي في معرفة النفس منه وله، وأن عباده إنما هم رسله من عوالمه من ملئه الأعلى إلى ملئه الأدنى، وأن رسله من حقي ملأ رشاده إلى الأعلى والأدنى، العلم لدنهم بحقهم، والرحمة لدنهم بفعلهم، يتميزون عن عوالم رسالتهم حقائق اللانهائي المنزه، هم لأممهم كلياتها، وأممهم لهم جزئيات صفاته بالتقييد لصفاتهم بحقهم.

يعرفون ويقومون بالإطلاق والتقييد، فيعرفون أن عوالم التقييد ليست إلا عوالم للإطلاق بوحدتها لمفرداتها، وأن لديها في عالمها من أنفسهم لأنفسهم قدس الله بوجه الحق منه جماع قيامها لقيامها، وأن بينها من يعرف الله حق معرفته، وأنها جميعا وبجميع مفرداتها إنما تقوم بالله، وأن بينها عباد للرحمن يمشون على الأرض هونا، عَلَّمهم الله من لدنه علما، وآتاهم من لدنه رحمة، وجعل منهم الأئمة للناس قيمة عليهم، بهم ومعهم تقوم وتستقيم فطرة المجتمع الفطري هم عمده، وبهم يرتقي الناس في مرتقاهم، كما هو حال الملأ الأعلى لهم يمتد ويتجدد في إدراكهم بمددهم ونورهم ورسالتهم لوجوده وبفعله.

يجمع الله الملأ الأعلى الطالب للحقيقة والمعتز بما حصل منها على الملأ الأدنى، بين صادق وكاذب في طلب الحق، كلاهما يطلب مزيدا من المعرفة عند صاحبه، وليعلم عن الله من صاحبه، يجمعهما بروابط العالم الأكبر الجامع لعالميهما بحق أكبر، هو هدف الجميع، للقيام بالحق وبالرشاد في الواسع العليم، وللقيام بالحكمة من الله، وفي العمل بقدرة الله تطلعا لاستقبال وجه الله، وللظهور بوجه الله، وللانتشار بنور الله، وللمعاملة برحمة الله، تطلعا إلى إنسانية الرشاد لحقائق الله لحضرة الوجود، نهاية الطريق والهدف لكل موجود.

من استقبل هبة الحياة، فكان في الله على بصيرة وعلى نور، وكان في الله على حقيقة عنوان الحق حقا منه مؤثرا على نفسه يطلب للناس من الله ما يطلب لنفسه، ويحب للناس من الله ما يحب لنفسه، ويقدم للناس من الله ما منحه الله لنفسه طمعا في مرضاة ربه، وإيمانا منه بالله وبمغفرته وبرحمته وبكرمه وبسعته وبعلي صفاته… أولئك الذين يؤمنون بالغيب، ويتقون الله، وينفقون مما رزقهم الله سرا وعلانية، رجال إذا عاملوا الناس ما ظلموهم، وإذا حدثوا الناس ما كذبوهم، وإذا وعدوا الناس ما أخلفوهم، وما تحدثوا مع الناس إلا في الله، وما عاملوا الناس إلا في الله، وما وعدوا الناس إلا بالحق من الله، أولئك هم المفلحون حقا، لا يشقى جليسهم، ولا يضيع في الله رفيقهم. لا تصاحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله… فالمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.

اللهم ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا… اللهم أصلح حالنا حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، قوادا ومقودين، مجاهدين ومتابعين. اللهم حققنا بالحق منك ببسط رحمتك لنا، ومغفرتك واسعة لذنوبنا، وبسط يديك كريمتين لقيامنا، نشهدك يدا مقلة… ويدا مظلة… ويدا قائدة… اللهم خذ بنواصينا إلى الخير، واجعل خير أيامنا يوم لقائك.

أضواء على الطريق

(ما حصلته وما أخذته في كل السنوات التي أمضيتها في عالم الروح، في كل السنين التي أمضيتها في التطور لإعداد نفسي، كل هذا أمنحكم إياه مجانا من قلب محب، ومن عقل راضي، لا آمل إلا أن يسمح لي الروح العظيم بإعطائكم كل ما أملك. إني أعمل ذلك لتتأكدوا كم أحبكم جميعا، كم أخدمكم، كم من قوة أحاول أن أعطيكم، ولتتيقنوا دائما أن القوة الموجودة وراءكم هي قوة إلهية في غايتها، قوة تحاول فقط أن تهبكم كنوز الروح وثمارها. إن الحب يفعل كل ما نريد عمله، وغرضنا الوحيد هو إبداء حبنا الذي يأتي من الروح العظيم لكم جميعا). (سلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف: “من عامل الناس فلم يظلمهم، ومن حدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحُرِّمت غيبته رواه الإمام علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم” . كتاب مسند الشهاب القضاعي: ١/ ٣٢٢. وجاء في أكثر من مصدر بالمكتبة الشيعية. ↩︎

  2. من أبيات شعر لبشار بن برد:إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبهفعش واحدا أو صل أخاك فأنه مقارف ذنب مرة ومجانبه ↩︎

  3. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  4. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  5. من النشيد المعروف الذي استقبل به الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة. ↩︎

  6. حديث شريف. المصدر: مجموع الفتاوي. المحدث ابن تيمية. صحيح حسن. وجاء في الصحيحين، وسنن أبو داود بصيغة “إنه ليغان على قلبي وإني أسـتغفر الله في اليوم مائة مرة”. ↩︎

  7. سورة الحج - ٧٥ ↩︎

  8. سورة الجمعة - ٩ ↩︎

  9. سورة إبراهيم - ٣١ ↩︎