(١٣)
معرفة الإنسان بخلقه وحقه
في تعارفه لذاته ونفسه
١٨ ربيع الآخر ١٣٨٣ هـ - ٦ سبتمبر ١٩٦٣ م
((يجادلون في الله بغير علم (لعالم)… ولا هدى (لمعلم)… ولا كتاب منير (لمتعلم).))[١]
ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها.
وما يتجادلون فيه قائم على كل نفس وفي جدلها بما كسبت، لها ما كسبت من وهبه، وعليها ما اكتسبت من عملها.
هو معهم أينما كانوا، وأقرب إليهم من حبل الوريد، والله بكل شيء عليم، فهو علمهم بأشيائهم لمعاني خلقه وعَلمِه وعِلمه.
إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة في السموات أو في الأرض يأتي بها العزيز الحكيم.
أينما تولوا فثم وجه الله، فما من شيء إلا ويحمل معاني الدلالة عليه، وهو في السماء إله، كما هو في الأرض إله، ما طلب خارج النفس منظور وجهه لعينه في كل ما وقع عليه نظر.
له ملك السموات والأرض في معنى الذات له، لا يعزب عن علمه بصفة العليم لها مثقال حبة من خردل في السموات أو في الأرض، فمحيط علمه إنما هو علمه بذاته لوجوده، أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وفي أنفسكم أفلا تبصرون، {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}[٢]، غنيا بذاته ومعناه عن العالمين، تفنى وتتجدد معالمهم بعوالمهم فيه بفطرته، متعارف بكلياته لأبعاضها بأوصاف العبد والرب له.
إن المعرفة عن الحقيقة… إن المعرفة عن الله… إن المعرفة عن الدين… إن المعرفة عن الفطرة… إن المعرفة عن الرسالة والرسول والمرسل إنما هي في معرفة الإنسان عن نفسه، إنما هي في معرفة البشرية عن معنى البشر. وإن الطريق إلى الحقيقة إنما هي في اجتهاد البشر أن يكسبوا مقام البشرية، فهم في حاضرهم يقومون في وصفها دون مقامها.
إن معرفة الناس إنما هي في معرفتهم عن معنى الناس، وعن معنى البشر، وعن معنى الروح والطاقة والنور للمخلوقات أو الكائنات أو الأشياء، وعن معنى الحق في أنفسهم، وعن معنى الوجود لكائنهم في موجودهم، وعن الكثيف واللطيف لمبانيهم بمعالمهم لعوالمهم، وعن معنى(الله - هم) لقدس هياكلهم، نصبا له، وعَلما عليه هو عَلم على الأقدس لمعانيهم، لبشراهم لمقام العبد له لبشريتهم، ولمعاني البشر لهم لمعاني البشرية لقيامهم بوحدة جماعاتهم في وحدة جمعهم بمقام البشر، سواه رجلا، خلقه فسواه بأبيه أو بخالقه فعرفه له ربا أعظم واسما أعلى في معراج هو معراجه، وفي قيام متفاوت هو باب قيامه، ودار سلامه، لظاهر ومعلوم إمامه.
إن العَالِم يُمِد المعُلم، فيتواجد المتعلم للمعلم، ويتواجد المعلم للعالم، فالعلم إنما هو حقيقة وأحدية لثالوث واحد أحد من عالم ومعلم ومتعلم، لقيام واحد، لبيت واحد، يذكر فيه اسم العليم لإنسان واحد، لذكر واحد، لحق واحد، لأحد واحد، لصمد واحد في الواسع الحكيم. وإذا قلنا الواسع فهو إنما يتصف بالواسع تقريبا للأذهان، ولكنه اللانهائي الذي لا يدرك، الذي يقوم الواسع وصفا لآحاد فيه، وعباد له لعوالمها.
إن اللانهائي في معاني الذات أو المكان له به مدن علم كثيرة، ولمدن العلم أبواب كثيرة، وفي مدن العلم بيوت قدس يذكر فيها اسم العليم كثيرة، بها طرق كثيرة، وميادين فسيحة، ممثلة في أراضي فسيحة كبيرة، ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، تظلها سموات عالية ذات طبقات عديدة؟ تلك مدن الله في قدس ذاته عوالم واسعة لانهائية الامتداد والسعة.
ففي مكانية الله بالإنسان الكبير اللطيف الخبير، قدسا لمعاني الذات، له مدن كثيرة بها بيوت كثيرة هي عوالم الوجود. وبالبيوت أهلها متكاثرة، وترها الجامع لها الإنسان الواسع العليم، وشفعها الإنسان وزوجه، وثالوثها الإنسان وزوجه وولده. فإذا جاءت ديانة بني إسرائيل شعبا مختارا لله بالاعتقاد في الرب إنسانا آب إلى الله، وزوجه به لحقت وولدهما، كائنون قبل آدم، فتكاثر للولد لهما، فنودي الإنسان في معنى الله من هذه الأمة أبا، آب إلى الواسع العليم في بيت بمدينة من مدن الله من مدائن العلم عنه، فنودي أبانا الذي في السموات، فما نادى الأبناء، وما ذكر الأبناء، وما طلب الأبناء، وما استعان الأبناء إلا برب الناس ملك الناس إله الناس لأنفسهم، إنسانا من إنسانية، وربا من أرباب، لبيت من بيوت في مدينة من مدن في الواسع العليم بمناداتهم لرب لبيت رفع، يذكر فيه اسم الله.
فإذا جادل كتابي كتابيا، إذا جادل إنجيلي قرآنيا في كلمة الله، لوجب أن يعرف كلاهما أن كلمة الله عند الكتابيين سواء هي قضية البشرية في الإنسانية، فلا جدال إلا بعلم وهدى وكتاب منير. قل تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، وهذا مقام الإحسان للمحسنين، فأربابنا منا، وأربابنا علينا، وأربابنا في معاني الرب لمعنانا، أربابا لنا، وعبادا لمن عنانا، متولَّين ممن تولانا، أو متولَّين بمن أولانا، فكلنا إلى رب واحد، وإلى إله واحد، وإلى حق واحد، وإلى بيت واحد، في مدينة لله من مدن الله، في قيام لله من عديد قيام لله، في حق لله من عديد حقائق في الله، فلنتواصى بالحق من الله معية عباد رحمته، ولنتواصى بالصبر في الله قيام وجودنا وموجودنا، ولنتواصى على العمل في طاعة أمر الله إلينا بيننا وفي ضمائرنا، ولنتواصى على تلبية النداء صادرا من الله من كل داعي إلى الله معيتنا بصوت معيته لضمائرنا، داعي إلى الله يقوم بيننا على ما سبق أن قام معاني الرسول له، والعبد منه، وهذا على فطرته هو حق من الله، بوصف المعلم علما على الرفيق الأعلى له، وهو العالم ينادي إليه منادي الله وهو المتعلم.
فالمتعلم بقيامه مبلغا إنما هو نداء الله يبرز بمظهر وبوجوه المعلم، والمعلم إنما يقوم قبلة للناس وكعبة لهم، وبيتا لله يذكر فيه اسمه، وضع للناس علما على البيت المرفوع وهو العالم، وما البيت المرفوع عَالِما، وما البيت الموضوع معلما، وما أهله من المعلمين، وما أصحابه من المتعلمين، وما المؤمنون من الملبين لمن ناداهم من الصحابة العاملين، إلا أهل بيت واحد، وحق واحد، وأحدٍ واحد، وواحد أحد، من آحاد لحقائق الله، ومن عديد من عباد الله، مضافون إلى بيت من بيوت تضاف إلى مدينة في الله، من مدائن لا عد ولا حصر لها.
هذا هو التوحيد والتعديد بالتثليث ومضاعفاته أو الشفع والوتر في دين الفطرة، أتى به الإسلام لله بالإسلام لرسول الله في الإسلام لرسل الله يقومون بالإسلام لوجوهه ممن توحد معهم، يوم كان الملبي مسلما بتلبيته لمن ناداه، وكان المنادى مسلما بامتثاله لمن أمره، وكان الآمر مسلما باستقباله للعلم متعلما ممن علمه، وكان المتعلم مسلما بإسلامه للمعلم يعرفه، وكان المعلم مسلما باستقباله لفيض العالم بالعلم يشرفه، وكان العالم مسلما في إضافة نفسه إلى الأكبر من عالم يعلمه، ويعلم في نفسه علمه، ويعلم في علمه عنه معنى عالمه ومعلمه، ومعاني متعلمه لذاته عَلمَا عليه في غيوب من عالمين ومعلمين ومتعلمين لا تتناهى في الواسع العليم.
بذلك كله جاء دين الكتاب مع محمد تعريفا عن دين الفطرة يقوم فيه الوجود، وتقوم به الحياة، ويحيا به الموتى، ويموت به الأحياء، فلا موت إلا من حياة، ولا حياة إلا من موت، وما الموت والحياة إلا لونان في الوجود يتبدل فيهما، ويتبدل إليهما، ويتبدل بهما كل موجود حتى يجمعهما لنفسه في نفسه، ولا يجمعهما في نفسه بالشهود إلا إذا أوجد نفسه بوجود بمعناه، مرة ومرة، وكرة وكرة، على مثال من قائم بمبناه من موجود لوجود قام به عَلَما على الأعلى لمعناه في أكبرٍ موجود في الله ذي المعارج ينشده الملأ الأعلى، كما ينشده الملأ الأدنى لنفسه في نفسه فيسير إليه فيشهده في رفيق أعلى مشهودا لنفسه في نفسه، فيتواجد بمعاني الرفيق الأعلى لنفسه موتا عن حياة هي فيه إلى حياة هي له، هي حياة الرفيق الأعلى، يراه بمعنى نفسه عبدا له وخليلا له ووجها وعينا له، فناءً عنه إلى عين معناه، مسيحا له بالموت عن قائم معناه، والبعث بما أصبح قائم معناه فكان الموت عنده غاية، وحق يتعلمه وينشده لمعناه. إن حققته النفس تم لها بعثها بمرادها وإرادتها من مطلبها في عينها وشهادتها بعين مشهودها لجديد وجودها في عين شهودها، فتتواجد بذلك الحياة من الموت، كما تواجد الموت من الحياة، فيحيا طالب الحياة باجتياز بوابة الموت أو باب الموت، فيموت قبل أن يموت فيشهد الحياة، ثم يرتد من الحياة إلى من لا يعرفون قيمة الموت ولا يقدِّرون قيمة ما بهم من الفرصة السانحة لكسب الحياة بمولد الفطرة في بيئتها حيث أبناء الفطرة من عباد الرحمن مبعوثين بالحق، بهم يصل الأخوة إلى ما ينشدون لسعادة ذواتهم ومبانيهم بالموت عن أنفسهم إلى الحي القيوم في معاني الحياة فيهم، إلى أبوة فطرتهم في الأب الرحيم، ينحرهم عن مادي تواجدهم، فبه يبعثهم فيحييهم، يقتل نفوسهم بنفسه، فيصلهم بوصلته داعيا إلى الأعلى، مُعلمِا لعالمه، متعلما بمعلمه، موجودا بموجده، مذكورا بين الناس رسولا ممن ذكره، ومن صار لهم ذكرا له ذكروه لهم في معاني الرب لهم والعبد له، عَلَما على الأعلى عليه، عالِما ومعَلما ومتعَلما لا يعزب عن علمه شيء من أمره.
بذلك جاءكم دين الكتاب بالإسلام مع محمد، مُسلِمٌ من أسلم له لأنه بالإسلام له يكون الإسلام للأعلى من رفيق ربا له، فيظهر للناس على أنفسهم بما جهلوا عنه مما هو له، ومما هو لهم من الأعلى، إن آمنوه فيه أعطيت لهم مثاليته لأنه المثالية المضروبة للناس، بدأت من الأدنى قياما بالحقائق إلى الأعلى كسبا لها، نفسا دنيا لبستها نفس عليا فكانت النعمة لها بها لبسها الحق فقام بها الحق في عين وجودها وقيامها، من سافلين لعليين في أحسن تقويم لمعناها، بذلك تواجدت نفس عليا في دنيا وقد جعلت منها مظهرا للنفس العليا، فبدأ محمد بالحق لمن عناه في نفسٍ دنيا بين النفوس من النفوس الدنيا رسولا لنفسه، ثم رسولا بها رسولا من أنفسهم جاء الحق في جيئته، وقام الحق في قيامته، وبعث الحق فيه برسالته، في بعثه بحقيقته لنفسه ثم بمثاليته للناس فكان معنى الحق لحاضر الإنسان فرده وجمعه عَلَما على الحق بالإنسان فوق الزمان وفوق المكان، كان الحق لأهل المكان في المكان بعين المكان، وكان الحق لأهل الزمان في الزمان بعين الزمان، فكان هو لمن وقع تحت سلطان المكان والزمان سفينة الخلاص من الزمان والمكان، كما كان قدس الزمان، وقدس المكان لمن قام الزمان والمكان، كان دورة الزمان وقيام العصر رسولا للدهر.
بذلك كان محمد المثالية المرتضاة والميسرة لبشر القيام، وحق القيام، وإنسان القيام، والعَالِم، والمعلم، والمتعلم في القيام وفي كل قيام، والمنادى والملبي بالسلام للسلام، في أطواره وألوانه في ساعة وساعات تواجده في أزلي وأبدي تواجده من أزلي وأبدي وجوده، علما على من حقق لوجوده شرف البشر والإنسان من قبله، وبشرى لمن يطلب لوجوده شرف البشر والحق والإنسان من بعده، فكان يد الرحمن يد الله، وجه الرحمن وجه الله، قيام الرحمن قيام الله، كان الشيء وكل شيء، كان الشيء والأشياء، وكان ما فوق الأشياء للأشياء، وكان ما تحت الأشياء من الأشياء.
كان يد الله المقلة لمن تقل، وكان يد الله المظلة لمن تظل، وكان وجه الله لمن يحيا، وكان سر الأشياء خلقا لخلق الله لمن يضل. كان الضلالة والهدى، كان الحياة والموت، كان الافتقار لله وما طوى من غنى، وكان الاستغناء بقائم الله للنفس وما طوى من فقر. كان الافتقار إلى طلب موجود الله وما حوى من بعد، والاستغناء عن طلب الأكبر من الله وما فيه من عدم. كان كل شيء للبشر. كان كل شيء للإنسان من الإنسان، وكل شيء للبشر من البشر، وكل شيء للخلق في صفات الخالق من الخالق في صفات الخلق، وكل شيء للحق من الحق في مثاليته للناس.
كان الدين… كان اليقين… كان النجاة… كان السلام… كان دار السلام، يأوي من يأوي لبيته أولى بالمؤمنين من أنفسهم تخلقا بأخلاق ربه في إيوائه. وكان الكفر في دعّه يتيم الله وعبد الله، وبيت الله، ومسكين الله، وفقير الله. وكانت الحياة في الاجتماع عليه، معلما أو عالما، متعلما أو مع متعلم، أو مع معلم على عالم. كان مدينة العلم،كان عَالَم الرشاد والراشدين والمرشدين للناس كافة، كان غاية المسترشدين، وغناء المفتقرين، وأمل الراجين، وكعبة الطائفين، وطريق السارين، ومطاف الساعين، وري الواردين، وصفاء المخلصين، وربوة العالين، وهاوية الهاوين. كان يوم الدين، ومالك يوم الدين للناس كافة، كان حمد الله وكان الأحمد للبشر من صفات الله، وكان المحمود عند البشر من البشر في محمودهم من الله، كان الحمد لله للمؤمنين كافة، كان للعالمين رب العالمين، وكان للناضرين وجه الله للناظرين، وكان للمستنجدين يد الله للطالبين، وكان للصادين ماء السماء للمستقبلين، وعيون الأرض للمجتهدين المجاهدين، فكان ماء الحياة من رب الحياة في السموات، وكان ماء الحياة لرب الحياة في الأراضين للموقنين كافة. إنا أعطيناك سبعا من المثاني، وأعطيناك ما وراء ذلك من قرآن الحياة العظيم، فما أنت بنعمة ربك من الضالين، وما أنت عن سبل ربك من الصادين، وما أنت بالمعرفة عن ربك بمجنون ولا من الجاهلين، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فاصبر لحكم ربك مع الصابرين، وجاهد لطلب الأكبر مع المجاهدين، وافتقر إليه بمزيد من افتقار مع المساكين، وأنفق مما استخلفك فيه بغير حساب، أو أمسك مع الأغنياء المفتقرين الذين هم لما في أيديهم باذلين ولما في يد الله طالبين، ولا تتعجل فإنك في يوم الفصل، كما أنك في يوم الجد، كما أنك في يوم الهزل، كما أنك في يوم اللقاء، كما أنك في يوم المفارقة، من العاملين تمثل الحق وتمثل اليقين، أظهرك الأعلى على الدين، وعلى كل الدين، وعلى الدين كله، وعلى مؤسسي الدين، وعلى كل كتاب وكل علم وكل يقين، وجعلك الكتاب وأم الكتاب، ومن كتب الكتاب ومن جدد أم الكتاب، ومن قرأ الكتاب ومن بلغ الكتاب، ومن بين الكتاب. جعلك الإنسان… جعلك البشر… جعلك الرجل… وما تدعون من دون الله إلا إناثا، النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وما كان محمدا أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين، يقوم ويتقلب في الساجدين، عبد الله الذي جعله كتاب الأولين والآخرين والقائمين، وجدده في المجددين من الرافعين، ورفعه مع المرفوعين، وأنزله مع المنزلين، بالحق أنزله وبالحق نزل، وبالحق ينزل، وبالحق يُنزل في أبد الآبدين على ما كان في أزل الآزلين، في قيام صمد إلى يوم اليقين بيوم الدين كلما كان يوم للدين واليقين، داعيا إلى الله يدعو إليه بإذنه وسراجا منيرا، داعيا إلى الله يوم يجيبون الداعي إليه، وقد أحب أن يعرف بدعوته عبدا لربه فتواجد بذاته ونفسه مرة أخرى داعيا إليه، فجدد نفسه بنفسه ليُعلم بنفسه داعيا إليه عن نفسه بمقام حقه مدعوا له أو مدعوا إليه، فيجيبون الداعي لا عوج له إلى من كان حقا داعيا لا عوج له، وصار عالما ومعلما وأبا رحيما. {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا}[٣]، فبذلك كان روح القدس للآباء من الأولين، وبذلك كان روح القدس للأبناء من الآخرين، فتأزل وتأبد وتسرمد رسول الله بين الأولين والآخرين.
بهذا جاء القرآن، وبه جاء الإسلام مبشرا ونذيرا، وبه قام داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا، يقوم ويتقلب في الساجدين، إن الذي فرض عليه القرآن رده إلى معاد المرة بعد المرة، والكرة بعد الكرة، جدد به الدين على رؤوس القرون في لمحات الزمان في كل وقت وحين في كل أمة، وفي كل جماعة، وفي كل جمع، ما تواصى أناس في اجتماعهم على ذكر الله، مجاهدين فيه، متواصين فيه بالحق، متواصين فيه بالصبر. كلم الناس بلغتهم في أجناسهم وأقوامهم، وفي مظاهرهم من مللهم وأديانهم، معرفا عن الحق معروفا، هو العالم فيه، والمعلم منه، والمعلم به، والمتعلم الدائم افتقاره. هو الطالب لا يجز عطاؤه، والمعلم لا يتوقف سعيه وفعله وجهاده ورجاؤه.
من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، إن ربي لعلى صراط مستقيم. إنك لتهدي إلى صراط مستقيم. قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، مظهرا للرفيق الأعلى، وقياما للرفيق الأعلى، وحقا هو حق الرفيق الأعلى، بوجه هو وجه الرفيق الأعلى، بعمل وسعي ويد قادرة هي العليا، ما هي إلا يد الرفيق الأعلى، وبقدم يسعى به بينكم على دوام، إنما هي قدم الرفيق الأعلى، إنما هي الحق من الله، ألم ترِ { أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[٤]، {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها}[٥]، {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}[٦]… مشوا على الأرض من قبل في آباء لخيريكم، وآباء آباء إلى أحسن تقويم، ويمشون على الأرض في زمانكم، ويدبون على الأرض ويمشون عليها في قادم الزمان في أبد لا ينتهي، وسير لا ينقضي، وتواجد لا ينقطع. إن الاجتماع عليهم واللقاء لهم ساعة، وإن المعرفة بهم واتحاد القلب معهم قيامة، وإن الموت فيهم نجاة وسلامة، وإن البعث بهم حق ورسالة. هذا ما جاء به الإسلام دين كتاب، يتجدد به الإسلام قيام فطرة لفاطر السموات والأرض، إنسان الله… حق الله… قدس الله… ذات الله… غيب الله… ظاهر الله، من عرفناه لا إله إلا الله، فشهدناه محمدا رسول الله، روح قدس الله، يقوم ويتقلب في الساجدين.
اللهم يا من خلقتنا بلا إله إلا الله، اللهم يا من رزقتنا الإيمان محمدا رسول الله، اللهم يا من جعلتنا منه ومن رسول الله أطفال الحياة، وأبناء الحياة، وسفن النجاة، اللهم يا من هو الله فوق معانينا، اللهم يا من هو الله لمعانينا بعد مبانينا، اللهم يا من هو الله على ما يعلم وما لا نعلم، اجعل الله لمعانينا، واجعل معانينا لله، وأقمنا بين يدي رحمته لمبانينا في الله، خلقه هو بمعانينا ربا لنا، وإلها لنا، وسيدا لنا، خلقنا وبخلقنا رعانا، ويرعانا، وسيرعانا، لحقائقنا منه لمعانينا، خلقنا لنفسه، وصنعنا على عينه، وأقامنا بيديه، وفي مبانينا ظهرنا خلقا له وعبادا له لا ينقضي له عمل فينا وخلق لنا.
اللهم يا من هو كما هو، لا جديد فيه، ولا غير له، ولا شريك معه، اللهم يا من هو على ما آمنا على ما علمنا، اللهم يا من هو على ما عَلِمنا، كما علمنا، اللهم يا من هو هو، كن لنا على ما هو، واجعلنا على ما نحن له كما هو، يتولانا ويرعانا، ويأخذ بنواصينا إلى الخير.
اللهم ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بكسبنا، اللهم لا تجعل عطاءنا رد أعمالنا إلينا، اللهم عاملنا برحمتك، وأكرمنا بهديتك، ومن جعلته رحمتك، ووفقنا لهديك، وخلصنا من غفلات أنفسنا، وقنوط نفوسنا، اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا، وخذ بنواصينا إلى الخير، واختم لنا بخاتمة السعادة أجمعين، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك.
أضواء على الطريق
(يحاول عالمكم أن يجد الذهب في الأرض، وعالمي يحاول أن يجد الذهب في النفس الإنسانية، ليستخرجه إلى السطح ليدق وينقى ويعامل بالنار حتى يتكشف المعدن النقي. وهذا ما نحاول جميعا عمله في عالمنا، إذ يوجد ذهب نقي في كل طفل من أطفال عالمكم، وقد يكون مطمورا جدا تحت قذارات العالم المادي، حتى يصعب لقاؤه. وقد يستحيل استخراجه ولكنه موجود هناك. ونحن نبتهج إذ نعثر عليه ونأتي به إلى السطح.
أرجوكم أن تفكروا أنه ليس المهم هو ما ترونه، أو ما نقوله، أو الأصوات التي تسمعونها، أو اللعب الصغيرة التي نلهو بها سويا، فهذه هي الأصغر من الأشياء. إن الشيء الأعظم هو الغرض الذي يربطنا سويا، ويجعل الدائرة وحدة واحدة، وهو أن نقدم خدمة أينما تمكنا، قوة لكل الضعفاء، مساعدة لجميع المنكوبين، راحة لكل المجهدين، علاجا لكل المرضى، ضوءا للذين هم في ظلام، ومعرفة للذين هم في جهالة.
لا ترفضوا أبدا أية فرصة للخدمة. لا يهم أي ميدان يدعوك للعمل. هذا هو الدرس الذي نكافح لتعليمكم إياه منذ زمن طويل).
من هدي السيد (سلفربرش)