(١٢)
النفس الحقية
إلى البشرية من الإنسانية
رسول الله
فردية ومثالية وجنس
١١ ربيع الآخر ١٣٨٣ هـ - ٣٠ أغسطس ١٩٦٣ م
الحمد للــــه.
الحمد للــه، الذي قدَّر فهدى.
الحمد للــه، الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
الحمد للــه لا شريك له.
الحمد للــه، لا موجود بحق إلا إياه.
الحمد للــه، في أحديته، وفي واحديته، وفي انتفاء غيريته.
الحمد للــه، لا نعبد إلا إياه.
الحمد للــه، مرسلا.
الحمد للــه، رسولا.
الحمد للــه، مُرسَلا إليه.
الحمد للــه، منزها لا يحاط به.
الحمد للــه، حاضرا لا يغيب عن النظر والحس.
الحمد لله منعما، لا تنقطع نعمته، ولا يجز عطاؤه، ولا يخيب فيه رجاؤه.
الحمد لله، غنيا عن العالمين، العالمون إليه الفقراء وهم به الأغنياء، انتفى فقرهم في قطيعتهم عنه، وقام غناهم ببعثهم به بفنائهم عنهم، فقام يقينهم، بكفايتهم في وجودهم في معاني وجوده، لا شريك له، هم له وجوه.
عبدي، أطعني، أجعلك ربانيا، تقول للشيء كن فيكون.
ما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل، حتى أحبه، فإن أحببته كنته.
يا أيها الذين تتلون الكتاب، أفلا تعقلون، كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون.
أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، وتتحدثون عن النفوس لأرباب النفوس، وفي أنفسكم أفلا تبصرون، لو كشفنا عنكم غطاءكم، وتفتحت لكم بصائركم، لانعكس البصر إليكم، فإذا أنتم ما ذكرتم تنظرون، أليس هو معكم أينما تكونون، وكلما كنتم وكلما تقومون… وعلى ما أنتم، وعلى ما لا تعلمون. إنه الحياة، إنكم به الحي القيوم.
فإذا قلتم عنكم عبادا بإدراكٍ لمعاني سرمدي العبودية لكم للأعلى والأدنى من رفيق الإنسان، لكنتم في حال من رشاد.
ولو قلتم عنكم أربابا فبما تواجدكم قديم وجودكم أنتم الأرباب، وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.
لا تكونون أربابا ولا رب لكم، ولا تكونون أربابا ولا أرباب منكم، هل عرفتم لكم ربا قام عليكم أو ربا قام منكم؟
ألم يقل الرب أطعني أجعلك ربانيا؟ إن الطاعة منك قبل الأمر المطاع للشيء يصدر عنك، ابدأ أنت أن تكون طائعا للمعروف، غير الموصوف، الذي جعل من وصفك وصفا له، ومن صفاتك صفات له، ومن قيامك قياما له، ومن حقك حقا له، ومن خلقك ظهورا وتواجدا له، ومن وجودك ذكرا له، ومن قيامك وجها له.
كيف تعرفك، ولا تؤمنه فيما تعرف عنك فيه، وفيما تعرف عنك منه، وفيما تعرف عنه لك؟
تقول موجدي، فهل عرفت وجودك من موجدك؟ وهل انتهى أمر إيجاده لوجودك؟ هل تم عمله لإيجادك؟ هل تم لك وجودك؟
تقول خالقي، هل قرأت خلقك كتاب خالقك؟
تقول ربي، هل استقامت عبوديتك في قائم معبودك، فعرفت له وجها من قيامك، بوجه بقيامك لوجه الأعلى محل نشدانك؟
تقول الله الظاهر والباطن، فهل أدركت ظاهرك في قائم غيبك عَلَما على الأقدس عند ذاتك من الرفيق الأعلى ربا لك، كشفا لقيام صفات إلهك لنفسك تواجدك نفسا له، آمنته غيبا عليك مشهودا عندك لقائم وجودك الموجب لوجوده، أقرب إليك من حبل الوريد، قائما على نفسك، راعيا لك، آخذا بناصيتك إلى الخير، واقيك من الضر؟ هل أحسنت به الظن غير مخادع له في خدعة نفسك عنه وضميرك به وأنت البصير على أمرك، الخبير بمكنون سرك، وهو بإيمانك ووعيك بفطري قيامك تعلمه يعلم سرك وجهرك؟ سمه بما شئت فما هو لك إلا نفسك العليا، وما أنت فيه إلا نفسه الدنيا.فهل أدركت قيام صفة الرب فيك ظاهر الرب لك، فعرفت أن ضرورة العبودية له، تقتضي حتمية الربوبية لك، فلا يتصف بالعبد له، إلا من قام بوصف الرب به، (أطعني أجعلك ربانيا)[١] ؟ إن الطاعة منك له تتضمن طاعة الأشياء لك، يو تطيع من خلق كل شيء، (وقد خلق كل شيء من أجلك، وخلقك من أجله)[٢]. أنت حق بها في قائم ودائم حياتك وحيواتك يوم تبعث بكسبها، في حاضر الدنيا وآخرتها لدنيا الناس من حولك، ربانيا تقول للشيء كن فيكون، جعل الله لك نورا تمشي به في الناس، تقوم فيهم بالحياة وتتقلب في الساجدين ظلالا ووجوها لك، جعل لك الخلد بشرا باسمه وذكره لذات اسمك وذكرك محمدا لباطنك وغيبك، ظاهرا به باسمك وذكرك، عبدا يذكر قرين ذكر ربه، يرفع لك ذكرك بعلمك وقائمك، وباسمك ومسماك، تقوم وتتقلب في الساجدين ناحرا نفسا بنفس صلة بربك…
كائن هو الحق من الله بكيانه كائنا من الله الوجود الواسع اللانهائي، اتصف إنسانا رسولا بقائمه قياما لباطنه ظاهرا لباطن، لحق من حقائق الله في الله فقام عبدا لله… ونصبا لله… وبيتا لله… وهيكلا لله… وقبلة للناس… قبلة المصلي، وبيت الطواف، وربوة المأوى، ومدينة الاصطياف، وهدفا وغاية لرحلة الشتاء والصيف، عبدا لله لرب من الله في إلـه لله في الواسع العليم، وجه الحق لوجوهه إلى وجه الحق وجوها له، حقا بهم وحقا لهم، وجه وجوه الحق لوجوه الحق لا شريك له.
قام بيننا وجه الخالق غيبا علينا، لوجوه الخالق شهادة بنا في صفات ومظاهر الخلق، وجه الغيب لعوالم الغيب، ووجه الشهادة لعوالم الشهادة، من عالم الغيب والشهادة، من مالك الغيب والشهادة، من الظاهر والباطن بالغيب والشهادة. لا موجود بحق غيره.
الإنسان بفرده وجمعه رباني، ورب، وإلهِي، وإلـه. والإنسان بمجتمعه بمفردات نوعه بآحاده رباني وأرباب في أحدية حق من سرمد، كما أنه بمجتمعه كذلك إلهيِ وآلهة في أحدية حق من رشاد، سواء كان في السموات أو في الأرض بقائم أمره، وما كان شرفه ومرتقاه ورشاده وغناه إلا في مجتمع من وصف العباد، يقومون بالكمال ويطلبون الأكمل، يقومون في الرشاد ويطلبون الأرشد، يقومون في العلم ويطلبون الأعلم، يقومون في العزة ويخشون الأعز، يقومون في العظمة ويعشقون الأعظم، يقومون في الحقائق وفي الحقيقة ويطلبون الأحق، يقومون بالقدرة وفي القدرة ويعلنون الولاء للأقدر. فماذا يكون ظنكم بمعاني العباد لله؟ وماذا يكون ظنكم بمعاني الأرباب في الله؟ وماذا يكون ظنكم بمعاني اللاهوت والآلهة أو الإله؟ إن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ. إن ذلك كله في الله للإنسان يوم يرتضي الإنسان معناه لنفسه، ويطلب أن يكون إنسانا، ويحرص ليبقى إنسانا فيرى شرف الإنسان في إنسانيته، وفي تبعيته للإنسان في حقيته، فيعلم هدي الله يوم قال له، ويوم يقول له في كل آية، وفي كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل أمة، وفي كل عصر، (لا يتخذ بعضكم بعضا أربابًا من دون الله)[٣]، ولا يقم بعضكم على بعض أربابًا من دون الله، {الله أعلم حيث يجعل رسالته}[٤]، فيعلم الإنسان أن الله عند الناس إنما هو رسول الله، وأن الله عند رسول الله إنما هو الناس في أحسن تقويم، وأن النفس العليا للناس رفيقا أعلى هي مرسلته إلى الناس، هم النفس الدنيا لها رسولًا من أنفسهم، فيعلم عن نفسه في قيامه أنها إنما هي بدء لعليا هي نفسه في قادم لها على حال قديم بكمال هو القائم عليها، فيحيط بالمعرفة من أطرافها عن حاضره بقائم معارفه عنه، ويعلم أن النفس البشرية الموقوتة للنفس الإنسانية الخالدة إنما هي شروق من غيب وغروب إلى غيب، وأنها ما بين مشرقها ومغربها في قائم أناها لمعناها في كرة رابحة أو خاسرة لكسب تواجد النفس الإنسانية الخالدة لأنًا هو من عملها بعاريتها، وأنها بموقوتها بين الشروق والغروب ليومها تحمل أمانة النفس الإنسانية الخالدة لتكرار وجودها، له تتعارف وبه له تعرف في ساعتها بالظهور من يومها بالتواجد في مرجو سرمديتها بالكنزية عن غيرها، والسفور الكامل لعينها.
إن الله للإنسان في الرب والمربوب، على سواء لهما، فالرب عبد، والعبد رب، ما داما في الله، لا فرق بينهما، ولا إذلال من أحدهما، ولا ذل لأحدهما، بل العزة لله جميعا ولرسوله وللمؤمنين.
جاءهم الرسول ربا راعيا للمرسل إليهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، باخعا نفسه على آثارهم، حريصا عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم. (أمة مذنبة ورب غفور)[٥]. جاء من الأعلى عَلَما عَليه، يعلمون الحق فيه، وهو يعلمهم الحق في المحسنين منهم، يشهدون الحق فيه، وهو يشهد الحق في المحسنين منهم، {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[٦]، {قل جاء الحق وزهق الباطل}[٧]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته}[٨]، {استجيبوا لله و للرسول إذا دعاكم لما يحييكم}[٩].
أمر أن يصبر نفسه بينهم وفي غيبهم مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، يريدون طلعته وشهود وجهه أو يريدون أن يكونوا لله وجهه، {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك}[١٠]. أدركوا عبارته، ولمسوا إشارته، فكيف يكونوا وجوها له ولا وجه له عندهم في إيمانهم، وفي طلبهم، وفي مسلكهم، وفي طريقهم، وهو الذي قال لهم هو الرحمن فاسأل به خبيرا؟ من طلب أن يكون لله وجها فليسأل من كان لله وجهه كيف كان لله وجها، فيكون له فيه قدوة، ويكون لمسلكه، وما قام به، وما قام عليه إماما لاقى من رضائه وقضائه فكان له فيه أسوة. فمن لا قدوة له ولا أسوة له لا سلوك له، لا طريق له، لا تطور له، فلا حق له، ولا عطاء له من ربه، ولا إلـه له في وجوده. قالوا: اُعلُ هبل، فما علا هبل، وما علوا من بعده، ولكن علا من قال لهم: الله أعلى وأجل، الله مولانا ولا مولى لكم[١١]، إن لنا ربا من الله، وإلها من الله، وحقا من الله، يوم أسلمنا لرسول الله، فرَزقنا الله الإيمان برسول الله، فهُدِينا إلى الحق في رسول الله، فعرفنانا في الله عبادا لله، وأربابا لما نرعى من عملنا فيه، وآلهة برشادنا به، وحقائق وجوها له في متابعة من كان لنا من معروفنا، ومرجونا، ومعبودنا، ومعلومنا، وواجب الوجود عندنا، كل شيء له منه لنا رسول الله إلينا، به جاءنا الحق لا شريك له.
على هذا وبهذا قام الإسلام، وجاء الإسلام، فهل عَرَّفنا فقهاؤنا الإسلام؟ هل فَقِهَ فقهاؤنا بيقظتهم إلى أنفسهم، واتعاظهم بغيرهم من الأمم ضُرِبُوا مثلا لهم؟ كان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، لم يعِ منها شيئا، ولم يقم في أمر نفسه بما فيها من هدي له بشيء. يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، يراؤون الناس، ويراؤون الله وهو معهم، إذا لاقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطين أنفسهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون. الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هو من عند الله. يفتون وهم يهرفون بما لا يعرفون، يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، والله خادعهم وما يشعرون لأنهم أنفسهم بإرادتهم يخدعون، وما ظلموا ربا، وما أعدموا وجودا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، والله بحكمته يفتنهم ويفتن بهم، وسوف يكشف لهم الغطاء عن أنفسهم، إذا أزفت الآزفة، وجاء يوم الفصل في أمرهم، فإذا هم مبلسون، وبأبلستهم موقنين، ولأمر أنفسهم معلنين غير مرائين ولا منكرين، وعدناكم وعد الباطل ووعدكم الله وعد الحق، وعدناكم فأخلفناكم ووعدكم الله الصادق القادر فخالفتم وعده، وعدناكم فاستجبتم لنا وما كان لنا عليكم من سلطان إلا أن دعوناكم، فلا تلومونا ولوموا أنفسكم، إنا نخاف الله رب العالمين، وهذا هو المقام المحمود للمبلسين، يوم لأبلستهم يشهدون، فيطلبون الإنظار، فينظرون إلى اليوم المعلوم، أتاها أمرنا فإذا هم مبلسون، دورة أيام الحق في دهر الخلق للناظرين.
إننا في هذا العصر، وإننا في هذا الزمان بالذات، إنما نجتاز ساعة تكاد تكون مبرزة من ساعات الله، ونقوم في يوم في طريقه لأن يشهر من أيام الله، ونسكن في ليلة من ليالي الله يسعدها المؤمنون بها، ونعيش في أم كتاب من أمهات كتب لله، بها نحيا حروفا وكلمات في كتاب من كتب الله يسطر.
إننا نمر في لمحة من لمحات الله التي يفصل فيها في كل أمر حكيم ويبرم. إننا في يومنا اليوم نتهيأ لغدنا، ويومنا بالحق قائم أبلج، وغدنا، وغدنا القريب، سوف يشرق بفصل في شأن لله عن أمر لا يجحد ولا ينكر، بسلطان لا يخالف ولا يهزم، يومئذ يجيبون الداعي لا عوج له، وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا. إنه يوم الفصل، يخرجون يومئذ من الأجداث إلى ربهم ينسلون، يقول الغيب للشهادة، وقد أوحى لها فزُلزلت زلزالها، وأخرجت أثقالها، وما زال الناس فيما لها، ها أمر الله الذي كنتم به تهزأون، أتاكم فاستكبرتم، اليوم لا يقظة لكم إلا بغتة. لا تدركون أمركم إلا يوم تبهتكم آيات الله، ويبغتكم أمر الله. إنه يوم الفصل، وما هو بالهزل، إن يوم الفصل كان ميقاتا، للطاغين مآبا، ببعث أوانيهم وقد نضجت جلودهم، فبدلوا جلودا غيرها المرة بعد المرة، وبثت جبال النفوس فكانت سرابا، إمحى وزر الصادقين من أثقال الذوات من أجساد الأرض إلى لطيف في الله وفي أمر الله، {والليل إذا يسرِ}[١٢]، هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، والملائكة، وقضي الأمر، ها هو من أنكرتم له عقبى الدار تساقون إليه، {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه}[١٣]، {أتى أمر الله، فلا تستعجلوه}[١٤]، {واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون}[١٥]، {قل جاء الحق}[١٦]، قل زهق الباطل، {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}[١٧]، ولكن عبرة وأسوة، وتذكرة لمن يخشى، {فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى}[١٨]، {وما ربك بظلام للعبيد}[١٩]، {ويتجنبها الأشقى}[٢٠]، {فذكر إن نفعت الذكرى}[٢١]، {واصبر لحكم ربك}[٢٢]، {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم}[٢٣]، ولكن كتب ربك على نفسه الرحمة، كما علم وكتب على أمره الحكمة، والنظام، والقانون، والفطرة، {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا}[٢٤]، {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة}[٢٥]، {ما يفعل الله بعذابكم…}[٢٦]، خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، وجعل بعضكم لبعض عدوا، كما جعل لكم فيها مستقر ومتاع إلى حين، رفع بعضكم فوق بعض درجات، جنتان وناران، خلقناكم أزواجا، ضرب بينهم بسور، ظاهره من قبله العذاب، وباطنه من قبله الرحمة، لقد جعل الله عزته لمن أعز في مظاهر الضعف يقوم بها عبده، يظهر ضعفه، ويستر عن الناس عزته، فإن فعل بما أودع الله فيه من قدرته اختفى عن نسبته الفعل صادرا منه، إلى نسبته إلى الله فاعلا في فعله منفعلا به، (لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها)[٢٧].
رُدوا الأفعال إلى الله، فهو الفاعل بكم يوم تفعلون، وهو الخالق بكم يوم تخلقون، وهو الرب بكم يوم تربون، وهو الإله بكم يوم تتكنزون، وهو الحق بكم يوم تتحققون، وهو الله بكم يوم تألهون، وتؤلهون ولله تتعبدون.
الله، رب مُرسِل… الله، رسولٌ مُرسَل… الله، عبد مُستَقبِل. هذا هو ثالوث الإسلام. إن الله مُرسِلا ورسولا ومُرسَلا إليه، إنما هو الله إلـه واحد، وحق واحد، ورب واحد، وعبد واحد، وإنسان واحد، وحقيقة واحدة، ووجود واحد، لا إلـه إلا هو منه الوجود والتواجد وإليه المصير. لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، والأحسن إنما هو ما جاءكم به رسول الله، جاءكم بدين الفطرة، أظهر رسوله على الدين كله، وظهر به لمتابعه الدين كله، فطرة الله وصبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة وفطرة.
الوجود فطرة وصبغة، والموجد فطرة وصبغة، وما يتواجد منهما بعينهما فطرة وصبغة، في فطرة لا حد لها للواسع العليم من صبغة لا إحاطة بها في العزيز الحكيم، ثالوث آخر في وحدانية أخرى، يدركها المسلم، ويتحدث بها العارف، ويعمل لنشرها العالم، ويسعى لتحقيقها التقي، طريق الحياة، وطريق الوجود، وطريق الحكمة، وطريق العلم، وطريق كل شيء ممن هو كل شيء، وليس كمثله شيء.
هذا أيضا في دين الإسلام ودين الفطرة، ليكون جدل المسلم الفطري مع طالب المعرفة من قومه، أو من أهل الكتاب. هذا، ومثله كثير، لو سقنا الأمثال للناس مما جاء به الكتاب. كل هذا في كتابنا المنير، كل هذا في كتاب فطرتنا في وجودنا، كل هذا في كتاب أنفسنا، نقرأه يوم نأخذه بأيماننا، نهدي به شمائلنا، ونتواضع به تحت الأقدام، ونتوسل به عند من يعلونا، من فوق الرؤوس نحن عند أقدامهم، من معاني معلمينا رفاقا أعلى لنا، وأربابا علينا، مربوبين في معراج في الله، نؤمنه لا نجحده، ونعرفه لا ننكره، ونستقيمه لا نغفله، ونضع أنفسنا في مواضعنا من أوضاعها عند أقدام من يتقدمون إلينا بالحكمة والعلم، من يفيضون علينا الهدى والنور، من هم خبراء بالمعروف لنا، المعبود منا، أكثر من خبرتنا، نسعى إلى العلم جاهدين، ولا نكلفه بالسعي إلينا مستكبرين، نطلب العلم في بيئتنا، ونطلب العلم ولو في الصين، نطلب العلم من الغرب، ونطلب العلم من الشرق، ونطلب العلم من السبق، وننتظر العلم في اللحاق، لا ينقطع عندنا وصف الافتقار إلى العلم، نحن الفقراء إلى الله، نحن الفقراء إلى العزيز العليم، نحن الفقراء إلى اللطيف الخبير، نحن الفقراء إلى المريد القادر، نحن الفقراء إلى القريب الهادي، نحن الفقراء إلى العزيز المتكبر المتعال.
لا إلـه غيره في أنفسنا، ولا معبود غيره لعبوديتنا، ولا قيام لسواه في وجودنا وقيامنا، لا إله إلا الله إليه المصير.
اللهم يا من أعطيت كل نفس هداها، فألهمتها فجورها وتقواها، اللهم يا من قدر فهدى، اللهم يا من ظهر في كل شيء يوم جعل الدلالة عليه في كل شيء، أينما نولي فوجهه، وأيا ما نفعل فتوجيهه وفعله، وكيفما يحل بنا فقضاؤه وحكمته، اللهم يا من نراه الخير، ولا نرى مع خيره شرا ولا ضرا، اللهم يا من كان معاني الضر منه، في معاني الجهل به، اللهم يا من جعل عدم الرضاء عنه، في وجود الحجاب عنه، اللهم يا من جعل الجنة في لقائه، وجعل الحشر والحساب في عدله وجزائه، ومن جعل الأمر كله في رد الأعمال إلى مصدرها، اللهم يا من عرفناه على ما يريد أن يُعرف، يوم تابعنا رسوله، اللهم يا من وصفناه بما علَّم كيف يُوصف، يوم عَلِمنا من رسوله عن ربه ورسوله، اللهم يا من أيقنا وحدانيته، على ما هدى أن يكون اليقين بوحدانيته، يوم قام بنا اليقين عن رسوله لوحدانيتنا معه صديقين لما حمل إلينا {واعلموا أن فيكم رسول الله}[٢٨]، فعلمنا فينا رسول الله، فعلمنا مما علم رسول الله، وأيقنا مما أيقن رسول الله، يوم كُشِف عنا الغطاء عن أنفسنا، فأبصرنا وحدانية الله، وأحدية الله، ودخلنا بيد الله في حصن لا إلـه إلا الله، متابعين قيامها قيام رسول الله.
اللهم أعلِ كلمة الحق علينا عبادا لك، وأعلِ كلمة الحق بنا ذكرا لك، وانشر كلمة الحق منا رسلا لك، وأقمنا كلمة الحق، مع الناس، ومن الناس، وفي الناس، يا رب الناس، في رسول رب الناس، يا ملك الناس، يوم ملَّكت ملك الناس، لملك على الناس من الناس، رسولا وحقا منك، وربا للناس.
يا من أيقنت وحققت الناس، بإله الناس، بإله من الناس، رسولا إلى الناس، من إلـه الناس، قام ربا للناس، ملكا للناس، إلها للناس، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، فطرة الله ومن أحسن من الله فطرة، على ما أعلمتنا، وعلمتنا، وأقمتنا برسول الله، وفي رسول الله، ومن رسول الله، وإلى رسول الله إلى ما شاء الله، برسول الله، ما قام رسول الله في أبد رسول الله، إلى أزل رسول الله، في الله فوق الأزل وبعد الأبد، وقبل البدء، وبعد الانتهاء، وفوق القيامة، لا إلـه إلا الله، محمد رسول الله.
أضواء على الطريق
من حديث للسيد الروح المرشد (سلفربرش) يكشف عن سبب عودته إلى البشرية.
(إننا غير مقتنعين بعالمكم، وإذا كنا مقتنعين لم نكن لنعد إليه محاولين إعطاءه تلك التعاليم التي افتقدها، إننا ندرك أن عالمكم قد ضل ونحاول أن نقوده ثانية إلى سواء السبيل، ولكننا نعلم أن عالمكم مملوء بملايين الكائنات كلهم في أدوار مختلفة من النمو والتقدم والتطور. وليس هناك قوانين ثابتة، قوانين مادية، تكون مناسبة لهم على ممر الأيام، إذ لا مناص من أن تكون القوانين زاخرة لبعضهم وليست ملائمة تماما للبعض الآخر. فالقوانين التي عليكم سنها لمعاقبة القاتل مثلا ليس لها علاقة بالشخص الذي لن يرتكب القتل أبدا.
وإذا عرفتم أدوار النمو المختلفة التي يمر بها كل البشر تعسر عليكم وضع قواعد اختيارية لسلوكهم اللهم إلا إذا جعلتموها قواعد فردية، ولقد أعطى الروح الأعظم كلا منكم مشيرا معصوما هو ضميركم الذي لا يخطئ أبدا وهو يتقرر بمدى التقدم الذي تصلون إليه. إنه يوجد في دخيلتكم المعرفة المعصومة عن الخطأ والصواب في أي موقف تجابهونه مهما كان معقدا في أي دور من حياتكم الأرضية. وإن كان الصواب بالنسبة لكم قد يكون خطأ بالنسبة للآخرين لأنهم ليسوا في نفس مستوى التقدم الروحي الذي لكم. إن الضمير يدلي بحكمه إنه الحكم الإلهي داخلكم وهو معياركم المعصوم. إنه لن يخطئ أبدا ولن يتردد أبدا. سوف يومض بجوابه فورا، وإن تخلى صاحبه عن صوته وأطفأ جذوته ورفض الاستماع إليه في إجابات لبقة وتبريرات وأعذار).
مصادر التوثيق والتحقيق
من حديث قدسي يرد في بعض كتب المتصوفة والشيعة، وتقول كتب الأحاديث الشريفة السنية بأنه ليس حديثا قدسيا، ولكنه جاء في الأثر بلفظ “يقول الله عبدي أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، فأطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون”. ↩︎
استلهاما مما جاء في بعض الآثار: يقول تعالى: ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. وذكرهما كذلك المناوي في فيض القدير. قائلا: “ولم نعثر بعد البحث على عزوهما للنبي صلى الله عليه وسلم فلعلهما مما روي عن أهل الكتاب.” ↩︎
استلهاما من {ولا يتخذ بعضنا ببعضا أربابا من دون الله}. سورة آل عمران – ٦٤ ↩︎
سورة الأنعام - ١٢٤ ↩︎
حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في تاريخه (٣/ ٩١) ، الإمام أبو القاسم في تاريخ قزوين، وابن النجار في تاريخ بغداد عن أنس ابن مالك. ↩︎
سورة النحل - ١٢٨ ↩︎
سورة الإسراء - ٨١ ↩︎
سورة الحديد - ٢٨ ↩︎
سورة الأنفال- ٢٤. ↩︎
سورة الرحمن - ٢٦-٢٧ ↩︎
إشارة إلى شعر ألقاه أبو سفيان في معركة أحد، بعد أن قالَ: يَوْمٌ بيَومِ بَدْرٍ، والحَرْبُ سِجَالٌ… ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَلَا تُجِيبُوا له؟ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: قُولوا: اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ، قالَ: إنَّ لَنَا العُزَّى ولَا عُزَّى لَكُمْ. فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَلَا تُجِيبُوا له؟ قالَ: قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: قُولوا: اللَّهُ مَوْلَانَا، ولَا مَوْلَى لَكُمْ. صحيح البخاري. ↩︎
سورة الفجر - ٤ ↩︎
سورة طه - ١١٤ ↩︎
سورة النحل - ١ ↩︎
سورة النحل - ١٢٧ ↩︎
سورة سبأ – ٤٩ ↩︎
سورة طه -٢ ↩︎
سورة الأعلى – ٩:١٠ ↩︎
سورة فصلت - ٤٦ ↩︎
سورة الأعلى - ١١ ↩︎
سورة الأعلى -٩ ↩︎
سورة الطور - ٤٨ ↩︎
سورة هود - ١١٠ , سورة يونس - ١٩ , سورة فصلت - ٤٥ ↩︎
سورة مريم - ٧١ ↩︎
سورة الحشر - ٢٠ ↩︎
سورة النساء - ١٤٧ ↩︎
استلهاما من حديث شريف يخاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم الإمام علي بن أبي طالب. " فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لكَ حُمْرُ النعم." أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
سورة الحجرات - ٧ ↩︎