(١١)

إنسان العلم واليقين
إمام الدنيا وكتاب الدين
اسم وأمر وكلمة وروح ونور الله

٤ ربيع الآخر ١٣٨٣ هـ - ٢٣ أغسطس ١٩٦٣ م

بسم الله نحيـــا.

وبرسول الله نســتقيم.

وبالوجود الحق من الله للإنسان نؤمن وندين.

وبه قياما وإماما نشهد الدنيا والدين.

دنيـــا…

ديـــن…

ما تكون الدنيا؟ وما يكون الدين؟…

هل هناك رباط بين الدنيا والدين؟… هل هناك ارتباط بين الدين والدنيا؟

أيهما عن الآخر صدر؟ أعن الدُنا صدر الدين؟ أم عن الدين صدرت الدُنا؟

أالدنيا من طبيعة الدين؟ أالدين من طبيعة الدنيا؟… أم أن هناك من صدرا عنه، وتواجدا منه، وقاما فيه، واتحدا عليه، وافترقا عليه؟ أم تراه هو الذي وحدهما فاتحدا، وفرقهما فافترقا؟

هل من كانا فيه، كانا غيره، أم أنهما ليسا غيره؟ ومن كان لهما هل كان غيرهما، أم أنه ليس إلا هما؟

ما هي تعاليم الدين؟ وما هي آداب الدنيا؟ وما هو معنى الاستقامة مع الدين وكسبه؟ وما هو معنى الانتفاع بالدنيا وكسبها؟ وما هي آداب الدين؟ وما هي معاني الاستقامة مع الدنيا؟

أالدنيا غير الإنسان؟… أالدين غير الإنسان؟!

الإنسان دنيا بوجوده، ودين بخلقه، وتعاليم بصفاته، وكتاب بطبيعته، وطريق باستقامته، وحقيقة بمعارفه. ما أمر الإنسان والدنيا، وما أمر الدين والإنسان إلا أمر واحد، فما كان الدين والدنيا إلا اعتبارين في الإنسان. ولكل إنسان دنيا نفسه ودين كسبه، من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى. من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. ووجدوا ما عملوا حاضرا، فكانوا أعمالهم في تجمعاتهم بيوتا وأهلها، وعرفوا الله على ما كان عندهم وأنه ما كان غيرهم، فقدوه إلى أعمالهم لم ينسبوهم إليه فيعبدوا أعمالهم له عبادا لمبديهم، والمتجلي بمعانيهم، والفاعل بمبانيهم، أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وهو الذي قدر فهدى شاكرا وكفورا.

فما دعا داعي صادق إلى الله وهو يدعو إلى نفسه أو معلوم نفسٍ للنفوس. وما دعا صادق إلى الله وهو يبعده بتعريفه عن معية المدعو إليه. وما بشر بشير من الله بلقاء إلا بلقاء الرفيق الأعلى للمتلاقي، في معراج لا ينتهي ولا يجز، وهذا ما عناه رجال القوم بقولهم (السير إلى الله له نهاية والسير في الله لا نهاية له.)[١]

على هذا، قياما، وإدراكا، وعلما، ومعرفة، استقامت وقامت الفطرة، وكان الإنسان عنوانها، وكان الإنسان صبغتها، وكان الإنسان كتابها، وكان الإنسان بيانها، فالإنسان في الواقع لسانها، والإنسان حجابها، والإنسان ظهورها، والإنسان غيبها، وما الفطرة لفاطر السماوات والأرض إلا صبغة الله لظهوره من كنزيته ومَن أحسن من الله صبغة. وهذا ما عناه المعلم بقوله (الظاهر مرآة الباطن)[٢]، (ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان)[٣].

إن الإنسان في حاضره من حضرته على هذه الأرض بدأ بذاته قياما وخلقا من الطبيعة فبرز بأحديته له وجودا مدركا له، الأرض تقله، والشمس والسماء تظله، والقمر نوره، والنجوم سرجه، والكواكب سفنه، والوجود داره.

والإنسان وهو تحت الطبيعة رأى مما خلق، وكيف خلق، مما يقرأ في كتاب نفسه، حتى إذا صور راشدا بما تواجد منه رجلا على صورته، منه تخلق، ومنه تواجد، بدأ في رعاية جديد نفسه، وتهذيبها، وكشفها ربا لجديدها فتخلق لنفسه بجديد وعيه خلقا آخر، وقام بذاته قياما آخر زحزح عن مادته إلى تقدير وعيه، فاطمأن لمواصلة مادي وجوده بجديد نفسه، وتهيأ للانطلاق بها من سجن مادتها وتحريرها من قيود عجزها إلى حرية قدرتها بجديد لها نفسا لطيفة لا وزر لها، فهانت الدنيا عنده وقدرت الآخرة له، وهو مقدرها في حاضره قياسا عليه، فالإنسان فوق الطبيعة سيرى في كائناتها بكائنها به عين ما فيه ومنه في حاضره.

فإذا عبر الإنسان عن فكره وتقديره لمعناه قائما بنفسه في حاضره ويومه لقال (المرء بأصغريه، قلبه ولسانه)[٤]، وليس بجسمه، وظهره، وحيوانه، فحرص على معنويات وجوده، وامتطى بمعنوياته مادي ذاته، وعبر عن وصفه لطريقه، يوم قال (وإذا كانت الآمال كبارا، تعبت في مرادها الأجسام)[٥]، فأجهد ظاهر قيامه وحيوانه لمعنوي قيامه معروفا في علمه وعرفانه، فطلب الآخرة على الأولى، وسعى لها سعيها مؤمنا بها في إيمانه بدنياها في حاضره هي دنيا قادمه، لموجوده بمعنوي وجوده علما على القادم لوجوده بجديد تواجده، بدءا من ذاته بزوجه ولداته لواسع نفسه، قيام بيت باسمه وصفاته لمسماه من باطن قيامه لاسم الأعلى رفيقا وخليلا وحبيبا.

بهذا النظر وبهذا الإدراك كانت الدنيا عنده سابقة على الآخرة في وجودها طلبا للأكمل وتسخيرا للكمال في مراد سمائه، يتسامى بنفسه فيه لمعانيه إلى غاية وغاية وغاية. كلما صعد سُلما اشرأبت نفسه واستشرف عقله لسلم أخرى، لا يسلك مسلك الحيوان فيجتر على ما سبق أن طعم ليحيا في ماضيه. إنه لا ينظر خلفه ولكن ينظر أمامه دائما. إنه لا ينظر إلى ما سبق أن صعد بقدميه ليضع رأسه موضع قدميه، ولكنه ينظر إلى السلم، إلى المعراج، إلى خطوة تالية، يذهب معها صعدا، ولا ينزل إلى ما سبق أن صعد منه، {أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى أمن يمشى سويا على صراط مستقيم}[٦]، {مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}[٧].

بذلك حرص على الدنيا صاحب الدنيا المنتفع بها، الحريص على تعاليمها، وآدابها، وخيرها، منتفعا بما فيها للاحق دناه من دنيا قيامه لدنا قادمه، فخلق لنفسه بنفسه في نفسه خاص دنياه ولاحق دناه من عالم الحاضر لدنياه، فأوجد له دنيا يملكها بفعله وبكسبه، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره}[٨]… {ووجدوا ما عملوا حاضرا}[٩].

فما ظلم دنيا نفسه، {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}[١٠] ولكن أفاد منها على ما خلقت له، {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون}[١١]، فعرف بها الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، عرف بها معيته ممن هو مع كل نفس. عرف بها القائم عليها والذي هو قائم على كل نفس، فكانت كرة الدنيا عنده رابحة غير خاسرة، وكان مولد الفطرة له مثمرا، كسب الفطرة هو طفلها ناميا بها، ناميا فيها، متعارفا إليها، وبذلك بدأ إلى الحياة طريقه، وشق بين مشاقها لنفسه سبيله، بعارية الحياة معه.

مثل هذا الرجل كان الدين عنده وليد الدنيا لأنه ثمرة كسبه وتجاربه، ينتظر لذاته ولدنياه بعثا بما حَصَّل من حاضر دنياه، بدنيا قادمه ينتظر فيها الخير، والسعادة، والراحة، والسكينة، والوصول إلى الغاية التي كد من أجلها، وعمل لها بدنياه، فلم يبع أخراه بدنياه، ولكن سخر دنياه لأخراه، وباع دنياه لكسب أخراه، وقدمها عربونا وثمنا لأخراه، يربحها بوعيه، وعمله، وكسبه.

… ربح هذا الرجل الدنيا والدين، وتأدب مع الدنيا كما تأدب مع الدين، وحرص على تعاليم الدنيا لكسب خيرها، كما حرص على كسب تعاليم الدين لتحصيل خيره، فكان في ذاته الدنيا والدين، وكان في آدابه أدب الدنيا والدين، وكان في خلقه تعاليم الدنيا والدين، وكان في قيامه كتاب الدنيا والدين.

فإذا ما جاء إلى الدنيا مرة أخرى مبعوثا من دنياه من كسبه، عودا إلى دنياه منها كسب، فقال: هاؤُمُ اقرأوا كتابي، أوتيه بيمينه، جزاءً وفاقا لإحسانه في عمله، وإتقانه لما صدر عنه، وحرصه على ما قام به، وقام فيه من حقيقة قيامه، جاء الدنيا رسولا داعيا، ومبعوثا قيما، وحقا قائما، فكان بدنياه في دنيا الناس ثمرة الدين، وقيام الدين، وحقيقة الدين. قام ينفق من ماله مما كسب، متعاملا مع الحقيقة الكبرى… مع الفطرة… مع الصبغة الشاملة، والحقيقة الكاملة، مع الله… مع الوجود… مع المطلق… مع الغني… مع العطاء… مع البذل… مع التوفيق… مع السداد… مع الحكمة… مع القدرة… مع الرحمة… مع المعرفة… مع العلم… مع الحياة.

يبذل الحياة مملوكة له ليكسب الحياة مضاعفة له من الحي القيوم، وبذلك يكون في هذا الطور لهذا الرجل مشهودا فيه له ولمتابعيه على أمره… الدين أصل الدنيا… الدنيا ثمرة الدين… الدنيا فعل الدين. ماذا عرف هذا الرجل وقد أظهرته الفطرة صبغة الله وإنسان كماله، ورسول قيامه عند قيامه، لمن أراد قيامه في قيامه بالحق؟ عرف هذا الإنسان الدين كله وقد أظهره الدين على نفسه، فكان هو الدين والدين كله. عرف أن الدين إنما هو الإنسان تأويه الفطرة وتضمه إليها، وتظهره الصبغة وتقوم عليه، وتقوم به على فطرتها من خلقها، وتجليات قيامها لانتشار صبغتها، واتساع قيامها بفطرتها بجديد من أولية لحقيتها بحقائقها، {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل}[١٢].

بذلك يكون الدين هو الدنيا، كما تكون الدنيا هي الدين، ويقوم الإنسان الذي استقام مع الدنيا والدين، والإنسان الذي استقام مع الدين والدنيا، أخوان، لا يفترقان، يتراءيان، ويتواجدان، في معراج لتصاعد، وفي تدان لترقي، بيوتا ترفع يذكر فيها اسم الله… وصبغة الله… وخلق الله… وأسماء الله، وصفات الله… ومعنى الله، وبيوتا توضع كذلك يتجدد بها في الخلق أسماء الحق، وصفات الحق، ومعنى الحق، في تآلف قلوب على الحق، بقبلة من بيت، بإنسان من ذكر، بنصب من هيكل، بذات من قلب، هي فؤاد له، لقلب لإنسان، من لطيف كيان هو له عماد، إنسان لا تقله أرض ولا تظله سماء… إنسان اتسع لما لم تتسع له السموات والأرض… هو إنسان الله، وعبد الله، ورسول الله، والحق من الله، لحقائق الله في الناس… أول العابدين لمتابعيه، ونبأ النبيئين لمتعلميه، ورب المتقين لمحبيه، وعين اليقين لقائميه، فيزدوج الإنسان لنفسه عند نفسه في نفسه بين جسد وروح، من آدمه في أديمه لروحه من قائمه ومستديمه، فيدرك حديث فطرته وهدف صبغته بقوله {وخلقناكم أزواجا}[١٣]، ويعرف أن الأمين من الروح ما كان عند الأمين من آدم.

بهذا كله جاء الحق يوم جاء بمولد له على الأرض من الأرض صفوة قيامها، صَاحَبه مولد له من السماء وفي السماء صفوة قيامها، فانشقت عنه السماء روحا أمينا ولجت بها ثمرة الأرض صادقا أمينا، فدب على بويضة الأرض بمظهر علقة وبداية إنسان سوي بصبغة الله يقوم عليها ويلجها بويضة إنسان سوي لها، فقامت به الأرض إنسانا وكلمة لله، وحقا منه، وظهرت به السماء يدا لله وظلا منه، وظهر به وجه الإنسان بفطرته وليد السماء والأرض، آدم السماء والأرض، أديم الأرض وروح السماء، وظهرت به السماء والأرض زوجان في بيت من إنسان يظهره له منه إنسان، فظهر الإنسان عنوانا على الإنسان، في أزلي الإنسان، وقديم الإنسان، زويت له الأرض، وطويت له السموات، ومشى فوق السموات، ودانى إلى أعماق الأرض، فكان روح السموات والأرض، ونور السموات والأرض، ومظاهر السموات والأرض. ذلك إنسان الله الذي لا يستنكف أن يكون عبدا للأكبر في معناه، لا ولا للأصغر بمعاني الأكبر لمعناه فهو صبغته لمعناه ومبناه.

الإنسان الذي لا يستنكف أن يكون عبدا لله، هو الذي يوم يكشف عن معناه كريما بمعناه، يقول إني عبد الله، إني الحق من الله، إني وجه الله لوجوه الله، ولحقائق الله، ولرسل الله، ولعباد الله، وقد أظهره الله على الدين كله، فقال لمن قال له يوم استمع له، (ما أعطيتـه فلأمتي)[١٤]، ما أعطيته فهو لكم، اتبعوني يحببكم الله، لا فرق بيني وبينكم في الله، يوم تؤمنون بالله، وتؤمنون بي رسولا لله، قدوة وأسوة لكم، فتعرفون الله يوم تعرفونني في أنفسكم على ما عرفته في نفسي، ولله المثل الأعلى في السموات والأرض، فلست غيركم، ولست إلا أنفسكم، ولستم إلا نفسي، وما لي من الله إلا أنتم فأنتم أناي ومعناي، وما لكم من الله إلا أنا، فأنا معناكم وأناكم، فإن فقدتموني فقدتم أنفسكم من الله، وإن فقدتكم فقدت جديد نفسي من الله.

لقد أدبني ربي فأحسن تأديبي، وما زال مؤدبي، وما زال محسنا تأديبي، وسيبقى لي كذلك على ما وعد ولن يخلف الله وعده، أعلمني وعلمني أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأعلمني وعلمني أني رحمته للعالمين، وأن لرحمته الغلبة على عدله وعلى الكافرين، وأنه لا يحب اليائسين ولكنه لن يتركهم، برحمته غلبت عذابه، قمتها يوم قلت لكم (اذهبوا فأنتم الطلقاء)[١٥] يوم ملكت زمام الأمر فيكم. ألم يخاطبنا بقوله {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا}[١٦].

أعلمني وعلمني أن الناس له وجوه نضرت أو غبرت، وأنه منقي الوجوه الغابرة من غبرتها بقيوم وجوه ناضرة لوجه قيامه. علمنا ذلك يوم قال لأخي عيسى {إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}[١٧]، يعني يوم تقوم كلمته بعيسى على الذين آمنوا، وتقوم بهم على الذين لم يؤمنوا ليؤمنوا، فيكون الكل في قيام كلمته، كلمة الله، ووجه الله، وحق الله، وروح الله، أحدا من آحاده، وأحدية من أحديته، ووجها له وطلعة، وعبدا له وصبغة، وحقا له قائما عليه قيوما به على فعله وخلقه، (قبلا كانت الكلمة، والكلمة عند الله، والكلمة هي وجه الله، ثم خلق الخلق لهذه الكلمة)[١٨].

كلمة كانت ما فوقها هواء، وما تحتها هواء، وكان عرشها على الماء، كانت منفردة بمعناها، قبضة نور الله، ووجها لذات الله، وقياما لقيوم الله، خلق لها الخلق فقامته، فبها فيها لها عرفته، وبمعرفتها بها لمن فيها عرف متجليها ومبديها.

(كان الله ولا شـيء معه ثم خلق الخلق وهو الآن على ما عليه كان)[١٩]. ما كان هذا التعبير من أثر رسول الله وفي حديث رسول الله إنباءً عن أصل وبدء الخليقة، إلا تعريفا عن كلمة الله في تمامها في ذاتها، قبـل قيامها في تمامها بعالمها وبحضراتها كلمـة من كلمات. {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}[٢٠]. إن الفهم في كلمة الله… إن الفهم في عبد الله… إن الفهم في رسول الله… إن الفهم في آدم الله… إن الفهم في إنسان الله… إن الفهم في الحق من الله… إن الفهم في كتاب الله… إن الفهم في أسماء الله بالإنسان إنما هو الفهم في الله، وإنما هو الفهم للإنسان في نفسه عنها يوم يتعرض لبشري نفسه من بشري القيوم عليه، والرفيق الأعلى، والنفس العليا ما صنعته إلا لنفسها، وما قومته إلا لقيامها، وما أظهرته إلا لظهورها، وما أبدعته إلا لتجليها، وما رعته إلا لمعناها، وما قومته بخلقها إلا لصفاتها وحكمتها. إنها به ظهرت بحكمة الله يوم كفر بها، وبرحمته ونعمته يوم آمن بها، وبسعتها وبعظمتها في الأوسع والأعظم يوم ضل فيها، وبحكمتها وبقدرتها يوم عرف بها أنها به تفعل، وبه فعلت في قديم لا بدء له، وفي قادم لا انتهاء له، وفي قائم لا حصر له.

إن الإنسان يملأ فراغ الوجود بالحياة في أراضيه، وفي سمواته، وما بينهما، وهو الإنسان ذاتا من ظلام، أو ذاتا من نور، أو ذاتا من نار، أو ذاتا من طاقة، أو ذاتا من لطيف خبير، أو ذاتا مما لا نعلم، تواجدت فيما لا نعلم.

إنه في عالم رشاده… وفي عالم ضلاله… وفي عالم بهتانه… وفي عالم روحه… وفي عوالم مراقيه… وفي هاويته من نفسه، إنما هو الإنسان، ما زال الإنسان، وسيبقى الإنسان يأمل في إنسان نفسه لنفسه في نفسه العليا ناشدا لها، ضالا عليها في مبناه لمعناه، والله بنفسه العليا ما زال ينشده لما خلق له، فلا تيأسوا من رحمة الله، واعلموا أن الله معكم، واعلموا أن الله لكم، هو وجودكم… هو الحياة والروح… هو النور… هو الحركة… هو القيام… هو كل شيء… إنه صبغتكم وفطرتكم… إنه قيامكم وكتابكم وعلمكم… إنه حجابكم وسفوركم… إنه باطنكم وظاهركم… إنه فيكم ويحيطكم… إنه أقرب إليكم من حبل الوريد، ومعكم أينما كنتم، وآخذ بنواصيكم، وقائم على كل نفس بما كسبت، أعطى كل شئ خلقه ثم هدى. برسوله لكافتكم قدوة وأسوة صار آدم روحا، وصارت الروح آدما لا فرق بينهما ولا فارق لهما…

فاحرصوا على أنفسكم واعلموا أن الله ورسوله لكم، وبعباد الله بينكم، فاتخذوا لكم مثلا ترتضوه فقدموه، واتقوه، واطلبوه، وانشدوه، وابحثوه، وتكشفوه، واكشفو عنه في كنوز نفوسكم، وكنوز قلوبكم من داخلكم، يوم تستقيم فيه أموركم، ويتجه إليه في الطريق به إليه سعيكم، إنه فيكم وليس بخارجكم، فإذا لم تعرفوه فيكم فكيف تعرفونه محيطا من حولكم؟ خاب من دساها وأفلح من زكاها.

لا إلـه إلا الله، محمد رسول الله

اللهم يا صبغة الوجود… وصبغة كل موجود… وصبغة كل مشهود… وصبغة عين الشهود… وصبغة كل مجهول ومعلوم وموجود.

اللهم يا من هو الغيب والشهادة… اللهم يا من هو القائد والمقود، والقيادة… اللهم يا من هو الإرادة والسعي والمسعى والساعي، والمراد والمريد والإرادة، والجهد والقيادة… اللهم يا من هو كل شيء لكل شيء، وفي كل شيء… اللهم كن لنا في أنفسنا، ومن حولنا… اللهم كن لنا في دنيانا… اللهم كن لنا في ديننا… اللهم كن لنا في آخرتنا… اللهم كن لنا في قديمنا… اللهم كن لنا في قادمنا… اللهم كن لنا في حاضرنا وقائمنا… اللهم ألحق حاضرنا بقائمنا بقديمنا وقادمنا من أحسن تقويم… اللهم ألحق قديمنا وقادمنا بقائمنا، واجعل منا صبغة له، في أحسن تقويم… اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا… اللهم كن لنا فيما نعلم وفيما لا نعلم من أمرنا… اللهم كن لنا على ما أنت، وكن لنا على ما أنَّا لك، برحمتك، وبرضوانك وبهدايتك… اللهم اغفر ذنوبنا، وتقبل صالح أعمالنا مما وفقت ويسرت، وما توفيقنا إلا بك… اللهم إنا لا نبرئ أنفسنا من الطغيان على حقائقنا ومعانينا… اللهم فعافنا من طغيان أنفسنا، وطغيان الطغاة علينا. لا إله غيرك عندنا، ولا معبود سواك منا… اللهم برحمتك فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا، وأصلح شئوننا، حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، قوادا ومقودين، وادفع عنا وعنهم شرور أنفسنا، وشرور الأشرار من الخلق برحمتك يا أرحم الراحمين.

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

أضواء على الطريق

(لا مفر من أن تتجلى قوانين الروح العظيم. والذين يعترضون السبيل قد يعطلون أو يؤخرون نضجها، ولكنهم لا يمكنهم أن يمنعوه. إن في كل مجهوداتكم لنجدة المنكوبين، لإغاثة الضعفاء والبائسين، لمساعدة المحرومين من ضروريات الحياة، ليأخذوا نصيبا من خيرات الروح العظيم الكثيرة، لتقويم الخاطئين، لمساواة المهضومين، في تقديم الطعام للجائعين، والمأوى لأبناء السبيل، أريدكم أن تعرفوا أن كل هذا جزء من خصائص عملنا.

كلما زادت معرفتكم للحقائق الروحية يجب أن تزيد رغبتكم في خدمة من هم أقل منكم حظا. ولا يهم الاسم الذي تطلقونه على هذه الحقائق. لا يهم العنوان الذي تضعونه فوقها، سياسة، اقتصادا، دينا أم فلسفة. المهم هو أن مبادئنا سوف تستخدم لتحرير العالم من كل المظالم، وسوف نساعد هؤلاء الذين لم ينالوا بغيتهم في الحصول على ميراثهم الصحيح.

إن المواهب التي نمت فيكم والملكات التي أبرزت بكم، هذه هي التي تمنح مجانا لخدمة من هم أقل حظا، حتى يمكنهم بدورهم أيضا أن يمنحوا ما يملكون للآخرين الذين هم أقل منهم حظا. وهكذا تقوم سلسلة قوية من التأثير الروحي، حلقة بعد حلقة، تمتد من أسفل مواطئ الأرض إلى أعلى نقط في السماوات).(سلفربرش)

{كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء}[٢١]. (قرآن)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. مقولة صوفية عامة، وغالبا ما تعود إلى مولانا جلال الدين الرومي. ↩︎

  2. مقولة من خطبة للإمام عليّ ـ كرم الله وجهه:“…اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه…”. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  3. مقولة صوفية تتناغم مع تكريم الله للإنسان. ↩︎

  4. عن قصة في الأثر حينما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفدت الوفود من كل بلد لبيان حاجاتها وللتهنئة، فوفد عليه الحجازيون، فتقدم غلام هاشمي للكلام، وكان حديث السن، فقال عمر: - لينطلق من هو أسن منك، فقال الغلام: - أصلح الله أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبداً لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد استحق الكلام وعرف فضله من سمع خطابه، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسن لكان في الأمة من هو أحق بمجلسك هذا منك، فقال عمر: - صدقت، قل ما بدا لك. ↩︎

  5. بيت شعر للمتنبي: وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام. ↩︎

  6. سورة الملك - ٢٢ ↩︎

  7. سورة التوبة - ٣٨ ↩︎

  8. الزلزلة - ٧ ↩︎

  9. سورة الكهف - ٤٩ ↩︎

  10. سورة البقرة - ٥٧ , سورة الأعراف - ١٦٠ ↩︎

  11. سورة الذاريات - ٥٦ ↩︎

  12. سورة الإسراء - ١٠٥ ↩︎

  13. سورة النبأ - ٨ ↩︎

  14. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  15. من حديث شريف، رواه ابن إسحاق، كما في “سيرة ابن هشام”: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يوم فتح مكة، قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، فَقالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ …  إلى أن قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟  قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ. ↩︎

  16. سورة الزمر - ٥٣ ↩︎

  17. سورة آل عمران- ٥٥ ↩︎

  18. من الإنجيل: فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. (يو ١: ١-٣). ↩︎

  19. حديث شريف: “كان اللهُ ولا شيءَ معه، وهو الآن على ما عليهِ كانَ”. المحدث: ابن تيمية، المصدر: مجموع الفتاوى. كما أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق بلفظ: “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض.” ↩︎

  20. سورة فاطر-١٠ ↩︎

  21. سورة إبراهيم – ٢٤ ↩︎