(٩)

الإسلام
يقظة النيام ودين القيمة وصفة القيام
لسفن الخلاص ورسل السلام

١٢ ربيع الأول ١٣٨٣ هـ - ٢ أغسطس ١٩٦٣ م

الإنسان نائم، وقائم لقائم ونائم.

الإنسان عبد ورب، لإنسان لرب وعبد.

الإنسان كائن من ظاهر وباطن لإنسان كائن من باطن وظاهر.

أيْقظَ فيه القائم النائم، فاستيقظ، فقام، فتكثر القائم بالقيام، والنائم بالنيام، فاستخلف، فقبع، فسكن، فغاب، فنام لموعود قيام.

قام العبد من نومه والناس نيام بإرادة الرب القائم على كل نفس لا تأخذه سنة ولا نوم، يوم أيقظه ربه فاستيقظ فقام، فاستخلفه فلم يعد للنوم، وألف القيام، فقام بالحياة حيا وحوض حياة بالقيوم على الحياة ومصدر الحياة من القائم على نفسه وعلى كل نفس، صعد ودانى بالحياة، واستوى على عرش الحياة، فقبع الحق الأول في ذاته من قلبه ساريا منتشرا في القلب الكبير من أرض عالمه مدينة علم، بالعمل والإيقاظ والحياة بابا وسُلما وطريقا للحياة يظهر ويختفي بين قبر ومنبر.

انشقت عنه الأرض قديما، المرة بعد المرة، وكم عنه انشقت، به استكملت أطوارها، وجمعت أحوالها، وبلغت سدرة منتهاها، فسواها سيدها ومولاها، يوم سود عليها ولدها ومعناها، فكان في أطواره سدرة منتهاها، وكان لها أطوارها إلى أعلاها…

ثم انشقت عنه السماء، المرة بعد المرة، وكم عنه انشقت، فبوليدها سواها من أمسكها وطواها، فبلغ بها سدرة منتهاها، وجعل من وليدها عينها ومعناها…

ثم قام وليد السماء على وليد الأرض، وهو بالأفق الأعلى، دنا منه فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فتوحدت صفوة السماء مع صفوة الأرض بتوحدهما. توحدت السماء والأرض، فلا سماء ولا أرض، فالأرض سماء السماء، والسماء أرض الأرض، فتعارفا بما دب فيهما من حقائق الحي، وإنه على جمعهم إذا يشاء قدير. وشاءت قدرة من ليس كمثله شيء ومن دل عليه كل شيء، وعرفته وعرَّفته كليات الأشياء، شاءت إرادة من كانت الإرادة من مظاهر الدلالة على قائم إرادته، شاء مصدر الحياة وقائم الحياة، شاء مصدر الوجود وقائم الوجود، شاءت الحقيقة وقائم الحق أن تجعل لها من الإنسان ترجمانا، ومظهرا ووجها وعنوانا، ومخبرا، وكتابا، وبيانا، فكان لها منها وفيها ما أرادت لنفسها في أزلٍ لقيامها، وفي أبدٍ لقائمها لا يُبلَغ مداه في قدم، ولا يُبلَغ مداه في قادم، ولا تتغير له حال في قيوم قائم، فشاءت مشيئة من لا مشيئة له فالمشيئة من خلقه ومن أشيائه، شاءت أن تبرز شيئا يشار إليه من مشير، ويشهد لمشاهد تذكر وتعرف وتتسمى به مشيئته، منه يبدأ العلم بالعلم عنه، ويقوم به الجهل بالجهل به، ويستقيم به الأمر في الامتثال لمراده، وتظهر به عظمة الآمر يوم يظهر بها المأمور، يوم يضع الإنسان أمره مأمورا أو آمرا تحت أمر الأعلى له هو بدعائه له آمر، آمرا لربه بافتقاره وحبه، بذلك قام في أزل معروف رسول الله، وعزيز عبد الله… وقيوم حق الله… وقائم وجه الله… ودائم عين الله… ومحيط سمع الله… وقادر يد الله… وساعي قدم الله… وظاهر الله بمعالمه لباطن الله بمعلومه، وباطن الله بجلاله لظاهر الله بكماله، كلما شاء به أنه به يعرف، فتواجده الإنسان على سنن من قديم في تواجد بآزال، وتلاحق على سنن من دائمه في أبده يتواجد بآباد.

فالإنسان هو من أراد بفطرته دائما أن يُعرف على ما عرف، وأن يؤهل لمعرفته على ما تأهل لعرفانه، فكانت كلمة الله التامة به مظهر إرادته، هي عين مصدرها، وعين من عنه صدرت، فكانت ظهور باطنها ممن عنه تواجدت، وكانت كتاب قيامها عمن عنه صدركل كتاب، بها وبفعلها ظهر الرحمن، وقام الله بالإنسان على الإنسان، كمال حق، وتمام كلمة، فأراد الإنسان أن يعرف عنه مجتمعه فتواجد بمحدثه بصفات قديمه فظهر رسولَ الله ظهورا للحق من الله، في قائمه وظاهره بالوجود رسولا بوجوده لا يعزب عن علمه، ولا يخرج من دائرة قيامه وإحاطته مثقال حبة من خردل في دائرة تعريفه في داره في السموات أو في الأرض، ظاهرا على الدين كله على ما أظهره عليه كله بوحدة وجوده وشمول جوده في لا إله إلا الله هو لها شعار وهي له قيام.

بذلك جاء الكتاب عِلما ونظرا، وبذلك قام الكتاب إنسانا ومؤثّا وأثرا، ومخبرا وخبرا، إنسان غيب في عترة من شهادة بقيام إنسانه آدما يتكاثر، عبدا للرحمن، ورسولا من الغيب، إنسانا عن إنسان، وحقا من قدس الوجود عَلما على الأقدس، وعلى الأعلى من رفيق من أقداس الوجود، فقام بدءا للخلق وبدءا للحق على سنن من قبل، ببدءٍ لخلق، وبدءٍ لحق، محدثا لقديم، وظاهرا لباطن، به قام الناس جميعا رسولا من الناس جميعا إلى الناس جميعا، ليعلم الناس من هم من أنفسهم، وليعلم الناس من هم من قائم عليهم، وليعلم النيام قائم القيام يوم يستيقظ مستيقظهم من نومه، فيظهر بعرفانه لقومه، هاؤُمُ اقرأوا كتابي، نبيئا ونبأً، ولقديم الأبوة ابنا وخبرا، ولله كلمة وتعبيرا، ومظهرا، ويدا، وقدما، ووجها، وعلما. ضُرب ابن مريم لهذا مثلا، وقام به الكثيرون وهبا وكسبا، وقام محمد به جماعا كتابا وأثرا، شهادة وغيبا، فكان جماع كلمات لله… وروح قدس لله… ونور الحياة… وسفن النجاة… وماء الرِي للرعاة… وأرض القيامة للقيمة… وسفن السلام لرسل السلام… وهيكل الحج والصلاة لأهل التقوى… وكتاب الحقيقة… ووجه القدس، وعين الأقدس لأهل العلم والخبر والصبر والبلاء والبلوى. قام جماع الأجزاء، ومحيط الأرض والسماء، حضرة أهل الأرض، وحضرة أهل السماء، وحضرة أحسن تقويم لإنسان الوجود، الأب الرحيم ظهر للناس مثاله وظهر فيهم حاله، وبشر مآله بذات من أنفسنا في عالم أسفل سافلين، مثلت لنا الطريق المستقيم بمجاهدته ورجائه وإسلامه وسلامه. فكان ذو القعدة في دوامه ظاهر الناس نياما، كما كان ذو الحجة في بلاغه رسول حقية الناس قياما، كما كان المحرم في مقامه رسولا إلى الناس قياما ونياما من حقية الناس قياما ونياما من أزل لأبد ومن أبد لأزل، تأزل بآزالهم وتأبد بآبادهم رسولا من أنفسهم، وتأزلوا بأزله وتأبدوا بأبده أولى بالمؤمنين من أنفسهم. كما كان الصفر في محوه في الأعلى، وقيامه بالأكبر للناس وحقا وإماما، وسكينة وسلاما ومسيحا وقياما.

قام لا إله إلا الله، فكان لا إله إلا الله، وعَلمَها، وحقها، وبعثها، وقيامها، وكتابها، وعِلمها، وأعلامها، وشعارها، وإشهارها، فكان الناس به لا إله إلا الله، واعلموا أن فيكم رسول الله، حق الحياة في الأحياء، ونور المعرفة في العلماء، وطريق الاستقامة في الأتقياء، بحار الرحمة للكرماء، صلى عليه الأزل واصلا، وصلى عليه الأبد قائما متصلا فكان معنى الحياة، وقائم الحياة، وقيوم الحياة، بصلاة الأزل عليه رسولا من مانح الحياة وباستجابة الأبد له قائما فيمن وهب الحياة، فكان إنسان القيام لأبدي وأزلي الإنسان، يطلبه من طلب الإنسانية لمعناه، وعَرَفَه له سيدا ومولى، وعين معناه، رسولا من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، آمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته. يا من آمنتم بالله قائما على كل نفس آمنوا أن القائم على نفوسكم من الله إنما هو الحق من الله، إنما هو رسول الله، واعلموا أن فيكم رسول الله، وأن لكم رسول الله، وأن معكم رسول الله لا يفارقكم أبدا. اعلموا أنكم ورسول الله والله حق واحد، وقيام واحد، وقدس واحد، وحقيقة واحدة، وإله واحد. اعلموا أن العبد حق، وأن الرسول حق، وأن الرب حق، وأن الحق لا يتبعض، ولكن الحق دائما يتوحد. وحدوا الله يوم تتوحدون ورسول الله، ويوم تعلمون أن رسول الله وربه إنما هما في وحدة، وأن رسول الله وحد الله فامحى باطله وقام حقه، ويوم توحدون رسول الله لكم يمحى باطلكم ويقوم حقكم، على ما امحى باطله وقام حقه، أمر لا يغيب عن أمر الله، في قائم أمر الله، بقائم أمركم، فلا يكن أمركم من الله فرطا، ولا تفرطوا في أمر الله برسوله، فبه أتى أمر الله فلا تستعجلوه، ولا تفرطوا في أمر الله في أنفسكم، حتى يكون الله ورسوله لكم في أمركم، وبذلك تقدرون الله حق قدره، وتتعرضون لرحمته المهداة فتعطون كفلين من رحمة الله.

فثالوث الإسلام للحق الواحد الأحد لبيت يذكر فيه اسم الله، إنما هو العبد والرسول والرب، في وحدة من أمرهم أمرا واحدا لله، وإلها واحدا في الله، لا شريك له. أآلهة مع الله؟ أأرباب مع الله؟ بل عباد مكرمون باسم الله، ووجوها له يظهرون ويعرفون في بيوت أذن الله أن ترفع أو توضع يذكر فيها اسمه.

قبل رسول الفطرة وحكمتها معه - ولا قبل له بفطرته، ولا حكمة إلا ما جاء به من فطرته - عرف الإنسان نفسه، وعرف قديمه لجديده بمعناه بقانون وقائم الفطرة. وعلى هذا قامت رسالة الحكمة والحكماء في قديم الإنسان في كل مكان، وبه وفيه تطورت، وعليه قامت رسالة الأبناء، للإنسان من الأنبياء عنه في منطقة الشرق الأوسط، فعرف الإنسان في حقيقته تحت اسم الله في جميع هذه العقائد، ووصفه بوصفه لأوصافه، حتى جاءت رسالة الفطرة تجدد نفسها بإنسان الفطرة ذكرا لقديم لرحمة الله وعلمه بالإنسان، وجها له وعَلَما عليه، واسما وذكرا له على سنن الفطرة، ولكنها وضعت الأمور في نصابها فجعلت من الإنسان ذاتا ومعنى دلالة على الله موجودا ومعروفا، ولم تجعل من الله دلالة على الإنسان بتحريف الكلم عن مواضعه، وأظهرت الإنسان وجها لله، ولم تجعل من الله وجها للإنسان. جعلت من الإنسان كتابا عن الوجود في أبده، وجعلت من الوجود كتابا عن الإنسان في أزله، وجعلت من رسول الله وهو الحق في الوجود دلالة الإنسان على نفسه من الحق يوم يعرفه منه في قائم الحق به، وجعلت من الحق به معاني العبد له، وجعلت من الوجود عبدا للموجد، وصرفت لفظ الله عن الإنسان وعن ظاهر الوجود إلى معروف الإنسان من الحقيقة بقائم الحق عليه وإلى معلومه عن واجب الوجود لقائم الوجود بقائم وجوده، وجعلت من الإنسان بوصف العبد لله معاني الحق من الله لذاته عالما من عوالم، وجعلت من الإنسان عبدا لله بروحه ومعناه وجها لله في دنيا الظاهر لذاته وفي دنيا الباطن لهذا الظاهر لها بآخرته، وفي كل دنيا بقيام وحياة لعوالم ذواته لذاته بقديم وقادم، أو جعلت من مراقي الإنسان في أبده، ومن مغانم الإنسان في أزله، وجوها لله في معراج اللانهائي المعروف والمعرف بلفظ الله.

إن الحقائق في الله كثيرة، وان آحاد الله في الوجود تترى سبحا في أحديته مطلقة، وقياما بحقيقته لا تشارك. الإنسان مظهره، والإنسان مخبره، والإنسان خبره، والإنسان كتابه، والإنسان قيامه، والإنسان وجوده وحقه، (ما ظهرت في شيء مثل ظهوري في الإنسان) [١]. ما ظهر الله في شيء مثل ظهوره في الإنسان، في أي صورة ما شاء ركبه، إني جاعل في الأرض خليفة، فمن أرضكم بقلوبكم يبدأ وجودكم، وتبدأ حياتكم، وتبدأ فطرتكم، وتبدأ صبغتكم إلى الرحمن، أو صبغتكم إلى الشيطان، فتسودون على أنفسكم، أو تسود عليكم أنفسكم، يوم يسودها شيطان ذواتكم فتبلسون، أو يوم تسودون أرواحكم على عالم ذاتكم فللرحمن تتعبدون وله عبادا ووجوها تنسبون.

إن القائم على كل نفس، إن الحياة النائمة في كل نفس، تستيقظ يوم يوقظها القائم عليها هو معيتها ومعناها، فتستيقظ له عبدا، هو سيدها ومولاها وربها وعين مبناها، فيمحى باطلها ويقوم حقها. بهذا جاء رسول الله، من عرفناه محمدا، ونسبناه إلى عبد الله ولدا، وجعلنا من آمنة له أمومة، وهو كلمة الله التامة التي جعلت المعرفة إليها نهاية المعرفة عمن هو منه رسول، والذي جعل القيام به نهاية الوصلة لمن قام عليه ربا، وكان له رفيقا، فعرف في رفقته لعين معناه به وحدانية الله لأصوله وفروعه بصلاحه بحقه. به حييت في الله أصوله وفروعه، وعرف أن عين العبد بحقه هو عين الرب بقدسه، فنسب إلى معلومه وصف الأقدس منه، ربا عليه يرعاه، وإلها له في مسراه، سماه (الله) بمعنى الأقدس عنه لعين معناه، فكان (اسم الله) هو اسم النفس العليا للنفس الدنيا من الإنسان في الله، كان الإنسان في أحسن تقويم يحمل اسم الله، ذكرا قديما لمن ليس كمثله شيء، ولمن لا يحاط بشيء من علمه إلا بما شاء، وكان اسم الله ذكرا محدثا لإنسان أرض الخلافة الجامع لحضرة أهلها حضرة لله، ما يأتيهم من ذكر محدث إلا استمعوه لاهية قلوبهم. إن الإنسان يوم يكون إنسانا، فهو ذكر الله… ووجه الله… وكلمة الله… وبيت الله… والحق من الله…

بهذا جاء الإسلام، كتابًا، وسنةً، وبذلك قام الإسلام فطرةً، كتابا وعترة، كتابا حيا بالإنسان، مبينا ناطقا بالكتاب، فهل عرفنا الإسلام على ما يليق أن يُعرف الإسلام؟ وهل عرفنا الرسول، وعلمنا أن فينا الرسول، على ما يليق أن يُعرف الرسول، ويُعلم الرسول، ويُعتقد الرسول، ويُوصل الرسول، ويُكشف الرسول، ويقوم الرسول، وينتشر ويعم الرسول؟

في مثل هذه الأيام، وفى مثل هذا اليوم من كل عام نحتفل بذكرى مولد الذات المحمدية، ذات وجود لأولية، ذات رسالة وبلاغ وهدية، ذات عبودية وحق واجتماع وهوية، ذات فطرة، ذات كتاب. نردد أنها شمسا مشرقة على القلوب تُحييها، ونشعل جذوة الحياة فيها بألفاظ تلوكها ألسنتنا، ولا تقومها أفئدتنا، ولا تتزكاها نفوسنا، ولا تستنيرها ذواتنا، ولا تنطلقها عقولنا، وهو لذلك كله أهل، ولأكثر منه.

فمتى يُعرف رسول الله… ومتى يذكر رسول الله… ومتى يشرق على القلوب رسول الله… ومتى يكون عَلَم العقول رسول الله… ومتى يكون طريق النفوس رسول الله… ومتى يكون سفين الانطلاق رسول الله… ومتى تكون الحرية رسول الله… ومتى تكون الحياة رسول الله… ومتى تكون النجاة رسول الله؟ أما آن للناس أن يكونوا في رسول الله… أما آن للناس أن يكتشفوا أنهم في رسول الله… أما آن لللناس أن يقوموا رسول الله… أما آن للناس أن يكتشفوا أنهم يقومون برسول الله… أما آن للناس أن يكسبوا الحياة لا تفارق… أما آن للناس أن يقوموا في النجاة والسكينة لا يشوبها الخوف ولا القلق؟ متى يطلب الناس الطمأنينة برسول الله في أنفسهم أقرب إليهم من حبل الوريد، ومعهم أينما كانوا، معنى ربه، ومعية ربه، وقائم ربه، وقيام ربه، ودنو ربه، وكنزية ربه، وتعالي ربه، ورحمة ربه؟ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ولا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما، فما كان الإسلام إلا له، وما كان الإيمان إلا به، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله}[٢]. به يقدر الله حق قدره، فهو الحق من الله، وهو الحق في الله، وهو الحق إلى الله. إن الله لا حركة له، ولا وصف له، ولا إحاطة به، ولا تسمية له، وما الأسماء الحسنى إلا من تسمية الإنسان لمعروفه به، ولواجب الوجود لوجوده عنده. الإنسان فيه هو الحركة والسكون لمعانيه، وهو الأسماء والصفات لمبانيه. وما كان الرسول لنا إلا الإنسان بحقه بعد الإنسان بخلقه، جديدا لقديم الإنسان ذكرا لله، ووجها لله، واسما لله، وحقا من الله في الله إلى من صلح لمعناه قدوة وأسوة. فكيف يقترن الإسلام والإيمان به ولا قيام له في الناس، وهو الذي يقوم ويتقلب في الساجدين عبادا للرحمن يمشون على الأرض هونا؟ الخير فيه وفي أمته إلى يوم القيامة، (روح القدس الذي يبقى معكم إلى يوم القيامة) [٣].

اللهم برسول الله فصلنا، ولرسول الله فأوصلنا، ولرسول الله فاكشف الغطاء عنا، اللهم اجعلنا منا له دثارا نظيفا طاهرا، واجعل لنا به جوارا شريفا عزيزا مكرما، اللهم أحينا بنوره، وأقمنا بنوره، وألحقنا بنوره، وابعثنا بنوره.

اللهم قُمنا بقيامه، وسلمنا بسلامه، وأنطقنا بكلامه، وزينا بوصلته، وأمتعنا بطلعته، وشرفنا بوجهه، اللهم إنا شهدنا أنه لا إله إلا أنت، لا شريك لك، هو حق قيامك مدانيا، وقريب وصالك راحما، وعلمنا به أننا بوحدانيتك في حضرتيك، من حضرتك بعظمتك، وحضرتك به برحمتك، فاللهم به فقنا شر غضبتك، ولا تتجلى علينا بكبريائك وعظمتك، وتجلى به علينا بحنانك، وودك ورضوانك، واجعلنا في نور رحيمك وقائم رحمانك، بمن جعلته وجها لحقك وعنوانا لإحسانك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا بما كسبنا، اللهم به فارحمنا واغفر لنا وتب علينا، وأنزل سكينتك على قلوبنا والسلم والسلام على أرضنا… اللهم به فارزقنا السلام والنجاة، وأوصلنا بالحق والحياة… اللهم به فاغفر أولانا، وأحسن أخرانا، وهيء فيك مسرانا. لا إله إلا أنت، هو عبدك ورسولك، وحقك، وطلعتك، لا إله إلا أنت، هو ساحة رحمتك وساحة وصلتك، لا إله إلا أنت عرفناه قربك، وعرفناه عروتك، اللهم فأمتعنا بقربك بوصلته، وارزقنا الصلاة عليه، كما صليت عليه، وصلي اللهم منا عليه، وصلي اللهم منه علينا، ووثق اللهم بفضلك لرباط الصلاة والصلة بيننا وبينه. لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

أضواء على الطريق

يقول الرسول (بدأ الإسـلام غريبا ويعود كما بدأ)[٤]، وهكذا يجدده لنا الروح المرشد السيد سلفربرش بقوله:

(اُنظروا لهؤلاء الذين ما زالوا يرسفون في أغلالهم… الذين ما زالوا يعيشون فيما أقاموه لأنفسهم من سجون عقائدية ومذهبية في صور من طقوس وحفلات. علينا أن نعلمهم كيف يجدون الحرية، وكيف يحررون أنفسهم.

هناك أعداد لا تحصى من الآدميين المنتشرين في أنحاء دنياكم في حاجة ملحة لخدمة من الذين يملكون المعرفة. وحيثما كان هناك أفراد يتعلقون بالعمى والخرافات، بالتعصب والتراهات، وبزبد المادية، فهناك ميدان للخدمات. وحيثما كان هناك للروح الأعظم أطفال يجهلون الحق الروحي فأنتم تعلمون أن هناك عملا لكم ولنا. هذه هي الرسالة التي نكلف بها نحن جميعا. وبنشرها يتمكن الجميع من الحياة في جمال عظمته، ويخرجون من الظلام الذي سببته السيئات والخرافات والجهالات.

هناك أعداء يجب التخلص منهم في هذه الموقعة التي استعمروها منذ قرون. ولكن النصر لنا لأن عداء الذين يقاوموننا يخمد سنة بعد سنة. ولا يمكن إبقاء الإنسان مسجونا إلى الأبد في الظلام. فنفسه تشتاق للضوء، والروح التي تتسامى فيه غير مستقرة.

هذا هو السبب في أنه يجب أن تتمسكوا بمثال الحق عالمين أنه سيصدق في النهاية. كما يجب أن تتحملوا مهاترات أعدائكم الجهلاء واضطهادهم وسخريتهم واستهزائهم. إنهم لا يمكنهم أن يمسوكم بسوء إلا إذا سمحتم أنتم لهم بذلك بمجاراتهم أو خشيتهم، وبدون حقد منكم على أحد بل بمحبة للجميع يجب أن تتغلبوا، ويجب أن تنتصروا).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. عبارة صوفية متناغمة مع الآيات الشريفة التي جاء فيه أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض. ↩︎

  2. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  3. استلهاما من الآيات: “وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَر لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ” (إنجيل يوحنا ١٤:١٦-١٨). ↩︎

  4. حديث شريف: “بدأ الإسـلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا.” صحيح مسلم. ↩︎