(٥)

إنسان الفطرة وإنسان الصبغة
الحق المرسِل والحق المرسَل
لإنسان الخلق وأمين الحق
عبد الله الوجود ورسول الموجِد

١٤ صفر ١٣٨٣ هـ - ٥ يوليو ١٩٦٣ م

من الفطرة، وبالفطرة، وفي الفطرة، وإلى الفطرة… من الله، وبالله، وفي الله، وإلى الله.

من الفطرة، وبالفطرة، وفي الفطرة نقوم… بها يحيا قيامنا، ونشهد أننا بها فيها لا إلـه إلا الله، فيستقيم إيماننا، ولا نتعرض لمزالق الهاوية لنا بعملنا، فبالفطرة نسير إلى الفطرة في مراقيها، فيستقيم طريقنا، ونتجنب طريق العدم لنا، وتتكشف لنا حقيقة الوجود في حقيقة وجودنا صبغة الله.

بالفطرة نقوم فنعلم أن الله قائم على كل نفس كسبت أمانته لذكره بها، بكلمة تمت له صبغة الله لنا، فنشهدنا أنه لا إلـه إلا الله، وأن العباد وجوه لوجه له بعبد ورسول منه كلمة تمت به، وأضيفت له ذكر بذكرها، وعرف بمعرفتها، وقام بقيامها، ووصل بوصلتها صلاة له وصلة به.

وفي الفطرة نقوم، فنشهد أنه أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فندرك الرسول من أنفسنا بحقها هاديا لنا مبعوثا في ضمائرنا فنشهد أن محمدا رسول الله، وتمام كلمته لأنفسنا في تمامها بأمانتها ذكرا لله.

فإذا ما تابعناه في مسراه إلى مراقي الفطرة، وفي الفطرة، وبالفطرة لنتطور فتتفتح لنا في الله أبواب البشرى بشرا، وأبواب الأمل ملأً، وأبواب الرجاء رجالا، وقد شهدنا قدس ذات الفطرة للإنسان يقوم بأنفسنا، وبه نقوم في الأكبر لنا متابعين مهتدين، فنطلب الأقدس والأكبر فيها راجين متأملين، فنعلم أن الله أكبر وأن الله أكبر، فلا تفتنا أنفسنا بأمانة الله لنا اسما وذكرا له عن مقصودنا لنا طمعا ورغبا في قيام الوجه له في قيامنا بقيامه بنا مؤمنين به في إيماننا بأنفسنا عبادا له، وعبادا لعباد له في معارج مراقينا للانهائيه، وفي معارج أنفسنـا لأقداسها في تدانينا لحضراته بخلقـه في أبديته لفعله بصفاته لا انتهاء لقدسه لأزليته في قيامه بحقائقه وفي حقيقته لحقه في حضرة لانهائيه لحكمته وسلطانه وفعله في مرآة أبديته لعينه بذاته وصفاته بجديد آزاله لتجلياته بخلقه في باقي آباده بحضراته عين قديمها والأقدم في عين جديدها والأحدث لوحدانيته في سرمديته لقيامه.

أشهدتنا الفطرة إذ نتواجدها وتتواجدنا أن من خلق السموات والأرض والأكبر ما خلقهما وما بينهما عابثا ولا عبثا، وأنه ما خلقهما وما بينهما إلا بالحق، وأن الحق ما نقوم، وأن الحق ما نرجو، وأن الحـق ما إليه نصير، وأن الحق ما نشهد، وأن الحق لفيمن يشهد.

يُسلم المسلم لرسول الله إسلاما لرب رسول الله وإسلاما لله، فبماذا يعرِّف رسول الإسلام ومجدد دين الفطرة المسلم في نظره؟ إنه يقول (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه)[١]. المسلم… من أسلم للناس إسلاما لله، {… إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[٢].

المسلم… من سالم الناس مسالمة لله (الدين المعاملة)[٣]… {ادخلوا في السلم كافة}[٤].

المسلم… من اعتقد الناس إيمانا بالله، أن الله{قائم على كل نفس بما كسبت}[٥].

المسلم… من عرف أن كل ذرة في الوجود في السموات أو في الأرض أو فيما بينهما يأتي بها الله، كما قال لقمان لابنه {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم…}[٦].

المسلم… من شهد وجه الله حيثما ولى، {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٧].

المسلم… المشاهد لله حيثما ولى وجهه، ما شهد وجه الله حيثما ولى إلا بعين الله حيث اتجهت {واذكر ربك في نفسك… ولا تكن من الغافلين}[٨] {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}[٩].

المسلم… من علم أن لطيف الله يلحق الأبصار فتبصر، والأسماع فتسمع، والأُنوف فتشم وتدرك، والألسنة فتنطق، والقلوب فتحيا وتعمل، والجوارح فتستقيم وتلتئم وتتوافق، والنفوس فتصح وتصحو فتحيا وتزكو. إن الله أقرب للإنسان من حبل الوريد ومعه أينما كان.

المسلم… من علم أن كل ما خاطب به الله، وجودا أو موجودا، أرضا أو سماء، فقد خاطب به الإنسان، {خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك}[١٠].

المسلم… من علم أن المخاطب بمعنى السموات والأرض، إنما هو لطيف الإنسان، (لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن)[١١].

المسلم… من علم أن الأرض تُقطع ويقطعها الله، إنما هي ذاته يوم يُحيي أبعاضها، ويعدد لها في معناها أوانيها وصورها، يوم يجعل من يده رجُلا، ومن قدمه رجُلا، ومن عينه رجلا، ومن أذنه رجلا، ومن لسانه رجلا، ومن أنفه رجلا، ومن كل جارحة ظاهرة فيه أو باطنة رجلا، فيجعل من الرجل له أمة، ومن الفرد لمعناه جمعا، ومن الوتر لأحديته شفعا، ومن الشفع لواحديته وترا، ويجعل من جوارحه لظواهره برجاله باطنا وكيانا حيا سرمديا.

إنما يعرف الله من عرف أن الإنسان في ذاته نواة لمعناه، وأنه في معناه نواة لحضرة للحق في الحق لمولاه، وأنه في وحدة ذاته ومعناه نواة ذات ومعنى الوجود لله. وأن معنى الحق له يخلق معنى وقيام الوجود به بقيام الوجود لمعنى وجوده أحدا من آحاد في مطلق الله.

المسلم… من عرفه ذاتا كبيرة، ولم ينظره ذاتا صغيرة، {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[١٢].

المسلم… من اتسع قلبه لخالق السموات والأرض، وقد عجزت السموات والأرض عن أن تتسع لما اتسع له قلبه (لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن)[١٣].

المسلم… من عَرفَه لله اسما، وعرفه لله ذكرا، وعرفه لله وجها، وعرفه للرسول قياما وذاتا ومعنى ، هو

{الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١٤]، {قل جاء الحق وزهق الباطل}[١٥].

يتكلمون عن المسلمين وعن الإسلام، ويزعمونهم المسلمين، ويتخيلونهم المدركين للإسلام، والإسلام منهم بريء، والإسلام في عالمه من عالمهم غريب، شريد، طريد، ما ظهر به مسلم بحق إلا تكلكل الناس بباطلهم لإغراق هذا النور في ظلامهم، وإسكات هذا الصوت للحق في قيامهم {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون}[١٦]. أين هو المسلم؟ ومن هم المسلمون؟ وما هو الإسلام؟

إن الإسلام بوصفه دينا للفطرة له أُسس وقواعد وتعاليم، وإن الإسلام بوصفه هدي من السماء له آداب وقواعد وتعاليم، وإن الإسلام بوصفه طريقا للاستقامة، ووسيلة للتطور، وكتابا للمعرفة، وقياما للحقيقة، وشهودا للحق، له أوصاف ومعالم وتعاليم، وإن الإسلام كنظام مرضي من الفطرة للمجتمع الفطري، من أبناء الفطرة، وأفرادها، ووجوها له، له تقاليد، ونصائح، وهدي، وتعاليم.

تتميز تقاليده وهديه وتعاليمه لمن قام في الفطرة فردا، عنها لمن قام في الفطرة جماعة، أو لمن استقامت الفطرة فيهم أمة، بها يعرفون كيف يحرصون على الفطرة أمة لا يفقدونها، وكيف يتجمعون على الفطرة جماعات ليكونوا أمة يقومونها، وكيف يتجمع الفرد على أخيه في الفطرة قائمة به، يدعو أخاه لتقوم فيه الفطرة بكشف الغطاء عنها له، حتى يلتئم في الله قلبان، وحتى تجتمع على الله، في الأرض لبنتان مهدا لقيام بنيان لبيت فيه لله عنوان. (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)[١٧]. فإذا التصقت لبنات المؤمنين بقوالبهم من فيض قلوبهم ووحدتها قامت بهم بيوت الله ترفع ويذكر فيها اسمه {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[١٨]

إن الفطرة جعلت كل نفس تحمل وزر نفسها، ولا تزر وازرة وزر أخرى. فجاء هدي السماء الدنيا برسول الله من اللهم، (ابدأ بنفسـك ثم بمن تعول)[١٩]، {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}[٢٠].

جاء هدي السماء، إن القلب الحي إنما هو أساس ديـن الفطرة، وإن القلب المآوي كان قالبه نصب الدين، وبيت اليقين، وكعبة الحجيج، وسفينة النجاة. أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدعك أيها اليتيم، الذي آويت وإلى نفسي أضفت، وإليَّ عبدا نسبت، وبي حقا أظهرت، وبيتا وضعت، بذكري فيه قام فيه أب الكل، وراعي الكل، ورب الكل، إنه ربك، أنت وجهه وحقه.

أتعرف لك أبا وأما من التراب والطين؟ وقد نشأت من أم وأب من التراب والطين، وعرفتك وليد التراب والطين، فأنكرت للحياة فيك أن تكون ثمرة للتراب والطين، فطلبت لإيمانك بك، ويقينك لك أن تعرف من خلق الخلق من التراب والطين. طلبت أن تعبد نفسك إلى خالقك، أن تعبد ما خلق من قائم خلقك معلوما لك مشهودا منك إلى خالقه، فقلت يا خالقي أرد إليك نفسي، وهذا دينـي، وهذا يقيني، فمن يكون لما خُلِق إلا من خلق، فيا خالقي أتمم عليَّ نعمة خلقك لي.

خلقتني من علق وسويتني رجلا، وخلقتني من أم وسويتني معها ذاتا. يا من هكذا فعل، ممن خلقت أبي وأمي؟ إني أعلم أنك خلقت أبي وأمي من التراب على ما خُلِقتُ منهما منه. فيا خالق الأرض ويا خالق السماء، ويا خالق كل شيء مما نعلم ومما لا نعلم، يا من أراه وراء كل ما خلق، يا من يتجلى لي فيما خلق، يا من يتعارف إليَّ، فيَّ، بي، بما خلق، إن قلبي ينبض وجيبا لذكره لاسمك، إن عقلي يسبح طليقا في ملكوت حضرتك، إن ذاتي من ذات أرضك تدركني بضآلتي وضعفي، وإن وجودي في واسع وجودك يدركني بعدمي وفنائي. يا من أفنيت كل شيء عن معناه يوم يتأمل الشيء في معناك به، يا من تغيبني عني نائما، يا من توقظني إليَّ مصبحا، إني أذكرك في بكوري، وأذكرك في الآصال، وأنا أتأملني موجود وجودك، وصنع أيدي قدرتك، كيف أودعت فيَّ هذا العقل وهذا الإدراك وأنا من تراب الأرض، فهل تعقل الأرض يا مُوجِدي؟ إن كانت لا تعقل كما نرى أو نتوهم، فكيف أنا أعقل وأنا وليدها، وأنا منها جديدها، ولعلها بدورها جديدا لقديم لقيام من مثلي على ما لا أدرك، ولعلها مظهرا، لمُوجد لها هي له تدرك، وأنا لها أو له لا أدرك، لعلها أكبر مني إدراكا بك، إني أراها من مطلقك أمي، وأرى فيض نورك من وجه الأكبر لذاتك، من شمس قيامي روحا منك، فياضة على أمومتي من هذه الأرض.

تراني وليد السماوات والأرض، تراني ابن الطبيعة، ومن تكون الطبيعة؟ ألها أب وأم على مثالي منها ثمرة لأب وأم لي؟

هل هناك الأكبر من الطبيعة يلد ومنه تتواجد فيه هذه الطبيعة؟ يا من أنا فيه حائر خذ بناصيتي، وخذ بيدي، وأخرجني من حيرتي، أنا الضال في سفينتي في بحار وجودك، الذي لا يهتدي ولن يهتدي إلا إن أفضت على عقله ليرى ويعلم أعلام مسيره تحت سماء وجودك.

يا من لا تتطاول إلى إدراكه نفسي، يا من لا يتطاول إلى الإحاطة به عقلي، يا من لا يتطاول إلى مناله وجودي، على هذا بك آمنت مدركا مما دركتني في نفسي، علمني عن نفسي، أنزل سكينتك على قلبي، إن قلبي لذكرك يخشع، ونفسي من اسمك تضطرب وتجزع، فلِمَ لا يتفقان؟ أريد أن تخشع نفسي، أريد أن يسكن قلبي، أريد أن يدركك في حسه لنفسه حسي.

يا من أراك لا يعزب عن سلطانك، ولا يخرج من علمك، ولا يعزب عن علمك، ولا يخرج عن سلطانك ضئيل مثلي، ولا كبير غيري، يا من يستوي في عدله وفي رحمته الكبير والصغير، لا يُفلِت من عدله الكبير ولا يتخلى برحمته عن الضعيف الصغير، لقد خيرت عقلي فاختار عقلي، ورَضِيَت نفسي. اختار عقلي أن لا أكون فيه كبيرا جبارا، ورضي أن يكون فيه صغيرا ضعيفا، مرحوما رحيما، راحما رحمانا. اختار عقلي أن أكون فيه كريما مغلوبا ولا أكون فيه لئيما غالبا. يا من رأيته فيما أرى، وعرفته فيما أعرف، وأدركته فيما أدرك، هلا زودتني من فضلك، وهلا دركتني يا قريب بقربك، وأبعدت عني وهم نفسي ببعدك، يا من أنا فيه ضال سعيدا بضلالته وضلاله، لا تشقني بعلمي في قناعة بعلمي، وزدني تيها بافتقاري إليك.

فوجده على حاله هذه من الضلال، ضالا حائرا، فأخرجه من حيرته، وأزهق عنه ضلالته، وعرَّفه فيه لنفسه قبلته، {فلنولينك قبلة ترضاها}[٢١]. إنها قبلتك فيك منك، إنها قبلتك يا من يطلب للصلاة قبلة عرفها الإنسان من قبل، وعرَّفها لطالبها بعد تجربته وكسب خبرته يوم أرجع البصر بعيدا عنه كرتين، فما خرجت نفسه من حيرتها فأرجع البصر إلى نفسه مظهر أصله وأصل فرعه فخرج من حيرته يوم كشف عنه غطاؤه فعرفه. لن يكذبك فؤادك ما ترى إذا ما رأيت يا من يطلب أن يرى، ولن يمتنع عليك بعد أن ترى، عينك حديدا بصرها أن تواصل بمزيد لما ترى أن ترى، لن يزيغ البصر ولن يطغى، ولن يكذب الفؤاد ما ترى فيما ترى، كشفا للغطاء عنك، وسفورا للحق بك.

بشر عبادي فما أرسلتك إلا رحمة للعالمين. قل لهم جاء الحق وزهق الباطل، قل لهم جئتكم بكتاب لن تضلوا بعده أبدا، ما عرفتم عترته، وتابعتم نصبه وقيامه إنسانا حيا بينكم.

الثقلان فيكم أترك… كتاب الله الذي عرَّفكم عنى كتابا له، وحقا وقياما منه، ونورا له نزل إلى أرضكم بظهوري عليها، تم به انشقاق الأرض عني سيدا وربا لها، وعبدا له، ورسولا منه، وحقا للخلق، بها زويت لي الأرض، وبي قام عليها أمر الله الذي أوحى في كل سماء أمرها، وبي أتى أمر الله سافرا للأرض فلا تستعجلون، إذ تستعجلوني فما عرفتموني، فما عرفني غير ربي، إني أقوم فيكم وبينكم ومعكم على مكث، ولكني فرطكم على حوض الله حوضي لكم، كما أنا فرطكم وجها للحق يُرى في وجهي، ولكنكم تجعلون منى خصيمكم إذ تخاصموني بما تحدثون في ذكري، وبما تتخيلون في شأني، وبما تفرطون في أمري، وبما تحرفون في كتابي، وبما تنكرون على قيامي، وبما تتجاهلون من أمر بيتي. أنا إن احتجبت عنكم بوجه ظهرت بينكم بوجوه، وإن حملتكم اليوم في سفينة فسأحملكم أياما في أسطول من السفن، وإن كنت بينكم اليوم فردا فإني بأمتي وبيتي سأكون بينكم الدهر أمة وعصرا. (مثل أهل بيتي فيكم كسـفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك)[٢٢]، فاركبوا سفن الخلاص بعترتي من أهل بيتي رواسي الأرض أن تميد بكم، ومصابيح نور الله أن تظلم عليكم، وأعلام طريق الله أن تختفي عنكم، ووجوه الحق من الله أن يحتجب دونكم، وكلمات الله لإنساني إلى آدميتي بكم بعنواني، أتلقاها من معروفي، أظهركم وتظهروني.

إن أهل بيتي مني، وأنا من أهل بيتي، (حسين مني وأنا من حسين)[٢٣]، لقد أصبحت فاطمة برحمة الله وبفضله عليَّ وعليها بعثا لآمنة، فأصبحت ابنتي أُمي، وبأمي أدعوها، وأُما لأمتي جميعا أرجوها. فاقتدوا بي واتخذوا منها روح قدس لكم، وأمومة لكم ولأبنائكم. إنها سيدة نساء هذه الأمة، وما السيادة عندي وعندها إلا في خدمة الناس، الله لي ولهم سيد، الله لها ولهم سيد، الله لنا ولكم سيد. إني أُشرع لمعاني السيادة لكم فيكم منكم أن سيد القوم خادمهم، وأن الله لا يولي الأمر لمن يطلبه، فطالب الأمر على الناس مُحرم عليه، سواء كان ذلك في شأن الدين أو في شأن الدنيا. ففي الدين يُخرج الله رسوله والله أعلم حيث يجعل رسالته، والرسول يخرج برسالته وهو أعلم فيمن يجعل رسالته من بعده مواصلا لها، والدنيا أمرها شورى بينكم، {وأمرهم شورى بينهم}[٢٤]، والله يرعاهم ما كانوا في رعاية أنفسهم إيمانا به وبرسوله، لا يريدون أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، مغفلين أمر الله لهم بينهم. وهو ينهاهم وقد هداهم ألا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}[٢٥] وأن الله موفقكم لما أراد لكم، كيفما تكونوا يولى عليكم، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد.

حَاكِم المسلمين في أمر دنياهم أجيرهم وخادمهم، يشهدون فيه رحمة الله بهم يوم يقوم عليهم بعدل، ويوم يتعامل معهم بتقوى الله فيشهدون به برحمته، كما يشهدون فيه يد بطش الله يوم يبطش بهم بعدل الله، فيستغفرون الله، ويرجعون إلى الله، ويستعينون بالله على كشف الغمة عنهم، وتقصر أياديهم عن الامتداد إلى ما قضى الله به تطهيرا لهم لترفعه عنها، فترتضيه معلومة حكمته به يوم ترتضي الله ربا حبيبا لها، وتعلم أن الفتنة أشد من القتل، {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقضِ ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} [٢٦].

هكذا نظم الإسلام مجتمع المسلمين، يوم يريد الناس بمجتمعهم أن يكونوا من المسلمين، وهكذا وعد مؤسس الإسلام أن يبقى بين الناس الإسلام قائما من فرد وأمة…

فرد من أمة يوم يقوم المهتدي ويجد من يصدقه أمة ومثالا للمؤمنين، وبدء الجمع من المسلمين، وأمة من فرد هي في رجل المعروف قد اهتدى إلى الله في نفسه، وأسلم لله في نفسه يوم تختفي أمة المسلمين، فعرف قبلته إلى الله في نفسه، ومعناه لقلبه في نفسه، فدعا جوارحه للاستقامة أمة له، وقام من وجهه وجها لله إلى جوارحه تجتمع على قلبه بيتا لله وكعبة له، فقامت من جوارحه أمة به، وقد قطعت أرض ذاته، وسيرت جبال عوالمه، وقام من قلبه لله نصب وكعبة، وقد حييت وربت أرض قلبه فقام بعقله لربه رسولا وهاديا، وقامت من نفسه صديقة أمومة راعية حانية على جوارحه أبناءً لها وكلمات منها إليها. استقام قيامه، وقامت قيامته، وتجاوز العقبة، وسعد بساعته، وأسفر له أمره، ورد إليه طيب عمله لمعناه، طيبا قامه، وطيبا بدأه، وطيبا أنشأه، وطيبا بعثه، جزاءً غير ممنون بدخوله في حصن لا إلـه إلا الله قامها وقامته.

تحقق معناه باحتجاب خلقه عنه، فبحث عنه في طابعه ويتاماه، فعرفه في الناس يتيما ضالا، على ما كان سجينا في مبناه قبل أن يهدى إلى الحق في معناه، فارتد إلى خلقه جماع الناس وجميع الأجناس فصاحبه، فآخاه، فوده، فرعاه، فمن نوره به إليه امتد فأحياه، وأنشأه لنفسه على ما ارتضاه، ورسم له طريقه على ما عناه، فأضله وهداه، وقلَّـبه بين النور والظلام على ما هو قائم في معناه ومبناه، فحار فيه من والاه، فما عرفه غير مولاه، فتركه إلى نفسه فتجاهله إليها فما توفاه، وظهر له أنه قلاه، فما لبث أن تكشف له في جديده فعاد إليه، ولنفسه اصطفاه، فأرجعه إلى قلبه وأشهده قبلته في معناه، فعرفه في معرفته عنه في مبناه لعين معناه، فأكبره فتابعه فوالاه، فقال له رفيقا أعلى أنت يا سيدي ويا مولاي، ويا من عرفت، وما كنت أعرف، ويا من أخطأت فطلبت مولاه بعيدا عن معناه، ونسيت فيه ما أشار وما عناه، يا سيدي أنت الحق ومعناه، وأنت الوجه وجماله وجلاله ومجلاه، وأنت الذات ومبناه للأقدس بمبناه ومعناه، وأنت الروح والأمر ومن داناه، وأنت كل شيء لأي شيء في معناه. يا سيدي يا رسول الله، ويا رسول رسول الله رفيقا أعلى لمعناه ومبناه.

بذلك أسلم المسلم لرسول الله إسلاما لله، أكبره ورعاه، وشهده في رسوله بذاته ووجهه ومعناه، فعرفه الحق فلم يتشكك، ولم يتردد في السجود له سجودا لمن كان يرجوه غيبا، فشهده في طلعته ومجلاه وجوه ناضرة لربها ناظرة. (إذا رأيتموني وحدي فاسجدوا لله بين يدي)[٢٧]، (من أغضبني فقد أغضب الله)[٢٨].

بهذا جاء الإسلام وجاءت الفطرة. جاء الإسلام هديا من السماء، وجاء الإسلام فطرة من حكمة الله في إنسانية الأرض، وجاءت الحكمة بالإسلام للحكماء قبل رسالة الإسلام بالإسلام للأنبياء، وما كان حكماء الإنسان في قديمه إلا أصول أنبيائه في جديده، وما كان أنبياؤه في جديده من قديمه إلا أصول أئمته وأوليائه في الأحدث من أمره، مبعوثين بالنبوة وأهلها، والحكمة وأهلها حضرتان لله ورسوله في حضرة عباد الله، عبادا للرحمن يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، تماما للدين وقياما لليقين.

بهذا قال القوم، وقال المسلمون حقا، أدعو إلى الحضرتين بالحضرتين، أدعو بحضرة الحكمة قديمة أزلية حقية لحضرة الرسالة بالنبوة جديدة خلقية أبدية، في قيامهما في حضرة الحق قائما في عباده يمشون على الأرض هونا على صورة سرمدية، وهذا هو ثالوث الإسلام في أحدية لا إلـه إلا الله.

أدعو إلى الحضرتين بالحضرتين، فأشهده بك، وأشهدك به، أشهده بك حكيما محكما، عزيزا عاليا، كبيرا مدانيا، قريبا سرمديا قائما، أشهدك الإنسان في كمال يا من كان الإنسان مظهره وخبره في تمامه وكماله، من معاني حقه بمعاني خلقه، كلمات تتواجد ذكرا محدثا لذكر قديم يتجدد فبمظاهره يتعدد، أشهدك الإنسان رفيقا أعلى للإنسان في إنسان ظهورك بخليلك، وحبيبك، وخيرتك من خلقك لنفسك عبدك ورسولك… من جعلته أُمة، وعددته أنبياءه به أشهدك، وأنا فرد فيه في جمع له عبادا لك لا يختلف صغيرهم عن كبيرهم فيه، الكل له والكل منه قياما منك وقياما بك.

بك نشهده على ما هو جماع الناس، وبه نشهدك على ما أنت إلـه الناس، وحكيم الناس، وسيد الناس، وخادم الناس، يا من تواضعت بيدك تحتنا فأقللت، ويا من تعاليت ورعيت فوقنا فأظللت، وجعلتنا بين يدي رحمتك من أرضك وسمائك أمة وسطا بين أمم إنسانك، يا من أغدقت علينا في عطائك، وتجاوزت كل حد في مغفرتك، وكل تحديد في نعمتك، وسويت بين ما أحدثت وما أحدث من أحدثت، فسويت بين الأب وأبيه، والأُم وأُمها، والجد وجده، كما سويت بين الولد وولده، والحفيد وحفيده، والبنت وبنتها…

يا من جعلت من فرد الإنسان الوالد والولد، والروح بالذات والبنيان، والحق والمعنى. يا من جعلت من الإنسان يوم يكمل فيكون في ذاته وأحده بمعاني الأب والولد، ومعاني الروح والجسد آلها واحدا وعبدا واحدا يهدي ويرعى إلها وربا واحدا متحدا. يا من جعلت الكل فيك راعيا، وجعلت الكل منك مرعيا، (كلكم راع وكلكم مسـئول عن رعيته)[٢٩].

هذا هو الإسلام دين فطرة، ودين كتاب، وهذا هو الإسلام هدي سماء، وهذا هو الإسلام طريق تطور واستقامة، وتغيير وتبديل، وتعالٍ وترفع وتنزيه، وترك وكسب، وخلق وانخلاق، وتخلق في فطرة الله بصبغة الله.

الإسلام هو صفات المسلم، والمسلم هو كتاب الإسلام، والمسلم من سَلِم الناس من يده ولسانه، ولم يقل المسلم من سَلِم المسلمون من يده ولسانه، المسلم من سلم الناس جميعا، من مسلمين وغير مسلمين من يده ولسانه، المسلم من عَلِم أن كل شيء وقع وفق مراد الله، وأن الوجود لله فأسلم لموجود الله، وأنه ليس في الأرض لله إلا مسلم، وأن الله ممسك بيده كل شيء، فسلم الناس من يده ولسانه. المسلم من لم يُغيب الله فرأى وجه الله في الناس فسالمهم، فسلموا من يده ولسانه. هذا ما عناه مجدد الإسلام ورسول الإسلام، من أسلم لربه، وأسلم لقومه، وأسلم للناس، فوضع لهم جناح الذل من الرحمة، واستغفر لهم، وضاعف وزاد من استغفاره لهم كلما لجوا في خصومته، وكلما عتوا على حضرته. اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون قدري، أمة مذنبة ورب غفور، فسلم الناس من يده ولسانه، فكان المسلم وكان الإسلام، وكان من تابعه على معناه مسلما وإسلاما.

لا إلـه إلا الله محمد رسول الله

اللهم يا من أوجدتنا في بيئة نسبتها للإسلام، اللهم اجعلنا من المسلمين، وأدخلنا في فطرة الملة والدين، وقومنا بصبغة الله للحق ولليقين، واجعلنا لرسوله من المسلمين، واجعلنا لحضرته من الحق من المتابعين، وأدخلنا حضرته مغفورين، مسعدين، مطهرين، ناجين، مسلمين… اللهم ولِ أمورنا خيارنا، ولا تول أمورنا شرارنا جزاءً بما كسبنا، وعافنا اللهم من إقامة عدلك فينا، وعاملنا بعفوك ورحمتك… اللهم بجاه عبادك ممن نعلم وممن لا نعلم، خلصنا من شرور أنفسنا، ومن شرور الأشرار من خلقك… اللهم اجمع قلوبنا على من اجتمع قلبه عليك، واكشف لنا شهودنا لمن كشفت له شهوده للأعلى منك… اللهم بركب محمد فأتبعنا، وفي قيام محمد فأقمنا، وبسلام محمد فسلمنا، واجعل به اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، وبه أنزل سكينتك على قلوبنا، والسلم والسلام على أرضنا، وارفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم إنك أنت الأعز الأكرم.

أضواء على الطريق

من هدي السيد الروح المرشد (سلفربرش)

(إن ذلك الصراع العظيم أو الحرب المشبوبة بين قوى الروح وبين قوى الأنانية المادية البغيضة يستمر يوما بعد يوم في كل أجزاء العالم المادي. ولكننا نسير إلى الأمام، إلى النصر الذي ينادينا، عالمين أن النصر سوف يكون من نصيبنا، ولو تصادف وجود بعض العقبات، ولو ظهر أن قوى الروح قد انقهرت. إنكم جميعا سوف تنظرون إلى الوراء بسرور عظيم على الدور الذي لعبتموه في هذه المهمة، إنكم لا تعلمون ماذا تصنعون ولا عن الآلاف لا تعد الفرحين بما أتممناه).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف: “ألا أُخْبِرُكُمْ بالمؤمنينَ؟ مَنْ أَمِنَهُ الناسُ على أَمْوَالِهمْ وأنْفُسِهمْ، والمسلمُ مَنْ سَلِمَ الناسُ من لسانِهِ ويَدِه، والمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نفسَهُ في طَاعَةِ اللهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هجرَ الخَطَايا والذَّنُوبَ”.  صحيح ابن حبان ↩︎

  2. سورة النحل-١٢٨ ↩︎

  3. من مقولة للإمام علي بن أبي طالب: (الصلاة عادة، والصوم جلادة، ومعاملة الناس هي العبادة). ↩︎

  4. سورة البقرة - ٢٠٨ ↩︎

  5. سورة الرعد ٣٣ ↩︎

  6. سورة لقمان - ١٣ ↩︎

  7. سورة البقرة - ١١٥ ↩︎

  8. سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎

  9. سورة الأنعام - ١٠٣ ↩︎

  10. سورة الانفطار ٨-٧ ↩︎

  11. حديث قدسي: “لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن.” ذكره الغزالي في “إحياء علوم الدين”، وفي أدبيات المتصوفة. ↩︎

  12. سورة غافر - ٥٧ ↩︎

  13. حديث قدسي: “لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن.” ذكره الغزالي في “إحياء علوم الدين”، وفي أدبيات المتصوفة. ↩︎

  14. سورة الشعراء - ٢١٨-٢١٩ ↩︎

  15. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  16. سورة الصف - ٨ ↩︎

  17. حديث شريف. صحيح البخاري. ↩︎

  18. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  19. حديث شريف ذات صلة: “خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول.” صحيح البخاري وصحيح النسائي. أيضا: “ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها فإن فضلَ شيءٌ فلأهلكَ، فإن فضل من أهلك شيءٌ، فلذي قرابتِك فإن فضَل من ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا، وهكذا.” أخرجه مسلم والنسائي. ↩︎

  20. سورة المائدة - ١٠٥ ↩︎

  21. سورة البقرة - ١٤٤ ↩︎

  22. حديث شريف: “مثل أهل بيتي مثل سـفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.” أخرجه الحاكم في المستدرك. ↩︎

  23. حديث شريف: “حُسينٌ منِّي، وأنا منه، أحبَّ اللهُ مَن أحبَّ حُسينًا، الحسَنُ والحسينُ مِن الأسباطِ”. أخرجه الترمذي وابن ماجه، وأحمد باختلاف يسير. ↩︎

  24. سورة الشورى – ٣٨ ↩︎

  25. سورة الحجرات - ١٣ ↩︎

  26. سورة طه -٧٢ ↩︎

  27. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  28. استلهاما من الحديث الشريف: "فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، من آذاني فقد آذى الله. " المكتبة الشيعية. بحار الأنوار. ↩︎

  29. من الحديث الشريف: ‏"‏ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"‏. أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎