(٤)

عباد الرحمن
عمد الفطرة وأئمة الطريق وأحواض الرحمة
قلوب لا تعرف إلا لأهل القلوب

٧ صفر ١٣٨٣ هـ - ٢٨ يونيو ١٩٦٣ م

الحمد لله لا شريك له، والصلاة والسلام على رسول الله لا غياب له، رحمة للعالمين في دوام قيامه، وتقلبه في الساجدين.

أنزله الحق بالحق. يتلو كتابه الحق على مكث للحق ليبين الحق للناس من أنفسهم بالحق.

فُرض عليه القرآن، وردَّه من فرضه عليه إلى معاد بعودة، قيما لا عوج له، مناديا لا صمت له، يد رحمته ممتدة لا ازورار لها، وقدم سعيه إلى خلقه مواصلا لا توقف ولا نكوص له، بين وليد للأرض بنشأته، ووليد للسماء بعودته، آدم الأرض وكلمة السماء وروح الروح.

عَبَّده أزلي الحق لنفسه فتأزل. وأرسله لخلقه بحقه لمشروع الحياة الأبدي فتأبد. وأقامه على الأرض داعيا هاديا لا يحتجب ولا يفتر، رسولا منه إليه، وعبدا له به فيه، ظهر به حقه للناس من خلقه، وجعل حق الناس للناس به من أنفسهم، إنسان كماله، وكمال إنسانه، ووجه إحاطته، ويد نجدته، وحوض رحمته.

ساق أهل السموات إليه في أرضه فبدلت به الأرض غير الأرض والسموات غير السموات. تطور به أهل الأرض رقيا وعلوا، وتطور به أهل السماء إلى أهلهم رسلا ودنوا.

صلى وملائكته عليه في ذاته، وصلى عليه وملائكته في الناس، وخصه بالنظرة إليه من ربه. هو الذي يراك حين تقوم في الناس، وحين تتقلب في الساجدين من أهل الأرض وأهل السموات وجوه ذاته ووجوه معانيه بوجه رسوله وجها جامعا للوجوه له.

جَعل الدين في معرفته، وجعل الاستقامة في متابعته، وجعل التقوى في إجابته، وجعل النجاة في الالتحاق ببيته، والطواف بنصبه. جعله بيتا لله اتسع لما لم تتسع له السماوات والأرض من حقائق الله.

جَعل مدينة علمه ببيوتها جزاء عباده، وعطاء كلماته وحقائقه، وجعل من حجراتها جزاء الصابرين من المتقين، يُجزى بها الرسل والأئمة، غُرفا هي قبلة الصلاة لأممهم، ومحاريب وهياكل معابدهم، صلة به واتصالا بموصوله وقائمه من الكلمات والحقائق من ربه من الله في لانهائي الواسع العليم.

جَعل محو ال (أنا) إليه، والقيام فيه (بأنا) هو عبد الله والحق من الله (أنًا) لمولاه، وقد مسحه عنه إلى وجه معناه. هو سفين النجاة إلى مولاه بأهل بيته وعترته وكعبة الحجيج للعارفين بطلعته. هو حرص النفس يوم تحرص على الإفادة بأناها، لكسب أناه، بتقديمها على مذبح أنانيته بمعناه لمعناها.

أدرك المؤمنون به أن النفس لا تدل على الخير، ولا تهدي إلى حق، ما حرصت عليها. وقال المؤمنون معه بربهم لهم، الكافرون بأنفسهم لحقهم به، وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء. واستمعوا لهدي ربهم الذي أعطاهم خلقهم، ودلهم هديهم {ويحذركم الله نفسه}[١]، فعرفوا النفس بفطرتها جلباب شيطانها أو جلباب رحمانها. فإن سادها الرحمن قبع الشيطان، وإن سادها الشيطان قبع الرحمن.

أما محمد الحق… أما محمد الله… أما رسول الله… أما الرسول فقد أسلم شيطانه لرحمانه فقام إنسانه، وبعث حقه وعنوانه، ليلا ساريا بسكينة، وروحا منتشرا بحياة، ونورا ماحيا لكل ظلام بجهل، مقيما لكل وعي بعلم إنسان حق هاديا لكل حكمة وسلام.

إن فقدان النفس إليه قياما بنفسه، وفقدان الأنا بمعناها قياما (بأناه) لمعناه، هو الرباط الوثيق بوحدانية الله. وهو الدخول الذي يصلح به البال في حصن لا إله إلا الله. وهو مشاهدة وشهادة أن لا إله إلا الله، تقوم المعرفة لأهل المعرفة واليقين بشهودها، وتقوم الرسالات من الموحدين بأعلام شهادتها.

وما الموحدون إلا الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه، وأحسن القول قتل الإنسان لنفسه بالإنكار عليها في عزلة عن رسول الله، وتسليمها بإسلامها لرسول الله لقيام وكشف وصلتها برسول الله حقا لله، وارتباطها به فناءً عنها إليه.

فهو الذي يصلى لربه في صلاة كل مصل، وهو الذي يمحو النفس بعيدة عن بارئها إلى نفسه موصولة ببارئها قياما بربه، فنى عنه إليه فكان الحق منه، وكان الوجه له. من دخله كان آمنا، ومن تابعه كان مستقيما، ومن وصله كان مصليا، ومن أسلم له كان لنفسه مزكيا. فهو صاحب النفس التي أسلمت وبمعناها إلى معنى الرب لها انقلب بدخول الإيمان عليها لمن جعلها معنى لمعناها.

عُرِف الله به لمن كانه، وعَرَفَ الله بالله من عرفه. وآمن الناس بالله ورسوله في إيمانهم برسوله ورسالته. ووحد الله الناس يوم توحدوا بأنفسهم مع نفسه رسولا له وعبدا هو الحق منه، عرفوه عين ربه ووجه غيبه فعرفوا الله في معرفته، فجعلوا منه لهم غاية نفوسهم، وحكمة عقولهم، وماء الحياة لقلوبهم، وجذوة الحياة لهياكلهم، وروح القيام لأفئدتهم. عرفوه نور ظلامهم، وحركة ركودهم، ويقظة يومهم، وسكينة ليلهم، وبعث وجودهم لتواجدهم من موقوت خلقهم لدائم حقهم في قائم أمرهم.

عَرفه شيطانه يخفض جناح الذل من الرحمة فلم ينكر عليه ظاهرا لباطن للرحمن على ما أنكره شيطان آدم على آدم. عرف فيه اليوم المعلوم، والحق الموعود، فآمن به عبد الله ووجه الله، وآمن به إنسان الله، وآمن به تمام كلمة الله، وآمن به كمال إنسان الله وإنسان كمال الإنسان في الله، آمنه عين قديمه بالحق، وآمن به جديد قيومه لقائمه، لا يتخذ لقيام جديده به صاحبة ولا ولدا، فاختبر من اختبر لحساب قضية الإيمان به، وأضل من أضل لكسب مرضاته بكشف الستر عن قاليه، مملوك الزمام له، مستقيم القيام به، مأمون الجانب منه.

إن الله الذي ظهر بالإنسان، وظهر للإنسان، وأرسل الإنسان إلى الإنسان، خلق آدم من الأرض بكلمة منه ليكون كلمة له، ثم اصطفى من كلماته إليه به آدما ليكون إنسانا له، ثم اصطفى الإنسان من إنسانيته ليكون حقا له، ثم اصطفى من الحقائق حقا لجماع حقائقه.

كرم الله أبناء آدم ليكونوا أوادم، وتلقى الأوادم من كلماته ليستوفوا معاني الإنسان لأنفسهم. فلما استوفوا معنى الإنسان أمسكتهم يد الرحمن بحقائقهم عن الظهور والبيان، إلا بمجالات لهم من آوادم اصطفائهم عبادا للرحمن برسالات منهم، قاموا كلمات لله، وظهروا حقائق من حقائقه.

أمسكت يد الله في حضرة الله من أمسكت يوم وفى، وبقيامه باسم الله اكتفى فتوفاه، فعرف ربه ومولاه يوم عرف نفسه، وقد خاصمها وقلاها، وتخلى عنها بمعناها إلى قيام بها لمعناه، تابعه وارتضاه فتابعته راضية وكارهة لمعناه، مؤمنة بالله مشهودا لها في معناه لمرجو معناها، فدخلت في حصن لا إله إلا الله، أماتها الله عنها وأحياها له باسمه لها.

إن طريق الإنسان من الناس لمعرفة نفسه إنما هي في الإيمان بربه قائما على نفسه. وإن طريق الإيمان بربه في قيامه على نفسه إنما هي الطريق إلى الإيمان برسوله لكشف الغطاء عنه. وطريقه إلى الإيمان برسوله هي في الإيمان بكوثره، قائما لا يغيب، متجددا لا ينقطع، ولذلك أمرت النفوس: {يا أيتها النفس المطمئنة… ادخلي في عبادي وادخلي جنتي}[٢]، {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}[٣]. (أخفى الله الولي في الخلق)[٤]، (رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره)[٥].

وجعل طلبه من الناس فريضة عليهم، ومجاهدة منهم، هو{الرحمن فاسأل به خبيرا}[٦]، (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٧] (المؤمن مرآة المؤمن)[٨] ، (المؤمن مرآة أخيه)[٩]، {أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم}[١٠]، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[١١]، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[١٢]، {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[١٣]، {ألم يجدك يتيما فآوى}[١٤] فتخلق بخلقه {فأما اليتيم فلا تقهر}[١٥].

إن اليتم في الله إنما هو طريق الله المستقيم، ليسلكه الناس في طلبهم لله، فيأويهم الله بإيواء رسول الله، يتيما أووي وآوى، فكان أول اليتامى وأول العابدين… خرج به النبأ إلى اليقين، وعين اليقين، فانقضى عصر النبأ والخبر، والمنطق والأثر، إلى ظهور المنبأ عنه والمخبر به، بوجه له بالإنسان.

ظهر مصدر المنطق ومصدر الكتب، وغيَّب المؤثر بظهوره لأثره، بكشف الوجود عن قدس وجوده بعين موجوده، برفع غلالة المادة لقائم الروح. وهو ما تم ويتم للإنسان، في نهاية مسيره في أطواره، بدءا من نشأته بجلبابه من الأرض، إلى تمام نشأته بجلبابه من النور، وقد كان محمد في هذا تمام نشأة فيه، وبدء نشأة إليه، وقائم نشأة به.

(إن الله ينظر إلى قوم كفاتا، وينظر إلى قوم من قلوب قوم آخرين)[١٦]، (لو اجتمع إنسكم وجنكم على أتقى قلب رجل منكم وأعطيت كلا منكم مسألته ما نقص من ملكي شيئا)[١٧]، {ألم نجعل الأرض كفاتا أحياءً وأمواتا}[١٨]، فهي المسجد الحرام لعوالمها، وهي كعبة المصلي لشجرتها من الإنسان. تعددت مساجده وأشجاره في جنانه في واسع الوجود اللطيف العليم.

إن عطاء الله لمن يعطي الله ويمن عليه بالحياة، إنما هو في اجتماع قلب على قلب في مجتمعات الإنسان باجتماعها على قلب له، اتسع للحقيقة، وسما فوق الوجود المادي، فانطلق في الله، فتحرر من نفسه ومن مادته، وحرر الرقاب من نفوسها ومن مادتها، فعتقت الرقاب من النار في عالم تكوينها، وتحررت عقول الرؤوس من أشباحها، فسبحت في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فزحزحت النفوس للناس عن النار، وأدخلوا الجنة، وفازوا بالخلاص، وهذا هو الجهاد الأكبر. تقتل النفوس في معركة النفوس فيه بنفس حية بالله، قائمة بحقه، مبعوثة فيمن فيه تبعث بنوره، منتشرة بذكره، قادرة بأمره قياما بنوره، امتد بها الحق إلى ظلام صورهم، فأنار مشكاة صدورهم، وأشعل سراج قلوبهم. هذا ما تتهيأ للإنسان من الناس أسبابه في عالمهم الأرضي، يوم أن يفيدوا من كرتهم عليها بمولدهم الفطري منها لمولدهم الروحي من سمائها. برزوا جميعا لله الواحد القهار مصالحين أو مخاصمين لوجه اجتماعهم برسوله إليهم من أنفسهم.

إن الإيمان بالله إنما هو في إيمان الإنسان بنفسه، تبدأ في مخاصمة مع الله ولها معناه في انتظارها، وتنتهي إلى سلم معه ومصالحة بإسلام لنفس له رسول نفس لها، فتدخل في عباد الله، وفي دخولها في عباد الله دخولها في شجرة جنسها فرعا لها أو ثمارا منها، أو شجرة في جنة أشجار جنسها بمعناها لها.

إن هذا لا يكون لكم إلا حيث أنتم، وعلى ما أنتم. إن الدين لواقع. إن الإنسان إذا لم يخرج من معلوم موقوته إلى خالده لخلوده للإيمان بأزليته، وللعمل لأبديته بالسعي إلى اليوم المقدر لحقيته، فليس جديرا بوصفه. ولينتظر حكم نفسه على عمله بقطيعته عن قائم شرفه مكرما بقيام اعتباره ابنا لآدم، يعمل ليحقق لنفسه بعمله أن يكون كلمة من أبناء إنسان آدم المكرمين. فإنه إن غفل عن ذلك كان ابنا للشيطان، ولم يكن بحال ابنا للإنسان وعبدا للرحمن.

إذا لم يقطع الإنسان شوطا في الطريق إلى هذه الغاية بدءا من هذه الدار، حضرة الفطرة وباب الحياة في طريق من طرق الله بسعيه في قيامه، فإن السماء سترده يوم ينطلق طلبا لها إلى الأرض ذات الصدع، تنتظره لتفعل به فعلها. إن قيامة الله قائمة، في قيام الله، في أزلي الله، وفي قائم الله، وفي أبدي الله.

أما قيامة الإنسان وساعته، فإن كان مكرما، فبكشف الغطاء عنه، وانعكاس بصره إلى بصيرته ليرى القريب منه، والذي هو في معيته من الحقيقة، وهو الله له أقرب إليه من حبل الوريد ومعه أينما كان.

وللإنسان قيامة أخرى يستطيع أن يقيمها لنفسه بنفسه، هي قيامة حسابه أو قيامة عذابه، وهي في رد عمله إليه حتى يرى ما عمل من مثقال ذرة من خير أو شر. وهو عذاب محبب لمن صدق مع الله. فما عذابه إلا في يقظة ضميره. (ما مات أمرؤ إلا ندم، إن كان قد أحسن أنه لم يزدد. وإن كان قد أساء أنه لم يقلع)[١٩]. وهذا ما عناه الرسول بهديه في قوله (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا)[٢٠]، وقوله (موتوا قبل أن تموتوا)[٢١]، وإنبائه عن إمكان قيام ذلك في قوله (.…. وعُد نفسك من الموتى تكن مؤمنا)[٢٢]… {علمت نفس ما قدمت وأخرت}[٢٣].

إن غني الآخرة هو من تزود من الدنيا بمعاملة الله في معاملة الناس، مؤثرا على نفسه، واقيا للضعيف، مستكبرا على المستكبر، قويا بالله على الطاغية. إن الدين بالمعاملة في المعاملة مع الله، والمعاملة مع الله هي في المعاملة مع خلقه، والمعاملة مع النفس قبل المعاملة مع الناس. (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك)[٢٤]، فلا ترى بين الناس أو في الناس أعداءً لك وتنسى العدو الأكبر القابع في صدرك.

لا تطلب الله في الناس وتنسى من معك، وهو الله القائم على كل نفس. إن النفس القابعة بين جنبيك هي أعدى عدو لك، في معاني حقك لك، تصرفك عنك إلى شهوات قيامها، بوهم معناك لجلباب قيامك من المادة، {إن كل نفس لما عليها حافظ}[٢٥]، {والله من ورائهم محيط}[٢٦]، {فأينما تولوا فثم وجه الله}[٢٧].

فلا تنظر في نفسك، ولا تنظر من حولك مادي قيامك ومادي محيطك، فهذا غطاء وحجاب لما فيه من حق الله وأمره. حدد النظر إلى ما وراء منظورك، وخص إلهك بالنظر فيما تنظر، وقم في معاملة فيما ترى بالاستقامة.

اُنظره جميلا في جمال الوجود وجمال صنعه، اُنظره قابعا في ذرات الكون متحركا في حركته، حكيما فيما يصدر عنه. انظره حيا في معاني الحياة قائمة بك وبجنسك وبالوجود من حولك.

إنك القيام الحي القائم بالحي القيوم، اُنظره له مكبرا بالرضاء بحكمته في قضائه، والثناء والشكر لكرمه بالإكرام والإحكام لخلقه، عامله في التواضع بذاتك عن عظيم مشهود ذاته. ضع نفسك عند أقدام الناس مرضاة له هو رب لهم، كما فعل رسوله استجابة لما به أُمِر، واخفض لهم جناح الذل من الرحمة، وهو الذي جعل له العزة من عزة الله، والجلال من جلال الله، والعظمة من عظمة الله، والرحمة من رحمة الله، والحق من حق الله.

{كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}[٢٨]، فقاوم طغيان نفسك بما أغناها ربك، وأعطاها من نعمته، وهيأ لها من أسباب قدرته، وقد {أعطى كل شئ خلقه ثم هدى}[٢٩]. واعلم أن إلى ربك الرجعى، وأن إليه المنتهى، وأنه يعلم السر وأخفى، وأنك لله علمت أم لم تعلم، استقمت أو لم تستقم، فاجأر إليه بالشكوى من نفسك يوم تراها قلقة متعبة غاضبة، واشغلها بذكره، واشغلها بمعاملته، واشغلها بالسعي لمرضاته حتى يرضى فيظهر رضاؤه عليها في رضائها عنه، ويظهر قبوله لها في قبولها له، رضي الله عنهم ورضوا عنه، يحبهم ويحبونه، يقبلهم ويقبلونه.

إن النفس في مخاصمة مع الله بعزلتها، وفى مصالحة مع الله يوم تجتمع بقلبها على قلب له، وتتابع في سعيها عبدا له، وتستمع في سمعها لنداء رسول له.

إن رسالة الحكمة لا ينقطع عن الوجود صوتها، ولا عن الناس نداؤها، فهو المتحدث على كل لسان، هاديا برحمانه أو فاتنا لشيطانه. من عرف الحق عرف أهله، اعرف عن الحق أولا، وانشد أهل الحق بمعرفتك عن الحق. واستفت قلبك، ولا تتبع فتاوى النفوس. ولا تربط قيامك بقائم من أصولك أو بقائم من غيرك…

ولا تيأس بحثا عن قلب يخاطب قلبك، فالفطرة لا تخلو من عمدها بالحياة، ولا من أحواضها زاخرة بمائها، (الخير فـيَّ وفي أُمتي إلى يوم القيامة)[٣٠]… {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٣١]. {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}[٣٢].

إن الله آخذ بناصية النفوس على هواها وعلى معناها، فإن ضلت جمعها على أهل الضلالة، وكشف لها عن فساد غايتها ثم أنظرها، وإن اتقت جمعها على أهل التقوى، وأعتقها من النار، وخيرها بين مواصلة العمل والدعة، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[٣٣]، لا تفرق بين أحد من رسله، (علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[٣٤]، وتُسمَّع لما جاء في كل رسالة، ولا يزكي أهلها أنفسهم فالله في معرفتهم أعلم بمن اتقى، بل يتهم أهلها أنفسهم غير يائسين من رحمته، ولا من روح الله القادر على أن يغير ما بأنفسهم من ظلامها، يوم يغيروا ما بأنفسهم في قيامها، في متابعة قلب حي لعبد من عباد الرحمن يمشي على الأرض هونا في مسالمة.

إن الدين كله، والطريق كله، والهدي كله، في الاجتماع بالقلب على قلب حي. إن الدين كله إنما هو في المخاللة لعباد من عباد، في تواصي بالحق وتواصي بالصبر، حتى يتراءوا وجوها لله وجها لوجه.

هذا ما جاء به محمد، وما جاء به كتاب محمد، وما جاءت به الرسل معه، والرسل منه، والرسل بمعناه، فيما سنوا للناس من سنته، عبدا لله ما عرفه غير ربه…

وما عرف عارف ربه فيما أحاط به من العلم عنه في نفسه عن نفسه هي كتابه الجامع، إلا في حدود أمره. ولا تفريق بين كتب الله بنفوس خلقه، ولا بين رسل الله لسان صدقه، ولا بين كلمات الله وجوه طلعته، ولا بين عباد الله عماد فطرته، ولا بين حقائق الله قيامة إنسانه وساعة إحسانه. فلكل زاوية من الحق جمعهم أُم الكتاب، وبيان البلاغ، ومصدر الخطاب، مدينة علمه وحجاب رحمته.

نسأل الله برسوله أن يهدينا في دوام به، وأن يجدد فينا إيمانا في كل نفس بما قام عليها من قريب رحمته وقائم إحسانه، وواسع غفرانه مع اللمحات والأنفاس.

اللهم يا من هو هو، ليس كهو إلا هو… اللهم يا من تنزه عن الشريك، وعن الوزير، وعن المعين… اللهم غير أحوالنا إلى ما تحب لنا وإلى ما تحب بنا، على ما فعلت لأحسن تقويم، وعلى ما قمت بأحسن تقويم.

اللهم اجمعنا على رسول الله في أنفسنا اجتماعا عليك بنا، اللهم أدخلنا في حصن شهادته يوم شهد أنه لا إله إلا الله، وأدخلنا حصن رسالته يوم شهدت أنه رسول الله. اللهم ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا… اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك.

أضواء على الطريق

من حديث للسيد المرشد سلفر برش يشف عن عظمة الرحمة الربانية المودعة فيه والمعرفة الواسعة والحكمة البالغة في التربية:

(لقد اجتهدت أن أمسككم بالحب والخدمة، في أن أرشدكم وأشترك معكم في تجاربكم، في أن لا أبعدكم أبدا عن مسئولياتكم وهو ما لا أقدر عليه، في أن أساعدكم على لقاء النفس العظمى التي تحاول دائبة أن تظهر في صورة أكمل. لقد صنعنا حلقات الحب والصداقة منذ سنوات عدة. إن الزمن لم يوقف العجلة التي تربطنا معا وتجعلنا ذوي هدف واحد. والصوت الذي يتحدث إليكم سوف يسكن للحظة بسيطة، ولكن الحب الذي يتجلى سوف يبقى معكم، بالحب أجيء وبالحب أذهب.

في كل مصاعبكم لستم أبدا وحدكم. إذا كان عليكم احتمال الأسى فسوف نقاسمكم إياه. سنجتهد لنمنحكم القوة في ساعة ضعفكم، ضوءا في وقت ظلامكم، وأملا عندما يبدو كل شيء أسود لانقباضكم. إنكم جميعا من الروح الأعظم فلتجاهدوا لما تستطيعونه إلى عليين، فالأرض تأثيرها مؤقت بتوقيت الأجسام التي تعملون خلالها، ولكن أرواحكم تعمل لتواجه الضياء الكبرى ليوم جديد).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة آل عمران - ٣٠ , سورة آل عمران - ٢٨ ↩︎

  2. سورة الفجر – ٢٧, ٢٩, ٣٠. ↩︎

  3. سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎

  4. مقولة للإمام عليّ (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرن شيئا من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليه في عباده، فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله، فربما يكون وليه وأنت لا تعلم… بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  5. من حديث شريف: " رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ، تَنْبُو عنه أَعْيُنُ الناسِ، لو أَقْسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّهُ". خرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، والترمذي. وأخرجه مسلم بلفظ: “رُبَّ أشعثَ أغبَرَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ”. ↩︎

  6. سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎

  7. حديث شريف: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  8. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه ، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني. ↩︎

  9. حديث شريف: “المؤمِنُ مرآةُ أخيهِ، المؤمنُ أخو المؤمنِ يَكُفُّ عليهِ ضَيْعَتَه ويحوطُه مِن ورائِهِ.” أخرجه أبو داود والبخاري. ↩︎

  10. سورة الماعون – ١، ٢ ↩︎

  11. سورة محمد – ٢ ↩︎

  12. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  13. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  14. سورة الضحى - ٦ ↩︎

  15. سورة الضحى - ٩ ↩︎

  16. عبارة للسيد رافع يمكن فهم معناها ومغزاها من السياق. ↩︎

  17. حديث قدسي طويل: قال الله تعالى: “يا عبادي إنَّكم تخطئونَ باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا أغفرُ الذُّنوبَ جميعًا ولا أبالي فاستغفروني أغفرْ لَكم … يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منْكم ما زادَ ذلِكَ في مُلْكي شيئًا”. صحيح مسلم. ↩︎

  18. سورة المرسلات ٢٦-٢٥ ↩︎

  19. حديث شريف: “ما من أحد يموت إلا ندم. قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع.” أخرجه الترمذي، وابن عدي، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد، والديلمي في الفردوس، والبغوي في شرح السنة. ↩︎

  20. مقولة للخليفة عمر بن الخطاب. أخرجه أحمد في (الزهد). ↩︎

  21. حديث شريف. المحدث: الزرقاني، ولكن لم يثبت سنده، ويوافق الحديث الشريف: “كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎

  22. حديث شريف ذات صلة، رواه عبد الله بن عمر: “أخذ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ببعضِ جسدي وقال: كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎

  23. سورة الانفطار - ٥ ↩︎

  24. حديث شريف. أخرجه البيهقي، كما أخرجه الطبراني بلفظ: " ليس عدوُّك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نوراً، أعدى عدوِّك نفسك التي بين جنبيك." ↩︎

  25. سورة الطارق - ٤ ↩︎

  26. سورة البروج - ٢٠ ↩︎

  27. سورة البقرة - ١١٥ ↩︎

  28. سورة العلق - ٦ ↩︎

  29. سورة طه - ٥٠ ↩︎

  30. حديث شريف تقول معظم كتب الأحاديث إنه لم يثبت عن الرسول ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  31. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  32. سورة الكهف - ١٧. ↩︎

  33. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  34. حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎