(٦)
موالد الحياة وقيامات الحقائق
تمام كلمات الله لوجه ذاته بحضرتها لوجوه صفاته
رسلا من أنفسهم إلى أنفسهم في أنفسهم
أمور الخلائق بأوادم ذواتهم لظلال التكاثر لوجودهم بتواجدهم
٢١ صفر ١٣٨٣ هـ - ١٢ يوليو ١٩٦٣ م
تولد الحياة، في مهد للحياة، من الوجود ظهورا على أرض بيضاء، يوم تبعث على هذه الأرض كلمة لله، بأولية لأوادمها، ليؤذن في الناس من ظلالها من أبناء الأرض والسماء بالحج والصلاة لبيت وضع للناس فجر يوم لليالي عشر، يتخلق به العصر والدهر، تتفتح للناس به أبواب الفلاح والنجاة بموت عنهم بعزلة، وبعث لهم بحق، وجه ربهم في الحي القيوم، من الحي القيوم، بالحي القيوم، إلى الحي القيوم، بوجه له من أنفسهم، فيرتفع شعار لا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من صلح للحياة فكسب الحياة، كان حسبه الله، وصبغة الإله وجها لله، ومن أحسن من الله صبغة.
وكم من قبل ولدت وبعثت كلمة الله في مهد للحياة، وعلى أرض الخلق والحياة، في موالد من بعث لا تحصر ولا تعد، ولا يبلغ في أغوار الزمن مداها لأوادمها بعد.
وكم تولد كلمة الله في مهاد للحياة، وعلى أراضين للخلق وللحياة، نعم كم في آزال تواجدت كلمة الله، وكم في آباد تتواجد كلمة الله، وعن عوالم الخلق ما غابت كلمة الله، فهي الحياة، وقيومية الحياة لعوالم خلق الله من عوالم أمر الله.
ليس للإنسان في الله إلا أن يقوم كلمة لله بالاجتماع على كلمة لله. ولن يتعارف الإنسان إلى الله إلا في التعارف إلى كلمة لله رفيقا أعلى، يوم يقوم كلمة لله قدم قيامها لقيوم وجهها رفيقا أعلى.
إن رسالة رسول الله إنما هي في ظهوره بحاله كلمة لله مترددة بين الغيب والشهادة، تبدأ في الشهادة أول العابدين آدما لأوادم من عباد لله في طريقهم للظهور من كنزية وجودهم، لتنتهي إلى الغيب عن عالم نشأتها لعالم حضرتها بالحق، من رآها فقد رآها حقا…
ثم تجدد لها في الشهادة قرين انتهائها منها إلى الغيب عنها بدءا آخر أول عابدين وخليفة عابدين، إليه تتعارف وبها لها يعرف، وإليها يؤوب ويتعارف، وعليها يجتمع، وعليه تجمع، وبه تتم رقيبا وقد كانت على الناس شهيدا.
ينتهي كل بدء في الشهادة إلى كمال بها وإلى غيب عنها بشهادة له هي حضرة للكلمة في تمامها، تتكاثر بها لها فيها منها، ويقارن كل كمال لها في ذاتها مجال بدء لها في عالم بدئها وتمامها.
وقد أظهر الله رسوله على الدين كله بكشف الغطاء له عن نفسه في كنزيتها وكمالها قبل ظهوره أول العابدين، وما ينتظرها في تمامها إنسان الله ووجهه لجماع وجوهه في حضرته بالحق لأمته من المؤمنين، فعرفه بالحق قائمه عينه في قديمه وقادمه. أعطي الكوثر بمعناه، وضمن له أن لا يبتر في تكاثره بحقه بجديد لمبناه أول العابدين دائما ببيوت توضع وبيوت ترفع، بشرا خالدا في تجدده، وجماع كلمات لله بجديد له في دوام، بروح قدس الله يقوم وينتشر في العابدين بالعابدين. فكان الكلمة الوسط بين كلمات الأزل والأبد.
بُعث بالحق، وهو المولود في الخلق من الخلق، فكان موته وبعثه في إناء ظهوره بدنيا نفسه رسولا بحاله، ودوام أحواله إليهم من أنفسهم. عرف نشأته بعثهم من الأرض آدما لهم ونفسا لنفوسهم، وعلم أن الله يقوم على كل نفس بما كسبت، وأنه معية كل نفس أينما وُجدت، ومتى وكلما وأين تواجدت، فانقطع به الإنباء عن الحق إلى المشاهدة له. أينما نولي فوجهه، وأيما نريد فأمره، وكيفما نقوم فتعبيره وقوله. منه السلام لكل وليد، وله التسليم من كل شهيد، لا يقبل الغير، ولا تتواجد في وجوده المغايرة، فكان قياما وعنوانا لما علم وعلَّم، وبه للمؤمنين بشر، وللناس من تفويته لأنفسهم حذر.
خلق خالق الإنسان الإنسان عالما بما توسوس به نفسه بأنانية عزلته، من طينة نشأته، وصفات جبلته. خلق عجولا، لربه كنودا، بنفسه وبمعناه جهولا. يتخلق فيه من فعله الظلام، والقلق، والمشقة، والمسغبة، والضيق، والكراهية، والمقت، والحقد، والضعف، والحسد. ومعه من نور الله بقديمه حافظه وربه يعمل لمحو ما يشقيه، وإيجاد ما يسعده، بلا مَنِّ ولا قهر، ولا مفارقة ولا مغايرة ولا تعدد. اختفى عنه في وحدانيته معه، وشهده فيه في مرآة أخيه رسولا من أنفسهم. (المؤمن مرآة المؤمن)[١].
تواجد الإنسان على هذه الأرض في صورة من عالم هيكله متكاثرا بمبناه لصفات معناه وجوها له، عالما مباركا، وهيكلا مقدسا، وبيتا موضوعا يرفع، أو بيتا مرفوعا يوضع، وجودا خالدا بقديمه لقائمه، متواجدا لقادمه بجديده لقديمه، إنسانا من الله مرضيا في رضاء الله عن نفسه وعن فعله، فكان بكائنه يوم يكون كيانا بقيام من ربه مغفورا، ومن الحق المطلق معانا، ليتواجد بفعله في التخلق بالخلق الذي حُمل إليه من الأكبر إليه رسولا هو فيه الأصغر…
حتى إذا ما للرشاد استجاب، وطلب إلى الأكبر الإياب، أجيب إلى طلبه بعلم عنه يحيط به في نفسه يوم جاهد نفسه، لها قاليا، وعليها معانا من الرحمن الرحيم معية وحافظا روحا ونورا، متوسلا إلى من هو معه من الله بمن هو فيه منه، مؤمنا بمن هو فيه، عليه قائما وبه محيطا، هو به وفيه من رسول الله في ربه يوم يؤمن بالله ورسوله فيراه للأعلى رفيقا وله حبيبا وخليلا، ويراه مع ربه له على ما آمن وعرف عن الرسول وربه.
فإذا عرف الكائن البشري أنه في الله ورسوله، وأن معه الله ورسوله بقائم دائم لهما، فحاول بمعناه منهما مؤمنا بقيامه فيهما، مستعينا بمعيتهما أن يطور نفسه مع مرآة له من مؤمن بهما، وأن يغير ما بها مما لا يرضيه عنها، وأن يكسب لها ما يرضيه من أمر ربه، فقد وجد طريقه، وطرق بابه، وعمل لاستخراج كنزه.
الإنسان في رحلة دائمة في عالم ذاته لأحديته في مجتمع آحاده مترددا بين رأسه وقلبه، وهو ما يحدد درجة اهتزازه ونوع وعوالم اختلاطه في عالميه من الغيب والشهادة.
الإنسان بين عالم ذاته بكثيفه وبين عالم قلبه بلطيفه في عالم حقه بنور عقله، يُبدل قدميه في عالميه بمعلومه من أمره في وجوده لعلوي نفسه خلقه لنفس ظهوره وليصنع على عينه. فإن ظلم نفسه وقد نسي الحق معيته، والرسول قدوته، والكتاب طريقته، والعترة شرعته، والتخلق بأخلاق الأكبر سنته، فقد أضاع نفسه وما ضيع الله، وظلم نفسه وما ظلم الله. ولكن الإنسان على هذه الأرض أَنَّى له الذكرى وقد فتنته ذاته عن حقيقته، ودنيا نفسه عن آخرة دنياه، وشغلته الدنيا عن الآخرة، وخدعته الدنيا والآخرة عن معناه من الحق.
ينشد الإنسان السعادة لنفسه، ويبحث عنها بكل همته، وبكل عقله، وبكل جُهده، والسعادة قطوفها دانية بين جوانحه لا تمتد لاقتطفاها يده. والشقاء لا وجود له في حقيقة الأمر إلا بوهمه، فيحيا في وهمه، ولا يقيم في حياته بانشغاله بموقوته عن دائمه، وبعنايته بمفقوده عن قائمه، فلا غطاءً عما به من الحق يحاول كشفه، ولا رجوعا إلى داخله ليعرف نفسه، والله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، أعطاه خلقه وبصيرته، {بل الإنسان على نفسه بصيرة}[٢]، ويسر له هديه {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٣]، وقاربه بحقه لاقتدائه (المرء على دين خليله)[٤]، وبشره بوحدانيته مع جنسه لكشف وحدانيته مع وجوده {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[٥].
إن السعادة… إن السكينة… إن رضوان الله… إن عطاء الله غير ممتنع عن الإنسان في أي دار كان، وعلى أي مستوى يكون في معارج الحياة، يوم يرتد إليه بصره، ويحتد بلطيف الله نظره، وتعلو همته، ويستقيم تقديره، فيتكشف له ما أودع الله في عالم قيامه من قدس معناه لحقي وجوده.
إن الإنسان هذا العالم الصغير الذي يعنون العالم الكبير، والذي إن حقق لنفسه ما أبدعت له، وما هي قائمة به، فنما ونما، وبدأ حياة النمو في مهد الحياة، وطفولة الوجود له، لأدرك أن كل شيء في الوجود ليس بعيدا عديده وجديده به له مبنى ومعنى.
ليست الشمس بعيدة عن تناول يده، وقادم لمبناه ومعناه، وهو يتناولها بعينه، ويبتلعها بعقله، ويتسعها بروحه، هي دليل على الأكبر لمعناه، يوم يراه أرضا لله، ويتأمل في ملكوت الله، وفي آيات الله في نفسه، وفي آيات الله من حوله، وقد {جعلنا الشمس عليه دليلا }[٦]. وما كانت الشمس دليلا على شيء إلا على الإنسان في مرحلة من مراحل رقيه، يوم يكون جماعا لعوالم، ومظهرا لوجود، لتواجد الأزلي،بخروج من كنزيته إنسانا سواه فعدله، في أي صورة ما شاء ركبه.
خلق كل شيء من أجله، وخلقه من أجل ذكره. يذكره بكل أوقاته، وينشغله بكل صفاته، ويقومه بكل قيامه، يرى روحه من روحه، وعقله من حكمته، ونوره من نوره، وذاته من ذاته، وقيامه من قيامه، ذكرا محدثا لذكر قديم، لذكر أزلي، لذكر قبل الأزل.
يتواجد ذكرا له بذكره، ويجدده اسما له بمعناه بحبه. من خلاله يتواجد قديم حقه المرة بعد المرة، تجددا أبديا به متجددا يحيط بحاضره والأحدث، فيدرك كيف هو محاط بقديمه والأقدم جدده لنفسه، فلا يرى الله غائبا عن حضوره بحاضره، ولا محاطا من قائمه، فيراه لنفسه بمعناه غيبا من غيب الله لنفسه بمبناه، وحاضرا من حاضر الله بمعناه لمعناه ذكرا واسما لله، وقدسا من الأقدس من الله، كما يراه قدسا لقدس به يتواجد أقدس لله. (آخر من يخرج من النار يعطى عشرة أضعاف هذه الدنيا)[٧].
الإنسان وليد الإنسان وإنسانه منه وليده. الإنسان وليد الإنسان في أزل لا بدء له يشغله ويملأه الإنسان، والإنسان بقائمه حيا منه يتوالد الإنسان، ومن إنسانه المتوالد يتوالد الإنسان في توالد للإنسان لا انتهاء له. وهذا ما يدركه الإنسان يوم يحيا إنسانا، ويحيا قياما وبنيانا، ويحيا روحا وعنوانا، ويشعل ناره المقدسة، ويضيء نورا منتشرا متزايدا مستمدا ممدا، ويتكاثر أوادما وعوالما.
الانسان بيده بعث نفسه (موتوا قبل أن تموتوا)[٨]، وبيده قيامة نفسه (حاسبوا انفسـكم قبـل أن تحاسبـوا)[٩]، وبيده ساعة نفسه {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها}[١٠]، وبيده حس نفسه {والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق}[١١]، وبيده إدراك نفسه يوم يعرفه للأكبر عبدا، هو له راعي ورب، وهو به لمن دونه راعي ورب…
يوم يعرفه في الأكبر قائما وبه يقوم، ويوم يرى الأكبر لمعناه هو للناس في قيام بهم يشهد له فيتواضع للناس وجوها له، الله من ورائها بإحاطته.
ولا يستقيم له فيه أمره، ولا يراها كذلك، ولا يشهدها بذلك، إلا يوم يؤمن أن الله قائم على كل نفس ومن ورائها محيط، قيامه على نفسه بلطيفه يخالل فيعرفه روح الله فيه، ومعنى الحياة له.
يلحقه اللطيف بصرا، وأُذنا، ولسانا، ويدا، وشما، وعقلا وحسا، وفعلا وقياما، فيبصر ما لا يبصر العمي بكشف الغطاء عن بصيرته لتكون بصرا له، أينما ولى فثم وجه الله لوجه الله به…
وأينما كان فما كان إلا في حضرة الله، وما عمل ما عمل إلا بقدرة الله، ولا اهتدى فيما اهتدى إلا بما إليه انتهى، وما كان له ذلك إلا بحكمة الله وبتوفيق الله، وبتيسير الله، وبعون الله، وبهدي الله، وبرحمة الله، وبعناية الله، بقيوم الله برفيق أعلى على قائم الله له.
بوليد الحياة في مهد الحياة على أرض الحياة لبدء الحياة، قامت الصلاة والصلاح، وقامت النجاة والفلاح ببعثه على هذه الأرض في أمرها المريج وحقها الخديج وبقيامته بالحق، وتخلصه من وصف الخلق لمعناه في أطواره لمبناه قامت قيامة الحياة له وللناس، ما تابعوه في مسراه، وقاموا فيه له به بمعناه فتابع مبناهم مبناه عبادا لله، ووجوها لله، وحقائق لله، من حق الله في حقيقة الله، ونصبا وبيوتا وعوالم لله في واسع ومطلق وجود الله.
بمحمد وبفطرته تمت نعمة الحياة لأهل الحياة على أرض الأمر بالحياة من أرضكم، إذ تكشفت الفطرة لأبنائها في متابعته، يخاللهم ويخاللونه، ويحبهم ويحبونه، ويقومهم ويقومونه، ويرتضيهم ويرتضونه، عبادا لله، وأمة لعبد ما أعطيه فلأمته. اتبعوه فأحبهم الله.
إننا نخشى يوم مفارقتك لنا يا رسول الله؟ هكذا شعر أهل حبه وشهوده، فأجابهم لا تخشوا شيئا من ذلك، أنا لا أفارقكم أبدا، إني أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم)[١٢]. لست أبترا فأنا المتكاثر بكم يوم تتواجدون بي، فيتكاثر معناي في معناكم رسولا من أنفسكم على دوام، حقا من الله، وسلاما منه في قيام، لا ينقطع جديده، ولا يختفي شهيده، (آدم أبو روحانيتي وابن جسمانيتي)[١٣]، وقائم معناي، وجديد مبناي، وصادق مسراي، فيه عطف وحنان الأبوة بمعناي على الأبناء في معناكم. هذه هي عترتي لكم وصنو كتابي عندكم، بقادم لقديم في قائم أمر دائب لا يغيب ولا يبتر، حي في قبري بقلوبكم منقبرة، مبعوث بأمري في قلوبكم حية منتشرة.
أنا لكم علوي أبوتكم إن شئتم، فكنتم أبناءً لي، أبناءً لي… لستم أبناءً للطبيعة ولا للأرض، ولا للمادة بداني أو غائب عنكم منها. {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله، وخاتم النبيين}[١٤]، و{أول العابدين}[١٥]، ومظهر الحق للعالمين في عالمكم، وفي أعلى منه، وفيما هو دونه، عبدا لله ورسولا منه ورائدا إلى الله عند من آمن بالله، ورجع إلى الله معية نفسه بتقوى الله، بالإحسان في مسلكه في معاملته مع عوالم الناس معاملة مع الله رب العالمين، {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[١٦]، (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه)[١٧]، (علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[١٨]، (الخير فيَّ وفى أمتي إلى يوم القيامة)[١٩].
ماذا نطلب بعد عبد الله؟ الذى عرفنا به فينا وعرفنانا فيه قدس العبودية لله في الله، وحقية العبد بالله في الله، وحقية العباد لله في لانهائي الله، وأن معارج الإنسان إنما هي في صحبة العباد، عبدا وربا إلى مطلق الله، واسعا عليما، قريبا مدانيا، محيطا فيما تبصرون، وفيما لا تبصرون، وفوق ما تبصرون، ودون ما تبصرون، ومعكم على ما تكونون، علمتم أو لا تعلمون، شهدتم أو لا تشهدون، قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون.
عبد عرف وجه الله لمعناه، فنزه الله بحقيقته عن اسم الله لمعناه فظهر عبد الله، كما نزهه عن الغيرية له فعرفه مع الإنسان بوصف الرب والإله، لذات جلاله بالإنسان لحقيقة معناه، وقد عرفها بذاتها وصفاتها اعتبارات في الإنسان بالإنسان، في طريقه لمراقيه إلى حقيقته ومعانيه، في حقيقته قائم الوجود ومعنى وجوهر وحق الحياة.
إن الإنسان في عالم ذاته الصغير بعين قلبه ورأسه، بين لطيفه بقلبه وكثيفه بذاته، بين مدركه بعقله وحيه بقلبه، بين شارده بنفسه وبين راجعه بروحه، بين إيمانه وكفره، بين حياته وموته، بين عرفانه وجحوده، بين نكرانه ووجوده، بين غيبه وشهوده، بين معقوله ومفقوده، بين ضيقه وسعته، بين عزلته ووصلته، يتحرك مترددا بين رأسه وقلبه، يحج بقلبه إلى رأسه سماءً فيعقل ويحكم، ويحج برأسه إلى قلبه بيتا موضوعا فيرق ويغفر. ملكوت الله بين جوانحه، وملائكة الله قائمة بجوارحه، وقبلة الله لمناسكه بقائمه من قدس ذاته بيتا وحرما، وما قيام عبوديته إلا من عمله بحقيقته، {والله خلقكم وما تعملون}[٢٠].
جعل مما تعمل عبدا لك يا من بالحق عملت، وصدِّيقا لك يا من للحق صدقت، {ووجدوا ما عملوا حاضرا}[٢١]. أضافك عاملا بالله إلى الله بك عاملا، وأضاف ما عملت إلى معناه بك عملا لله. {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}[٢٢]. (كن كيف شئت فإني كيفما تكون أكون)[٢٣]، فمن رأته ذرات عمله ربا حكيما، صانعا مصورا، مبدعا بديعا، حمدته حمدا لله، وشكرته شكرا لله، وسجدت له سجودا لله، كيف لا وقد أطاع الأكبر منه، قام فيه وسجد له وقد رآه عملا له، فكيف لا يسجد له عمله ويراه خالقا كريما له؟ لقد ربب على نفسه قدس ربه، فكيف لا يرببه عمله من فعله هو له خالق فيراه قدسا له به على نفسه؟ (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)[٢٤]، (تخلقوا بأخلاق الله)[٢٥] الذي خلقكم فأحسن صوركم، وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، وهو الذي خلقكم وما تعملون، خلقكم لنفسه، وخلق كل شيء لأنفسكم.
سبح اسم ربك الأعلى الذي خلقك وخلق ربك، خلق فسوى، سوى بين العبد وربه، ذلكم هو الأعلى في الله، فلينظر الإنسان مما خلق، أفحسب أن يترك سدى، خلق من علق، ثم سوى هذا العلق بمصدره، سواه رجلا، سواه امرأةً، خلق الزوجين الذكر والأنثى، خلقناكم أزواجا، {خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون}[٢٦]، خلقناكم من تزاوج السماء والأرض، أنتم أبناء الأرض أُما لكم، وأبناء السماء أبوةً لكم. يا أبناء السماء والأرض، ضُرب ابن مريم مثلا، فلِمَ يا قوم محمد عنه تصدون، وله لا تدركون، وفى أنفسكم لا تقيمون، والبيت وضع لكم لا تدخلون؟ وقد تمت كلمة الله بذات محمد، في مظهره جديد آدم تشهدون، بنوة السماء والأرض تتابعون، وجديدًا لقديمٍ لإنسان ما فوقهما لا عن صاحبة ولا ولد بالحق منه جاء الحق لكم، يتجدد فيكم بدائم جديد له على ما تجدد به قديمه، ومن خلاله بالأقدم يتواجد في الأحدث في دوام رقي بكمال وأكمل. له في أمره تتابعون، وأمركم في أمره لكم يتكشف فتشهدون، برد أعمالكم خاسرين، أو بقبول ذواتكم مرحومين.
به انشقت الأَمَة عن ربها، والأُم عن ولدها، راعيا لها وساهرا عليها، يرعاها في شيخوختها وصباها، وترعاه حتى ينمو وينمو ويكبر إلى معناها، ثم إلى معنى من أبدعها منه وسواها به، من الأكبر من السماء والأرض من الإنسان، فالإنسان وليد الأرض والسماء في مبتداه، وهي في قيامه قائمة، وفي كينونته كائنة، وفي معناه جديدة نائمة. أما هو فمآله إلى الحق من مولاه، إن الله بالغ أمره، فهو في تطوره في طريقه إلى سماء في معناه، أو إلى أرض في مبناه، أو إلى كليهما لحقه من مولاه إنسانا ذكرا لمن تولاه. الشمس عليه دليل، والغيب به حاضر، إنسان الحياة، وكتاب الوجود، وعبد الموجد.
بهذا جاء الإسلام، وبه جاء الرسول محققا له لنفسه، ولكل من صار نفسا له. به قام، وبه أقام، وله بسنته أبان، وبظلاله لنفسه جدد، وما زال يُبين، وما زال بظلاله يجدد، وسوف يبقى به مبينا، ولظلاله مجددا، ما جعل لبشر من قبله الخُلد، مذكُورا ومـذكِّرا. وقد جعلت البشرية أمته.
رفع ذكره في عوالم الروح من الملأ الأعلى معلوما، في الروحية في قديم مشهودا، بالحقيقة الربانية في أقدم موجودا، رابا رابيا بعبوديته للذات العلية، وجها لربه والأعلى، وقدسا لهما في صمدهما بالله في مطلق وجوده. لا تدرك ذاته لغير معناها، ولا تدرك لمن تابع وجها لها، إلا يوم يقوم في قيامه بمعناه، عبدا لمولاه بعين معناها.
فماذا يطلب الناس للمعرفة، بعد عبد الله رسولا؟ وماذا يقوم الناس بعد أن أعطى لهم المثل الأعلى ليقتدوه، وليتخلقوا بخلقه فيتخلقوه؟ يتابعوه بمتابعة متابعيه فيمن بينهم يجدوه فيكونوه، وقد جعل له الخلد بشرا يقوم ويتقلب في الساجدين، {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا وسلاما}[٢٧]، فما خاصموا من لهم خاصم، ولكن سالموا من خاصم ومن سالم، وتغاضوا عمن لج في الخصام وباعد بفعله عن السلام، وهم من هم، هم عباد الرحمن الذين يأتيهم كل من في السموات ومن في الأرض طلبا لرحمة الله الذى هو معيتهم، وفي هذا ظهوره برحمته غالبة عدله إذ هم وجهه ومظهره، ويده وقدرته، ونوره وهديه، وطريقه واستقامته، في سفوره برحمته.
فكيف يطلب الناس الاهتداء إلى غير ما هو بهم قائم ورسول الله وربه أقرب إليهم من حبل الوريد؟ وكيف يطلب الناس الهدي عند من مقت الاهتداء لنفسه فأبعد الله عن وجوده، وأنكر على الله جوده، فتجاهله الله، فطغت نفسه، وقام سلطانه، وظهر بوهمه؟ يتأله على مثاله من الناس بجهله، ويُعبِد الناس لبنائه، وما هو في الله بقلب ولا قالب ولا صاحب غرفة، ولا هو بالله ببناء، ولكنه في نفسه، في شيطانه، في موقوته، في زائله، به يقوم وله يعمل، وسيفاجأ ومن معه بزواله وزوالهم به. {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً }[٢٨]، {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد}[٢٩]…
يتوهم لذاته بيت وجود، وسفينة نجاة، وطريق معرفة وهو من ذلك خلو ومن معناه بعيد. طريق الإيمان في الكفر به يؤمن بالله من يكفر بالطاغوت. ويتحرر من نفسه من آمن بالله إيمانا بمعية ربه في قيامه وحسه في صحبة عباد الرحمن. تعتق رقبته من النار وينطلق في دار عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين، يزحزح الناس من قيامهم الضيق الموقوت زحزحة عن النار، ويدخلون في قيامهم الدائم الموجود فوزا بالجنة قطوفها دانية، يرون النار لهم مبرزة (هذه الدار أول أبواب جهنم)[٣٠]، {والأرض ذات الصدع}[٣١]، {والسماء ذات الرجع}[٣٢]. أما من انطلق في الله فلا ترده سماء، ولا تصده أو تصدعه أرض، فهو باختياره ورضاه بين السماء والأرض إلى أن يصلح لمعاني الإنسان له فيصبح فوق السماء ودون الأرض، سابحا في الله عبدا له وحقا منه.
بذلك جاءكم محمد لتكونوه، وحمله إليكم لتعلموه، واستقام أمامكم لتطرقوه، فيسر لكم السبيل، وجدد لكم الدليل، وذلل لكم المطية، وأعلمكم أنكم مطايا الله على الأرض يوم تكونون دواب الأرض الواعية في وعيكم، وتطلبون دواب السموات لمؤاخاتكم، وتنطلقون من السماء والأرض، ومن عالم الدواب من السماء والأرض إلى ساحة الله في عالم الرشاد لحقائقه. مالكم كلما دعيتم إلى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟ {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان}[٣٣]، بسلطان الله، بسلطان معناكم من الله الذي هو معكم أينما كنتم، ولكنكم في عزلة عنه وبعيدا منه بدين من وضعكم، فلا سلطان لكم ولا خروج لكم من سجن السموات والأرض بقائم حالكم وفعلكم قياما في سجن أنفسكم.
بهذا جاء دين الفطرة، وبهذا جاء دين الإسلام، فهل تواصينا في الدين بحق، أو تواصينا في سلوك الطريق بصبر، أو تواصينا بالحق قائم في جمع نتجمعه لنذكر الله، ولنتواصى في الله بحق، ونتواصى في الله بصبر على أتقى قلب رجل منا، نراه، أو نتخيله، أو نقدره، أو ندركه، حتى نجاهد في الله فيهدينا السبيل، وهو الذي تعهد بذلك في قوله، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}[٣٤]؟ فنسأل الله أن يجعلنا من المجاهدين فيه، والمهتدين إلى سبيله مع المؤمنين والمحسنين، وأن يسدد خطانا، وأن يقيمنا في حقي معنانا برحمته.
اللهم يا من هيأت السبيل، وأقمت في دوام الدليل، وجعلت الحياة قطوفها دانية، وجعلت الإدراك بالنار مبرزة عاتية أمرا ميسرا… اللهم خذ بنواصينا إلى الخير، واجمعنا على دليلك، وأوردنا حوضك معه، وامتد بنورك منه إلى قلوبنا فأضئها، وإلى عقولنا فقومها، وإلى نفوسنا فزكها، وإلى جوارحنا فأصلحها… اللهم يا من جعلت من محمد عبدا لك ارتضيته، أسلم لك فجعلت الإسلام دينا، وجعلت منا قومه صدقنا أو كذبنا رحمة منك به للعالمين، كافة للناس أرسلته فكانت الكافة أمته. اللهم به فارحمنا، وعليه فاجمعنا، وبه فقمنا، لا إله غيرك، ولا معبود سواك. اللهم به فولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شرارنا. اللهم به فأنر الطريق أمامنا حكاما ومحكومين، وقومنا حكاما ومحكومين، ووفقنا حكاما ومحكومين… اللهم به فارحمنا… اللهم به فصلنا… اللهم به فقمنا… وإليـــــك المصير.
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎
سورة القيامة - ١٤ ↩︎
سورة الفرقان - ٥٩. ↩︎
حديث شريف: " المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ." أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎
سورة سبأ - ٤٦ ↩︎
سورة الفرقان - ٤٥ ↩︎
إشارةِ للحديث الشريف “إنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلْأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَجَدْتُهَا مَلْأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا.” أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎
حديث شريف، لم يثبت سنده في كتب الحديث التقليدية، ولكن ذكره المتصوفة في أكثر من سياق، ويوافق معناه الحديث الشريف: “كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ وعُدَّ نفسَك في الموتَى”. أخرجه البخاري. ↩︎
مقولة للخليفة عمر بن الخطاب. أخرجه أحمد في (الزهد) ↩︎
سورة الشورى - ١٨ ↩︎
سورة الشورى - ١٨ ↩︎
من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني . ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الأحزاب - ٤٠ ↩︎
سورة الزخرف - ٨١ ↩︎
سورة النحل - ١٢٨ ↩︎
حديث شريف: “ألا أُخْبِرُكُمْ بالمؤمنينَ؟ مَنْ أَمِنَهُ الناسُ على أَمْوَالِهمْ وأنْفُسِهمْ، والمسلمُ مَنْ سَلِمَ الناسُ من لسانِهِ ويَدِه، والمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نفسَهُ في طَاعَةِ اللهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هجرَ الخَطَايا والذَّنُوبَ”. صحيح ابن حبان. ↩︎
حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له. لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎
حديث شريف تقول معظم كتب الأحاديث إنه لم يثبت عن الرسول ولكن معناه صحيح ويتوافق مع الحديث الشريف: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎
سورة الصافات - ٩٦ ↩︎
سورة الكهف - ٤٩ ↩︎
سورة الزلزلة – ٧، ٨ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف أخرجه أبو يعلي والطبراني. ↩︎
استلهاما من عدة أحاديث: “إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة.” رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي والطبراني، وأبو يعلي. وأيضا الحديث الشريف: "إن لله تعالى ثلاثمائة خلق من لقيه بخلق منها مع التوحيد دخل الجنة "، ذكره الحافظ العراقي بهذا اللفظ في تخريج كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي. وأخرجه الطبراني ↩︎
سورة يس - ٣٦ ↩︎
سورة الفرقان - ٦٣ ↩︎
سورة الفرقان - ٢٣ ↩︎
سورة الحج - ٣ ↩︎
مقولة شائعة في الثقافة الإسلامية، ولا تُنسب إلى قائل محدد في سياق معين. هي عبارة تُستخدم عادة لوصف دار الدنيا (الحياة الدنيا) وأنها بداية طريق العذاب والهلاك لمن عصى الله تعالى. ↩︎
سورة الطارق -١٢ ↩︎
سورة الطارق -١١ ↩︎
سورة الرحمن -٣٣ ↩︎
سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎