(٣)

القيامة
في قيامنا بلا إله إلا الله
والساعة
في بعثنا برسول الله محمدين لله

٢٩ محرم ١٣٨٣ هـ - ٢١ يونيو ١٩٦٣ م

أعوذ بالله لي ولكم، وأستغفر الله لي ولكم، وأشهده وإياكم، أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأبدأ باسم الله، متوكلا على الله، مستعينا بالله.

عباد الله ونفسي… يا من آمنتم بالله… اتقوا الله، وآمنوا برسول الله، وادخلوا في عباد الله، متابعة لأول عباد الله.

إن أفضل ما جاء به رسول الله، بذاته مبلغا آدما لخلق الله، وعبدا وإنسانا لله، تمام كلمته، وجيئة حقه، وطلعة وجه جماله، وقيام وجه جلاله، ويد رحمته، وقدم سعيه، ومن قبله ممن مهدوا لطلعته، وقدموا لرسالته، وبشروا برحمته، وأنذروا من مجانبته، وحذروا من مخاصمته، وحضوا على موالاته، وقاموا بحق عبوديته… إن أفضل ما جاء به رسولا، وجاؤوا به من قبله أنبياء، ومن بعده بقيام دوام عينه أئمة قيمة، وكلمات قائمة…

لا إلـه إلا اللـــــــــــــــــــــــه

بها أظهره الله على الدين كله، وأقامه للناس رسولا من أنفسهم بالدين كله، فقام بها جماع الكتب، وجماع الرسل، وجماع الأديان، وجماع الحقائق، وجماع الناس، أولية للحشر، وقياما وبدءا للساعة والبعث، وكشفا لقائم القيامة، في قيام الله قائما على كل نفس بما كسبت بكشف الغطاء الخلقي للنفس بحقيتها، وقائم الساعة والبعث في خلق الله لخلق الله بخلق الله في دوام خلق الله في التخلق بخلق الله إلى قيام كلمته المرتضاة.

جعلت القيامة بلا إلـه إلا الله، يوم يكشف الله الغطاء لعبده عن لا إلـه إلا الله في نفسه، وفي قيامه، وفي قلبه، فيراه بيتا للحي القيوم في عالم ذاته، عالَما لمولاه، عالِما بمولاه، بلا إلـه إلا الله. قامها رسول الله، وقامها عبد الله، وقامها إنسان الله، وقامها آدم الله من عرفناه محمد ابن عبد الله وابن آمنة، وقامها به كل من دعا بدعوته على بصيرة، تكاثر ذاته، وكوثر صفاته، وجمع هداته، من قبله ومن بعده.

جُعل له الخلد بها، بشرا يتجدد، وقياما يتعدد، وكوثرا يتكاثر، وحقا في القلوب يتناثر، وبالقلوب يتجمع فيتواجد، جمعا في واحد، وواحدا في جمع، أحدية قيام، فيشهد به الحق، يوم يقوم بالجمع والفرد لا إلـه إلا الله، أمة من عباد الله وخلق الله، تتجمع قلوبها على أتقى قلب رجل منها، أولية عباد لعابدين. يعطى به كل قلب مسألته بمثله الأعلى لنفسه يرتضيه، فيعطى الكل ما أعطي القلب الأول فيه حتى القلب الآخر، فيصبحوا ولا أول للقلوب المتجمعة في الله، ولا آخر للقلوب ما قامت بالله في الله.

إنها قضية القلوب في الله يوم يحيا قلب بالله فيحيي قلوبا بالله، فتحيا بها قلوب لله في الله، فكلما استكمل القلب الآخر صفات وعمل القلب الأول اكتملت الدائرة باجتماع طرفيها بقلوب متراحمة لله، حملت اسم الله وذكر الله، لا تعرف لجمعها أولا ولا آخرا، مستكملة خلقها في الوجود الإلهي لها، وهو المطلق لأحديتها في واحديتها، فتمت كلمة لله وحضرة لله، وقدس لله وذات لله، وروح عظيم في الله بالله جديدا لقديم في الله لا بدء لدوائر الحق فيه، فجددت الدائرة بحقها في الله نفسها على سنن ما فعل سبقها بها لها معها في عوالم خلق الله، لا توقف لها، ولا حصر لها، ولا انتهاء لها، ولا بدء لها، فتتابعت الدوائر في الله ترفع طبقا فوق طبق، وسماءً فوق سماء، وعَالما فوق عَالم، وحضرة فوق حضرة، في بدء بخلق إلى قيام بحق، لا بدء للبدء في الخلق، ولا انتهاء لتحقق الخلق بالحق في قائم الحق، وقائم الخلق.

إذا عُرف ذلك للناس، عُرف الدين للناس، وإذا عَمل بذلك الناس لأنفسهم في الله، استقام أمرهم، واستقام طريقهم إلى الرشاد، وفارقوا ما في أنفسهم من المخاصمة والعناد، وفقهوا الدين، وسلكوا الطريق، وطرقوا الأبواب، وانشغلوا بالله فشغلتهم مسألته عن مسألة كل ما سواه، وشغلهم أمرهم من أمره في أمره، عن كل أمر من دنياهم أو من مادي قيامهم.

إذا عرفوا أنهم بمادي قيامهم إنما هم في طريق بدء من العدم، بكزهم عليه ينتهي أمرهم إلى قديمهم من العدم، من علقة وجدوا، وأوجدوا، ومنها تواجدوا، إلى أجل مسمى عرفوه بمولد، يذكرونه لا ينسونه، ويعرفون له نهاية بموت يعلمونه لا ينكرونه، ولكنهم في هذا القيام الذي هو إلى فناء على ما يعلمون، ومن عدم على ما يدركون، تواجد بهم اسم الله عارية لهم وأمانة عندهم، قائما على كل نفس ومن وراء كل نفس بإحاطته، ومعية كل نفس ما واصلت لها تواجدا بنفس في السماوات أو في الأرض، أو في السماء الدنيا بالبشرية.

إن ما نشأ من الفناء إلى فناء. وما نشأ من العدم إلى العدم. وما نشأ من التراب إلى التراب. ولكن ما قام في هذه النشأة من الحق مع كل نفس وأقرب إليها من حبل الوريد، قائما عليها بما كسبت، بذكره جعل منها وجها له، وقياما له، وظهورا له من كنزيته، فإلى الحق من حيث نشأ من حقائقه. إنه باطن هذا القيام… إنه ما في هذا القيام من الروح… إنه ما في هذا القيام من الحياة… إنه ما في هذا القيام من النور الحي ومن الظلام الحي. فهل تكسب النفس الحياة بذكر الحي القيوم لها؟!

إن القيام بمادياته من تراب الأرض هو ما يدب على الأرض من حيوان الأرض ونبات الأرض، تمسكه الأرض وتقهره الطبيعة، ويُذِله العجز، ويحده الضيق. هذا القيام بوصفه من الضيق ومن الأرض ومن العجز جلباب سوف ينقضي إمساكه لما به من الروح، ولكن ما تواجد فيه من وجه الله، ما قام به من روح الله، ما ظهر به المصور من صورة له، بصور الناس وجها له، وعلما عليه يوما ما، لن يفنى أبدا. كل من عليها فان بمادي قيامه، وبترابي كيانه، وبشيئه لشيطانه، أما بنور الحياة فيه، أما بروح الحياة له، وجها لله، فإنه لا يفنى، إنه بذلك يبقى، وسيبقى، ما بقي الله.

إن مشروع الحياة الأبدي إنما يبدأ ظهوره من أرضكم، إنما يبدأ من قيامكم يوم تقوم هياكلكم بالحياة كاسبة لها، إنما يبدأ بالناس يقومون برب الناس، ملك الناس، إلـه الناس، يجمعهم في أحدية له من آحاد الله وأحديات الله، في واحدية له من واحديات الله في واحدية الله، كلمة من كلمات لله يجمعها ويخلصها من كل ما سواه حتى تتم بحقها لله.

لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، مطلقا في وجوده، غير متحجب في شهوده، نشهده حيثما ولينا، بوجهه فينا تلاقيا مع وجهه إلينا. إننا إذا نادينا أبانا الذي في السموات، فإنما ننادي أبانا الذي في الأرض، فكلنا لآدم وآدم من تراب، وكلنا لآدم وكل آدم إلى ربه، وما رب آدم إلا إنسان سبقه، وقديم معناه لجديد قيام بمعناه آدما كان، وإنسانا للحق صار فكان رفيقا أعلى.

وها نحن أبناء لآدم، مآلنا أن نكون أوادم، ومهما صرنا فكنا أوادم، فلنا في الله آدم، ومهما تلاقينا في الله بآدم، فله في سبق في الله آدم، وله لحاق في الله آدم، أوادم لا ينتهي معراجنا إليها، ولا ينقضي شهودنا لها، ولا يتوقف تواجدنا بها، ولا يجز لها عطاء من لا نهائي المعبود عندها، إيمانا بالله واعتقادا في رسول الله من خلق الله الواسع العليم.

أوادمنا بجديد لها من خلالنا تتواجد، بنا تقوم، ومن قيامها نتجدد، وعلى سنن السبق لنا قياما بنا، يكون سننا في اللحاق بمن بعدنا هو منا ونحن منه. نكون بحار الحياة الزاخرة بالحياة، والزاخرة بعطاء الله، والزاخرة بخلق الله، والزاخرة بالعلم عن الله، والزاخرة بالهدي عن الله، والزاخرة بالتواجد بالله. الله لها أمر إيمانها، والمثل الأعلى من الخلق أمر اعتقادها، ولله المثل الأعلى في السموات والأرض.

بكل هذا جاءنا من أظهره الله على الدين كله، وأمر وأمرنا معه أن لا نجادل أهل الكتاب، إلا بالأحسن مما لديهم، بما عرفنا مما أظهره الله عليه من الدين كله، وجاءنا به الدين كله، وقمنا في بصيرته بمتابعته بالدين كله.

المؤمن من أمن مكر نفسه، رضاءً بربه، فلم يظن بالله الظنون، ولم يتجاوز بالظن إلى ظن السوء، فيرد نفسه عن غيها، ويعلم أن الله قائم على كل نفس، مالك لزمامها، عالم بمستقرها ومستودعها، آخذ بنواصيها إلى الخير على ما أراد بها، وأن مِن عباده مَن لو أغناهم لفسد حالهم، وأن مِن عباده مَن لو أفقرهم لفسد حالهم، وهو إنما يريد صلاح حالهم بما عرف من أمرهم، وبما أحكم من أمره عليهم وأمره بهم. وما من دابة في الأرض إلا هو آخذ بناصيتها، وهو راحمها بما قام بها، غلبت رحمته عذابه، ولكن الناس يظنون بربهم الظنون، لا ويظنون بربهم ظن السوء، وما يفعل الله بعذابهم إن شكروا وآمنوا. إنه ما يرسل بآياته إلا تخويفا، ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة.

يا أيتها النفس المطمئنة، ادخلي في عبادي وادخلي جنتي. إن لا إلـه إلا الله وحصنها، إنما هو عبد الله. إن جنة الله وسعتها وخيراتها، إنما هي عبد الله. إن نار الله، وعذاب الله، وعدل الله، وحشر الله، إنما هو يوم يعرف الإنسان أنه باعد بينه وبين عباد الله، وأنه لم يدخل في بيت للا إلـه إلا الله، حصنا له من نفسه، وسفينة نجاة في رحلته إلى الحياة في عبد من عباد الله.

إن عبد الله… هو بيت يذكر فيه اسم الله، أهله حقائق الله، وأنوار الله، وصفات الله، وقيامة كلمات الله، وإذا ذكر فذكر الله، واسم الله. الطواف ببيته حج، والدخول في بيته خلاص ونجاة. واستقباله بيتا لله وقبلة للصلاة استقامة في طريق الله.

أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدعك أيها اليتيم، ولا يحض على طعامك ومائدتك أيها المسكين. وجدك يتيما فآوى فمحا يتمك وأقام صلتك عبدا لربك ورحمة للعالمين. فأما اليتيم فلا تقهر وآوه إليك وبه تكاثر، إنا أعطيناك الكوثر وجعلنا شانئك هو الأبتر. وما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن به جاء الحق أولى بالمؤمنين من أنفسهم. إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا. ففتح الرسول الباب للناس بقوله (سلمان منا أهل البيت)[١]، وبشر بقوله (مثل أهل بيتي فيكم كسـفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك)[٢]، ووضع الأمور في نصابها بقوله (ما عرفني غير ربي)[٣]، وهدى لسكنه بقوله (أمة مذنبة ورب غفور)[٤]. هو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد، ولكن لك بشرا جعلناه بتكاثرك. أفمن جعلنا له نورا يمشي به في الناس، وقد جعلناه لك، وأنزلناه معك، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟ إنا جعلنا لك نورا تمشي به في الناس، ويمشي به من مشيت به من الناس في الناس، تدعو على بصيرة أنت ومن تابعك، تبقى بنور الله لك ساريا في الناس تتلو كتابك على مكث حتى يعم النور الناس، فتشرق الأرض بنور ربها، ويوضع بيان الكتاب الذي فرضنا عليك وعلى متابعك. بك تمت كلمة الله للناس، وبك قامت كلمة الله على الناس.

أخذنا في قديم من كل أمة بشهيد، وجئنا بك شهيدا على هؤلاء في قائم الناس. بالحق أنزلناك وبالحق تنزل في دوام أمرك بدوام فعلك لدوام رحمتنا بك. وسنأخذ من كل أمة بشهيد، ثم نأتي بك شهيدا على هؤلاء، فيعلم الناس ما جهلوا، ويقضي الله فيما أنكروا،كتاب أنزلناه عليك، لتتلوه في الناس على مكث، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا، لا تقوم الساعة بك شاملة وفي أمرك قاضية إلا بعد أن يظهر على الأرض آدم بجديد لذاتك. قل إن كان للرحمن ولد ـ فأنا ـ هذا الرحمن الذي ينسب له الناس بوصف الولد لأبوة روحية لهم، هو أول العابدين هو أنا. ألم أرسل رحمة للعالمين؟ أنا أول بيت وضع للناس، وما آدم إلا الناس في اجتماعهم وجماعهم، يَتواصون بالحق ويتواصون بالصبر خروجا من غفلتهم فيبعثهم الله بالحق مصطفيا لهم أوادم له، وأوادم فيه حتى يدخلهم عالم رشاد الإنسان به فتمسكهم يده حقا وخلقا. تلقى آدم من ربه كلمات (أبناء) فتاب عليه ثم اجتباه ربه إليه وهدى فما اهتدى آدم إلا بأبنائه منه كلمات من الله إليه.

إن آدم هو حقيقة كل ابن لآدم، يوم يعرف حظ وشرف وفرصة آدميته، عندما يعرف حق وحقية الإنسان في الله فيطلب ذلك لنفسه ويعمل له، فيعلم ما في أنانيته وما تبطن آدما، وكلمة، وإنسانا. يعلم ذلك يوم ينعكس إلى نفسه، ناظرا في أعماقه طلبا لربه وبحثا عن حقيقته وانشغالا بها متابعا كلمة لله، فيكشف عنه غطاؤه لإنسانه وعبده بحقه وربه، فيشهد بمن امتد إليه فأشهده إنسانيته وعبوديته. يشهد رسول الله برسول الله، يشهد بعين رسول الله له رسول الله له في قيامه، هو فيه بمعناه لمعناه، ثم يشهد بعين الله لرسول الله، تمتد إليه به وجه الله وطلعة الله، وإنسان الله لمعناه لعين معناه، فيعلم أنه محلا لحضرتي الحق من الرب ورسوله، حضرة بذاتها ومعناها عبدا لله لحضرتي الحق من الرب ورسوله، هو لهما وبهما عبدا لله وقياما بحق العبودية لله، حقا من حقائق الله، وفي هذا قيام كلمة الله… ووجه الله… ونور الله… وروح الله… وإنسان الله… وآدم الله… وعبد الله… كلمة تمت في الله.

بهذا جاء الإسلام مع محمد. بهذا قامت لا إلـه إلا الله، وحدانية ثالوث حقائق الله، من عبد الله ورسول الله والرب من الله، في وحدانية قيام حق الله، قائما بعبده لأمره عين قيامه برسوله، والرب به، هو من وراء العبد بإحاطته، كما هو من وراء الرب بإحاطته، وبين الرب والعبد رسول الرب إلى العبد، ورسول العبد إلى الرب حقية الرسول بين حقية الرب، وحقية العبد قائم وقيوم ودائم بوصف رسول الله لقائم وقيوم ودائم رسالة الله. الله من وراء الرسول بإحاطته، وأمام الرسول بشهادته، كمال الإنسان برشاده. ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء.

بهذا جاءنا رسول الله… وعبد الله… ووجه الرب من الله… وعين قدس الله… ومظهر الأقدس من الله… من عرفناه عبد الله ورسول الله، وعرفناه للمؤمنين ربا لا يدين أبدا. شهدناه في محمد رسول الله، أضافه الله إلى نفسه، وجعل منه إنسان الحق إلينا، وجعله نورا يمتد فينا، فيخرجنا من وصف الخلق إلى وصف الحق أنوارا لله، وحقائق لله، وعبادا لله.

بذلك أظهرنا رسول الله على الدين كله على ما أظهره الله على الدين كله، علمنا الدين كله على ما عَلَّمه الله الدين كله، وأعلمنا في أنفسنا الدين كله على ما أعلمه الله في نفسه قيام الدين كله، على ما شهد وعلم في ربه قيام الدين كله، فرأى ربه على الصراط المستقيم، وأدبه ربه، وأقامه للناس صراطا مستقيما، فأدبنا بأدبه، وقومنا بما قام وقوم به، فأقامنا صراطا مستقيما لا يتوقف امتداده، ولا ظهوره، ولا تجدده، ولا تُغلق عن الناس أبوابه.

فهل عرف الناس الدين فعرفوا الرسول؟ وهل عرف الناس الرسول فعرفوا الدين؟ ما عرفه إلا القليل، وما عرف الدين إلا القليل، وما قَوَّم نفسه به في متابعته إلا النادر القليل، وقليل ما هم، وقليل من عباد الله الشكور…

ولكن عبدا واحدا قام في معاني العبد لله فأقامه الله بمعاني الحق له، لا تعدله سموات الأرض والأراضين جميعا. إنه نواة لوجود بذاته، وأولية حق لحضرة بأسمائه وصفاته، وبداية ملك وملائكة بجمعه، وقدس بوحدانيته، وحق باجتماع القلوب عليه في أحديته، وأحديتها به، وأحديته بها. فبوحدانية القلوب يُعرف الله، ويكشف أمر الله، ويرفع الحجاب عن حقيقة الحياة في الأحياء للأحياء، وعن قدس الأقداس بمظاهرها بالأشياء، فتعلم لا إلـه إلا الله، وتدرك لا إلـه إلا الله، وتقوم لا إلـه إلا الله، فنشهد لا إلـه إلا الله، فتسفر قيامة الحقائق في قيامة الخلائق.

إن الاجتماع على كلمات الله هو العلم للساعة، يوم تكون الساعة عِلما يَعلَمه الناس وثمرة لعمل يقومه الناس، ويوم يكون هوى الناس، وتلاقي الناس، وحديث الناس، ومشغولية الناس، وهَمّ الناس في كشف الحجاب عن أنفسهم ليشهدوا قائم الحق فيهم، فيربحوا الحق لمعانيهم، ومن كسب الله وخسر الدنيا ماذا خسر؟ ومن كسب الدنيا وخسر الله ماذا ربح؟ إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد وإن جلاؤها لذكر الله.

إن لطيف الله الذي يتخللكم، ولطيف الله الذي يحيط بكم، ولطيف الله الذي تقيم فيه ذواتكم بكثيف، إنما هو قيام يتخللكم، وقيام تعيشون فيه لكم، عليه نوافذ منها تنظرون إلى مطلق الوجود محيطا بكم، بقدر ما في أجسادكم من مسام لا تحصروها ولا تعدوها، إنها تصلح لأن تكون في عين خدمة جوارحكم تؤدي وظائفها من نوافذها، فتنظرون من هذه المسام أبوابا مفتحة لعيونكم وآذانكم، يوم تنعكسون إلى داخلكم فتحيا قلوبكم لتروا في مرآتها في أخوة عقولكم انعكاس دوائر الوجود المطلق محيطة بكم، أنتم لدائرة وجودكم فؤادها.

إنكم بذلك تخرجون إلى ما بعد دائرة الوجود الكوني لعالمكم بجهودكم، ولو تجاوزتم إلى الكواكب على ما تفكرون أو تحاولون، وذهبتم إليها كما تريدون، فما هذه إلا رحلة قصيرة أمام الرحلة الطويلة في داخلكم لو أنكم طرقتموها وقطعتموها. إنها الرحلة من الرأس إلى القلب يوم تتجه هممكم إلى بيت الله فيكم من قلوبكم، فتنعكس أمام وجوهكم في مرآة صفائه إحاطة الله من حولكم، فوق سموات الوجود من كونكم.

لقد فعلها منكم وتحقق بها الكثيرون على مدى الأزمان والعصور، وحدثوكم فكذبتموهم، ونادوكم فوضعتم أصابعكم في آذانكم حذر الموت فما لبيتم لهم نداء، وبخعوا أنفسهم على آثاركم ليرحموكم فما أجبتم لهم رجاء، مشوا على الأرض هونا وهم يملكون الأرض والسماء، لا تقلهم الأرض، ولا تظلهم أو تحدهم السماء، وطلبوكم لمراكب النجاة من أنفسهم، مسخرة في خدمتكم لتدخلوا بيت الله من قلوبهم، ولقلوبهم نادوكم، أبواب جنان الله، وعوالم الله، فأنكرتم عليهم. وها نحن في هذا العصر، ترهص الدنيا، وترهص السماء، وترهص الأرض، وترهص النفوس، ليوم فصل لم يستعجله رسول الله، ولم يستعجله عباد الله، ولكن استعجله في كل وقت الجاهل به، والجاهلون بأمر الله، {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق}[٥]، {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم}[٦]، فقال الرسول ومتابعوه على بصيرته {فانتظروا إنيمعكم من المنتظرين}[٧]، وسيعرف الناس، {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}[٨]، {إن يوم الفصل كان ميقاتا}[٩]{للطاغين مآبا لابثين فيها أحقابا}[١٠].

في هذا العصر أتى الأرض أمر الله برسالة الروح فزلزلت زلزالا شديدا، وحدثت أخبارها، وأخرجت أثقالها، وتساءل الناس ما لها، اختلط الأمر على الناس في الموالد من موالدهم، أإنسانا يلدون أم حيوانا يلدون؟ ما أشبه الإنسان بالحيوان، خمسا وسبعا يلدون، كما اختلط الأمر على الناس في أنفسهم، أرجال هم أم نساء هم؟ بين طرفة عين وانتباهتها يتحول رجلهم إلى امرأتهم، وتتحول امرأتهم إلى رجلهم، فسبحان الله، ما هذا؟ ما عرفنا شيئا من ذلك في آبائنا الأولين.

إن الأرض تُحدث أخبارها. الأرض ترجع إلى العصور الجيولوجية في بعض بقاعها، وتزلزلت زلزالا شديدا في أبعاضها، ويظهر الهول للناس من أعمالهم، يخربون بيوتهم بأيديهم بما صنعوا من أساليب البطش والدمار، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، وظن الناس أنهم قادرون عليها، وأنهم ملكوا كل أمر لها، وأنهم المتحكمون في كل شيء عليها. انتظروا إنا معكم منتظرون. إن آيات الله في السموات وفي النفوس تتلاحق بإنذار للناس أن يفيقوا من غفلتهم، وأن يستيقظوا من نومهم، وأن يصلحوا من كبوتهم، وأن يقدروا الله حق قدره، وأن يتأدبوا مع الله على ما يليق بالله، وأن لا يظنوا بالله ظن السوء، وليعلموا أن الله بالغ أمره، وأنه جعل لكل شيء سببا.

إنا لننتظر في قريب من وقتنا القائم أمرا لله يعم الأرض وأحداثها، ويعم الناس وأحوالهم، ويعم الطبيعة ونظمها وانتظامها، ويعم الدين وأهله، فسيظهر الله دين الفطرة على الدين كله بأمر من الله هو أمر الفطرة، وقيام للحق هو قيام الفطرة، يظهره على الدين كله كما أظهر رسوله من قبل على الدين كله، وعلى ما أظهر من قبل الإنسان فيه على الدين كله.

سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وسيعلم الناس أن الله يرث الأرض ومن عليها يوم يورثها عباده الصالحين.

نسأل الله أن يورثنا أرض قلوبنا، وأن يقوم أرض قيامنا، وأن ينزل السلام على أرض عالمنا، والسكينة على أرض نفوسنا، إنه قريب سميع مجيب للدعاء.

ونسأله أن يولي أمورنا خيارنا برحمته وبحكمته وبعزته وبقدرته، وأن لا يولي أمورنا شرارنا ردا لأعمالنا علينا وإقامة للعدل فينا، ونسأله أن يعاملنا بما هو له أهل بجاه محمد رسول رحمته، وعبد حضرته، وأن يعاملنا بما هو له أهل، وأن يعافينا مما نحن له أهل. لا إلـه إلا الله، محمد رسول الله.

أضواء على الطريق

السيد المرشد (برش) ينهى عن نمو الكراهية المتولد من البقاء في الكراهية.

(أنتم تصرخون لأخذ الثأر لأنكم وجهتم بالوحشية الكاسرة، ولكن هذا ليس هو طريق الروح. لن يمكنكم أن تقيموا عالما ثابتا على أساس من البغضاء. وهذا صحيح في النظم الدولية، كما هو صحيح في حياتكم الشخصية. عندما تكرهون فهذا ما هو إلا انعكاس للنقص في تقدمكم. هذا معناه أنكم أقل سموا مما يجب، وأن أرواحكم ما زالت صغيرة ولم تنمُ إلى قامتها المناسبة. إذا ما سمحتم لتلك الصفات السوداء، من بغض وحقد وكراهية وحسد وأنانية، لتجد خلالكم منفذا، فأنتم إذن قد أهملتم السبيل الذي يقود إلى القيم العليا، وعليكم أن تدفعوا الثمن أنتم أنفسكم.

ولطالما ناديت بأن المنطق هو المعيار الوحيد الذي نحتكم إليه. فالقانون الذي يهيمن على كل حياة قد أسس على العدل وعلى المنطق. ويجب أن يكون واضحا أن الحقد والحب لا يستطيعان النمو جنبا إلى جنب لأن أحدهما مضاد للآخر. يجب أن تجاهدوا لإخضاع هذه البقايا الحيوانية من جدودكم والتي تجد لها تعبيرا في صورة حب الثأر.

إن إتلاف الأجسام الفيزيقية لا يحل مشاكل الإنسان. والروح ما زالت موجودة. الفرد يبقى، فيجب أن يعلم ويربى. يجب أن يصل الضوء إلى نفسه. إن لم يحدث ذلك يظل التأثير الذي يمكن للفرد عمله كامنا وحقيقيا جدا سواء في عالمكم أو في عالمي).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شربف. أخرجه الطبراني، والحاكم في “مستدركه”، وأبو نعيم الأصبهاني في “معرفة الصَّحابة”، والبيهقي في “دلائل النبوة”. ↩︎

  2. إشارة إلى الحديث شريف: “مثل أهل بيتي مثل سـفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.” أخرجه الحاكم في المستدرك. ↩︎

  3. حديث ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي”. ولم نستدل على سند له في كتب الأحاديث الشريفة. ↩︎

  4. حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في تاريخه (٣/ ٩١)  ، الإمام أبو القاسم في تاريخ قزوين، وابن النجار في تاريخ بغداد عن أنس ابن مالك. ↩︎

  5. سورة الشور ى - ١٨ ↩︎

  6. سورة هود - ١١٠ , سورة يونس - ١٩ , سورة فصلت - ٤٥ ↩︎

  7. سورة يونس -١٠٢ ↩︎

  8. سورة الشعراء - ٢٢٧ ↩︎

  9. سورة النبأ - ١٧ ↩︎

  10. سورة النبأ – ٢٢، ٢٣. ↩︎