(٢١)

الإسلام والمسلمون
كتابا وقياما
في المسلم ومن أسلم له سلاما وتسليما لله

حديث الجمعة

٩ ذو الحجة ١٣٨٢ هـ - ٣ مايو ١٩٦٣ م

اللهم إنا بك آمنا، ولرسـولك أسـلمنا، وبه إليك توسـلنا، وإليه أمرنا وكلنا، وعليك به توكلنا، وبه لـك سـجدنا فبكم قمنا، وبكم حيينا، وعبادا لكم أنفسـنا أحيينا، اللهم لأنفسـنا لا تكلنا، طرفة عين ولا أدنى من ذلك.

سـبحانك اللهم، وسـبحانك الله أكبر، وسـبحانك فيما نعلم، وسـبحانك فيما لا نعلم، لا إلـه إلا أنت، على ما نعلم، ولا إلـه إلا الله، على ما نؤمن، ولا إلـه غيرك، على ما تعلم، وعلى ما بك نعلم.

عباد الله… خلق الله… حقائق الله… وجوه الله… خلائق الله… ذكر الله… بيوت الله… عوالم الله: أما آن لكم أن تُسـلموا لله، على ما يليق بالإسـلام لله! أما آن لكم أن تتقوا الله، على ما يليق بتقـوى الله! أما آن لكم أن تعرفوا الله في أنفسـكم، على ما يليق بالعرفان بالله، وعلى ما يكون العرفان بالله!

{إن الدين عند الله الإسـلام}[١]، صدق الله، وصدق المسـلم يوم قال {أسـلمت وجهي لله}[٢]، إن الإسـلام لله، مطلقا في وجوده، بغير حد لنعمته وجوده: إنما يكون لإنسـانية الرشـاد، يوم يسـلم العقل للقلب ليكون عبـدا، ويوم يسـلم القلب للعقل ليكون ربا ممن وهبهم الله الحكمة، فاتصفوا عند الناس بالأنبيـاء، أو وُصفوا بينهم بالرسـل الأبرياء، أو وصفهم الكتاب بالأئمة فالأولياء، والكل عباد للرحمن، والكل أعداء للشـيطان، فياضة قلوبهم بماء الحيـاة، رحبة نفوسـهم لعوالم الحيـاة، مشـرقة عقولهم بنـور الحيـاة، بالغة مرادها أياديهم بقدرة الحيـاة، غير مقيدة أرجلهم في سـاحة الوجود بالحيـاة، يسـيرون في فضاء الوجود بأحواض الحيـاة، فيملأون فراغ الوجود بالحيـاة.

إن من اسـتمتع بالحيـاة فكان الحيـاة في بيئة الأحيـاء والحيـاة، فهو فرد في ذاته، لفرد أحيـاه، لفرد غاب عليه، فكان الإله، الأله له وربا لمن أحيـاه. بذلك كان العبد والرب في الله يدا الإنسـان الإلـه وقدماه، وعيناه وأُذناه، ولسـانه وشـفتاه، آدما على صورته بناه، وفي معراج الرقي عبدا ارتقاه، ثم به حققه وعنه خلفه، فظهر وتعالى الله. غاب وتكنز إنسـان الله، وتجلى فتواجد آدم الله، ثم تعالى وتجلى بعين معناه، ثم دانى وتجلى ذكرا لله، وتكنز ثم تكنز إلى ما شـاء الله فكان بذلك الإنسـان، بظاهره من البنيان، عَلَما على الإنسـان، في تكنزه بالرحمة والإحسـان، فظهر عبدا للرحمـن، يمشـي على الأرض هونا. وما كان غير ما تكنز، ممن له تَعبد، مسـتويا على عرشـه، وما كان عرشـه إلا الوجود وما شـمل، فكان الرحمن غيب عبد الرحمن، يوم تُطلب الرحمة، ويعرف اسـم الرحمن معية عبد الإحسـان، فكان عبد الرحمن وجه الرحمن، يوم يرتقي الإنسـان بالإنسـان، في الإنسـان إلى الإنسـان.

هذا فرد الإنسـان، وإن كان في ذاته ومعناه وجودا ومعناه، وعلى مثالـه يكون بيت الإنسـان بيتا لله، بيوتا تتعالى وتتكنز، فتتسـامى، وترتقي وترشـد، ببيوت لها تتدانى وتوضع. تتجـدد وتتعدد، وتتكاثر، وتتوالد، تتجمع فتتوحد، وتتناثر فتتكاثر، وتتجدد، فتتعدد في تدان متجدد، لا توقف له، وفي تعالٍ متوحد، لا بدء، ولا انتهاء له. ذلكم الحق، على ما عَلَّمَه رسـول الفطرة حقـا، وعلى ما قدمه عبد الفطرة كتابا، وعلى ما قامه رب الفطرة ذكرا، وعلى ما عنونه إلـه الفطرة قدسـا ووجودا، وعلى ما هداه إنسـان الفطرة طريقا، وعلى ما أظهره حق الفطرة دينا، وعلى ما قامته حقيقة الفطرة روحا وحيـاة.

بعث الرسـول بيننا، قديما متقادما، وجديدا متجددا، مؤزلا في عبوديته، مسـرمدا في ربوبيته، لا يغيب في ألوهيته في وحدانيته بوجوده العبد لمعناه، بمعنى ربه، ووجه غيبه، لمعنى إلهه. جديد قديمه عبـدا، وقديم جديده ربا، في دوام قيام به له. به شـرف لفظ العبد، وتجلى وصف الرب، ورُحِمَ وصف الإله.

قائمه، للقيوم عليه، عين قيامه، والقائم عليه، بمعلومه عنه لقائمه، عين عِلمِه وعَلمِه، فبإبرازه لعالم الحيـاة، وفي عالم البـدء من الحيـاة، بعالم النشـأة للحيـاة، قامت الحيـاة، وقام الحي القيوم، لا إلـه غيره، ولا معبود سـواه، قام الحق لمن طلبه، وعُرف الحق لمن والاه. فكان إسـلام الخلق للخالق، يوم يسـلمون لرسـوله، قائما بالحق، عين الحق، متكاثرا بالحق، عين وحدانيته، {وقل جاء الحق، وزهق الباطل}[٣]، {إن الدين عند الله الإسـلام}[٤]، فما يكون الإسـلام، وما يكون السـلم، وما يكـون السـلام؟ لا يكون الإسـلام إلا لمن يعرف المسـلم وله يسـلم. الإسـلام إنما هو اجتماع المسـلم على المسـلم بالإسـلام. فلمن يسـلم من يطلب الإسـلام؟ ألمجهول عليـه يسـلم! فكيف يسـلم! إن الإسـلام إنما هو من معلوم عبد عن معناه بوصف العبد، إلى معلوم رب له، عبدا للرحمن، أخوة في الله، وعبودية لله. يُسـلم عبد لعبد، فيكون على دينه، يتحاب عبد مع عبد، فيُحشـر معه. يدخل عبد في عبد فيتوحد معه فيعلم عن وحدانية الله، فيدخل بيت الله، (لا دينونة الآن على من دخل في قلب يسـوع)[٥] ، (أأجعل لك كل صلاتي يا رسول الله… إذن تكفي همك ويُغفر ذنبك [يا عمر])[٦]، {يا أيتها النفس المطمئنة… ادخلي في عبادي وادخلي جنتي}[٧].

إن الإسـلام لمطلق الله لا يكون إلا لعبد مطلق في الله، بيته وداره عرضها السـموات والأرض، هو غرفة سـاحتها، وبيت قبلتها، ونصب وجهتها، (يتراءى أهل الغرف لأهل الجنة كَما تتراءى النجوم لأهل الأرض)[٨]، {جعلنا الشـمس عليه دليلا}[٩]، {وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا}[١٠]. ما عرفه غير ربه. ذلكم الإنسـان يوم يتواجد رسـولا من أنفسـنا، مجددا بدأه بالعبد الآدم لعين معناه بالإنسـان إنسـانا لله هو في قديمه لجديده موصوف الرب، وفي الأقدم عند جديده بموصوف الإله.

إن الإنسـان يبدأ قيامه وحيـاته، بوصف العبد للرب له الذي هو بدوره عبد، والمربوب في الوقت نفسـه في مكشـوف عقيدتـه عن معبوده ذي المعارج باسـم الله، لا يدرك عنده إلا بوصفه ذكرا له في إدراكه له على صورة وجوده مشـهودا منه في حال بعثه بالحق.

فإذا حقق الكائن البشـري لنفسـه وصف العبد، ووصف الإنسـان حقا وصدقا، فصار قياما حيـا لا موقوتا بعارية الحيـاة، قياما لا يغيب ولا يفنى، ولا تحكمه الطبيعة أو الحدود والزمن عبدا لربه، فأحب أن يُعرف عند من كانوا قوما له، وعند من كان فردا منهم، {يا ليت قومي يعلمون بما غفـر لي ربي وجعلني من المكرمين}[١١]، فيرسـله ربه مبعوثا بمعناه رحمة لقومه، أو يبعثه بالحـق حال قيامه في الخلق، لا قياما في جلده، ولا سـجينا في ذاته، ولا واقعا تحت ناموس طبيعته أو خاضعا لسـلطان قهره، بل ليعطيه حـق تجديد نفسـه، على ما بدأ في دائرة ما هو في قائمه بعين معناه، فهو لا يعود أبدا إلى وصفه على ما منه ابتدأ، ولكنه بصورة ذلك، يتواجد آدما على صورته، يجدد معناه من بدء أديمه، بجديد آدمه، لا في حيـاة واحدة من التواجد المادي أو البشـري، أو صورة واحـدة من صور البشـرية، بل في حيوات وفي عديد من الصور، ولا في عصر واحد من عصور الجنس، ولكنه في عصور وطبقات، {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخـر}[١٢]. فأنت الآن مغفور القديم بحقي جديدك، لا فرق بينك وبينه. وأنت الآن بقائمك رحمة جديدك مغفورا في كل تجدد، لا فرق بينه وبينك، بغفران ما تأخر من ذنبك في كل محدث لك، فهو ذكر حقي حاضرك لتعرف أن ربك، في قديمك بك لك، ما كان إلا عبدا لله، وأن جديدك من قائمك لن يكون إلا عبدا لله، فلا تخدعك نفسـك بالحق بك قام حقا لله، فما زِلت في حقك عبدا لله، ولكن خير عبودية لله أخرجها الله للناس، ليكونوا بها وبانتشـارها، وبقيامها، وقيومها على قائمها عبادا لله، يعرفون الله في أنفسـهم وفي تجمع أنفسـهم على ما هي في عبوديتها لله، فيكونون خير أمة أخرجت للناس، أمة وسـطا بين أزلي الناس، وأبدي الناس، بقائم الناس، مظهرا وجوهرا ليقين الناس برب الناس، ملك الناس، إلـه الناس.

إن كلمات الله بالإنسـان ببيوت الله يذكر فيها اسـمه بالإنسـان، كثيرة بلا بدء لها في الله الذي لا بدء له، وبلا انتهاء لها في الله الذي لا توقف لفعله في قائم وقادم أبدا على ما كان في أزل. وكلمات الله وبيوت الله والملائكة المقربون من الله وحملة عرش الله لا يسـتنكفون أن يكونوا عبادا لله، وإن كانوا في قيامهم أعلاما عليه ووجوها له وذكرا محدثا منه عنه لذكر قديم فيه.

إن الدين عند الله الإسـلام يوم يعرف المسـلم أنه عند الله، يوم يعرف المسـلم أنه في دار الله وهو في دنيـاه، فإن لم يكن المرء عند الله فلمن يسـلم بقائمه في قيامه؟ وكيف يكون الإسـلام؟ فإذا قامت العقيدة على أنك لسـت عنده، ولسـت ظاهرا له، وأنه ليس ظاهرا لك، فكيف تقوم العلاقـة بالإسـلام؟ إن الإسـلام قام على قائم وواقع الحيـاة، ومعالم ومعلوم الحيـاة، العقل أصله، والضمير روحه وحيـاته، والتأمل كتابه، والكسـب طريقه، وتقوى الله مناسـكه وشـعائره، والحكمة غنيمته، والذات سـفينته، والسـلامة قيامته، والحيـاة سـاعته، وتجديدها ناره، وجنته.

ما هو الإسـلام؟ ومن هو المسـلم؟ ما هي التقوى ومن هو التقي؟ ما هو الشـقاء ومن هو الشـقي؟ ما هو الغنـاء ومن هو الغني؟ ما هو البقاء ومن هو الباقي؟ ما هو البلاء ومن هو المبتلى؟ ما هو الرجـاء ومن هو المرتجى؟ كل ذلك جاء به وبالجواب عليه إنسـان العقل، وعقل الإنسـان. جـاء به إنسـان النفس، ونفس الإنسـان. جاء به إنسـان الروح، وروح الإنسـان. جاء به جديد الفطرة بقديمها، ومؤسـس الإسـلام دينا لها. جاء به الرسـول، وقام به الرسـل، رسـولا لا انقضاء لرسـالته، ولا بدء لها. هو معاني الرسـول والرسـالة في المرسـل، رسـول المرسـل عنده أزلي الفعل في إرسـاله، أزلي القيام في قيامه على أبدي الناس، أبدي الوصف على ما كان في فعله برسـوله، قائم الوصف في قيومه بقائم رسـالته في قيامه رسـولا من أنفسـهم من قائمه على كل نفس.

فهل أسـلم الناس لمن أسـلم لربه من بينهم، فلم يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله؟ هل أسـلم الناس لمن سَـلم برضاء إلهه الذي ارتضاه في معراج من رضوان من الله أكبر؟ هل أسـلم الناس لرسـول الإسـلام، ورسـول العرفان بالله، وما يكون الإسـلام إلا له؟ ومن أسـلم له فقد بدأ وصف العبد لربه لقائم نفسـه، وشـرف بحق العبد وحقية العبد وقدسـية العبد وشـرف العبد، وهو في عبوديته ومعبوديته عين ربه، يحمل أمانة الحيـاة للحي القيوم، وأمانة الذكر لدوام المذكـور، وأمانة الوجود لواجب الوجود، وأمانة الحق للمعروف بالحق، بها يعقل بحكمة ربه، وبها يفعل ما يشـاء مشـيئة ربه، وبها تنفعل له الأشـياء على ما يريد إرادة ربه، بها يعلن نعمة الله على الناس وللناس وبالناس، لمن ينعم هو بدوره عليه، فيظهر له راعي ربه، ويجعل منه عبدا لربه، يظهر له وجه ربه، ويجعل منه وجها بوصف عبده على وصف عينه، يتخلق بأخلاق ربه رفيقا أعلى، فيقول لرفيقه لا فرق بيني وبينك، فتُعرف به نعمة الله في شـمولها لخلقه ولعباده ولحقائقه فيتواصى الجمع بالحق وبآلائه، وتقوم النجوى والترنم تحدثا بنعمة الله وحقه في حضرة وبيت وملأ إنسـان نعمته واصطفائه، اتحدت ربوبيته بمعناه راعيا وربا، مصطفى من الله، مرضيا من الناس وعين معنـاه عبدا مُعبَّدا من الله، قدوة للناس عنده إليهم مرتضاة، فنعرف بذلك أن العبد حق، عين ما نعرف أن الرب حق، نعرف أن حقائق الله في معراج وجودها بوجوده بمعناه، بلا نهائي الحيـاة، ولانهائي الصفات، ولانهائي الفعل، ولانهائي الآيات، إنما يقوم بها الإنسـان بجديده لقديمه، لا فرق بين قديمه وجـديده، ولا فرق بين جديده وقديمه، فجديده بتجدده يتقادم، وقديمه بتدانيه لمظهر ظهوره يتجدد، إنا أعطيناك الكوثر، إن شـانئك هو الأبتر، تقوم وتتقلب في السـاجدين، يُسـلم لك وجها لله المسـلمون، ويؤمن بك حقا لله المؤمنون، ويبايعك يدا لله المتفانون، ويتقي غضب الله في أمرك المتقون، فيقيمون ويَقومُون شـعائر الله، وإنها لمن تقوى القلوب يوم تحيا القلوب، يوم يفتحون كنـوز قلوبهم لنور الله الذي أنزلنا معك، فتضيء صدورهم، وتحيـا أرض قلوبهم، وتشـرق الحيـاة بمشـكاة الصدور من ذواتهم فتتجدد بالحيـاة أنفسـهم، بعثا بالحق، ويُحَرر العقل من سـجن مادته، فتعتق وتفك رقابهم من النار، يوم يزحزحون عنها مبرزة في دنيا قيامهم بشمسـها وزمهريرها، ويدخلون الجنة قطوفها دانية في قائمهم من دنياهم يوم يفوزون بحريتهم، فيتعارفون إلى الأحرار من حقائق إنسـانهم، وإنسـانيتهم، فيعرفون عن الحق في أنفسـهم، وعن الإلـه في معانيهم، وعن العبودية دوما لمبانيهم في دائم بنائهم متجددة متكاثرة متعددة من نعمة الله عليهم بأرواح نامية متوحدة لحقي قيامهم وأناهم في اسـمهم “اللهم” لاسـمه الله.

هذا هو دين القيمة، فإن كنت في قيامك مؤمنا بأنك عند الله، وفي داره وضيافته، وأن الله في قائمك معيتك بالحيـاة وقائم الناس ومعيتهم بالحيـاة، فابحث بينهم عن رسـوله من أنفسـهم وجه خصوص الناس، فأسـلم له قياد مسـيرك في ركب الحيـاة مع قافلة طالبيها من الأحيـاء حتى تسـلم وتدخل دين الإسـلام، فإن لم تعرفه ولم تعثر عليه علما بأنه لا يغيب ولا ينقطع فاشـهد وجه الله لك في عموم الناس معك، واتقِ الله فيما حرم عليك، ولا تتجاوز ما أحل لك، وأقم شـعائره مجاهـدا، صافيا مجتهدا، خالصا من إرادة غيرك في أمر ربك، مخلصا في إرادتك له في نفسـك، وخالق الناس بخلق حسـن، واعلم أن المسـلم من سـلم الناس من يده ولسـانه، واعمل عقلك فيما يلقي إليك، واسـتفت قلبك فيما يعن لك، وتوسـل دائما بالرسـول إلى ربك معك ليهديك إلى من يهديك إليه ويدلـك عليه. فإن الله سـيهديك السـبيل، ويجمعك على الدليل، واعلم أن الاجتماع على الدليل غايـة لا وسـيلة في نوع حيـاتك، وفي الحيوات العليا، وأن الدين إنمـا يقوم في الاجتماع عليه والتعريف عن وصفه وصفاته ومعناه، (المرء على دين خليله) [١٣]، (ويحشـر المرء مع من أحب)[١٤]، (والمؤمن مرآة المؤمن)[١٥] ، {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[١٦]، {الرحمن فاسأل به خبيرا}[١٧]، {قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[١٨]، (أنا رحمة مهداة)[١٩]، {من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال}[٢٠].

ما أنزلت كتب السـماء جميعا، وما بعث الله رسـولا من رسـله، ووجها من وجوه رسـالته أزلية أبدية متصلة إلا ليقيم هذه المؤاخاة، ويحقق هذه الوحدانية بين المؤاخي والمتآخي، حتى يكون الرسـول عين المرسـل إليه، وحتى يكون المرسـل إليه عين الرسـول، فيحشـر المؤمنون مع النبيين والصديقين وحسـن أولئك رفيقا، يوم يُعرف كل أناس بإمامهم، يوم يعرفون كيف كان إبراهيم أمـة، قانتا لله حنيفا، ويوم يقوم محمد لله أمة الناس جميعا زويت له الأرض وجعلت له مسـجدا وطهورا، قانتـا لله حنيفا أظهره على الدين كله ، وأظهره الدين كله، كما قام في قديم لله وقديم للناس أمـة الناس خلت منهم الأرض وعمرت بهم السـماء، قانتا لله حنيفا قبل أن يقومها إبراهيم أمـة قانتا لله حنيفا، وهو إذ طلب إلينا أن نصلي عليه، كما صلى الله على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، والله وملائكته صلوا عليه قديما ويصلون عليه كلما تجـدد في الناس في السـاجدين لله، فإنما يطلب إلينا أن يحـقق الله لجديده بنا، وجديده فينا، أمرا قام مع صورة قديم من قديم لجديد لجديده هي عين جديدها، أظهره الأقدم بجديده ليكون نبراسـا للناس، جديدا لجديده بهم يقوم ويتقلب فيهم بنوره لظلامهم، ليكشـف الرسـول معنى بدئه بالحق بدءا، معادا لبدء لم يُبدأ وليعرف وينشـر معنى قيامه بالحـق انتهاءً لكل خلق في كوثر لا ينتهي، وبذلك أبرز الأمر الوسـط فيه، ما عرفه في قيامه ومعناه غير ربه أزلا وأبدا في آزالـه وآباده، ليكون على مثاله من يتجدد في الله بصلته به لفناء خلقه وقيام حقه، يوم يعلم أن إبراهيم ما تجدد بالحق في الله بصلة قامت، إلا مع قديم لجديد، قام به الحق في آدمه، فيعرف المؤمنون هدي الله يوم قال لهم كنتم خير أمة أخرجت للناس، فيدركوا كيف كان لهم ذلك، وأنه لهم لأنهم أمة وسـطا، يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأنهم بذلك يكون لهم دوام التواجد بدوام التجدد في أبدي تواجد وتجدد الناس، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[٢١]، وتؤمن بالله. إنها إرادة الغيب للشـهادة المأمورة في قوله (ولتكن) فكيف لا يكون ذلك وهذه إرادته! وقد جعل ما أنتم عليه من كيان، الله قائم فيه على كل نفس وهو محل إرادته على ما أرادها، ومحل ظهورها على ما شـاءها، فترك لكم منه به هذه الإرادة، تقومونها بإرادتكم إرادة لله على ما شـاء في قوله {ولتكن منكم أمة}، وما تشـاءون إلا أن يشـاء الله. إن الأمة الوسـط تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله قائما على كل نفس ومعية كل جمع تقوم وتتجدد، تغيب وتتعدد، تداني من غيبها برحمتها وإرادتها، وتغيب من دنوها بعلوها وخلاصها ونجدتها، ناموس الله في البشـرية، على ما قامه وأبرزه إنسـان الناموس، وعبد الناموس، ورسـول الناموس، وكتاب الناموس، من عرفناه عبد الله، ورسـول الله، ومن عرَّفه الله الحق من الله، قل جاء الحق وزهق الباطل.

إن هذا الناموس دائم الفعل، وها أنتم في هذا الناموس تقومون، ولقيامه تعملون، ولنتائج فعله تنتظرون، وإنه لفاعل، ونحمد الله أنه بيننا وبنا وعلينا، لقائم، ولقد حققنا منه لأنفسـنا الكثير من الغنائم، ولكن النـاس في انتظار سـفور، وبروز أمور، وظهور غيوب، وصدق نبوءات، وموعـود آيات، وإنهم في رجائهم معذورون، وإن كانوا بهذا الرجاء مبتلون لأنهم لما جاءهم من الحق يجهلون، وعليه بينهم ينكرون، وكان الأجدر بهم أن يغتنموه في الله مجاهدين، وهم بالله فعلا يقومون، فأنفسـهم بأحيـاء القلوب بينهم تتفتح لهم كنوزهم فيحيون، وقلوبهم بالله يربحون، وعقولهم بهديه حيـا يطلقون، وما امتنع عليهم ذلك في عصر من العصور، أو بيئة من البيئات، أو في حكمة مما تلقوا من حكمة، أو قام بينهم من جديد حكمة، فلتكن إرادتهم على ما أرادها الله، ولتكن إرادة الله على ما يريدون، فسيتحقق لهم ما يرتقبون وما ينتظرون يوم أنهم إلى الله بحق يجأرون، ونحـن في أيامه، إن كانوا لآيات الإرهاص له ينتبهون، فإن جديدا في سـفور لأمر ينتظر لمرتقبون، وما هو في الحقيقة بحقيقة لأن أمر الله قائم في دوام، ولكنه كشـف خبره عما فيه اختبروا، {لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٢٢]، ولكنهم بجهلهم لقلوبهم قبروا، وإن الله بالغ أمـره، جعل لكل شـيء سـببا، فأعطى الإنسـان معرفة الأسـباب وتعقبها، فآتاه من كل شـيء سـببا، فأتبع سـببا، فارتـد إليه بصره خاسـئا وهو حسـير، فأحاط بنفسـه محاطا بربه، وأحاط بنفس نفسـه محاطة بعقله للعلم بربه محيطا بنفسـه وعقله في العلم بما أحاط به من العلم عنه، وتسلسـلت عنده الأسـباب، فعرف المسـبب للأسـباب، وعرفه عبد المسـبب ورب السـبب. ذلكم الإنسـان كما قدمه القرآن، وكما قامه العنوان، وكما شـرُفَه من تابعه، فكان في الله عينه، وقام بشـرف الله لرسـوله، في شـرف المصاحب لعبده ورسـوله، لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله.

اللهم يا من جعلت من محمد سـببا ظاهرا لرحمتك، وحوضا قديما لنعمتك، ووجها جديدا لطلعتك، وحـقا فياضا بمغفرتك، يا من جعلته كتاب رسـالتك، وقيام حجتك، وبيت قبلتك وسـاحة حجيجك لحضرتك. اللهم به فارحمنا، اللهم به فاغفر لنا، اللهم به بك فصلنا، اللهم به بك فأحينا، اللهم به بك فأمتنا عنا، اللهم به بك فابعثنا به بعثا بحقك، اللهم به ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا، واشـملنا برحمتك حكاما ومحكومين، وخذ بنواصينا إلى الخير، رعاة ومرعيين، وتولنا في الصغير والكبير من شـأننا، وادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم، وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم.

أضواء على الطريق

(أنتم الذين تعيشـون في عالم مادي قد طلقتم الحقيقة. أعرف أنه من الصعب عليكم إدراك ذلك، لأن كل ما ترون يظهر محسـوسـا صلبا جامدا جدا. إن الجسـم الذي تظهرون خلالـه والعالم الذي تعيشـون فيه والمنـازل التي تسـكنونها والطعام الذي تأكلونه، هذه تتهيأ لكم أنها وحدها هي أشـكال الحقيقة. ومع ذلك فأنا أصر على أنها هي الظلال وليسـت الضوء الأبدي. إنه لا يمكنكم تصور عالم لا يسـاير حواسـكم وعلى هذا لا تسـتطيعون فهم مسـتويات نشـاط وحيـاة في مجـالات وراء إدراككم. ولكنكم تصلحون بالاتصال بنا إلى تطوير مسـتوياتكم).

من هدي السـيد (سلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة آل عمران - ١٩ ↩︎

  2. سورة آل عمران - ٢٠ ↩︎

  3. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  4. سورة آل عمران - ١٩ ↩︎

  5. استلهاما من “إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ.” (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ٨: ١). ↩︎

  6. حديث شريف عن الصحابي أبي ابن كعب: “أجعلُ لك صلاتي كلها يا رسول الله؟ قال: إذا تُكفى همك، ويُغفر لك ذنبك.” رواه الترمذي وأحمد. (عبارة “يا عمر” يذكرها السيد رافع مع هذا الحديث الشريف في النسخة الأصلية)، ولكن نذكر هنا الحديث الشريف الموثق. ↩︎

  7. من سورة الفجر – ٢٧، ٢٩، ٣٠ ↩︎

  8. من حديث شريف: “إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ مِن فَوْقِهِمْ، كما يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ في الأُفُقِ، مِنَ المَشْرِقِ أوِ المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ ما بيْنَهُمْ قالوا يا رَسولَ اللَّهِ تِلكَ مَنَازِلُ الأنْبِيَاءِ لا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قالَ: بَلَى والذي نَفْسِي بيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا باللَّهِ وصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ.”. صحيح البخاري، وأخرجه مسلم باختلاف يسير. ↩︎

  9. سورة الفرقان - ٤٥ ↩︎

  10. سورة الأحزاب - ٤٦ ↩︎

  11. سورة يس – ٢٦، ٢٧ ↩︎

  12. سورة الفتح - ٢ ↩︎

  13. حديث شريف: " المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ." أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  14. حديث شريف “المرء مع من أحب”. أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود وأحمد. ↩︎

  15. حديث شريف: “المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخُو المؤمنِ يكُفُّ عليه ضيْعتَه، ويَحوطُه من ورائِه.”. أخرجه البخاري وأبو داود، والبزار والطبراني ↩︎

  16. سورة سبأ - ٤٦ ↩︎

  17. سورة الفرقان- ٥٩ ↩︎

  18. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  19. حديث شريف: “إنما أنا رحمة مهداة.” أخرجه ابن سعد والحكيم والحاكم. ↩︎

  20. سورة إبراهيم - ٣١ ↩︎

  21. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  22. سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎