(١٨)

اُعلُ هبل ‍‍‍‍!؟
الله أعلى وأجل
الله مولانا ولا مولى لكم

حديث الجمعة

١٨ ذو القعدة ١٣٨٢ هـ - ١٢ أبريل ١٩٦٣ م

(اُعلُ هبل)[١] … شـعار تصايحت به أفواه أهله، يوم تخاذل أهل الحق عن متابعة أوامر الحق لهم بينهم، فكانت الغلبة لشـعار الباطل في ظاهر الأمر، والـهزيمة لشـعار الحق في ظاهره كذلك، ولكن قد طوى النصر هزيمةً، كما طوت الـهزيمة نصرا، وكان في ذلك للفريقين عبرة وحكمة. فأمر الحـق أهله ألا ييأسـوا من الحق، نصره فتصايحوا، (الله أعلى وأجل، الله مولانا ولا مولى لكم)[٢].

ودارت الأيام، وظهر ما بطن في الـهزيمة من النصر، فدخلها عليهم الحق، وحل بالبلد، ووالد وما ولد. ما ظنكم أني فاعل بكم؟ فكان أن شـهدوا نحن أهلكم ولأنتم في داركم، فكان العفو عند المقـدرة، (اذهبوا فأنتم الطلقاء)[٣]، لم يعلُ هبل، وظهر الله أعلى وأجل، وقام عباد بمولاهم، وذهب من لا مولى لهم، لا جديد تحت الشـمس، ولا جديد في الله. الأيام والليالي من خلقه، والأزمان والعصور من تدبيره وأمره، يداول الأيام بين الناس، فلا أهل الحق في حقهم مُؤبدين، ولا أهل الباطل في باطلهم مُأزلين. يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، يخرج أهل التقوى من أهل الفجور، وأهل الحيـاة من أهل القبور، ويخرج أهل الشـقاء من أهل النقاء، لا سـلطان يحكم سـلطانه، ولا أمـر يعلو أمـره. هذا هو الدين في دولته آمن بها الإسـلام وقامت بها الفطرة. له في كل شـيء حكمة، وله في كل شـأن آية، وله في كل أمر هداية، يَفرح أهل الباطل بباطلهم يوما، ويشـقون به يوما، ويشـقى أهل الحق بحقهم يوما، ويسـعدون به يوما.

إن الأيام المداولة بين الناس، وإن الناس المتقلبين فيما يقلبهم فيه خالقهم لا سـعادة لهم ولا وقاية من الشـقاء عندهم، إلا أن يرجعوا إلى الحق ليكونوه، وأن يتخلصوا من وصف الخلق فيفارقوه، خلقهم الخالق لنفسـه، ويصطفيهم الحق لنفسـه، فيسـويهم يوم يسـوي الله الحق الخالق بالحق المخلوق يوم يسـوي المخلوق بالخالق، فيجعل منهما وجهين لله من ناظر ومنظور، أبناؤهم عين الآباء، وآباؤهم عين الأبناء. إن مثل الابن عند الله مثل أبيه، ومثل الأب عند الله مثل بنيه. ففي دورة الحيـاة المتصلة لا تتوقف يولد الآباء من الأبناء أحفادا بجديد لقديم، ويصعد الأحفاد إلى حيث الآباء عودا من راحل لمقيم ما بين أجسـاد لأرواح وأرواح لأجسـاد.

الإنسـان فيه لا يأخذ شـرف الوصف له بالإنسـان منه والحق له، ما لم يتخلَ عن قيامه الخلقي بظاهره إلى قائمه في قيامه الحقي بباطنه. إن الذي ينظر بظاهره لظاهره ينشـغل عن الحق فيه، وهو الأمر الواجب النظر إليه بباطنه إلى باطنه، بعين الداخل ناظرة لوجه الداخل وداخل الداخل حتى يتحرر وجه الله المغلف لحقي معناه من غلافه لخلقي مبناه، فينعكس على أغلفة الوجود مرايا له فيرى الرائي بعين الرائي الذي يرى كل شـيء، ولا يعزب عن علمه شـيء في السـموات والأرض، يرى في مرآة الوجود وجه الله فيه يوم تتفتح عيون القلوب، وعيون العقول فيشـهد العقل العاقل وجه الرب المعقول منعكسـا على أرض القلب الحي بيتا له، ثم يمتد نظر الناظر في مرآة الوجود ليراه وجودا له، وليرى بعيون حقه في مرايا الأشـياء وجوها لله بوجه له، فيفنى القابل للفناء فيه، ويظهر ليبقى موجود البقاء له.

إن الخالق الذي يخلقه خالق، لخالق مخلوق أمر قائم بقانون دائب، من طين لازب، في نار مسـعرة، من شـجرة خضرة، وهو أمر دائم ثابت القيام أزليه أبديه. {أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشـأتم شـجرتها أم نحـن المنشـئون}[٤]، {كلمة طيبة كشـجرة طيبة أصلها ثابت وفرعُها في السـماء تؤتي أكلها كل حين}[٥]، شـجرة من ثمار قديم شـجرة، هي من ثمار قديم شـجرة، لا بدء لشـجرتها، ولا انتهاء لجدتها، شـجرة الخلق المعنونة في صفة السـبق بالخالق، أما في الحق فلا خالق ولا خلق، إنما هو الحق فيهما ولهما، يوم نعرف القانون الدائب، والدورة الخالدة للحيـاة الأزلية، ومشـروعها الأبدي للحيـاة، وتجديدها للتعارف من الأزلي إلى الأبدي بقيام معناه، أزليا في أبده بجديد قديمه في دائم معناه بسـرمده، أو أبديا في أزله بظهوره بعينه في قائم معناه بأبده لأزله.

إن الإنسـان قديم أزلي بخلقه وحقه، وجديد أبدي بحقه وخلقه. إذا عرف الإنسـان أمره في أمر مرشـده من الإنسـان مع رائد من نفسـه من الإنسـان، فطلب لنفسـه وخلقه شـرف الإنسـان وشـرف حقه، فسـلك به الطريق إلى قلبه، يومئذ اجتمع العبد على ربه، مع رسـول ربه، في أمر نفسـه، وتكشـف له أمر نفسـه بحقه وخلقه في دائم أمره من لحاقه وسـبقه في قائمه.

إن الروح المرشـد لمسترشـديه، ولراشـديه من القائمين فيه، إنما هو الحق الأحد والرب الراعي والرفيـق الأعلى وإنسـان الله وحضرته بأسـمائه وصفاته بعبده، وعباده من المسترشـدين به، وبدائرتـه ووسـطائه من الناس عين معناه لمعناه، ظاهر مبناه لذاته بالظهور ولروحـه بالوجود، إذا حمد الله الناس ربا للعالمين، وغيبا عليهم بشـرا ظاهرين، وما هو في الأعلى إلا عبده، وما هو للأدنى إلا ربه، وما هو من الوجود إلا حقه، وما هو في الشـهود إلا خلقه.

فإذا قام الناس في دين الفطرة لله ذاكرين، وعنه في أنفسـهم باحثين، وبالرسـول لمعانيهم في معانيهم مسـترحمين، وجاهدوا أنفسـهم في أنفسـهم محاربين مقاتلين، ولخلاياهم مجددين من مخاصمين لمسـالمين، فهداهم من هو أقرب إليهم من حبل الوريد ومن هو على كل نفس قائم وشـهيد، هداهم إلى كشـف الغطاء عنهم مجابين منتصرين، لما في أنفسـهم مغيرين فغير ما بهم مخاصمين، فتكشـف لهم الحق في أنفسـهم قائمين، فعرفوهم في دين القيمة عاملين، عبادًا لرب العالمين، ووجوها لرب الناس، ملك الناس، إلـه الناس، برسـوله فيهم يرحمون، وبه يَشـهدون ويُشـهدون، وله في أنفسـهم يذكرون، وربه ربا لهم يعبدون وله به يسـجدون، فحصن الله يدخلون، ووحدانية الله يقومون ويوقنون، فوجوها لله يظهرون، ونصبا له يقامون، وغرفا للناس يُسـتقبلون ويسـتقبلون ببيوت قبلة للصلاة يرفعون، الناس حولهم يطوفون، ولأهل الله في بيت ذكره ينادون فيلبونهم ولندائهم يجيبون، وبالسـكينة على قلوبهم ينزلون، وبالرحمة لهم يصلون وعليهم يصلّون، فعل رسـوله الكريم وقيامـه القويم يفعلون ويقومون. أولئك هم المؤمنون، علماء عن الله، وخبراء يدعون، ومنابر للحق يظهرون، وكتبا وصحفا ينشـرون، وأمرا لله في الناس ينتشـرون. أولئك هم المصلحون، أرض القلوب بماء الحيـاة يسـقون، وأحواض الحيـاة للناس يوردون، ومشـعل الحيـاة في مشـكاة الصدور يوقـدون، فتنير الحيـاة في الصدور المظلمة بمعاني الكتاب أهله له يقرأون، وبما علموا يُعلمون، وجديدا دائما ما يتلقون، وبما عرفوا من الحق يقومـون ويعرفون، فكانوا للناس بوجوههم لقلوبهم زينة السـماء لدنياهم مصابيح لها تشـهدون، وجعلوا بينهم سـراجا وهاجا عنه تتحدثون وله في أنفسـكم وبينكم تعمهون، وقد جعل لكم من أنفسـكم رواسـي أرضكم حتى لا تميد بكم فتهلكون، ولكنكم إليهم لا تركنون، وعنهم لا تبحثون، وبهم وبوجوههم لا تؤمنون.

إن الذي ظهر بالإنسـان أشـرف ما ظهر، وإن الذي عنون بالإنسـان أشـرف ما عنون، وإن الذي علا بالإنسـان أعلى ما يعلي، جعل الخير في الناس إنسـانا، وجعل الخلافة في الأرض عنه عنوانا، وجعل شـجرة الحيـاة في عالم البدء بجذورها وأقدامها على أرضها أبدية. وجعل في السـموات معارج فروعها ومنها رجع ثمارها، وفيها طريق سـيرها وتعالي أمرها، وخـلاص ذاتها من ترابها، وتعاليها بوجه إنسـانها لحيـاة سـرمدية. إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعـه، في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسـمه، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

إن الذي فعل ذلك للأرض قد فعل لأهلها أكبر من ذلك إذ جعل من السـموات والأرض زوجـان، وجعل من آدم وحـواء لهما ولدان، وداول الأيام بينهما فجعل من السـماء قبلة دعـاء في ليل الأرض ونهار السـماء، وجعل من الأرض قبلة صلاة ولقاء لأهل السـماء، يوم أغطش ليل الأرض وأخـرج ضحاها، وسـتر نهار السـماء بليل الأرض فسـواها، فقال لأهلها ملأ أعلى له يطلبون في المـلأ الأدنى وجهي تشـهدون، إني جاعل في الأرض خليفة على ما علمتم وتعلمون، فكلما سـويته ونفخت فيه من روحي قعوا له سـاجدين.

ها هي الأرض تشـرق بنور ربها للعالمين، وتظهر بشـجرة قدسـها للطالبين لأبنائها، في قديمها لها يعرفون وإليها يعودون، ولقدسـها يسـجدون، وعن أزلي الآباء يعلمون، وإلى الرفيق الأعلى ينتسـبون، في ركب للروح يُشـهدون، وبوسـطاء من أبنائها منابر لهم يظهرون، وعن قدس الإنسـان وروح الإنسـان ولانهائي الإنسـان ولانهائي الروح في الأقدس والأعظم واللانهائي لله يعلمون.

أين تطلبون الله أيها المؤمنون؟ ومتى الله عندكم على ما تتوهمون؟ هل لله متى فتتسـاءلون متى يكون الله فتلاقوه؟ متى هو الله، متى لنا الله، حتى تشـهدوا أن الله لا أين ولا متى له؟ أنتم الأين والمتى له إن كنتم مؤمنين. إنه معكم في الأرض تولجون، أو في السـماء تَصعدون، أو من ذات الرجـع تردون، أو من ذات الصدع تقومون، هو معكم أينما كنتم إن كنتم له طالبين، فلا تيأسـوا منه أيها المؤمنون. إن الله يغفر الذنوب جميعا للمذنبين. يا عبادي الذين أسـرفوا على أنفسـهم لا تكونـوا مني قانطين. إن الله لا يغفر أن يشـرك به. يا عبادي وأنا معكم لا تكونوا لي مظاهرين، انقلبوا إليَّ معكم أقرب إليكم من حبل الوريد لتشـهدوا كيف أنكم فيَّ وأنا فيكم وأنتم معي وأنا معكم، وأنتم لي تجهلون وتتجاهلون، إنما هو الغطاء منكم عنكم، يكشـف لكم بكم يوم تبصرون، لا جديد فيكم ولكن الجديد ما تعلمون يوم لا تملك نفس لنفس شـيئا على ما تتوهمون. إنكم في غفلة عنكم تقومون، وكل يقظة تباعدون، وكل موقظ تخاصمون. إن القيامة من صنعكم يوم أنكم لله تقومون، وإن السـاعة من إرادتكم يوم أنكم لملكوت الله بين جوانحكم تكشـفون، وقد كنتم له تطلبون، وإليه تسـعون، والباب تطرقون، وفي الله تجاهدون، فعن النار تزحزحـون وما أنتم عنها بغائبين، والجنة قطوفها دانية تدخلون لم تخرج منها أرضه على ما تزعمون. إن الحشـر إنما هو رد أعمالكم إليكم، يوم أنكم ما قدمتم في قديم إلى ما قدمتم في حاضـر في أنفسـكم تجمعون. علمت نفس ما قدمت وأخرت يوم تبصرون، يوم يتكشـف عنكم حجابكم فتشـهدون لكل منكم سـاعة ولكل منكم قيامة كما أخبرتم وتخبرون، أفرادا كنتم، أو بيوتا قمتم، أو جماعات تجمعتم. إن الفرد في أفراد الله، وإن البيت في بيوت الله، وإن الجمع في جماعـات الله، وإن الأمـة في أمم الله، وإن البشـرية في بشـريات الله، وإن الإنسـانية في إنسـانيات الله أمرها واحد، شـأن الفرد فيه شـأن الجنس فيه، للفرد سـاعته وقيامته وحشـره، وحسـابه وأمره، منه وإليه، كفى بنفسـك اليوم عليك حسـيبا، وجد الله عنده. كذلك البيت، بيوتـا ترفع أو توضع، وكذلك الجمع أمة في فرد وفرد في أمة. إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم وأزواجه أمهاتهم. وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها. إن الله يريد ليذهب عنكم الرجس أهل البيت. وما أرسـلناك إلا رحمة للعالمين. اتبعوني يحببكم الله. وما أعطيتـه فلأمتي. إن يوم الفصل كان ميقاتا في تداول الأيام بين الناس، من أهل السـماء وأهل الأرض في السـماء وفي الأرض، في تبادل التواجد بين السـماء والأرض والأرض والسـماء.

إن هذه العبارات من إنسـان الغيب قرآنا يتلى أو إنجيلا يقوم أو صحفا تنشـر، أو من إنسـان الشـهادة حديثا يؤثر وسـنة تقبل وإمامة ترتضى مع كل رسـول، وفي كل عصر، ومع أي إمام أو شـهيد، إنما هو هدي واحد، وأمر واحد، وشـأن واحد، وقيام واحد، وحق واحد، وإنسـان واحد.

إذا عرف الإنسـان عن الله في نفسـه منكرا على نفسـه بالوجود، مسـيحا فيه، متابعا رسـول الله على ما هـداه حقا فيه طلبه فلاقاه، فعرف عن رسـول الله في نفسـه على ما عرف عن الله في نفسـه بالإنكار على نفسـه بوصف الوجود مع الواحد الموجود، لعرف الله أكبر يوم عرف رسـول الله ربا له مربوبا مرعيا من رفيق أعلى، ولعرف عن لا نهائي الله يوم عرف في رب رسـول الله رفيقا له ولرب أعلى، اسـتمهل عبده يوم جاءه ليلاقيه حتى يصلي لربه حمدا له لجديده يدانيه، ليتواجد في دوام به، وليتواجد بمزيد فيه فيتعالى الرب بالعبد بما يتواجد به منه فيه، متخليا معه عن معناه بالرب لمعنى الأعلى باسـم مولاه، فيتخلى العبد له فيه عن مبناه، كما يتخلى لجديد منه به عن معناه ليظهر حقا باسـم مولاه، وعبدا بعينه لعين معناه بوصف مولاه رفيقا أعلى.

بهذا جاء دين محمد مجددا القديم من الفطرة للوجود، بالتواجد على صورته مشـهرا بدء الجديد من الوجود في الفطرة على عين وبدء ومثال قديمه، لتسـكن القلوب إلى الله بيوتا له، ولتسـكن العقول إلى الله رسـلا له، ولتسـكن النفوس إلى الله نصبا له، ولتسـكن الجوارح إلى الله قدرة له، مثالا به يرتضى ويرضى في شـمول وعموم ودوام، بكسـب ووهب في حدود ما يكسـب وبلا حد فيما يوهب.

بذلك أظهر الله محمدا على الدين كله، وأظهره الدين كله، ثم أظهره على من أظهره ليظهر به على الدين كله، ويظهر به الدين كله. وبذلك كانت الصلة بمحمد أو بمن تابعه على بصيرة هي الصلاة عليه وهي الدين. وبذلك قام الإسـلام فطرة مجددا القديم من الحق، كاشـفا القائم من الحق، مبشـرا بالقادم من الحق، فرضي الله الإسـلام لأهل الحق دينا هو دين القيمة ممن يصلحون للقيام على خدمة الناس، فيه حاجة الناس، فيه كفاية العقول من المعرفة، وفيه حاجة القلوب للحيـاة، وفيه مطالب النفس للزكاة، وفيه تجدد الحيـاة للذوات، وفيه الاسـتقامة بالقدرة للجوارح.، وفيه تفصيل كل شـيء في الوجود، وفيه تعليل قيام كل أمر في القيام.

يُعلي الناس هبل على أنفسـهم في كل زمان، مجافين عقولهم أصلا للدين بهبلهم، ويقصم الله هبل في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل إنسـان أعلى السـفياني أبا لكل سـفيه هبل على نفسـه وقومه، فكان أبا وأصلا لكل سـفياني، وابنا وجديدا لكل قديم من سـفيان، عنوانا للباطل والشـيطان. ودار الزمان، وكُسـرت الأوثان، ودُخل البيت، وتكشـف الحي والميت، فماذا كان من أمر الناس؟ عادوا إلى جاهليتهم، أبقوا أبا سـفيان وأبناءه من كل سـفياني وأجلسـوهم على عروش الزمان والمكان من أنفسـهم طاغوتا باسـم اللاهوت، وغيبوا عن أنفسـهم وجه الرحمن، وأشـاحوا عنه بوجوههم كلما جددت الرحمة وجها في الإنسـان، بإنسـان، وإنسـان، وإنسـان قياما للإحسـان، وتعديدا للعنوان، ورفعا للبنيان، وظهورا للرحمن، فقامت المعركة مرة أخرى بين العنوان والعنوان، للشـيطان والرحمن، فعُلي هبل وأهله، وتكنز الرحمن وأهلـه، وها هو الزمان يدور، وإرهاصات القيام ترهص لجولة للرحمن على جولة للشـيطان، ولكن أبا سـفيان وأبناء أبي سـفيان يكزِون على عنوان هبل عاليا في أنفسـهم، ويضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، والله محيط بالكافرين، وسـيداول الله الأيام، ويَظهر الله أعلى وأجل، ويظهر الله في دوام مولى من كان مولى له، عبـدا لله، ووجها له، ويظهر أبو سـفيان وأبناؤه من كل سـفياني هلكى لا قيام لهم، ولا حيـاة فيهم، أموات وما يشـعرون، والأحيـاء بينهم ومعهم لهم يخاصمون، ولهم لا يقدرون، والطريق معهم لا يسـلكون. ويوم يتكشـف الأمر لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسـبت في إيمانها خيرا، فإذا تكشـف عنهم غطاؤهم فإذا هم مبلسـون، يقولون يا ويلتنا لو كنا نعقل أو نسـمع ما كنا في أصحاب السـعير، مبرزة لهم في نفوسـهم.

هذه الدار أول أبوابها. ها نحن بقيامنا فيها وتعلقنا بها نلجها، والجنة دانية قطوفها مفتحة في الحيـاة أبوابها نعزف عنها ما أدركناها، وقد اختفت علينا محفوفة بالمكاره، وخدعتنا أنفسـنا بأبواب النار نتزاحم عليها حفت بالشـهوات. يوم يتكشـف لنا ذلك في علوم دارنا نقول، “ربنا أعد لنا كرتنا، وجدد لنا فرصتنا”، فيقول لنا “نعم رحمتي غلبت عذابي”، لكم ما طلبتم إنكم من المنظرين، فرصتكم مجددة، وأثوابكم مجددة، وعقولكم مجددة، وقلوبكم مجددة، في الفطرة وعلى الفطرة تولدون، فانظروا ماذا أنتم في يومكم وغدكم فاعلون، إني منظركم إلى اليوم الذي أصبح لكم مشـهودا، والذي يجب أن يكون لكم معلوما وعندكم مرتقبا. إنكم منظرين إلى اليوم المعلوم على ما علمتم عن دورة الحيـاة والأيام، وها أنا معينكم ما اسـتعنتم، هاديكم ما اسـتهديتم، كلما نضجت جلودكم بدلناكم جلودا غيرها لعلكم تجأرون. يا أيها الناس كلكم إلى الله فقير، إلا من أغنى ولا جز لعطائه، وكلكم في الله ضال إلا من هـدى ولا آخرة لهديه، اسـتهدوا الله ليهديكم، وافتقروا إليه يغنيكم، لا إلـه غيره ولا معبود سـواه.

اللهم يا من جعلت منا لمحمد منبرا يعتليه، وجددتنا به يوم جددتنا له نفسـا نسـتهديه… اللهم بمحمد فارحمنـا، وبمحمد فاهدنا، وإلى محمد ألحقنا، وبمحمد فقومنا، وفي محمد اجعل عطاءك لنا غير مجذوذ، وحقنا منك غير منقوص، وحيـاتنا منك نامية غير متعطلة. اللهم يا من جعلت من محمد نورا نهتديه، وإماما نرتضيه، ووجها وبيتا لك نطوفه ونسـتقبله ونأويه، وبأهله نكون من أهله. اللهم به فأنزل سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا. اللهم إنا شـهدنا معه لا إلـه إلا أنت، عبدا لك عرفناه، وعبادا لك طلبناه، وربا لنا منك يرعانا استشـفعناه، به إليك توسـلنا، وبك إليه رجونا. اللهم لا تجعل لنا تعددا معه، واكشـفه لنا على ما هو لا تعدد معك، هو الحق منك إلينا، ونحن الخلق به إليك. اللهم به فحققنا، اللهم بك فخلقنا، اللهم كن لنا وجدد فينا خلقنا، أنت لنا ولما عملنا خالق، ولنا ولما خلقنا صانع. اللهم أدخلنا في حصن لا إلـه إلا الله، وأعرج بنا في الله أكبر، وولِ به برحمتك أمورنا خيارنا في الدين والدنيا والآخرة، ولا ترد علينا أعمالنا، فتولي علينا شـرارنا بما كسـبنا، وعافنا من عدلك فينا، وعاملنا بعفوك ورحمتك على ما أقمت وبشـرت، وعلى ما وعدت، وعلى ما في دوام فعلت. لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك.

أضواء على الطريق

(نحن لا ننتمي إلى ضعفة الأمس المنبوذة، ولا إلى مشـوهي الوجوه القلائل الذين اختفوا في الأركان، بل لنا المثل العظيمة في الذين يرون أن الحق معهم وقد برهنوا على صدقه ولا يتزحزحون عن مكانتهم في الحيـاة.

من هدي السـيد (سلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. من شعر ألقاه أبو سفيان في معركة أحد، بعد أن قالَ: يَوْمٌ بيَومِ بَدْرٍ، والحَرْبُ سِجَالٌ، إنَّكُمْ سَتَجِدُونَ في القَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بهَا، ولَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ. صحيح البخاري. ↩︎

  2. الدعاء الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين في معركة أُحد، حين قال أبو سفيان: " أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ". ف قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَلَا تُجِيبُوا له؟ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: قُولوا: اللَّهُ أَعْلَى وأَجَلُّ، قالَ: إنَّ لَنَا العُزَّى ولَا عُزَّى لَكُمْ. فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَلَا تُجِيبُوا له؟ قالَ: قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: قُولوا: اللَّهُ مَوْلَانَا، ولَا مَوْلَى لَكُمْ. صحيح البخاري. ↩︎

  3. من حديث شريف، رواه ابن إسحاق، كما في “سيرة ابن هشام”: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يوم فتح مكة، قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، فَقالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ …  إلى أن قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟  قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ. ↩︎

  4. سورة الواقعة – ٧١، ٧٢ ↩︎

  5. سورة إبراهيم – ٢٤، ٢٥ ↩︎