(١٧)
الإسلام
دين ودولة
دين إنسان الفطرة ودولة إنسان الوجود
حديث الجمعة
١١ ذو القعدة ١٣٨٢ هـ - ٥ أبريل ١٩٦٣ م
أعوذ برب الناس، الرحمن الرحيم، وأسـتعينه على قيام الصراط المسـتقيم، وأشـهد أن لا إلـه إلا الله، أعطى كل شـيء خلقه وكل نفس هداها، وأجابها إلى طريق ابتلائها أو طريق تقواها. وأشـهد أن محمدا رسـول الله، رحمة الله وهداه، وقدوته لمن ارتضاه، ورضوانه الأكبر لمن اصطفاه، رضوان العبد والرب والإلـه.
عباد الله… اتقوا الله، واعلموا أن الإسـلام، كما عرفه معروف رسـوله إليكم ومؤسسـه لديكم، ومظهره بينكم حقا من ربكم، إنما هو دين إنسـان الفطرة. تواجد قرين تواجد الناس في الوجـود، عقائد ومناسـك في حدود طاقتهم لتصوير الأمور للعقل، وفي حدود إدراكهم لافتقارهم للأمر، وتطور مع نشـأتهم، كلما تقدموا في النمو العقلي، وكلما مكنوا من التدبير النفسـي، وكلما نمت فيهم الطاقة، وكلما قام فيهم شـيء من الحكمة تكشـفت لهم عن أنفسـهم من الله غلالة، وترددت بينهم عن الله مقالة، فاسـتقاموا، فذهبت من أحوالـهم بجهدهم ظلمة وضلالة، وهكذا بين ارتداد لظـلام وبين تخلص منه، وبين اسـتمداد لنور الحيـاة نورا على نور، وبين تقلص له بين ليلهم ونهارهم في تخلفهم وتقدمهم قرونا بعد قرون، ما زالوا ولن يزالوا تقطعهـم لا يقطعونها، وتقومهم لا يقومونها. فالإسـلام يوم عرفه أهله دينا ودولة عرفوه دينا حرفـوه، وعرفوه دولة ابتدعوها. فالإسـلام دين، هو الخلق القويم وهو الطريق المسـتقيم، وهو أمر الله المقيم في نفس وما سـواها على ما ألـهمها من فجورها وتقواها. وهو دولة، هو الدولة الأزلية القائمة كما هو الرسـالة الأبدية الدائمة، هو دولة الحق للوجود، هو قانون الحيـاة في الوجود، هو قانون الرحمة للمؤمنين، وقانون العدل للظالمين، هو دولة الله، {وقل اعملوا فسـيرى الله عملكم ورسـوله والمؤمنون}[١]. هو حزب السـلطان والحكم في الكون لله ورسـوله والمؤمنين، شـعبهم العاصون والغافلون، والمبتدئون والسـاهون، والضالون والمضلون، والجريئون والمتقون، والصالحـون والمصلحون والمفسـدون. إنها دولة لا يفلت من حكم القانون سـكانها، ولا يغرب عن مكان سـلطانها، مشـرق في أزل الآزال، وقائم في دائم القيام، ومسـفر في أبد الوجود وقوانينه عنوانها، يقومها الله ورسـوله وملؤه من المؤمنين، ويظهرها بأمر الله الرسـول، والشـهداء والصديقون، ظاهـرا لباطن علما عليه ورسـوله وملئه. الله قائمها، والرسـول في الحق شـهيدها، والرسـول في الناس مشـهودها، والله المــُشـاهَد والمشـاهِد فيها، والناس به في الحيـاة والقيام في النجاة والسـلام، وبالغفلة عنه في المجانبة والشـرك والخصام. الله، ورسـول الله، وعبـاد الله، يتناجون في الله، ويتناجون في الحقيقة. الحقيقة جامعهم وجماعهم. إن العَلَمَ على الله للإنسـان هو الإنسـان، والمعلوم عند الإنسـان من الله إنمـا هو الإنسـان، والعالم عن الله الطالب للمعرفة عنه من الناس هو الإنسـان، فالإنسـان لله عنوان في رسـالته، بألوهيته وربوبيته، وحق عبوديته. الإنسـان إلـه يوم يخدم الإنسـان إنسـانًا هو مجهول عليه وغيبٌ عنه، ورب يوم يمثل رحمة الله ونظرته لمن دونه من الإنسـان معروفا عنده. وهو عبد يوم ينظر لما يعلوه من الإنسـان ربا وإلـها له…
والإنسـان يوم يحمل من الإنسـان ظاهر ربه به إلى الإنسـان معلوم ربه عنده فهو رسـول الله، وهذه أشـرف وأعرف وأقوم زاوية من زوايا الإنسـان، وصفة من صفاته.
إذا عرف الإنسـان أنه لا بدء للإنسـان في وجود الله، كما علم رسـول الله، لو ظللت تسـألني إلى ما شـاء الله لقلت آدم، (قبل آدم مائة ألف آدم)[٢]، فالإنسـان إذا نظر إلى الماضي، لا بدايـة لخلقه، ولا بداية لوجوده، ولا بداية لتواجده، ولا بداية لأطواره، ولا بداية لتطوره، ومن كان لا بداية له، فلا نهاية له. فالإنسـان لا نهاية لتجدداته، ولا نهاية لبداياته، ولا نهاية لتواجداته، إن يشـأ يذهبكم ويأتي بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز، هو الذي بدأكم، هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا ونسـاءً كثيرون. من قتل نفسـا مؤمنة بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا. وإذ أخذنا من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشـهدتهم على أنفسـهم، يُشـهد الآباء الأبناء بالحق، ويُشـهد الأبناء الآباء بالحق، فأشـهد الأبناء بما فيهم من الخلق للآباء بما فيهم من الحق، كما أشـهد الآباء بما فيهم من الخلق للأبناء بما فيهم من الحـق، فتداولت الأيام بينهم، فأصبح الأبناء آباءً وأربابا للآباء يوما بما قام بهم من الحق فاقرة إليه قلوب الآباء، وأصبح الآباء أربابا للأبناء يوما بما قام بهم من الحق فاقرة إليه قلوب الأبناء. فالأمر الذي يعني كل إنسـان بشـري أن يبدأ بخلقيته معاني حقيته ما تواجد بوصف البشـر على أرض البدء من هذا الكوكب. وعلى هذا قامت جميع الأديان، وعليه بنيت كل حكمة، وفيه اسـتقامت كل طريق لهدي. فالآباء في أزلية الخلق بينهم من توفى إلى أحسـن تقويم وأمسـكته بتمامه يد الله عن البعث، ولم تمسـكه عن تجديده لنفسـه بجديد بدء بآدم على صورة بدئه، والأبناء في قادم من قائم يبعث بهم من لم يتوفَ من الآباء حتى تمام توفي إلى أحسـن تقويم تمسـكه يد الله عن مواصلة بعثه وإن لم تمسـكه عن تجديد بدئه.
وهذا ما كشـف عنه رسـول الله أبا وولدا يوم قال: من كان مني ورآني في معاني الأب والأصل له، كنت منه يوما، فرآني في معاني الابن له. من رأى فيَّ معاني الحق عليه يقوم سأشـهد فيه يوما معاني الحـق فيه، عليّ يقوم ومنه يقام. أنا سـيد ولد آدم ولا فخر، فهذا هو الحق ولا يفرقني عنه سـابق من أب، وأنا مع أبي على ما أنا معكم يوم تكونون معي على ما أنا معه. آدم أبو روحانيتي وابن جسـمانيتي، وما أعطيته فلأمتي، إذا كنتم اليوم أبناء لآباء فيهم تشـهدون حقا فتتحققون فالآبـاء من خلالكم على الأرض يوما يتواجدون، وأنتم في السـماء مكانهم تحتلون يوم تتصاعدون، وإلى الأرض لا تتثاقلون، وقبلة الدعـاء لهم تكونون، وإليكم أيديهم بالدعاء يرفعون ويتضرعون، على ما أنتم اليوم تفعلون وإلى الملأ الأعلى لكم تتجهون، فإن ربًّا لكم غير أصولكم أو فروعكم لن يكون، فالأيام يداولها بينكم القانون فيوما تعلون ويوما تخفضون. لا الانخفاض مضيع مكانتكم من الله ولا الارتفاع مخرجكم من وصف الإنسـان في الله والعبد له. فالإنسـان في أحسـن تقويم، والإنسـان في أسـفل سـافلين هو الإنسـان. وهذا ما عناه رسـول الله يوم قال: لو ألقينا بحبل على الأرض السـفلى لوقع على الله، ولو قذف أحدكم بحجر فوق السـموات لتلقفته يد الله. فمن يكون فيما تكونون؟ أغيره كائن أو يكون؟ وما تشـاؤون إلا أن يشـاء الله، والله خلقكم وما تعملون، فما عملكم إلا عمل الله، وما خلقتم ما خلقتم وإن تشـابه الخلق عليكم إلا بقـدرة خالقكم وهو الله. فإذا تدبرتم أمركم فيه لعرفتم أن الإسـلام دينا لكم يوم تدينوه دين رحمة وسـلام… دين سـكينة وقيام… دين فعل واستسـلام… دين حق في حاضر قيام وفي كل قيام… دين القيمة… دين العزة يوم تكون العزة لله… دين السـلام يوم يسـالم النـاس بعضهم بعضا سـلاما مع الله… دين السـكينة يوم تسـكن العقول والنفوس بآلاء الله… دين الحيـاة فلا تـرى شـيئا فوق الله، ولا ترى وجودا دون الله، ولا ترى موجودا غير الله… دين الفناء في الله والبقاء بالله، والتحرر من سـلطان مادة الدنيا بالافتقار إلى الله. أهله يملكون الدنيا، لا يأبهون لها، يبذلونها ظاهرا وباطنا يسـتجلبون بها نفوسـا إلى الله، ويسـتقيمون الدين، لا يأبهون لأنفسـهم وما تعطي وما تملك، بل يرون الأمر كله لله، والأمر كله من الله، يشـهدون لا إلـه إلا الله، ويقومون لا إلـه إلا الله، ويعرجون لا إلـه إلا الله، ويشـهدون الله أكبر، ويقومون الله أكبر. العبد والرب حقان في الله، ووجهان لله، هما للإنسـان في الله…
يعلمون أنهم لله ورسـوله كلمات هم منهم للناس آيات، وأن الناس لديهم منهم لهم كلمات، والناس لديهم منهم لهم آيات، فيعلمون ويعلِّمون ويتعلمون في دوام، فيعلمون أنهم في بيت ربهم ورسـوله والمؤمنين يقيمون، دارا عرضها السـموات والأرض، فيها يسـبحون ومنها يوما يسـرحون، هم في نهارها من اليوم يتجولون، وفي ليلها يسـكنون، وبالله ورسـوله، لعقولهم وقلوبهم، في حيـاتهم ومضاعفة الحيـاة لهم يعيشـون، وبهم يعرجون، ومنها بهم يوما يتطلعون، وبهم في دوام رسـلا يدانون. قلوبهم بيوت قدس عقولهم، وعقولهم نور قدس وجودهم، الله موجودهم، وبيته قلوبهم، ورسـوله نور عقولهم، ومعراج رقيهم، وفيه صحو ضمائرهم، لا يغيبون الله عن حيـاة من حيواتهم، ولا يغيبون الله عن شـهود، ولا يغيبون الله عن قيام. هو قيامهم وقيام من حولهم. هو كل شـيء لهم. وهم ضئيل الشـيء فيه وإن اتسـعت قلوبهم للسـموات والأرض، وهو المالك لكل شـيء، فيه لا يخرج عن ملكيته، ولا يعزب عن علمه، ولا يبتعد عن معانيه. عظمته ظاهرة في كل مثقال حبة من خردل في السـموات أو في الأرض…
يسـعد به المؤمنون به وبرسـوله بقيامه على أنفسـهم. يسـتغفرونه حاضرا إن أسـاؤوا فيغفر لهم وينجيهم من الغم والقلق والحيرة، ويشـكرونه موفِّقا إن أحسـنوا فيجزيهم جنـة الدنيـا يقومونها، وجنة الآخرة يشـهدونها، يناجونه بين الجوانح فيلبيهم بحكمته، ويسـتعينونه في اسـتقامة الجوارح فيقومَهم برحمته، ويصدقونه أقرب إليهم من حبل الوريد فيمنحهم دوام الحيـاة به، ويسـألونه كشـف الغطاء ليشـهدوا السـعادة وتحقيق الرجاء فيكشـف للناس عنهم، ويشـرق بهم شـموس الدلالة عليه…
مسـحاءه يطلبون، ومسـحاءه يؤمنون، وكلماته يسـمعون ويقرأون، وأوادمه الناس أجمعين يقومون يوم يسـتقيمون، ويوم أغلفتهم عن حـق معانيهم يُسـقطون، أوراق خريف يخلعون، لشـجرة حيـاة بها يقومون، وهذا هو فطري الدين يبلغون، وباسـتقامتهم عليه في دولة الحق يجندون، وفي دار الحق هم المواطنون، وعلى الغافلين في عوالم الوجود برحمة هم الأعلون، وبحنان هم السـائدون، وبعلم وباسـتقامة هم السـائقون. دواب الأرض وبهائم الأنعام رسـلا يدانون، ومن أنفسـهم يبعثون، وفي صورهم يظهرون، فالخراف الضالة بعيدا عن طريق الذئاب العاتيـة والآسـاد الطاغية يقودون، وطريق النجـاة بهم يسـلكون. أمة يدعون، وفردا يتواجدون. إن إبراهيم كان أمة على ما تعلمون، والله يدعو كل أناس بإمامهم على ما تقومون، طُغاة كانوا أو هـداة يكونون. فرعون يقدم قومه يوم القيامة، كما أنكم مع كل طاغ تبلسـون. المرء على دين خليلـه فلينظر أيكم من يخالل، والمؤمن مرآة المؤمن، فابحث لك عن مرآة لك من حاضرك، من مجتمعك، من بشـريتك، من عصرك، اسـأل به خبيرا، اتبع عظته، قم معه لله مثنى، تعلم منه ومعه الإيثار على نفسـك، تعلم الغيرية مع أخيك، ومن لنفسـه يرتضيك، ولنفسـك ارتضيت. صاحبه، لا لتكون أنت أنت، وهو هو، ولكن صاحبه لتكون أنت هو، وهو أنت، يوم تكونا واحـدا لا تعدد له، فتعرفون أن الإنسـان المحـدث في جمعه على صورة الإنسـان القديم في اجتماعه، فتعرفون عن الله مع الإنسـان بالإنسـان في أزلي الإنسـان، وتعرفون عن الله مع الإنسـان بالإنسـان في أبدي الإنسـان، فتعلمون ما قدمت أنفسـكم بآبائكم، وما أخـرت أنفسـكم لأبنائكم، فتقومون القديم إلى ما تعلمون من الحـق، يصلح بكم على ما صلحتم بما فيه من صلاحية لكم، وتُعدُون الجديد على ما تعلمون بالحق لينشـأ صالحا بصلاحكم ما صلح لاقتدائكم بصلاحـه لكم، وبذلك إلى معراج الكمال في الله تتجهون، وأحسـن تقويم تنشـدون، وسـلم المعراج تصعدون، أو برسـالة عليـه تهبطون. فإن الله ما فوق معراجكم بعظمته وسـعته، وهو ما تحت مهبطكم برحمته وقربه، هو يد الله من تحتكم لكم مقلة بعوالمه دونكم، ويد الله من فوقكم عليكم مظلة بعوالمه فوقكم، وأمر الله فيكم وبكم يقوم، وعليكم منكم قائم، بعوالمه بكم تتواجد والحق بها يقوم.
إن الأحداث في عالمكم تسـير في خطها المرسـوم، اعملوا كل ميسـر لما خلق له، وإنما الأعمال في داركم بمولدكم الفطري بدءا لوجود لا يعرف أهلها ما لهم من قبل من سـابقة تواجد، سـواء على هذه الأرض، أو على غيرها من سـيارات هذا الوجود الشمسـي. كل مولود في عالمكم هذا يولد على الفطرة، لا يسـأل عن سـوءات قديمه، ولا يتأثر بزلات قادمه، فالله لجديده يكفل، والله لقديمه يغفر، ما اسـتقام هو في قائمه بحاضره مع ربه، وبدأ في إقامة علاقة بينه وبين ربه قائما على كل نفس فكسـب الحيـاة، وفاض على أصله وفرعه وعينه بالحيـاة.
إن فرصة الحيـاة… إن لمحة الحيـاة في أبديها وأزليها، إنما هي لمحة الحيـاة في قيامكم في هذه الحيـاة البدئية، الفطرية، الموقوتة، الضئيلة، المحدودة المعالم، بين مولد وموت، وبين موت ومولد. هذه اللمحـة الزمنية القصيرة الأمـد، هذه السـاعة الوقتية في سـرمدي الحيـاة، يوم تحيـا بها النفس من قلب حي هي فرصـة متاحـة لكل من أتيحت له، وهيئت له أسـبابها بأن يغير بها قديمه، من حيث لا بيت ولا أسـرة له، وأن يكتب بها جديـده متخلصا من قديم تجربته، متعلقا بقائم علمه لبيت لله وأسـرة حيـة بالله، {نون والقلم وما يسـطرون}[٣]، (من صلح أصلحنا له من صلح من آبائه وأزواجه وذرياته)[٤]، {ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل}[٥].
إن عبارات الكتاب الآن عند أهله من كل أمة أصبحت رنينا لا معنى له، ونغما لا وعي له، وحروفا لا روح لها، وأوراقا وألواحا لا حيـاة فيها من يوم أن تركوا الكتاب الحي بإغفالـهم عترة الرسـول بينهم، بهم يبعث ويتكاثر. إن الله يريد أن يذهب بهذه الأمم الزائفة للكتاب والرسـول أو للكتب والرسـل على ما يريدون أن يتصفوا لأنفسـهم، ويأتي بخلق جديد… يأتي بنور جديد… يأتي برسـول جديد… يأتي بأمة من الرسـل في رسـول… يأتي بدين جديد هو حق كل قديم… يأتي بكتاب جديد هو جماع كل الكتب… يأتي بأمة جديدة… يأتي ببشـرية جديدة… يأتي بإنسـانية جديدة، يجدد بها صالح القديم إلى كمال، ويحكم بها على الفاسـد المقيم إلى زوال، يحكم بها على فاسـد الناس المقيمين في هذه الحيـاة الأرضية، رواسـب الماضي وأتربة العصور. إن الناس في جهل من أمرهم لأنهم في غفلة عن أمرهم، فمن اسـتيقظ سـلك بنفسـه بعيدا عن القوارع، فإن قوارع الله قاربت بمزيد، وبأس الله وهو قائم قارب بشـديد، ووطأة الله ونحن تحتها دائما، مصحوبة برحمته، توشـك أن تتكشـف بعدله وسـطوته. ها هي السـماء انشـقت وأذنت لربها وحقت، وها هي الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت. ها هي الرسـالة الروحية تفرض وجودها، وتقيم في الناس شـهودها، وتقدم من الآيات للناس في الآفاق وفي أنفسـهم ما يبين لهم معاني الحق فيهم وفي الوجود. وها هي إرهاصاتها لإجابة ندائها طوعا وكرها في حس المتأمل، بعيدة عن نظر الغافل، والله بها بالغ أمره.
إن الناس في غفلة عن هذا إلا من كشـف عنه غطاؤه، فلا تكونوا من الناس على ما هم الناس في غفلتهم لا يتحركون عن ظلام أنفسـهم. وإن لله في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها، وها أنتم هنا متعرضون لها، وهي متكشـفة لكم، فصدقوا الصادقين وقد صدقوكم، وجانبوا الغافلين مرادهم أن يسـتغفلوكم، ولا تكونوا من الـهالكين ومرادهم أن يهلكوكم. ومن يؤمن بالله ويجعل منه حسـبه، ويكفر بالطاغوت ويجعل منه خصمه، فإنه يستمسـك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، يصل الله ورسـوله، ويصله الله ورسـوله. نسـأل الله أن يرحمنا، وأن يرحم بنا، وأن يغفر لنا، وأن يغفر بنا، وأن يهدِنا، وأن يهدي بنا، وأن تمتد يده إلينا برحمته، ونجدته، وأن يجعل منا أيدي له تمتد برحمته ونجدته. إنه على كل شـيء قدير، وبذلك وبأكثر منه جدير.
اللهم يا من أرسـلت رسـولك في دوام رحمة لنا، وجددته في تجددنا عونا لنا، وأخفيته وأشـهرته بيننا اختبارا لنا، ورحمة منك بنا، وعدلا منك فينا، اللهم عليه فاجمعنا، وبه فارحمنا. اللهم اجعلنا منه لك عبادا لك، واجعله منا لك عبادا لك، لا معبود سـواك، ولا هادي إلا إياك، نشـهدك فيما نشـهد موجودا لا يغيب، وكبيرا لا يحاط به، وعاليا لا يعلى عليه، ومدانيا في مداناته لا يسـبق. يا من أعلمتنا عنك بإعلامنـا عنا يوم قلت لنا أنك القائم على كل نفس بما كسـبت، وأقرب إليها من حبل الوريد ومن ورائها محيط، اللهم اجعلنا الناس بك وجوها ناضرة لربها منظورة ناظرة. اللهم أتبعنا لدين القيمة علينا منك قائما علينا بهم برحمتك وبكرمك، وبآلائك، وبهديك، وبعلمك وبكتابك وحكمتك. اللهم إنا إليك نجأر، ومن ذنوبنا نسـتغفر، وإليك نفتقر. أنت تعلم عنـا ما لا نعلم، وما نعلم. وأنت الأعلم بنا مما نعلم، ومما لا نعلم. أنت تعرف ضعفنا ونحن نشـهده ونقره. اللهم فعافنا من إقامة عدلك على ما وعدت من غلبة رحمتك، واشـملنا برحمتـك على ما بشـرت بهديك، وقنا شـر غضبتك على ما حذرت ببلاغك، وكن لنا في الصغير والكبير من شـأننا، وخذ بنواصينا إلى الخير، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، وانصرنا على أنفسـنا حكاما ومحكومين، وولِ اللهم أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة التوبة - ١٠٥ ↩︎
إشارة إلى حديث شريف ذات صلة ذكره ابن العربي الحاتمي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: “إن الله خلق مائة ألف آدم”. وجاء في بحار الأنوار، من المكتبة الشيعية، عن السيد محمد الباقر: “بلى والله لقد خلق الله تبارك وتعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم.” ↩︎
سورة القلم - ١ ↩︎
استلهاما من {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ.} سورة الرعد – ٢٣. و{رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.} سورة غافر - ٨ ↩︎
سورة فاطر - ٣٧ ↩︎