(١٦)
ال لا هو
من أنا من أنت من هو
حديث الجمعة
٤ ذو القعدة ١٣٨٢ هـ - ٢٩ مارس ١٩٦٣ م
أنا، أنت، هو.
أنا من أنا، أنت من أنت، هو من هو.
أنا، أنت، ال لا هو. أنت، أنا، ال لا هو.
فأنت لأنا ال هو، وأنا لأنت ال هو يوم تكون أنت أنا وأنا أنت في ال لا هو.
إذن هو، ال لا هو، وال لا هو، هو ال هو. الظاهر مرآة الباطن، والظاهر والباطن ال لا هو.
ينشـد الإنسـان من الأزل الفهم في حقيقته، ويطرق إلى هذه الغاية كل سـبيل، فتسـتقيم معه الطريق فترة ما، وتتعثر قدمه في أوحـال الطريق فترة ما. يسـير في الطريق ميسـرة ممهدة مسـافة ما، مع عامل ما، ثم يراها غير ممهدة كثيرة القلاقل والمرتفعات والمنخفضات والأوحال مسـافة ما، يوم يسـير منفردا وبلا دليل ولكنه بهمته وبصفائه وبصدق رغبتـه لا يعوقه شـيء مما يرى من هذه العقبات عن مواصلة المسـير في طريقه إلى غايته، سـواء بمصادقة الدليل من عالمـه أو من عالم غير منظور له، حتى إذا ما سلسـت معه واجتاز هذه العقبات ظن أنه وصل إلى الغاية، وأن الطريق سـتبقى على ما يرى من يسـر، فيضاعف الـهمة، ويتعجل الخطى، فإذا به يرى في الطريق مرحلة أخرى شـبيهة بما سـبق أن رأى واجتاز. {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}[١]، فيعاود الكرة، ويعقد العزيمة، ويواصل المسـير. إن الطريق إلى الحقيقة في الواقع تبدأ من واقع النفس، وواقع النفس متجدد متطور، ولكنها تبدو أنها تبدأ من الغير، ولكن الذي يصح أن يقال إنها تبدأ بالوعي عنها من الغير، أو من العامل فيها سـواء كان هذا العامل من الشـهادة، أو من عــــالم ال لا هو، أو من الغيب أو عالم ال هو.
إذا انعكس الإنسـان إلى نفسـه، وبدأ في التأمل فيها والتحليل لها وصدق في طلبه، وبذل من همته صافي القلب، يقظ العقل، زكي النفس، تكشـف له في نفسـه أن الـهو، ليس غير أناه القائم على إنائه، وأن ما يطلب من معرفة عن الحقيقة لحيـاته، وللوجود من حوله، ليس أمرا مباعدا بنفسـه عن عين معناه، في أعماق نفسـه وكبير نفسـه من حوله، فإذا تكشـف له الدثار أو الغطاء عن نفسـه لرأى نفسـه في حقيقتها منعكسـة على كل ما يرى ويسـمع ويلمس ويشـم ويعقل، ورأي أنها وجها لمن ينشـد وأنها ما كان ينشـد، {فكشـفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}[٢]، {ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسـئا وهو حسـير}[٣]. إن الذي تطلب النفس ويتوق إلى معرفته العقل قائـم على كل نفس، وأقرب إلى كل نفس من حبل الوريد، فلا يطلبه عقلك بعيدا عن نفسـك، فإذا رأى الطالب نفسـه عين مطلوبه، ووقف عند هذا الحد، كان هذا عثرة من عثرات الطريق، وبدأت متاعبها، لأنه بهذا النظر يفرض نفسـه على الآخرين، ويحاول فرض سـلطانه بجديد وعيه، ويحاول بسـط أمره عليهم بفعله، فيصطدم مع الآخرين، وبذلك يعتدي على شـجرة الجنس المقدسـة لأنه فاته أمر بسـيط لا يسـتعصي على العاقل، ولا يبتعد إدراكـه عن المتأمل، إن هذا الذي رأى في نفسـه لنفسـه، يسـتطيع كل من حوله أن يصل إليه… لا… بل الكل فيه، تكشـف له أو لم يتكشـف، وأنه لا بد يوما هو له متكشـف.
فلو أنه أدرك ذلك عقب كشـف أمره له في نفسـه، يوم قال مدركا مؤمنا (أنا هو) وأنا… ال لا هو وهو ال هو، وقدر وأدرك ذلك لمن حوله فتخلص من وهم انفراده بما تكشـف له، وباعـد بينه وبين أن يعلن أنه، هو، أو أنه ال لا هُو، بل حرص على أن يكون لمن حولـه ما هو له، وأحب لإنسـانيته ممن حوله أن يتكشـف لها ما تكشـف له، فقال لكل من يحب، ولكل من يعول، (أنت هُــو، أنت ال لا هو)، فإن صدق في تعليمه بما علم، وإيقاظه بما به اسـتيقظ، وهديه بما به هُدي فاهتدى رائيا الله هاديا به، لاهتدى به مهتدي بتيسـير الله فقال له المهتـدي به (وأنت يا سـيدي هُو، وأنت يا سـيدي ال لا هو) فتواصيا بالحق، وعرفا أن (أنا وأنت)، إنما همـــا ال لا هو وأنهما ظاهر ال هُو فأدركا، وقد قاما وانتشـرا أمة مــن ال لا هو، أن المؤمن مرآة المؤمن، فأصبحا وجهين لله ناضرين بالله وجوها ناضرة لربهـا ناظرة. تنظر الله في كل ما تراه، وتواصوا (أنا، نعم هو، وأنت نعم هو، وأنا وأنت واحـد في الـهو)، بنا هذا الواحد ونحن به تعارف لنا وإلينا ال لا هو، فدخلنا في حصــن (لا إلى هو إلا ال لا هو)، وطلبنا الأكبر، من الـهو ل ال لا هو، لأنا عرفنا أن كل هـو ل ال لا هو، وراءه هو، وال لا هو، وأن أنا وأنت ما نحن إلا هذا الـهو وذاك ال ال لا هو في معارج الحقيقة المطلقة اللانهائية. فإذا ارتد إلينا بصرنا في بصيرتنا، فرأينانا ما حولنا، وتراءينا هُو، وال لا هو في معراج للهو ولـ ال لا هو طلبنا الأكبر لمعنانا فقلنا: وإن كنـا هو، إلا أن لنا هُو، وإن كنا ال لا هو، فإن لنا أكبر من ال لا هو، فعرفنا الله ذي المعارج في معراج أنفسـنا، وعرفناه منعما معطيا، وعطاؤه غير مجذوذ، وعرفنانا في عقيدتنا عنا بأنا لا نهاية لتواجدنا بوصف الخلق، ولا نهاية لتجددنا من تواجدنا بوصف الخلق، إلى تواجد فيه يوما بوصف الحق نظهره، كشـفناه في أنفسـنا لأنفسـنا يوم نظهر بحقي أنفسـنا لخلقي أنفسـنا، وبذلك قدرنا الله حق قدره، وقدرنا أنفسـنا فيمن قدرناه مثالا مرضيا لأنفسـنا حق قدره، نفوسـا فيه ضعيفة صغيرة بعزلتها وقطيعتها، ولكنها به في ذاتها عظيمة كبيرة في صلتها وصلاتها ووصلتها، وجوها له بجلالـها وبهجتها هو لنا وجه الكبير المتعال ربا لنا.
فإذا شـغلتنا أنفسـنا، بمعناها، من معناه، صدقنا أن لا إلـه إلا الله وشـهدنا لا إلـه إلا الله. فإذا أحببناه رسـوله الذي هدانا لهذا، قلنا له وقد أدركنانا (أنت عين معنانا، وأنت سـيدنا ومولانا، وأنت هُو لنا، وأنت ال لا هو عندنا)… فرد تحيتنا بخير منها، وقال (من كان مني وقد عرف، فسـأكون منه وقد شـرف، ولهذا يوما سـيعرف)، فإذا عرفناه لنا ومنا الـهو وال لا هـو، أكبرنا الله عنا، إليه ربا لنا منه لعباد له منا. فلما قال لنا أنا منكم ما رأيتم أنكم مني، وحقق لنا ذلك منا به، أكبرنا الله علينا وعليه، فقلنا يا رسـول الله… إنا معك رفاق، أنت لنا الرفيق الأعلى، أنت لنا الـهو، وال لا هو، والله أكبر في تعاليه، والله أكبر في تدانيه، لا تفارقنا في معراجنا تعاليا وتدانيا، ولا تدعنا نفارقك في معراجك تعاليا وتدانيا، أنت لنا وجه ربك، فاجعل منا بك وجوها له هي وجوه لك انتشـارا لحقه بك.
بذلك عرفنانا عندما أنا بالله بدأنانا، مدركين أن الله هو الحيـاة في معنانا، وأن الله برسـوله نحن منه، هو منه مولانا، وأن الله بعد ذلك لنا هو منا، وفوق ذلك لنا نحن منه، فعرفنا الله في الأكبر لنا منا، وعرفنا الله في أنفسـنا بالأكبر فيما أبدع لنفسـه منا، وعرفنا الله في أنفسـنا إكبارا وتقديرا معجزا لنا يوم عرفناه الأكبر مما صنع منا ومن خلالنا بعثا منا لما كان قبلنا وفوقنا…
عرفنا أن ابن آدم شُـرف بأبيه يوم اجتمع عليه، وشُـرف برب أبيه يوم هو لمعنى أبيه مصطفيه، خلق فسـوى ثم أقرأه كتاب نفسـه يوم بعث منه أباه مرة أخرى أباه الذي أكبر وقدر، ولم تفارقه صفة الإكبار له كلمة لله منه أو كلمة لله عليه فعرفه دون أبيه قديما وقادما، ما رآه لله عبدا ورأى في كلمته له ربا، فإذا تواصل البعث منه لأبٍ لأبيه فتواجد منه فصار هو أبا لأبيه وأبوته فعرف أن الله فيه، وأن الله في أبيه، وآبائه كلمات له يداول الأيام بينها بوظائف لها، ويعطي كلا منها وصف الآخر، فيكون الولد مصطفىً أبا لأبيه يوم يكون الأب منه مبعوثا ابنا لبنيه، يتجدد إنسـانا في سـرمدي معناه وقائم شـجرة إنسـانه لفردوس ذاته وحق حقيقته، لا بدء للإنسـان في الله، ولا انتهاء للإنسـان في الله، خلقا أو حقا. وبذلك كان السـعيد من عرف الله في قيام الحيـاة بمعناها في معناه فكان للأكبر لمعناه، قبلا أو بعدا، عبدا ومولى لا تفارقه صفة العبد له، فحرص على وصف العبد لنفسـه لا يفارقه، يوم عرف أن العبد حق كما أن الرب حق، وأن العبد رب كما أن الرب عبد، وأن الغيب حق غاب عن شـهوده ولم يغب عن وجوده، وأن الظاهر مرآة الباطن حقيقة، وقياما وحسـا، فعرف أن الدين واقع الوجود، وهو في واقع الحيـاة وأحداث الحيـاة ونظم وقوانين الحيـاة على ما هو واقع الحيـاة، وعرف أن محمدا جاء بدين الفطرة حقا، وأن من تابعه كان في دين القيمة ممن جعل الله منهم مصابيح للطريق، وسـفنا للنجاة، عبادا للرحمن يمشـون على الأرض هونا، لا يسـتكبرون، وللطغيان بنفوسـهم زكية لا يستشـرفون، ولها بالكبرياء لا يرضون، وعن الطغاة يبتعدون، ودولتهم لأنفسـهم يحذرون، وعلى أنفسـهم بالحيـاة وعن أن تهلك بشـهوات الدنيا يحرصون، والنار وقد حفت بالشـهوات يحذرون، لا يأبهون لما يعترض طريقهم من عقبات لأن الجنة حفت بالمكاره…
والجنة عندهم هي الصلاة، والصلاة عندهم هي الصلة، والصلة عندهم هي كشـف القناع عن أنفسـهم، وجهنم عندهم هي احتجابهم عن المحبوب، عن المنشـود، عن المطلوب، عن المعروف، عن الموجـود، عن الحي القيوم، في قيام الحيـاة بذواتهم وبأنفسـهم. جهنم عندهم هي احتجابهم عن أنفسـهم بالحيـاة للحي بهم.
هذه هي الطريق، وهذا هو المسـلك إليها والسـلوك فيها، وهذا هو الإيمان بها، والإيمان بها هو الدين، والبحث عنها هو المجاهـدة، والسـير فيها هو الجهاد الأكبر، وهذا هو فقه طلبها، وضرورة المجاهـدة للسـير إليها، وطرق أبوابها، ما عرفنا أننا في دين الإسـلام، في دين الفطرة، في دين الصلة، في دين القيام بالله، يوم نقول قامت الصلاة، فإذا ما قامت الصلاة في قيام الإنسـان بالله، قامت متصلة غير منقطعة، دائمة غير موقوتة {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين}[٤].
أما صلاة المواعين، صلاة المرائين، صلاة المكذبين، صلاة القوالب من الطين، فويل للمصلين الذين لا يزدادون بصلاتهم من الله إلا بعدا، إذ هم يراءُون، إذ يتلون الكتاب وهم لا يعقلون، ولا ما به يعملون ليكونوا بحب عباد الرحمن ومتابعتهم ربانيين، ينسـون أنفسـهم والناس يذكِّرون، وعلى الله باسـم الله يسـتعلون، أنبياء كذبة يقومون، وخطباء فسـقة يحشـرون، وفقهاء ضللة يسـمون، إلا من تاب فرحم، وقليل ما هم.
هذا هو الحق من ربكم بقسـط الحيـاة فيكم، رفعكم فوق بعض درجات في الدنيا والآخرة، قائما على أنفسـكم بنفس في وحدانيته لا يفارقكم، ولو فارقكم لفارقتكم الحيـاة، فهو الحيـاة، وهو أنانيتكم بالحيـاة، فلا تغيبوا الله عن معانيكم، ولا تطلبوه بعيدا عن أوانيكم، واذكروا الله كثيرا يذكركم، واسـترحموه يرحمكم، وهو التواب الرحيم.
اللهم أنا في أنفسـنا طلبناك على ما أمرتنا، وأكبرنا رسـولك على ما هديتنا، فعرفنانا به منك نقـوم مؤمنين، وعرفنـاك به علينا تقوم به مرحومين، فجددتنا به برحمتك وجددته منا بكرمك في نظام فطرتك، فعرفناك به لنا الأكبر والأكبر من قبلنا، والأكبر والأكبر من بعدنا، والأكبر والأكبر من فوقنـا، فعبَّدنا أنفسـنا لك على دوام موحـدين، ودخلنا بك في الحصن الأمين، في حصن لا إلـه إلا الله بك مغفورين، ودخلنا في الله أكبر، برسـولك مرحومين، فقمنا في وحدانيتك عارفين غير منكرين، ولعظمتك ذاكرين، ولرحمتـك شـاكرين، وبحقي عبوديتك قائمين، وللرفيق الأعلى متابعين، ومزيدا من الحقائق طالبين، ولتجديد أثوابنا بالعبودية عاملين غير وانين، لنـورك بك ناشـرين، بك نقوم ونتقلب في السـاجدين، لك ذاكرين وبك شـاكرين. اللهم أحينا لك مسـاكين، وابعثنا فيك مسـاكين، واحشـرنا إليك في زمرة المسـاكين.
اللهم لا تحرمنا دوام معاني العبد لك عارفين، دراكين، مقدرين، مكبرين، داعين عاملين، يقظين موقظين، مغمورين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وولِ اللهم أمورنا خيارنا، في الدنيا والدين، في الأولى والآخرة، واليقين، ولا تولِ أمورنا شـرارنا، ردَّا لأعمالنا علينا، وجزاءً وفاقا بما كسـبنا، اللهم عاملنا برحمتك مقبولين، وبعفوك مغفورين، وعافنا من عدلك مكرَمين، مصطفين.
واجعل اللهم وسـيلتنا إليك عبدك ورسـولك، من جعلته في خدمة الأولين والآخرين، لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين… فلا تزغ قلوبنا عن الطريق المسـتقيم، ولا تردنا إلى الضالين الغاوين برحمتك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
أضواء على الطريق
(أريدكم أن تعلموا جميعا أنني أشـعر بدَيني للروح الأعظم كلما مضت السـنون واسـتوثقت بيننا أواصر الحب الأخوي، إذ أعطاني شـرف خدمتكم وسـاعدني على كسـب مودة قلوب المحبين الذين يعرفوني، لا كما أكون، وإنما يسـتمعون إليَّ وأنا أحدثهم في كل أسـبوع، هؤلاء الذين يحترمونني لأنهم يعتقدون ويثقون فيّ.
إني فخور بحبكم وثقتكم. أجاهد دائما لكي لا أقول شـيئا أو أعمل شـيئا قد يفسـد بأي حال مودتكم العظيمة لي التي أعرف أنها تنبع من قلوبكم.
إني أبتهج لأن أعمالكم قد جاءت بثمر كثير. إني أبتهج لأن كثيرين جدا قد وجدوا ضوء الحق بناء على العمل القليل الذي أنجزناه. إني أُسـر لأن الجهل قد غُلب على أمره، واضطرت الخرافة للاندحار. إني أُسـر إذ أصبحت لكم قلوب قوية في المعركة العظيمة التي راهنا عليها دائما، ولأنكم لم تفشلوا. وقد أصبحتم في وضع الاحترام عند من تفتحت آذانهم لسـماعكم، وآمل أن أتمكن بمسـاعدتكم من نشـر الرسـالة وأداء عمل الذين أرسـلوني. لقد لعبتم دوركم في ولاء، ولم تخونوا الأمانـة العظيمة التي ألقيت عليكم. إنا نسـير للنصر قدما. إني أُسـر لخدمتكم فإني أرى بعين التواضع نجاح مهمتي معكوسـا في أعمالكم).
من هدي السـيد (سلفربرش)