(١٥)

كلمة الله الأزلية
لبشرية الأرض والسماء ولبشرية السماء والأرض
تنشق عنها الأرض للسماء والأرض وتنشق عنها السماء للأرض والسماء

حديث الجمعة

٢٦ شوال ١٣٨٢ هـ - ٢٢ مارس ١٩٦٣ م

أعوذ بالله من ظلام نفسـي، ومن ظلام النفوس من حولي، وأسـتعينه بروح الحيـاة أقرب إلي وإلى من حولي من حبل الوريد، وأسـترحمه بذات رحمته رسـولا للعالمين، منه إليه في نفسـه فينا وبيننا، به لنا هو الراحم، وبه لنا هو المحيي برحمته، وهو الذي به أحيـا أشـياءنا وقد جعل كل شـيء حيـا من فيض رحمته.

أُوحده وهو الواحد، وأسـتعينه وهو المعين، وأسـترحمه وهو الرحيم، وأشـهد أنه لا إلـه إلا هو، وهو المعروف، وأنزهه عن كل شـيء، وهو في كل شـيء الموصوف. إليه من كان منه، ومنه من كان بوجوده عنه…

ترددت فيه كلمة الله الأزلية بين السـماء والأرض في وحدة موجوده من مطلق وجوده، كملت في السـماء فعادت إلى الأرض، وكملت من الأرض فعادت إلى السـماء. لها في الأرض كمالـها، ولها في السـماء كمالـها، ولها إلى ما فوق السـماء وما دون الثرى مآلـها، فإلى الأرض رجـوعها ورجعها تصاعدا مما دون الثرى، أو تدانيا من السـماء ذات الرجع إلى الأرض ذات الصدع، فمن الأرض تصاعدها ومن السـماء تدانيها، فهو في الأرض إلـه بكلماته، وهو في السـماء إلـه بكلماته، ولله غيب السـماوات والأرض، وله ملك السـماوات والأرض.

هو في الأرض موصوف الإنسـان، وهو في السـماء معروف الإنسـان. إن ناشـئة الليل أشـد وطأً وأقوم قيلا فيها الخلافة عن شـديد القوى والنبوة للتعريف عنه. إن ناشـئة النهار لناشـئة الليل تفريعًا عنها، ولها في النهار سـبح طويل، ومن امتداد للسـبيل تأتي ناشـئة النهار إلى الأرض فتنقصها من أطرافها مخلصة لأهلها من ظلام أنفسـهم، لا يتثاقلون إلى الأرض، يتراحمون لا يتظالمون، وصفات أهل الأرض يفارقون فيرحمهم أهل السـماء، ويتخذون منهم وجوها لهم فيصطفيهم الملأ الأعلى وجوها فيه، ويختارهم لنفسـه، ثم يردهم من سـمائهم ذات الرجع، ليسـتخلصوا من الأرض من يرحم الله من أهل الصدع نُموَّا لشـجرتهم، واسـتكمالا لحضرتهم، وانتشـارا لرحمتهم.

هكذا دواليك، تواجد محمد في عالم النور، ثم أرجعته السـماء إلى عالم الأرض. تواجد في عالم النور صعودا من عالم الأرض أوادم خلق الله، وأرجعته السـماء إلى عالم الأرض، مدانيا، حقا رحيما راحـما، أُوتي كتابه بيمينه، علم ما قدمت نفسـه وأخرت، علم ما به اتصفت، وفي أي العوالم تواجـدت، ومن أي العوالم تخلصت، وبأي العوالم التصقت، مغفورا ذنبه، مقبولا فعله، مرضية ذاته، مقبولة صفاته، تماما لكلمات الله بيوتا يذكر فيها اسـم كمل به الدين كلما تواجد، وتواجد به اليقين كلما بعث في مبعوث به، ونصب به المعراج، واسـتقامت به الطريق، وتوفر به لطالبه الرفيق. به عَرَفَ الإنسـان معنى الرب له، ومعنى الإلـه عليه، كما عرف شـرَفَ العبد لمعناه، وشـرف الانتسـاب لمولاه.

نشـأ الناس من الأرض، فنشـأ معهم في ظاهره من أنفسـهم، وفي باطنهم من نفسـه على كمال فيه، وتجـدد معهم رحمة الله في كل تجدد لهم، رفيق من رحمته لكلي معناهم بقيام معناه، آدم كل زمان، ولبنات كل بيت مرفوع أو موضوع للبنيان، ومصابيح كل ظلام للبيان والعنوان، وأوتاد كل عصر، ووجه كل ذكر، ويد كل أمر، وحوض كل ورود، وظلل الغمام تسـاق إلى أرض ميت فتحيي الأرض وتنبت الزرع، بسـتان الحيـاة للناس كافة، وجنة المأوى للمؤمنين بالله ورسـله عامة، عرش الله المظل وكرسـيه المقل، وماء الفلاة، وسـفن الخلاص والنجاة، كلما تقلب بالسـجود في سـاجد قامت رسـالة، وكلما تقلب بالوجود في موجود قامت حيـاة.

إن عبد الله ورسـوله شـهيدا لله علينا ورحمته لنا، هو لنا من الله وملائكته ورسـله كل شـيء منهم ظاهرا لباطن، إنسـانية كاملة كلما تجمع الناس حول إنسـانهم وجها مشـهودا، وبيتا مقصودا لرب معبود، ولمدانٍ من الحق مسـتوٍ إلى الأرض من كلمة تمت لله، أرجعتها السـماء من الآباء فانشـقت عنها الأرض من الأمهات رسـولا من أنفسـهم، ملكوت الأرض، حضرة القدس بالأرض، حق الله في أرض الله، ظاهر لباطن لملكوت الملأ الأعلى، تجمع فيه عباد لله حول قبلة منهم لبيت مرفوع بهم من قديم تواجدهم، هم لبناته هو لهم مصاحب، وفيهم متواجـد، ولهم معروف، وبمعناهم عندهم موصوف، ملكوتا أعلى انشـق عن بيت موضوع، هو الحق من الملكوت الأدنى هو له ظاهر لباطن، كان بذلك الحق من الله لأهل الأرض، هو لهم فيهم وبينهم وجودا، وهو لهم بينهم غيبا مقصودا، فكان لأهل السـماء به أمرا جديدا في أنفسـهم، وجوها له لوجه بينهم موجودا هو في الوقت نفسـه غيبا منشـودا، فطلبوا من الله في أنفسـهم مزيدا، وبذلك طلبه الملأ الأعلى، في معانيهم تترقى، وبه تتوفى، ومنه تقوم، وإليه في الأدنى تداني، وله إلى الأعلى تعرج.

بذلك اسـتقام في الملأ الأعلى أمره إذ في أنفسـهم عرفوه، واتصفوه، وعرَّفوه، كما أنهم بجديد لأنفسـهم طلبوه بمزيد منه يقوموه، وبجديد لهم يعرفهم ويُعرف عندهم يسـتزيدوه. وكذلك المـلأ الأدنى، ما عرفه، وما قامه، وما وحده، إلا يوم تخلق بأخلاق ربه من الملأ الأعلى، فطلبه فيمن دونه قبل أن يطلبه فيمن يعلوه، ووصفه فيمن حوله قبل أن يصفه متواجدا به، ومتواجدا فيه.

بذلك اسـتقام أمر الملأ الأعلى يوم عرفوهم في وحدانيتهم مع وجه وحدانيته بينهم. وكذلك اسـتقام أمر الملأ الأدنى يوم عرفوه بوحدانيته وجوها له يشـهدونه في وجهه الخاص الجامع لهم وجوها له. عرفوه الرسـول في أنفسـهم بعد أن عرفوهم القائم على كل نفس بما كسـبت. آمنـوه بوحدانيته في وحدانيتهم به ووحدانيتهم فيه ثم ازدادوا علما عنه، وعلموه الأكبر المنشـود يوم علموهم في أنفسـهم الحمد الموعود، والرسـول المعروف، والوجه الموصوف، والحق المتصف. علموه القائم على كل نفس ومن ورائها محيط، ثم علموا الرسـول أولى بالمؤمنين به وبربه من أنفسـهم، وعلموا أن الذي فيهم مرحومين إنما هو رسـول رحمته الأمين، فطلبوه في مقامـه الأكبر يوم قالوا الله أكبر، وعَلموُهم منه وفيه يوم قالوا معه لا إله إلا الله فقدروا نعمة الله وآلاءه عليهم به، فشـهدوه محمدا رسـول الله، فلبوا نداءه وتلقوا جزاءه كفلين من رحمته، فقالوا لبيك اللهم لبيك، فرد تلبيتهم على ما علَّمهم وعَلِمَهم فقال لهم لبيك اللهم لبيك، فلباهم كما لبوه، وأجـابهم كما أجابوه، وقال لهم كما قيل له من ربه لا فرق بيني وبينكم، ما أعطيتـه فلكم، أنا أمتي، وأمتي أنا، أمتي لي كل ما لي من ربي، وأنا لها كل ما لها من ربي وربها، فعلم الناس أنهم إن كانوا في الملأ الأعلى أو إن كانوا في الملأ الأدنى، إن كانوا في السـموات وما فوقها أو كانوا في الأرض وما تحتها وما دونها، فإنما يتعارف العباد بجمعهم للعباد بفردهم عباد الرحمن الذين يمشـون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما، والذين يعرفون في الملأ الأعلى لأهله دوما حيث لا لاغيةً ولا كذابا، ولكن جزاءً حسـابا، ووفاءً ومآبا.

عباد الرحمن، في الأرض ونارها أو في السـماوات وجنانها، هم عباد الرحمن، وهم وجوه الإحسـان، وهم حقائق الحق الديان. إذا أدرك الناس ذلك أدركوا قول الرحمن: إن كل من في السماوات، وإن كل من في الأرض، إلا آتي الرحمن، رسولا من أنفسـهم، عبـدا من بينهم، إليه يتعارفون، وفيه يتواجدون، وإليه ينسـبون، وجودا في الله، وتعارفا إلى الله، وانتسـابا إلى الله، وقيـاما في الله، يوم يكشـف عنهم الغطاء ويرتد بصرهم إليهم فيعلموهم، ويعلموهم أن فيهم رسـول الله يوم تنالهم رحمة الرحمن الرحيم، ويوم يرجمون بإدراكهم وعقولهم مادي أوزارهم من وجـودهم في جلبـاب أرضهم، فيرجمون الشـيطان الرجيم، ويقتلون أنفسـهم فيحيونها بقتلها، ويمتطونها بوصفها مطايا معانيهم ظهرا يركبون، به في الطريق يسـيرون، وأشـواطا يقطعون، وقائم الحق عليهم يقومون، ولمعانيهم من الحق له يعبِّدون، فهو مُلكهم يوم يملكون، وأنفسـهم به يطورون، فبربهم وقد صاروا وجوها له بوصف الرب والعبد يسـعدون، وإلى عليين بيوتا يذكر فيها اسـمه يتصاعدون، ثم بعلياء معانيهم إلى الأرض رسـلا يرجعون، وبيوتا يذكر فيها اسـمه يوضعون، وبما علموا ينبئون، فكتبهم بأيديهم بين الناس يقرأون وينشـرون، وهم برحمة الله يعلمون ويعملون، ففردوس أنفسـهم يتواجدون، يجزون الغرفة بما كانوا يصبرون، ويقودون القطيع من بهيمة الأنعـام إلى سـاحة الحيـاة، وأحواض الحيـاة لدواب الأرض يوردون، كما وردوا وأوردوا في سـبق قديم له يتذكرون، لا يمنون، ولا يسـتعلون، وعلى أنفسـهم وذواتهم وجودا ينكرون، وإلى ربهم مسـحاء ينسـبون، وكلمات لله يدعون، فإذا ظهروا ظهورا عبادا له يذكرون، وأمورا منه يقومون، ووجوها له يعرفون.

بهذا جاء محمد، وكم به من قبل جاء، وبهذا جاء محمد، وكم من بعده في القوم جاء، فهل عرفه الناس وجعلوا منه لأنفسـهم من عذاب الله الوجاء؟ به جاء الحق كلما جاء الحق، وبه زهق الباطل كلما أزهق في الناس باطل، وبه رُحم الناس كلما رُحم الناس، وعلى صخرته آمن الناس كلما آمن الناس، وله كفر الناس كلما به كفر الناس.

عبد الله… رسـول الله… وجه الله… حوض الله… حق الله… بحر الحيـاة… طريق النجاة… هذا من عرفناه رسـول الله، وذكـرناه محمد الله، واتصفناه عبد الله، وحييناه وحييناه نور الله، وتابعناه روح الله، وتتبعنا أثره سـبيل الله، وشـهدناه في لا إلـه إلا الله، وفي محمد رسـول الله.

اللهم يا من بمحمد أحييتنا أتمم لنا نورنا، وأتمم لنا حيـاتنا، وأتمم لنا خلاصنا، وأتمم لنا رحمتنا، وأتمم لنا معرفتنا، وأتمم لنا حكمتنا.

اللهم يا من أرسـلت محمدا في العالمين رحمة للعالمين، اللهم قلبنا إليه سـاجدين، وأوصلنا به عابدين، وحققنا به ذاكـرين، وقومنا به راجعين يا أرحم الراحمين، اللهم خذ بنواصينا به إلى الخير، قوم به جوارحـنا، وزكي به نفوسـنا، وحرر به عقولنا، وأعتق به رقابنا من النار، واحملنا على سـفين ركبـه، وعلى جناح رحمته، واجعل اللهم به خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، وولِ به اللهم أمورنا خيارنا، ولا تولِ بغفلتنا عنه أمورنا شـرارنا، وعاملنا به بعفوك ورحمتك، وأقلنا به من عدلك وغضبتك. اللهم أنزل سـكينتك منه على قلوبنا، والسـلم به والسـلام على أرضنا، وبه ارحمنا، وبه تولَنا، وعنه أرضنا، وعنا فارضه، وكن به لنا رضوانا منك أكبر، منا عليه، ومنك إليه، ومنه علينا. لا إلـه إلا الله لا شـريك له محمد رسـول الله عبده، وأمة عباده، واحد لا تعدد له.

أضواء على الطريق

(ولو أننا نتوقف فترة قصيرة عن الحديث إلا أننا سـنكون معكم صامتين، ومنكم قريبين، لنعطيكم الإلـهام والقوة والإرشـاد الذي في مقدورنا، إذا ما دخلت نفوسـكم في ذاتها، وتركتم خلفكم الذبذبات غير المتوافقة من العالم المادي. ونفوسـكم هي منازلكم الحقيقية التي لا تدخلونها في الواقع وللأسـف إلا لفترات قصيرة فيها نلتقي لنتذوق سـويا بعض المباهج التي سـتصبح في يوم ما تجربتكم الدائمة.

أترككم الآن بقلب مثقل قليلا وبعقل يداعبه الرجاء. سـوف أذهب لإنعاش نفسـي من ينبوع كل الطاقة الروحية ولأحصل على إلـهام جديد من علٍ، حتى إذا امتلأت بالقوة الحيوية عدت لأكون أقدر على الخدمـة، وآتي بمزيد لكم من فيض الروح الأعظم اللانهائي. إني آخذ معي كل حب قلوبكم، وكل رغباتكم الصالحة التي أعرفها. تذرعوا دائما بالأمل والشـجاعة ففي أحلك الليالي ما زال ينشـق طريق لبهاء الفجر الذي يبشـر بالشـمس المشـرقة.

وليبارككم الروح الأعظم وينعم عليكم بالشـآبيب الغزيرة من حبه اللانهائي، ولتشـع روحه خلال كل أرواحكم، ولتشـرق منتصرة في حيـاتكم التي تحيون. إني أترك ظلام عالمكم وأحيا ضوء الملأ الأعلى).

من هدي السـيد (سـلفربرش)