(١٤)
عَربي
من كان وجها لي
قل جاء الحق
حديث الجمعة
١٩ شوال ١٣٨٢ هـ - ١٥ مارس ١٩٦٣ م
الحمد لله، لا تحصى نعمه، ولا تنقضي آلاؤه.
الحمد لله، لا تغيب صلته، ولا ينقضي قربه.
الحمد لله، الذي لا جديد فيه، ولا شـريك له.
الحمد لله، الذي لا يغيب حقه، ولا ينقضي عن التواجد في الأرض عبده.
الحمد لله، الذي تتواصل رسـالته، ولا ينقضي عن عباده هديه، ولا تغيب عن عاقل حكمته.
الحمد لله، الذي هو لا إلـه إلا الله، والله أكبر.
الحمد لله، الذي تتمثل في ذات الحيـاة ذاته، وفي اسـتقامة الحيـاة صفاته.
الحمد لله، الذي هو روح الحيـاة، وروح القيومية على الحيـاة، وروح لانهائي الحيـاة. يظهر للروح بالروح الأعظم، ويظهر للذات بالذات الأقدس والأقوم والأكرم.
الحمد لله، الذي جعل من الإنسـان مظهره، وحمل الإنسـان إلى الإنسـان خبره، وجعل من الإنسـان للإنسـان ذكره، وأقام بالإنسـان على الإنسـان أمره.
الحمد لله، الذي هو قوام العبد، قبل أن يكون قوام الرب، وقبل أن يعرف لهما بهما بالإلـه.
الحمد لله، الذي هو العبادة، والعبد والمعبود، والذي هو الشـهادة، والمشـاهد، والمشـهود.
الحمد لله، الذي هو كل شـيء لمن عناه والذي هو كل شـيء لمن تولاه.
الحمد لله، محمودا من نفسـه، لنفسـه، بنفسـه، في نفسـه، في الإنسـان.
نشـهد أن لا إلـه إلا الله، على ما شـهدها عبده ورسـوله، ونشـهد أن الله أكبر على ما عرفها كل عارف به، وكل حق منه، وكل أمر له.
عباد الله… كونوا عبادا لله بتجديد سـفينة أنفسـكم بالصلاة، وكونوا من المصلين بصلتكم بالمصلين، وكونوا من العابدين بوصلتكم بالعابدين، وكونوا من الأحيـاء بقيامكم بالأحيـاء في الحي القيوم، في المنفرد بالحيـاة، ومفيضها على الأحيـاء ممن اسـتحيوه، وقد طلبوه على ما طلبهم، ونادوه وقد ناداهم، فوجدوه فيما أوجدهم، فعرفوه بمعرفتهم لأنفسـهم منه، له وجوه، وبه عباد، وبخدمتهم وإيثارهم، لبيوتهم أرباب عرفوهم قلوبهم حية به فعرفوه، حيـاتهم اهتدوه واقتدوه، عقولهم نوره، فأشـعلوا جذوة الحيـاة شموسـا لها، ومصابيح وجود.
نفوسـهم شـرفوه عبادا له يوم عرفوهم مكانه وزمانه، وعينه وعنوانه.
وحدوه فتوحدهم، وعشـقوه فأشـهدهم، وشـهوده كانوه فأشـهدوه، فكانوا به الإنسـان، العنوان، العالم، المكان، الدهر والزمان.
ينشـغل الإنسـان بدنياه من نفسـه في دناه عن دينه ومعناه، يتوهم الإحسـان وهو الغافل عن العنوان، في معناه، في مبناه، في مسـراه، في أطواره ومرتقاه. كيف يبدأ الإصلاح ممن لم يصلح؟ وكيف يبدأ فلاح ممن لم يُفلح؟ وكيف تبدأ حيـاة ممن لم يحيا؟
إن أول العابدين، إن أول الحق، إن أول الخالق في صوره الخلق، إن أول الخلق من دائم الخالق، في معناه الأزلي وجديده الأبدي، كان لنا فيما نعلم العبد العربي، كان النبي العربي، كان الرسـول العربي، كان الأمين العربي، أنانية من عرا به عبدا له، وقائم الحق فيه وجها له، كان للناس به رسـولا منه وقدوة لهم أول عنوان لأزلي عنوان للإنسـان قام للناس، وكان أبدي عنوان لمن أحسـن ووعى ما تلقى من البيان. كان أشـرف بنيان لمظهر إنسـان. كان نُصب الإيمان، وذات الإحسـان، آدم أوادمه، وأصل معالمـه، وأول مرائيه، وبداية مبانيه، وبدء تكاثره، وجماع تناثره. كان الأصل للظلال والأرض للجبال، وكان البحر للأنهار، وكان النهر للجداول، وكان الحوض للكؤوس. كان الدين، كان عنوان الحق وعنوان اليقين، وُعِدنا به لا يغيب، وعُرِّفنا به لا ينقطع، عرفناه المعاد ممن فرض عليه الكتاب، عرفناه المكلف ليتلوه على مكث، عرفناه المجاهِد لا عوج له ليبينه في دوام قيام. لسـانه عن البيان لا يتوقف بحار كلامه، ويده للناس تمتد أمة إعلامه، ووجهه عنهم لا يغرب شـمس قيامه. يصبر نفسـه متكاثرا، متجددا في نفوس قومه، وما قومه إلا الناس جميعا، لا تعدو عيناه عن من يطلب وجه الله، ينزل الروح من أمره على من يشـاء من نفسـه عبادا لمولاه وربه عين ذاته ومعناه، ربا لا يدين وعبدا لا يتعالى، ويد نجدة لا تحجم، ونظرة رحمة لا تضيق ولا تبخل، وماء حيـاة متدفق لا يتوقف. ذلك من عرفناه ابن عبد الله، وهو عين عبد الله وابن عبد الله حقا، وعبد عباد الله، ورب عباد الله، من شـرفت العبودية لله بشـرفه، بوصف العبد له، من شـرفت الربوبية برحمـة الله في شـرفه رحمة للعالمين. جعل السـيادة للإنسـان يوم يسـود الإنسـانُ الإنسـان على نفسـه، ويوم يجعله في خدمة الناس من الإنسـان، وقد خفض جناح الذل لهم وهو العزيز بعزة ربه، وبعزة عطائه، وبعزة المؤمنين به لتتسـع رحمة الله لهم، ولتعم رحمة الله به وبهم.
إن كان للعرب شـرف، فبمن عرا بالحق عربيا، ومن نطق بالـهدي هديا عربيا، ومن جمع لبنات الحـق من الإنسـان أمة عربية، ومن أبرز أمر الله فائتمر الناس بأمر الله، أمة بدأها أمة عربية…
فشـرف العربي فردا بشـرفه، وشـرفت الأمة العربية جمعا بالاجتماع عليه، والصلة به، والذكر له، والتواصي بالحق معه، وشـرفت البشـرية يوم امتد فيها شـرف متابعته، وشـرف مصاحبته، لا شـرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، فتكشـف أمر الله فيمن جانبه، وقضاؤه فيمن عاتبه…
فَعَلَت كلمة الله به، وعلا أمر الله بكلمته، وانتشـرت رحمة الله بشـعبه المختار بأمته، وزويت له الأرض فعمت رحمتـه، واجتمعت على الحكمة أمته فكان هو الناس جميعا، بحقيته احترقت شـمس ذاته لتشـعل مصابيح قلوبهم في مشـكاة صدورهم، باخعا نفسـه على آثارهم، مسـتعينا بربـه وبهدي السـابقين عليه من إنسـان قديمه، به وبهم اقتدى، وباقتدائه أبرز نفسـه قدوة للعالمين، وشـرفا لدين القيمة من المؤمنين ممن يقيم الله، وممن يهدي بهم الله، وممن يفعل بهم الله، فكان عباد الرحمن يمشـون على الأرض هونا، وفي كل مكان لا مكان لهم، وفي كل زمان لا زمان لهم، بدور تناثره، وعناوين تكاثره، ومعايير نوره، وأحواض سـكينة بشـريته.
بنور الله له أُنزل معه أصبح الناس جميعا وقد تجددت الحيـاة به رحمة للعالمين، وأصبح الناس به شـموس الدلالة عليه من كانت لهم دلالة بشمسـه على شـمس سـبقه في إنسـانية حقه، عنوان ربه، وعبد إلـهه، ورفيق نوره، وأخوة روحه، ومظهر الأعظم من روح الله له، علما على لانهائي روح الحيـاة، من جعل من الإنسـان بما أقامه ربه، وبما شـرَّفه إلـهه، وبما عنونه من روح الحيـاة المطلق بوصف الوجه له، كائنا يعتز بوصف العبد له عن وصف الرب لمعناه، وعن وصف الإلـه لحكمته وكنزيته إنكارا لذاته وقياما لصفاته.
جعله الله للناس ورضيه للناس يوم ارتضاه لنفسـه، وارتضى به الناس لنفسـه، يقوم ويتقلب في السـاجدين.
منه تبدأ الحيـاة، ومنه يبدأ الصلاح، ومنه يبدأ الخير، ومنه يبدأ الروح، ومنه يبدأ الفلاح، {محمد رسـول الله والذين معه أشـداء على الكفار رحماء بينهم}[١]، لا يتوقف فعله بجديد، ولا يتوقف جديده عن الظهور بمزيد، ولا يتوقف مزيده عن البشـرى بمرجو مأمول. كان سـنة الحيـاة، وقانون الحيـاة، ومظهر الحيـاة، وقائم الحيـاة، وقيوم الحيـاة، قل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. إن الباطل في دوام يزهق ويُزهق، وإن الحق في دوام يقوم، ويتجدد، ويأتي. يأتي بقيامه، ويظهر بسـلامه، ويعرف في أعلامه.
ها هو الرسـول على ما وعد، وها هي السـماء على ما بشـرت ودعت، ها هي السـماء برجعها، وها هي الأرض بصدعها، ها هي السـماء تنشـق بجديد، وها هي الأرض تنشـق من الجنس بوليـد، ها هي الأرض في المخاض، وها هم الناس يتخلون عن العناد، ويتجمعون في طلب الوداد اسـتنهاضا للإيمان، وبعثا للإحسـان، وإعدادا للجهاد، وقياما للرشـاد، وذكرا لله بأمسـهم ما أَمنوه، وفي يومهم ما ذكروه، ولغدهم ما رجوه، ولكنه لأمسـهم قام غفورا وغفر، ولحاضرهم قيوما رعى وذكـر، ولقابلهم عزيزا حكيما تولى، ولنفسـه شـكر، وقد اعتزم بهم أمرا، وأراد بهم إرادة. وجعلهم عنده أحرارا وأهل سـيادة بمن عرا بينهم بالحق عربيا، حرا ربانيا، رسـولا رحيما رحمانيا، جعل الله قدرته في قدرته شـديد القوى، وجعل قيادته في حكمته مسـدد الخطى، وجعل تطوير خلقه في متابعته رحمة للعالمين، وجعل إبراز حكمته في إظهاره برشـاده، وسـلامه في قياده.
رسـول الله… ها نحن نرى، ها نحن نشـهد، ها نحن نقر أن كل ما ينالنا من الخير، إنما هو من فيض يديك، وأن كل ما ينالنا من الحيـاة، إنما هو من فيض عينيك، وأن كل ما نوفق إليه إلى اجتماع واسـتلال لسـخيمة، إنما هو من فعل نفسـك بيننا، ومن قيامك علينا، ومن رضائك بنا على عيوبنـا، لا تدين ولا تسـأل، ولا تعتب ولا تسـأم، لا تخاصم ولا تقصم، تحب ولا تكره، عن الفعل لا تتوقف، تجمعنا بيديك، وتحيينا بإرادتك، وتسـتل من قلوبنا سـخائمها بقدرتك…
عبد الله وشـرف العبد له، رسـول الله وبيان القيام به، نور الله للسـموات والأرض، قبضة نوره من مطلقه لا يحـد، بك قدرناه، وبك وحدناه، وبك عرفناه، وبك في أنفسـنا شـهدناه، وبك ذكرناه، وبك عبدناه فكناه بلا إلـه إلا الله.
رسـول الله… إن مزيدا ننتظر، وإن كبيرا من الأمل لنا نراه يتحقق، في واسـع من الرجاء نترقب، وأنت لذلك رسـول الله أهل وعليه قادر بوصلتك بربك، وبمحبة إلـهك…
إنا إذ نذكرك إنما نذكر الله، لا يتعدد. إنا إذ نذكرك نذكر ربنا قديما قائمًا في جديدنا وقديمنا لا يتجدد. إنا إذ نذكرك نذكر عبوديتنا بقيام معناك عبدا لمولاك، لا نتعدد معك، ولا تتعدد مع ربك، ولا يتعدد ربك مع ربه، ومهما طالت بنا العنعنة فلا تعدد للأرباب مع الله، ولا للآلـهة مع الإلـه. إنهم حقائقه وأقداسـه ووجوهه. إنهم أياديه ورسـله. إنهم رحمته وعباده. إنهم روحه، ونوره، ووجوده، وعلمه، وعوالمه، ورشـاده.
بك عرفنا أنفسـنا، فعرفنا الله لا إلـه إلا الله، وبالله عرفنا أنفسـنا، فعرفناك ربا لنا، وعرفنا الله أكبر، يجمعنا عبادا له، يا شـرف عبوديتنا وشـرف العبودية لله، يا آلاء الله على اجتماع وعلى غير انقضاء، يا رحمة الله تعم البقاع، وتملأ الأسـماع، وتصل بلطيفها الأنظار، وتمتد في الذوات، وتقوم الجوارح، وتحيي القلوب، وتحرر العقول، وتزكي النفوس، يا من هو كل شـيء لنا، ويا من جعل منا كل شـيء له…
اللهم حقق له فينا ما يرجو، وحقق لنا به ما نرجو، فأشـهدنا به أن لا إلـه إلا الله، وأشـهدنا بك محمدا رسـول الله.
عباد الله… اتقوا الله، واعلموه معكم، فانعكسـوا في نفوسـكم لتلاقوه، فينعكس وجهه منكم على كل ما تشـهدوه، وعلى كل ما تسـمعوه، وعلى كل ما تلمسـوه، وعلى كل ما تشـموه، وعلى كل ما تعقلوه.
عباد الله… إن جديدا لقديم من الرحمة، وجديدا لقديم من الحكمة، وجديدا لقديم من الأمر، وجديدا لقديم من رسـالة الله، وجديدا لقديم من رسـول الله، يوشـك أن يبزغ شـمس شـهوده، وطلعة وجوده، ويد قدرته. ها هي الأحداث ترهص له، ها هي الأرض توشـك أن تتمتع بسـلام، وهـا هو الإنسـان عليها يوشـك أن يتواجد بقيام، فيشـهد الإنسـان فيه الحق في نفسـه، ويجد من أوجده في وجوده. ها هو دين الفطرة يتجدد بكم على أرضكم مرة أخرى، وقد كان غريبا عليكم. ها هو يتواجد حبيبا إليكم، فهلا في الله هممتم، ولقبلة الصلاة اسـتقبلتم، ولصفـاء القلوب والنفوس أعيانكم هيأتم، ولتحرر العقول في انطلاقة إلى المعقول، بقيام العقول، اسـتعددتم! ها نحن في ليل من قيام، قارب فجرا لسـلام، نحلم فيه بضحى يوم مشـمس، وشـمس مشـرقة، وحق أبلج مبلج، برسـول الله، بعبد الله، بوجه الحق من الله.
تهيؤوا لهذا اليوم راغبين، من الفصل فيه واجفين، يوم تأتي آيات ربك لا ينفع نفس إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسـبت في إيمانها خيرا. توادوا، تحـابوا، اجعلوا من وجوه المؤمنين بينكم مرايا لوجوهكم، اطلبوا الحكمـة من أي مصدر ظهرت، ومن أي نبع قامت، من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال، يحكم الناس فيه على أنفسـهم بالكفر أو بالرشـاد، بالإيمان أو بالعناد، ثم يُنظَرون، ولا حق لهم في التخلص مما تكشـف لهم عنهم إلا في جولة أخرى، بعيد ميعادها، مديد يومها، قاس ليلها. ها أنتم والحق أبلج بروح الله بينكم فما حرصتم على الحرص عليه، وما تكنزتم بالإيمان في أنفسـكم عن امتداد يد البطش إليكم، إن بطش ربك لشـديد، إنه هو الذي يبدئ ويعيد، وكم بدأ وكم أعاد بالحكمة وبالرشـاد، والناس في غفلة بعناد. ها هو يجدد أمره، وتجدد السـماء خبره، ولكن ما زال الناس في عنادهم، وما زالت عقولهم في قصورها، وما زالت نفوسـهم في التوائها. نسـأل الله الرحمة لنا ولهم، والعفو لنا ولهم، والمغفرة لنا ولهم، والـهداية لنا ولهم، والرشـاد لنا ولهم، والرحمة لنا ولهم، إنه بذلك جدير وعليه قدير، وله يرتضي، ولنا مجيب بوسـيلتنا إليه بعبده ورسـوله، من عرفناه محمدا، وآمناه الحق رشـادا وحكمة، لا إلـه إلا الله، ولا معبود سـواه.
أضواء على الطريق
(نحن أمام وقفة وسـوف نمسـك بالخيوط حالا، وسـوف أنظر للأمام بشـغف زائد للوقت الذي نتقابل فيه كلنا مرة أخرى، وإن كانت روحي لا تفارقكم أبدا. إذا اعترضت طريقكم الظلال أو وقعت عليكم المتاعب، إذا تحرك الشـك في عقولكم، ووجدت الحيرة مسـكنا في داخلكم تذكروا أن هذه ليسـت حقائق، أعطوها أجنحة وأطلقوها بسـرعة لتطير).
من هدي السـيد (سلفربرش)
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الفتح - ٢٩ ↩︎