(١٣)

بالله
نعرف الرسول مجاهدين
وبالرسول
نذكر الله مرحومين

حديث الجمعة

١٢ شوال ١٣٨٢ هـ - ٨ مارس ١٩٦٣ م

لا إلـه إلا الله، الله أكبر، الحمد لله، الملك له، والعزة له، لا شـريك له، لا حول ولا قوة إلا بالله، النصر منه، والانتصار به لمن نصر، وهو القاهر بعزته فيمن قهر، والمقهور بحكمته فيمن قهر.

على أسـاس من هذه الشـعارات قامت رسـالة العربي، القائم بمحمده على ما أقامه، المحمود من المؤمنين حمدا منه على ما قدمه، عرا عنه بربه فجاء الحق وزهق الباطل، وتمت به لكلمة الله قيامتها على قيامها، فقامت قيامة لا إلـه إلا الله، وانتشـرت معرفة الله أكبر، ورفع لواء حمده.

به رضي الخالق عن الخلق، فرضي الخلق عن الخالق، وتعارف العابد إلى المعبود، وقام الموجد بالموجود، فرضي الله عنهم ورضوا عنه، فكانت بذاته مرسـلة بارقة من الغيب برقت في السماء الدنيا من الشـهادة، أشـرقت بها الأرض وسـمواتها نورا، عرفته لربها، وآمنته لراعيها، وما لبثت أن تغلبت عليها ظلمات النفس، ظلمة بعد ظلمة، في جحافل من سـحب النفوس المتصاعـدة من الأرض بظـلامها تكاثرت وتكاثرت، وردتهـا السـماء ذات الرجع لمصدرها سـماء له حتى عادت الأرض لظلامها، وعاد الناس لظلمهم لأنفسـهم، وقد احتجبت عنهم سـماء رحمتهم بسـماء صنيعهم، قاموا في الأرض شـيعا وأحزابا، وفرقا ومعالم وأسـبابا، في صراع مميت على ما خلق لهم، غافلين متناسـين لما خلقوا له، فلا الله في أنفسهم يرعون، ولا في قولهم يذكرون، ولا في أوليائهم يطلبون، ولا في الطغاة يكفرون، ولا في أعلام وجهه يسـتقبلون، فلا بقبلته يطوفون، ولا الصلاة بها يقيمون، ولا للحق أقرب إليهم من حبل الوريد يتقون فيَسـجدون أو يُسـجدون، ويعبدون أنفسـهم فيعبدون، وإذا قيل لهم لا تفسـدوا في أرض أنفسـكم وقلوبكم قالوا إنما نحن المصلحون، وهم المفسـدون ولكن لا يشـعرون، فبالجهل يقومون، وبالجهل يؤمنون، وحجاب الغفلة لا يرفعون ولا يجتهدون، ولا لرفعه من الرحمة يتعرضون، وكيف يفعلون وهـم لا يعلمون؟ وكيف يعلمون وهـم للحيـاة لا يطلبون؟ وكيف يطلبون وهم إلى قلوبهم لا يتجهون؟

ليس من العيب في شـيء أن يكون الإنسـان جاهلا، ضالا، حائرا، قلقا، ولكن العيب كل العيب أن يكـون هـذا حالـه ولا يدرك، ولو أدرك لطلب مآلـه إلى غير ما هو فيه، فيحاول أن يخرج من الظلام إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن القطيعة إلى الوصلة. والأدهى والأمر أنـه إذا ما نُبه إلى حالـه ليصلح له مآلـه، وتتغير في حاضره أحوالـه، أبى ونفر، واسـتعلى واسـتكبر، راضيـا بالجهل بوصف العلم، راضيا بالقطيعة بوصف الوصال، راضيا بالكفر بوصف الإيمان، راضيا بالمخالفة بوصف الإسـلام، راضيا بالمعاندة بوصف الإيمان.

لقد أصبح هذا هو حال أهل هذه الأرض، أيا ما كان دينهم، أو نبيهم، أو كتابهم، أو إمامهم، أو أولهـم، أو آدمهم. يجعلون من عرض الدنيا أهدافهم، والدنيا كما وصفها لهم إنسـان فطرتهم، ورسـول عقيدتهم، وإمام نهضتهم، وآدم حقهم، ووجه ربهم، ويد إلـههم، وحوض محييهم، وشـمس وجودهـم، وعلم الغيب بينهم من أنفسـهم… (الدنيا قذرة قذر ما فيها، عدا ذكـر الله وما والاه)[١]، (الدنيا جيفة وطلابها كلاب)[٢]، فلاكت ألسـنتهم باسـم الله، وبين جوانحهم لا ذكر له، ولا قيام له، ولا وجود له، وهو الذي أعلمهم عنه في إعلامهم عنهم، قائما على كل نفس، من ورائها بإحاطته، أقرب إليها من حبل الوريد، معها أينما كانت، كانوا به وجوها له وقياما له، فمن يكون الله، ومن يكونوا هم، وما تكون وحدانية الله عندهم!

ينشـدون عدلا، وينشـدون حرية، وينشـدون سـلاما، وينشـدون للبشـرية اجتماعا وللقومية انقطاعا، وللعروبة وحدة، وينشـدون في الحيـاة مشـاركة، بألفاظ اسـتوردوها، وما عن قلوب بإيمان نطقوها، وما اسـتوردها الغرب إلا من الشـرق يوما، وما حاولها إلا فيضا من رسـول الفطرة دوما، وما عرفها الشـرق أو الغرب حية قائمة إلا فيمن عرا بها، يوم قال لهم ربهم على لسـان رسـوله إليهم، وإمامهم إليه… لا إكراه في الدين… تبين الرشـد من الغي… من شاء فليؤمن ومن شـاء فليكفر… وما أنت عليهم بوكيل… إن الله قائم على كل نفس بما كسـبت… لا شـرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى…

الناس جميعا أمتك يا سـيدي يا رسـول الله، {وما أرسـلناك إلا كافة للناس}[٣]، والأرض جميعـا قبضتك يا حبيب الله، جعلت لك مسـجدا وطهورا، زويت لك في حقيقة ملكك وفي حقيقة أمـرك، وفي حقيقة دولتك، يا أيها الناس أتى أمر الله فلا تسـتعجلون، اعملوا فسـيرى الله عملكم ورسـوله والمؤمنون.

إن دولة الإسـلام التي أقامها الله بمحمد… إن دولة الإسـلام التي جعل الله فيها الملك لمحمد قائما عليه، إنما هي دولة تشـمل فيما تشـمل الأرض وأهلها، أوطانها، وملوكها، وأممها، اسـتقامت أو انحرفت، قامت بالحق أو قامت بالباطل، تصارع فيها الحق والباطل في نظر الناظرين، أو تواءما في حركتهما في نظر العارفين. فبادل صاحب الملك والأمر عبدا لربه الأيام بين الناس، متخلقا بأخلاق ربه ومولاه، فكان للباطل جولة فيها انتصر يوم توانى أهل الحق عن القيام بالحق، فكان الباطل صوت عذابهم، ونداء ربهم لاسـتقامتهم، فإذا ما اسـتيقظوا ولو فئة قليلة لبت نداء الحق ولم تخدعها فتنة الشـهوات، ولم تأبه لسـياط الباطل، فتألفت القلوب منها تؤلفها يد قدرته محيطة منبسـطة تجمعا على وجه طلعته في عباد الرحمن، يمشـون على الأرض بعيدا عن الطغيان والطغاة، متحررين من الجهلاء والجهل، يتغابون أمام الأغبياء، ويتجاهلون أمام الجهلاء، ويظهرون بالحكمة عند العلماء، ويسـألون ربهم الـهداية للأمراء، فتتألف القلوب حولهم، ويطاف البيت في معناهم، ويسـتقبلون بالمحبة في الصلاة صلة بالرب من الإلـه، فيسـجد الناس بحق لحق للحق لله، يعرفون قبلته، ويطوفون بيته، ويشـهدون وجهه، بلطيفه في أبصارهم وبصائرهم، يلحقهم بنوره، فتشـرق الأرض بنـور ربها على ما هو قائم لا يغيب، متواجد من أزل، متجدد بوجهه في أبد، قائم في دوام، فتغلب الفئة القليلة الفئة الكبيرة بنورها يعم وينتشـر، فتحيا القلوب وتزدهر، وتزكو النفوس وتزدجر.

هكذا جعل الله النور لعباده، يمشـون به في الناس، فتشـرق أرض القلوب بنور ربها، ويقدر الله حـق قدره، ويدخل الناس في حصن لا إلـه إلا الله، قائما لا يغيب، أبوابه مفتحة لا تغلق، فيعرفـون الله في أنفسـهم، يعرفونهم وجه الله الذي يطلبون يوم تنعكس بصائرهم وأبصارهم إلى داخلهم ونفوسـهم، فتتلاقى عقولهم مع مواجيدهم وحبهم في بيوته من قلوبهم، وفي وجوهه من رؤوسـهم وذواتهم، وتحرر الرقاب بانطلاق عقولهم من عقالـها، وينتهي أمر الجزاء والعقـاب، وتعلم النفس ما قدمت وأخرت، تنطلق في دارها من السـموات والأرض، تعرف حريتها، تعرف ديموقراطيتها إن شـئتم إلا ديمقراطيتها، تعرف أن كل شـيء خلق من أجلها، وخلق لهـا، تعرف اشـتراكيتها إن صممتم على لفظ اشـتراكيتها في ملكيتها لما خلق لها يوم تعرف مالكها ومن خلقت له.

إن هذه الألفاظ المسـتعملة منا للتعريف بالحقيقة قاصرة عن أداء المعنى الذي أشـار الله إليه في كتابه، أو على لسـان نبيه، إن كل شـيء خلق من أجلك، لا تحرم من شـيء منه… إن كل شـيء خلق لك لا يشـاركك فيه مشـارك… إن الوجود ما تواجد إلا لكل موجود فيه، هو سـيد فيه، مالك له، ما عرف ربه، ما كبر مولاه، ما شـهد أنه ما شـهد نفسـه لا إلـه إلا الله، والله أكبر، العـدل وصفه، والدنيا ملكه، والآخرة حقه، والله مولاه، لا بل مولاه ونفسـه وعبده، يسـأله في ملح طعامه، ويفتقر إليه في كل قيامه، لا يعتز بغيره وإن كانت نفسـه، فأعدى عدوه نفسـه التي بين جنبيه، وأحب أحبابه ربه الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد. فما تكون الأهداف عند العرب إلا أن يكون الله هو المقصود الأول في كل هدف؟ وأي هدف بعد الله؟ أمن القشـور يجعل المؤمن هدفه؟ أمن المادة يجعل المؤمن شـرفه؟ من قال لكم إن المادة ليسـت في ملككم، والـمادة ليسـت في عدلكم؟ من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ قل هي للذين آمنوا خالصة في الحيـاة الدنيا يوم القيامة، إنما هي خالصة للناس ما أقاموا الحق وشـرفوا بـه، وما أقاموا الذكر فذُكروا به، فكان الذكر قيامهم، وإرادة الله بعدله ورحمته قوامهم، متحررين من مذلة الخدعة بشـهوات دنياهم وهي سـاعة في دار من دور رحلتهم، فاسـتقام في الدنيا والآخـرة أمرهم، فليس في الدنيا اسـتقامة ما انحرف أمر الأخرى في الناس، وليس في الآخرة كرامة إلا ما كرم أبناء الإنسـان بالإنسـان، وقد كرَّم الله بني آدم باليقظة إلى معيته لكل نفس بالرحمة والحيـاة، وقيامه على كل نفس بالحكمة والشـهادة، وإلا كانت الدنيا وخيراتها اغتناما أو حرمانا بلاءً وابتلاءً لا عطاءً ولا جزاءً.

إذا لم نجعل من الله ومرضاته، ورضائه، ورضائنا عنه، ورضوان من الله أكبر أهدافنا، فكيف تسـتقيم الأهداف؟ وإذا لم نجعل منه علة ائتلافنا، فكيف يقوم الإيلاف؟ لن تكون للعرب وحدة، ولا في الدنيا سـلامة، ولا في الآخرة كرامة، ما لم يرَ العرب في قديم أمرهم كيف كرموا وكيف شـرفوا. هل شـرفوا بأبي سـفيان رأس الأمويين؟ هل شـرفوا بالعباس بن عبد المطلب رأس العباسـيين؟ هل شـرفوا بعنتر عبس؟ هل شـرفوا بأبي زيد الـهلالي؟ هل شـرفوا بمعدي كرب؟ هل شـرفوا بخالـد المخزومي؟ بمن شـرفوا!!؟ بسـيد الثقلين، بإمام الدارين، بملك المملكتين، بوجـه الله للكونين، بالذات علما على الأقدس لذات الإنسـان، لذات الرحمن، وبالروح علما على الأعظم، لروح الإحسـان.

ها هو الروح بملئه والأرواح العظيمة بجمعها، والروح الأعظم في الميدان، يهز الأرض، ويرج البنيان، فهل اسـتيقظ أدعياء الإسـلام وعنوان الإسـلام؟ هل اسـتجاب… هل اسـتقبل من ينسـبون أنفسـهم لكتاب ما لمسـوه ينسـبونه لله ما عرفوه؟ وكيف يعرفونه أو يتلقونه من رسـول الله، ينكرونه يتلوه في الناس على مكث وهم يجحدونه، وأصابعهم في آذانهم حذر الموت يحذرونه لكيلا يسـمعونه، حتى لا يُذهب ظلام نفوسـهم هم عليه يحرصون، وبنيان أجداث مواتهم بأجسـاد مقابرهم لها يتعشـقون؟ فلا الله في أنفسـهم يرعون، ولا النبي في ضمائرهم يشـهدون، ولا قيامه في الناس يطلبون، والناس به يبدلون ويقلبون ويؤمنون. هو كوثر الحيـاة، به يتواجدون، وبه يبعثون، وبه يحيون، وهم بهم في غفلة عن الحيـاة في أنفسـهم يعمهون، تبدل جلودهم كلما نضجت ولا يسـتيقظون، ولا من غفلة يخرجون، فسـبحان الله عما يصفون، وتعالى الله عما يشـركون، وعز الله على الجاهلين به يحيون وإن كانوا به يقومون. هم حصب جهنم عليهم تحيا، وبهم تشـعل، وتزدان أرضها التي يعبدون بالدنيا يعشـقون، مبرزة بما يحذرون، وبالسـنة لا وعي لها يحذرون، ويعبدون أنفسـهم لها مرة ومرة، وطورا وطورا، فيملكها الله رقابهم وأوانيهم، ويجعل منهم زينة لها بذواتهم ومعانيهم، وليتهم لها بصدق يقدسـون، ولها بإيمان يسـجدون، ولكنهم عليها أيضا بأوهام يسـتعلون، وملكيتها يدعون، والقدرة عليها لأنفسـهم يزعمون، وهم أبناؤها لها عابدون. ولو أنهم على عبادتها قاموا عاكفين، الله في جمالـها ناظرين، ورحمته في خيراتها مسـتقبلين، ومن قسـمتها في ابتلائهم مسـترحمين، لكانوا من وراء حجاب عابدين، وفي حجاب لله قائمين، حتى يحررهم الله إلى عليين، بما اسـتقاموا عليه من أمر أنفسـهم فيها، وجه الله بها يرون، ورحمته منها ينشـدون، ولكنهم عليها يسـتعلون ويسـتكبرون، وما صَنَعَت من زينتها لرحمتهم واختبارهم بأيديهم يخربون، وأرواح الخلق في اسـتهتار ومجون يزهقون في سـبيل أهداف من مادة لا قيمة لها، هم لها طالبون، وأمرها يعشـقون. هذا أصبح حال الناس على ما ترون.

فإلى متى؟! إلى متى رسـول الله؟ إلى متى وجه الله؟ إلى متى يد الله؟ أما آن لك أن تطأها!؟

سـيدي طـأها، ما أنزل عليك القرآن لتشـقى ونفسـك جماع أهلها، وقيام أرضها، ونور حقها، ونار خلقها. إلى متى سـيدي رسـول الله تترك الفئة القليلة تمسـك بالجمار؟ ولا تأمن في الديـار؟ ولا تمكن من المزار كأنها في حيـاة من قفار؟ أين الحضر والأمصار؟ إنك وعدت والحقُ ما وعدت، والأمـر ما أقمت، والحيـاة لمن سـويت، والحي من آويت، والعالي من في بيتك أعليت، وباسـمك لاسـمك دانيت.

سـيدي رسـول الله وبحار الحيـاة وسـفن النجاة… جار المسـتجيرين وأمان الخائفين، وسـكينة العارفين، وقائد الطائفين، وإمام المصلين، وحق المسـتقبلين، أنت لنا كل شـيء، على ما عرفنا فعرفناك، وعلى ما آمنا فآمناك.

ها هي نسـائم النصر، ها هي أعلام الذكر، نشـم ريحها ونسـتشـعر أريجها، فنتخيل معالمها. ها هي الأحداث ترهص لمقدمك، فاجعل بحقك حقيقة، وبربك رسـالة وطريقة، فجدد دينك، وبين كتابك، وارفـع حجابك، وانشـر في الناس قيامك، وأزل من عقولهم غيابك. يا من في النيام يطوف بكعبته، وفي القيام يقوم بقبلته. طأها سـيدي ففي وطئك رحمتها وسـعادتها…

يا عبد الله… يا حق الله… يا من هو الناس بربه ورب الناس، وملك الناس، وإلـه الناس، برفيقه الأعلى في الله الذي عَرِف وعرَّف… يا من به ذكرنا الله، وبالله عرفناه رسـول الله… يا من له المرتقى… يا من له المحيـا… يا من له الممات… يا من له معانينا في الإنسـان، بالإنسـان، إلى الإنسـان، قياما بالله، وطلبا لله، ولقاءً لله، وسـبحا في الله. لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله.

يا من قام بيننا لا إلـه إلا الله، فما عرفناه، أقمنا لا إلـه إلا الله، بقيامك بلا إلـه إلا الله. يا من قام بيننا الله أكبر، فما قدرناه، قم علينا الله أكبر، حتى نرعاه، وحتى نراه. يا من قام بيننا كلمة الله، وروح الله، ووجه الله، والحق من الله فما تابعناه، أعد بيننا سـافرا قيامك، وأسـمعنا مرة أخرى كلامك، وادخلنـا في كلمتك، لا دينونة، ولا قطيعة، فقد تذكرنا، وعرفنا، وندمنا على ما فعلنا، فلبي باسـم الله نداءنا، واظهر بوجه الله لعيوننا وبصائرنا، وامدد يمين الله يمينك لنجدتنا ولبيعتنا. أنت اليوم عندنا أولى بنا من أنفسـنا حقا وصدقا، لقد عرفنا ما عنه غفلنا، يا من جعلت للعرب شـرفا بكتابك عربيا، وجعلت للعرب شـرفا بقيامك عربيا، وجعلت للبشـرية شـرفا بوجودك إنسـانا أبديـا، وعبدا أزليا، ووعدتنا بعثا من أزل، في قيام في أبد عنا لا يغيب، تنشـق عنك الأرض أول عابدين في دوام، بيتا دائما متجددا بالسـلام، تتلو على مكث حكمتك، وتظهر في كل أمة لتُبين لها بلسـان قومها فطري شـرعتك.

أيها العربي الذي صرت غربيا وشـرقيا، روسـيا وصينيا، لاتينيا وطليانيا، فرنسـيا وألمانيا، إنجليزيا وأمريكيا، في أي صورة ما شـاء ركبك، وفي كل أمة بالحق أوجدك، وبكل لسـان بالحكمة أنطقك، ما عُرِفَ للناس أنه لا إلـه إلا الله، على كمالـها واسـتقامتها إلا في معرفتك لا إلـه إلا الله، وتعريفك لا إلـه إلا الله، يا لا إلـه إلا الله.

انتسـب إليك فريق من أهل السـوء باسـم دينك فما أساءوك، ولكن أسـاؤوا إلى أنفسـهم، وما أسـاؤوا إلى دينك حفظه الله لأهله في أهله، ولكن أسـاؤوا إلى آخرتهم. وهم يحاولون الإساءة إلى كتابك وما يسـيئون إلا إلى حيـاتهم ومن يتابعهم على سـنتهم. وهم يسـيئون أو يحاولون الإسـاءة إلى معنى أمتك من الناس كافة مرسـلا ومن المؤمنين بيتا وذاتا، والله راد كيدهم مبطل أمرهم كاشـف سـترهم.

يا أمة المؤمنين من كل جنس، يا أمة الخالصين من كل رجس، يا أمة المخلصين من كل بيئة، يا أمة العاملين في كل زمان، شـرَفُ الأفراد في فردك أنت ما وصلوك، وشـرف البيوت في بيتك أنت ما دخلوك، وشـرف الجماعات في الاجتماع عليك على ما يجتمع مجتمع عليك يفنى عنه ويبقاك، وشـرف الأمم في شـرف أمتك، ما عُرِفت أمتك، وما أسـفرت أمتك، وما قامت في الناس لك أمة، فكانت الأمم والناس جميعا أمتك.

يا فرد الأفراد، ويا أمة الأمم، ويا حق الحقائق، ويا بحر البحار، ويا نهر الأنهار، ويا ماء السـحب، ويا عيون الأرض، ويا جـذوة الحيـاة، ها أنت وربك تدانينا في حاضرنا، على ما أنت دائما به مدان في أزل، باقيا في أبد، ملبيا في قيام، ها هو لك وها هو معك على ما هو لك دائما، وعلى ما هو معك دائما، وعلى ما أنت له ومعه، ها أنت بجديد من أمرك تظهر، ها أنت في الحيـاة تسـفر، ها أنت من الأرض تخـرج، ها أنت من السـماء إلى الأرض تداني وتعرج، ها أنت من الغيب إلى الشـهادة فيها تقيم وفيها تظهر، ها أنت ركب السـفن للخلاص والنجاة تعد وتقلع وتسـفر، ها أنت في ثوبك الجديد، بل ثيابك تطهر، ها أنت بذاتك بل بأمة ذواتك تنتصر وتظفر، ها أنت مع جنـدك القديم والجديد، بل جحافلك تقدم وتقهر. من هذا الذي يقوى على صد غزوتك؟ ها أنت بركب رحمتك، وها نحن على ما نحن نظاهر ونصد، ولكن طلائع ركبك تتقدم وتغزو الأرض، تغزو أرض القلوب، إنهم ينشـرون الحيـاة في قاحلها وعالمها، ها هي الحيـاة تتواجد على الأرض، ها هم الأحيـاء يتفجرون بالحيـاة، ها هو كوثرك بالأحيـاء ومعانيك بالحيـاة، إنها الحيـاة، إنها القيامـة، هل ينظرون إلا أن يأتي ربك، ها هو ربك، وها هو ركبك، فهل من مسـتيقظ؟

اللهم اجعلنا من محبيك، ولا تجعلنا من المنكرين عليك في أنفسـنا وفيما حولنا، وقد علمتنا وأعلمتنا أينما نولي فثم وجـه الله في أنفسـنا ولينا، فثم وجـه الله وفيما حولنا نظرنا، فثم وجه الله لا تنقطع في أنفسـنا آياته، ولا حولنا معجزاته، لا إلـه غيره ولا معبود سـواه.

اللهم أنزل سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا، وأحيِ موات قلوبنا بروحك، وأنر عقولنا بنورك، وزكي نفوسـنا بجذوة الحيـاة منك، وقوم جوارحنا بحكمتك، وأصلح نفوسـنا ومجتمعاتنا برحمتك، وأقم بيننا منا فينا عدلك حتى لا يطغى بعضنا على البعض فيذهب ديننا، وترهق وتزهق أرواحنا، بالطغاة منا متخلفين عن ركب الحيـاة وإرادة الناس إرادة لك كما علمنا، لا إلـه غيرك ولا معبود سواك. اللهم ولِ أمورنا خيارنا ولا تولِ أمورنا شـرارنا، وخذ بنواصينا إلى الخير حكاما ومحكومين روادا ومرودين، لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين.

أضواء على الطريق

(لقد كافحت لكي أجمعكم ولأجعلكم معا أكثر قربا في حلقات الحب. لقد حاولت لأعلمكم قوانين مملكة أعلى وحيـاة أعظم. أنا لم أشـجع أبدا إدانة أي فرد أو أحض عليها. لقد حاولت أن أفسـر الحب في أعلى درجة له. وخاطبت دائما منطقكم وذكاءكم قصرا على أن الحقائق التي نعلمكم إياها قادرة على الامتحان العسـير والتمحيص العقلي).

من هدي السـيد (سـيلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف: “إنَّ الدُّنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلَّا ذكرُ اللهِ، وما والاه، وعالمٌ أو مُتعلِّمٌ”. رواه الترمذي وابن ماجه… ↩︎

  2. من حديث شريف ذكره السيوطي بلفظ: “الدنيا جيفة، والناس كلابها”. وأخرج الديلمي عن عليّ مرفوعاً: أوحى الله إلى داود: يا داود، مثل الدنيا كمثل جيفة جمعت عليها الكلاب يجرونها، أفتحب أن تكون مثلهم فتجرها معهم"؟  أيضا: “قال علي بن أبي طالب الدنيا جيفة، فمن أرادها فليصبر على مخالطة الكلاب.” المصدر: الموضوعات للصغاني. وعند أبي نعيم عن يوسف ابن أسباط. ↩︎

  3. سورة سبأ - ٢٨ ↩︎