(١٢)

العبد الحق
هو هبة لمن عرفه
إلى عينه يؤول متابعه ليتصفه

حديث الجمعة

٥ شوال ١٣٨٢ هـ - ١ مارس ١٩٦٣ م

ارجع البصر كرتين، ينقلب إليك البصر. علمت نفس ما قدمت وأخرت. ضالا فهدى، وعائلا فأغنى، ويتيما فآوى. كشـفنا عنك غطاءك، فبصرك اليوم حديد. لا يحيطون بشـيء من علمه إلا بما شـاء. وفي أنفسـكم أفلا تبصرون. قائما على كل نفس. أقرب إليها من حبل الوريد. سـمعت فأجابت، وعملت فآمنت، وآمنت فسـارت، وسـارت فأيقنت، وأيقنت فحققت. غفرانك ربنا وإليك المصير، وجد الله عنده. أفتمارونه على ما يرى فشـهده لا إلـه إلا الله، يوم شـهده لا إلـه إلا الله، وشـهد محمدا رسـول الله، يوم شـهده محمدا رسـول الله، فعلم أن فيه رسـول الله وأنه في رسـول الله، بأن فيهم رسـول الله، ثم أدرك أن رسـول الله في قائمه، كما في قديمه وقادمه، هو الحق من الله للناس.

قام الإسـلام على مشـاهدة لا إلـه إلا الله، في النفس ومن الحول، في العمل والقول، في القديم والقادم والقائم، يوم شـهده المسـلم والمؤمن، وقامه العارف والآم لا إلـه إلا الله، فعرف الإنسـان أنه عالَم يوم كان عبدا لله، فطلب الأكبر من الله، فشـهد رسـول الله أولى به من نفسـه، وأقرب إليه من حسـه، فعلمه محمدا رسـول الله، فعرج من لا إلـه إلا الله إلى الله أكبر، فعرف أن الأصغر والأكبر في لا إلـه إلا الله، وأن الأصغر والأكبر في الله وجه الله، فعرف الله يوم عرف نفسـه، وعرف نفسـه يوم عرف رسـول الله، وعرفهما الله ورسـوله في نفسـه، وفي الأكبر من نفسـه لنفسـه على نفسـه، في معنى نفسـه، لا يحيطون بشـيء من علمه إلا بما شـاء، فكان ذلك هو طريق معرفته إلى الله، وطلبه لله، وقيامه بالله، وبدايته في الله، ونهايته في الله، لا بدء لبدايته في الله معروفا عنده، ولا انتهاء لنهايته في الله معروفا عنده في معرفته عن نفسـه، ومعرفته عن قلبه، ومعرفته عن معناه، ومعرفته عن روحه، ومعرفته عن ذاته، ومعرفته عن ظلامه، ومعرفته عن نوره، ومعرفته عن أحديته، ومعرفته عن واحديته، في معرفته لذاته، ومعرفته لصفاته، واجتماعه بصفاته على معناه لذاته، وفيض من ذاته بربه على صفاته، لربه لا يعرف له وجودا إلا وجود الله، ولا يعرف له شـهودا إلا شـهود الله، ولا يدرك وجوده إلا بالله، ولا يشـاهد شـهوده إلا بالله، فيشـهد أنه لا إلـه إلا الله، ويشـهد أنه محمدا رسـول الله يوم يعلمه قائما بالله ورسـوله.

بهذا أسـفر محمد لمحمد، وتكشـف محمد لمحمد، وأقول أسـفر ولا أقول جاء، فإن الذي جاء إنما هو السـفور، كشـفنا عنك غطاءك. إن الذي حدث، إن الذي كان محدثا بالنسـبة لمحمد إنما هو كشـف الغطاء له عنه، وبذلك عرف القائم معنى قيامه، وعرف الموجود معنى وجوده، وعُرف المشَـاهَد في المشـاهِد، ففنى شـهوده وظهر وجوده يوم أبرز مبدع الفطرة ثمرة الفطرة، وما أبرزه إلا في كشـف الغطاء عنه له، أما من حيث وجوده، فقد كان موجودا متكاثرا بمعناه وبوجوده قبل وجوده مكشـوف الغطاء عنه، منعكس البصر إليه، وإلى قديم وقادم نفسـه.

إن قائم محمد في دوام كما عرف وبشـر وقد كشـف له الغطاء عن نفسـه في سـلام، فعرفه وعرَّفـه أمرا قائما في الوجود، ما حدث وما قام، إنما هو أمر في الوجود قائم، بأزل له لا يعـرف له بدء، منبعث بأزله من خلال قائمه في دوام، في أبد لا يعرف له انتهاء، بسـرمدي قائمـه، تكشـف قديمه من خلالـه في قادمه، وعُرف القديم والأبدي لكل قائم ما عرف قائمه في قيامـه، وعرف سـالمه في سـلامه، مؤمنا به عبدا وربا، ومؤمنا به نفسـا وغيرا، مؤمنا به لأنانيته، ومؤمنا بأنانيته، أنانية صغيره فيه لأنانية كبيره من الحق به، لأكبر وأكبر لمعناه لا جز لعطاء، ولا انتهاء لولاء، ولا توقف لسـعي أو لمعراج. يتجدد الإيمان بالله ورسـوله كلما تجددت النفس، وكلما تجددت الذات، وكلما تجدد الوعي، وكلما تجدد العقل، يرتقي الحي بهما فيهما في الحيـاة مع أنفاسـه بشـهيق مسـتمد، أو بزفير محيي ممد. يرتقي الإنسـان الحي فيهما في الحيـاة مع دقات قلبه بالحركة وبالحيـاة، يعلم أن الحيـاة مرتقىً عاليا لا ينتهي ارتقاؤه، وأن فقدانها هاوية سـحيقة لا قرار لها، وأن من عرف الصعود لا يأمن انزلاق القدم، فليسـتيقظ الصاعد من زلة القدم، وأن من سـقط في الـهاوية، وعرف طريق الندم، لا سـبيل له للنجاة، إلا أن يسـقط على يد الله، فيد الله أعلى من كل عـال مظلة، وأسـفل من كل سـافل مقلة، وأن يد الله ملبية لمناديها، ما ناداها بالقلب صادق النداء، صافي الولاء.

هذا كله جاء به الإسـلام مع محمد، وبهذا كله دارت رحى الإسـلام في العقيدة والعقل، بما كشـفه لنفسـه محمد، عبدا مسـلما لمشـهود ربه، مؤمنا بقيام حقه، صادقا في جهاد فعله، صديقا لموعود أمره، أيقن بالله معية نفسـه، كان ضالا عن نفسـه منه، فكشـف له الغطاء عنه، فإليها هدي، من اهتدى فإنما يهتدي لنفسـه، عرف نفسـه فعرف أن مشـيئتها من مشـيئة ربه، وقدرتها من قدرة ربه، وفعلها من فعل ربه، وقيامها من قيام ربه، وأن اهتداءها إليها من رحمة ربه، وأن ضلالها من فتنة وحكمة ربه، نفسـا وما سواها ألهمها فجورها وتقواها، هداه السـبيل إما شـاكرا وإما كفورا، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسـاها، فعرف أن من ضل إنما يضل عليها، وأن الضلالة إنما هي شـهوات النفس، وشـهوات الذات، وزلات العقل، حفت النار بالشـهوات، يتسـاقط فيها أهل الشـهوات، وحفت الجنـة بالمكاره، يباعدها أهل العجلة، ويحظى بها أهل الصبر. عرف ذلك في أمـر نفسـه، وعرف أن النفس ما قامت على قطيعة، كان كل ما صدر عنها معيبا وباطلا، وإن كان منسـكا وعبادة وعطاءً، فإن كان صوما فجلادة، وإن كان صلاة فعادة، فقال لا يدخل الجنة أحدكم بعمله، حتى أنت؟ حتى أنا إن لم يتغمدني الله برحمته، فيا قومي اعملوا… كل ميسـر لما خلق له، ويا قومي اعملوا… فإنكم بعملكم تتعرضون لنفحات الله، وأخلصوا النية فإنما الأعمال بالنيات ونية المرء خير من عمله، وذرة من عمل القلوب خير من أمثال الجبال من عمل الجوارح، وإن لله في أيام دهركم لنفحات فلا تفوتوها، وتعرضوا لها بالبحث عن عباد الرحمن بينكم، فهم وجوهه، وهم أياديه، وهم أحواض رحمته، وهم أنوار طلعته، ولا تأبهوا للمناظر، ولا تباعدوا بينكم وبين الجواهر، فرب أشـعث أغبر لو أقسـم على الله لأبره.

إن عباد الرحمن يمشـون على الأرض هونا، وهم جذوة الحيـاة لكم به، وهم ماء السـماء يتسـاقط على أرضكم منه. لا إلـه غيره ولا معبود سـواه، فاسـتقبلوه عباد رحمته وحكماء كتابه، واعلموا أن ما قبلي قائم بينكم، أنتم اليوم بعثه، وهو عين ما بعدي، يقوم بينكم أنتم في غد بعثكـم، واعلموا أن عيني من قائمي إنما هو مرادكم لعينكم من قادمكم، وهو منشـود من قبلكـم لأنفسـهم فيما بعدهم يحققونه لأنفسـهم اليوم متابعي ليقوموا به من خلالي فيما بعد قياما بي، وقياما لهم وجديدا منكم، وأنكم إن فاتكم قيامي في قيامكم في متابعتي، فلا سـلام لكم إلا بتكاثر لي بكم، وسـلام مني عليكم، هو سـلام الله لكم يوم ينظر إليَّ في قيامكم، قائما بكم بجـديد لكم مع جديد لي من أنفسـكم، هو{الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين}[١]. هذا قانون دائب دائم عامل فقم وهيئ السـبيل لنفسـك في جديدها، وانحر نفسـك في قديمها في غفلتهم، وابعث نفسـك بكوثرها في قادمهم وجديدهم، صلي لربك وانحر، امحُ غيريتهم عنك لعينيتهم بك، وقل جاء الحق وزهق الباطل والله أكبر، حتى يقولوا أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع.

إن ما قام به محمد مسـفرا به ببلاغه، يوم كشـف عنه غطاؤه له فعرف أنه كان في معاني الحق قائما به قبل أن يكشـف له غطاؤه، قامت البشـرى به من الله للناس مسـفرا بها، فعـرف أنه سـيبقى مسـفرا بالحق مدثرا بجلابيب الخلق بما ضاعف له من نوره نورا على نور على دوام في الله بدوام الخلق فيه، فقال: لا تزال طائفة من أمتي قائمون على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم السـاعة، الخير في وفي أمتي إلى قيام السـاعة، يقوم ويتقلب في السـاجدين بتكاثره بكوثره. لقد علمنا محمدا معنا في دوام، وأسـفر بيننا بمعناه حقا من الله بسـلام، أظهره على الدين كله وأظهر مظاهره على الدين كله، وأعمله في موقفه من حيـاته تلك وفي كل تجدد بحياة له ما كان، وما هو كائن، وما يكون، فكان عنده لما هو كائن مما كان بدء، وكان عنده لما هو كائن فيما يكون انتهاء، وكان ما كان من هذا البدء هو عين ما يكون لهذا الانتهاء، وإنهما لحاضره حدود ما كان وما يكون له مما كان به كائن. لقد كان ما كان بدؤه بجديد لقديم بالحق، وعرف أن ما سـيكون يكن انتهاؤه بجديد بدء بالحق، معالم كائنه من قائمه بمعنى الحق، وعبده وإنسـانه، وأنه في وحـدة ذلك بأحدية ثالوثه كان على ما هو كائن قائما يتكاثر، ويكون على ما كان مما هو كائن قادما يتكاثر.

هكذا هو حق دائما يبدأه السـفور وتنهيه الكنزية والغيب. يبدأه السـفور يوم يسـتخلف الموجود من الأقدم، وتنهيه الكنزية والغيب يوم يسـتخلف الحاضر منه من الأحدث. بهذه المعرفة تحددت معالم إنسـان الحق، وبها عرف معنى البدء للخلق، وعرف معنى السـفور بالحق، لمن وصف بالخلق، وبذلك ظهر الدين كله بمن أظهره الله على الدين كله، وظهر الحق كله بمن أظهره الله على الحق كله فكان الإسـلام دين القيمة، ودين الفطرة، وقيام العباد الحق لعالم الرشـاد، فكان الله بطلعته لمطلقه بالأقدس هو إنسـانه عالم الغيب والشـهادة، العَلم على الأقدس بالله أكبر، والعلم للذات المقدس للوجود بلا إلـه إلا الله، فعَرف الإنسـان أنانيته بالحيـاة لأنانيته بالقيوم عليها من الإنسـان، بالله أكبر. عَرفَ الإنسـان الله في معرفته بنفسـه إنسـانا لا يحيط بشـيء من علمـه إلا بما شـاء ربـه، إلا بما شـاء الأكبر، إلا بما شـاء من هو على صورته، إلا بما شـاء من تجلى بجديد خلقه علما على قديم حقه، ومن أوجد بخلقه جديد خلق ليجعل من الخلق قديم حق على الخلق، وبذلك تعارف الله إلى الله، في فطرة الله، في دين الله، في قانون الله، في ناموس الحيـاة، فقالت البشـرية الحمد لله، وشـهدت لا إلـه إلا الله، وقامت محمدا رسـول الله، فأشـرقت الأرض بنـور ربها، ووضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشـهداء، وقضى بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين.

اللهم يا من أشـهدتنا وحدانيتك، بوحدانيتك، في وحدانية لا إلـه إلا الله، ندخل حصنها ونُدرك أمنها وسـلامها. اللهم فأتمم علينا نعمتك بشـهادة الله أكبر في شـهادة محمد رسـول الله، حقا من الله، وقائما من الله، في قيامنا، وأعلمنا أن فينا رسـول الله، على ما أعلمتنا يقينا وحسـا، وإيمانا ووجدا، وسـلاما وحبا، وقياما ورحمة ورضوانا، لا إلـه إلا أنت، ولا إمام لنا إلا رسـول رحمتك. اللهم خـذ بنواصينا في معراج عطائك غير مجذوذ، فاعرج بنا في معراج لا إلـه إلا الله، وأعرج بنا فيها إلى محمد رسـول الله في أنفسـنا، وأعرج بنا فيه، بك إلى الله أكبر، والله أكبر، والله أكبر، ولا إلـه إلا الله.

اللهم اجعل من لا إلـه إلا الله بداية شـهودنا، وبلا إلـه إلا الله نهاية وجودنا، واجعل فينا منا لنا الله أكبر والله أكبر والله أكبر، عطاءا غير مجذوذ، وشـهودا غير منقطع، وتجليا غير متوقف. اللهم بدين الفطرة فأقمنا، وفي دين الفطرة فسـر بنا، وقيام الفطرة فأقمنا، يا فاطر السـموات والأرض، يا صبغة السـموات والأرض، ومن أحسـن منك فطرة، ومن أحسـن منك صبغة.

لا إلـه إلا الله قلنا وقمنا، ولا إلـه إلا الله نطمع أن نقول ونقوم، ولا إلـه إلا الله شـهدنا، ولا إلـه إلا الله نطمع أن نشـهد، اللهم فأنطقنا نطقا منك حقا وصدقا، وأشـهدنا شـهودا بك حقا وصدقا، أشـهد أن لا إلـه إلا الله، وأشـهد أن محمدا رسـول الله.

أضواء على الطريق

(هذه الحقائق التي نعلنها قد جاءت بالمعرفة والراحة والفرح لكثيرين لم يكونوا يعرفون أين يتجهون).

من هدي السـيد (سلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الشعراء – ٢١٨، ٢١٩ ↩︎