(١١)
نغيب ونعود
بأنانا في قائم الوجود
بين حضرتي الحياة والشهود
صلاة العيد
١ شوال ١٣٨٢ هـ - ٢٥ فبراير ١٩٦٣ م
عيـــــــــــــــــــــــــــد
نعم كلنا عيــــــد
وها نحن نعــــــــود
ولنا في كل يوم عيد، وفي كل يوم نعود
نغيب بالموت وبالنـوم، ونعود بالبعث وباليوم لحياة الوجود بين العماء والشهود… بين القيام والقعود… بين الحركة والركود.
ها نحن نعود، وكم غبنا وكم عدنا من رحلة الصيام والقيام في متابعة آثار سـيد الأنام من حياة اليقظة إلى حياة النيام. لنا في كل تقوى شـهود بوجود. ولنا في كل شـوق بعث موعود. ولنا في كل رجعة إلى الحق آمال في الله ومحصلة بسـعود. نحيـا ما ذكرناه ونتعطل عن الحيـاة ما غفلنا عن ذكراه. لقد كنا في صيام عن شـهوات أوانينا وقيام بالله مشـغولين به بمعانينا. وها نحن إلى انشغال بأوانينا نعود. وها نحن بها لمعانينا نتأمل أسـرار الوجود. وها نحن في آمالنا نعمل ونرجو لنسـعد بالشـهود، يوم يكشـف الله غطاءنا عنا، قياما بكونه بنا، وبمعناه لنا. أغطيتنا أكوان له، ومعانينا أنًا ووجوه له. هو لها ولنا كل الحيـاة، وهو لنا ولها كل الأمل والنجاة. هو لنا على ما نريد، يوم نكون له على ما يريد، فلا رائد منا ولا إرادة منه، ولكن وجودا به هو وجودنا، ووجودا بنا هو وجوده. إرادته منا لنا تظهر، وإرادتنا منه به تظهر، ومنه له يتحقق لنا مراده بنا يوم تعود معانينا إلى أحضـان قديمها في أحسـن تقويم، وتخرج من غفلتها ببعدها عن ماديها من أسـفل سـافلين، معتزة بعزتـه على مخاصم متعاملة برحمته مع مسـالم، كلاهما من دائرة حكمته ومحيط قدرته، ألـهمها فجورها وتقواها وبأحسـن تقويم لها سـواها، كشـف لها عنها أقرب إليها من حبل الوريد، ومعها أينما كانت، من فيض رحمته لحقها بمعناها لمعناه.
النفس البشـرية، النفس الإنسـانية، إنما تقوم من الروح السـرمدية من الحقيقة الأزلية لمشـروع الحيـاة الأبدية، ممثلة لقيام الإرادة اللانهائية للمعنى المطلق للوجود. هي أنا الأحدية، وظهور الـهو للهوية، وقيام قائم الغيب للشـهادة الكونية. هي البدء لوجه الإطلاق لروح الحيـاة الأعظم اللانهائية. هي يد القدرة الإلـهية على عوالم المادة الكونية. هي مظهر ذات العزة على مسـرح الخلقية في تمثيلية الحرب والسـلام القدسـية لإبراز حكمة الألوهية والتعريف بواسـع الرحمة الربانية للانهائي الحيـاة القدسـية، القيوم على نفسـه بقيامه على الحيـاة بغامر حبه المؤثر بقدراته على محبوبه ومحبه، الغفار لكل من قاربه بجوار صاحب الوجود دار، يأوي إليه اليتامى الأطهار، والموحدين الأبرار، ويبعثهم كتب علمه بسـره وجهره، ورسـل حضرته يدعون لموائد كرمه وظلال بيته وجنان مسـرته، دعوة صادرة عن المعروف بذات العارف، متصفا بصفاته بقيامه الواصف، عالما بمعلوم إحاطتـه في قيام العلم بالعالم، قادرا قاهرا في صفات من أظهره بضعفه مع القادر القاهر. الإنسـان بالحق مظهره، والإنسـان للوجود في الوجود جوهره.
الإنسـان في بشـريته… الإنسـان في روحانيته… الإنسـان في غفلته ومنامه، والإنسـان في يقظته وقيامـه، يجاهـد ليعود إلى ربه. إنه يسـير في طريق طويل كادحا إلى ربه ليعرف ربه. تطول به الطريق ويقعده الضعف عن المواصلة ليعود إلى نفسـه ليتأملها فإذا به يتلاقى مع ربه في نفسـه. يخلقه الله في قيود جلبابه مبعوثا من حقه، ويضع الله عنه أوزاره ويكشـف عنه أسـتاره، فيعود إلى نفسـه عودا إلى ربه، ليأنس به ربه وليأنس هو بربه، لا فارق له عن ربه ولا فارق لربه عنه، قبسـا من نور الله يجمعهما، وعَلَما من أعلامه هما، وإنسـانا من إنسـانه لهما، ورشـدا من رشـده لأحديتهما، وقياما من وجوده لواحديتهما، يكبرا الله يوم يوحدا الله، يوم ينكرا معنى الوجود لأناهما بعيدا عن أنا مولاهما هما لمعناه بعين معناه، عبدا وربا لمعناهما، فيحيـا الحق في أناه بهما عبدا وربا في الله، اسـما وذكرا ووجها لله موصوفا بوصفه، موجودا بحسـه، فيعرف الله لله ولمن لا يعرف الله، ويُذكر الله عند ذاكر الله وعند من لم يتذكر الله، فيُعرف اسـم الله بعارفه، لمعارفه، في معروفهم عن أنفسـهم، فتقوم لا إلـه إلا الله، وتقوم قيامة عباد الله يؤمنون بها قائمة لا خافية يخفيها الجهل والغفلة وضعف الإيمـان، ويعود الناس إلى رب الناس قائما على كل نفس، وأقرب إلى كل نفس من حبل الوريد، يومئذ يظهر الرسـول بالحق المنشـود ويقوم العبد وجها للمعبود، وهو ما هو قائم بعباد الرحمن يمشـون هونا على الأرض، يومئذ يجيبون الداعي لا عوج له، وخشـعت الأصوات للرحمن فلا تسـمع إلا همسـا، يومئذ تشـرق أرض القلوب بنور ربها ويوضع الكتاب منيرا للأعين مبصرة، ويصل النداء للأسـماع واعية، ويصل ماء الحيـاة بالحس والإدراك للجوارح حية بأمر ظاهر للعيان عن عين البيان، فيسـتقيم القيام بالإحسـان، ويؤتى لدائرة الوعي والعلم في قلوب العلماء وبصائر الأتقياء بمن سـبق أنبأ، وما كان هناك من إنباء، كلمات لله وشـهداء على الناس، وهل هناك نبأ بعد البيان! وهل هناك خبر بعد العيان!
قل جاء الحق وزهق الباطل يوم أظهرناك على الدين كله، واتخذنا منك عضدا، وقمنا بك وجها، وسـعينا بك قدما، ومددنا للناس من رحمتنا بك يدا، وكم حذرنا الناس من التفريط في أمرهم قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال، يوم نبرز آياتنا، عاتية، دامغة، فلا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسـبت في إيمانها خيرا، ولولا كلمة سـبقت من ربك لقضي بينهم.
قل لهم إنهم على الأرض باقون، وفيها ماكثون، ولأثوابهم فيها يجددون، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، حتى يسـتيقظوا فيعيدوا أنفسـهم لمن خلقهم لنفسـه، لمن أوجدهم لعينه، لمن قدَّرهم لأمره، لمن هيأهم لسـفوره، لمن جعلهم قوارير نوره، لمن ظهرهم خلقا، وبطنهم حقا، فقـام عليهم بحقهم باسـم ربهم، وأسـعدهم بحقهم في خلقهم، فكانوا به أحيـاء هو أقرب إليهم من حبل الوريد، بهم عاد لظهوره، وبه عادوا لبطونه من بطونه لظهوره، في ظهوره بظهورهم لمعاني نفوسـهم دسـوها، ما أظهروها وما أطلقوها، ولكن بغفلتهم ظلموها، والحق لمعانيهم ما ظهروها وما نشـرها، فعَاد الحق إلى أمره، ما تواجدوه، وما لجديد ذواتهم فطرية كسـبوه، وما بظاهر أمره بهم عبدوه، فوحدوه، فشـهدوه، فبتلاقيهم تلاقوه، فكان المؤمنين به مرايا الإيمان للمؤمنين بهم في ذواتهم لقيام الإحسـان في معانيهم لنفوسـهم وحدوها فوحدوه. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسـنون. يد الله مع الجماعة بالحق يتواصون وبالصبر يقومون، الذين يسمعون وأحسن القول يتبعون، فبموجوده محيطا يتواجـدون، وبتنزيهه يحيون وينمون ويتطورون ويكبرون ويتنزهون، وبوصلته يرحمون ويسـعدون، جنته لأنفسـهم يقومون، وناره في غفلتهم يباعدون، منهج الحق يأخذون ويسـلكون، وقيام الحق يسـعدون ويشـهدون.
نرجو أن نكون قد كسـبنا في رحلتنا برمضان شـهر الصيام والقيام ما تيسـر لنا من ذلك كله، كُلاَّ أو بعضا بيقظة كسـبناها، وبمحبة قمناها، وبلمحات سـعدناها، وبتأملات حصلناها، وبإلـهامات وعيناها، وبسـجدات صدقناها، وبضراعات حييناها، فقطعنا الوقت لم يقطعنا.
إننا في وحدانيتنا مع أنفسـنا نسـتقيم ما تواصينا بالحق، وتواصينا بالصبر، ونجاهد ما تعاملنا مع الناس بإيثار على أنفسـنا، محبة فيه، ومعاملة معه، وتغاضيا عن المسـيئين معنا والمسـيئين لنا، تخلقا بخلقه، واتصافا بحلمه في متابعته رسـولا من أنفسـنا ملتمسـين العذر لكل إنسـان، فيما هو فيه قائم، تأمـلا في حكمته، وانتظارا لواسـع رحمته، رادين الطرف إلى أنفسـنا في تأملاتنا، قارئين آياته في أنفسـنا وفي ذواتنا وفي الآفاق من حولنا، وفيما حولنا من ذوات منا مرايا لنا كتابا منشـورا، وصوتا مسـموعا، وحكمة عالية، وقدوة سـامية، ورحمة شـاملة. إننا إذ نعقل ذلك نطمع أن نكون من أهل الكتاب حقيقة ومن المسـلمين للرسـول حقا، فيرفع عنا الحجـاب، ويتحقق لنا إلى الله الإياب، نشـهده أقرب إلينا من حبل الوريد، ونعرفه قائما معنا حيثما كنـا، وكيفما كنا، وأينما كنا، لا إلـه إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، الله أكبر، ثم الله أكبر، ثم الله أكبر، لا إلـه في شـهادة غيره، ولا إلـه في غيب غيره، صدق وعده، وفي كل زمان صدق وعده ونصر عبده، وفي كل يوم نصر عبده وأعز جنده، وفي كل مكان أعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وفي كل ملحمة هزم الأحزاب وحده.
وصل عبده قديما، وصلى عليه قائما، وجدده به دائما.
أنبأ الرب عنه مبشـرا برحمته، فأنبأ العبد عنه مبشـرا بمغفرته، ثم نبأه له، وحمله نبأه، فحمل إلى الناس عن الحق به نبأه وخبره، يوم تجاهلوا وجوده وأثره. عرَّف العبد عن حقه بوصف ربه، وعرَّف الرب معه عن نفسـه بوصف عبده، ويعرف العبد عن ربه دائما ما كان عبدا، ويعرف الرب عن عبده دواما ما كان ربا، في قانون الفطرة للوجود يتعارفان في عالم الإنسـان، فيعرفان وحدانيتهما بالإنسـان، فيظهر المعروف بعارفـه، ويتصف الموصوف بواصفه، ويقوم الواصف في وصفه، فما كان العبد إلا ربه، وما كان الرب إلا عبده، الله يجمعهما بلا إلـه إلا الله، في أحديتهما لأحديته، والله هو الله أكبر، في ألوهيته بأكبر عليهما، وفي أكبر لألوهيته بهما، الله أكبر والله أكبر والله أكبر، لا إلـه إلا الله، في معراج لا يتناهى من لدن حضرة له بنا وتدان إلينا، لا يتناهى بقيام، لا يغيب ولا ينقطع عبدا له ورسـولا منه من أنفسـنا، والله أكبر والله أكبر والله أكبر، سـبحان الله في بدء ببكور، وسـبحان الله بتعال بكنزية في آصال. له الحمد، وله الأمر، وله السـر والجهر، فاتخذه وكيلا، لا إلـه إلا الله ولا نعبد إلا إياه.
نسـألـه أن ينزل سـكينته على قلوبنا، وأن يصلي منا على حبيبه بنا، وأن يصلي منه بمحبته لنا. نسـألـه الرحمة، والعفو والعافية لنا، ولمن آلـه من بيننا، ولأصحابه وأنصاره وأزواجه وذريته في قيامنا، أولى بالمؤمنين منا من أنفسـهم قياما لعين معانيهم، لا يعرف صاحبة ولا ولد، وأزواجه من أعيانه به إن آمنا أمهاتنا، فكلمة الله به منه قيامنا، نؤمن بالله، ونسـتجيب لأمر الله، فنؤمن برسـوله من الله رحمة لنا، وقربانه إلينا بحق له فينا وبيننا، لا إلـه إلا الله ولا نعبد إلا إياه. نسـألـه أن يولي أمورنـا خيارنا، وأن لا يولِ أمورنا شـرارنا، وأن يأخذ بنواصينا إلى الخير، لا إلـه غيره ولا معبود سـواه.