(١٠)
إنسان الحق
بمطلقه لقائمه
بآزال قديمه وآباد قادمه
حديث الجمعة
٢٨ رمضان ١٣٨٢ هـ - ٢٢ فبراير ١٩٦٣ م
تواجد محمـــدا
يوم تواجد من انشـق عنه عبدا لله، من خلالـه عينه تواجد. ومن قبل تواجد قديم قديمه بعين ذاته طالبا لله عبد المطلب. وما كان إلا متجـددا بالحق تواجدا من خلال من هشـم نفسـه في الله هاشـم جنديا هو يد قدرته، في بيئة هي قريش إنسـان السـافلين من أحسـن تقويم.
وهكذا تواجد من سـابق لتواجد إلى ما لا يعلم إلا الله.
تواجد بوصف الإنسـان في أمة عرى بها الحق به، وحورب بها الباطل بوصف خصمه، فكانت جماعا للناس بحقهم وباطلهم، وبعثا لجميع الأجناس ظاهرا لباطن من إنسـان ليعبر بها قديم الحـق له عن نفسـه (عربي)، فكان للحق به، بذاته وبيته، وآبائه، وأسـرته، وأمته، وإنسـانيته، في عصره وعصوره قضية في الحيـاة لكشـف أسـرار الوجود، لا بل قضايا بها كان تعبيرا عن صفوة القديم، خيارا من خيار من خيار. وكان أصل القادم، من خلالـه يبعث القديم لاسـتكمال أحوالـه وأطواره عالما بمعناه بين عالمين كل منهما ظاهر لباطن وباطن لظاهر، فكانت ذاته مثالية مرتضاه عند ربـه، وعند قديم معناه حقا ورسـولا لله بحاضر معناه، كلما ظهر في حاضره بمعناه أول عباد لله، وخاتم رسـل لله، وطابع الحق من إنسـان الله، في مطلق ولانهائي الله وجودا وروحا ونورا وإنسـانا وحقا.
كان إنسـان الله، ومرضي مسـيح الله لنفسـه كلمة تامة منه صنعه لنفسـه بقدرته، وأكمله بيدي رحمته على كمال مشـهود عينه، مطية قدسـه، وظاهر حقه، ووجه رحمته، فكان لأهله به في الله قضية، وكان لأمته به في الحق قضية، وكانت للإنسـانية والبشـرية في الكون به قضية، وكان للأرض وأهلها وقد دب عليها بقدميه به في الوجود قضية، ولاسـتوائه بها حيا في معاني الحيـاة ومعارجها قضية، ولانشـقاق لها عنه مرة وأخرى تنتظرها البشـرية في قانون عدل الله ورحمة الله قضية.
رسـالة النبوة من قبله تُعرِّف به وتشـير إليه لكمالها وتمامها المنتظر به، وقيام الشـهداء من بعده بـه يقومون، وبه يُعلِمون، يقوم بهم بؤرة الاتصال بين النور الأزلي والإشـراق الأبدي حجر الزاوية، حيث يتلاقى طرفا مسـتقيم الحقيقة مع طرفي مسـتقيم الخليقة، فيظهر الحق في مركز دائرته بظهور الخلق على محيط قبلته، ويبقى الخلق ببقاء الحق، فيتخلق الحق متجليا، ويتحقق الخلق متكنزا. الإنسـان همزة الوصال، ونقطة الاتصال، بين القديم اللانهائي، والجديد اللانهائي، بين أزلية الحق، وأبدية الخلق له، وبين أزلية الخلق، وأبدية الحق لهم، فلا حق بلا خلق ولا خلق بلا حق. فالإنسـان بحقه مركز دائرة الوجود لطالبي الشـهود بخلقه. وبذلك كان محمد إنسـان الله حقا وخلقا في أحديته، وواحديته، وصمديته، في أحدية ربه وواحديته وصمديته، كما كان عبد الله في أحدية عبـاده، وواحدية عباده، وصمدية عباده. كما قام رسـول الله في أحدية رسـالته، وواحدية رسـله، وصمدانية هديه فكان الحق من الله، في أحدية الحق بحقائقه لمعروفه، وواحدية الحـق بذواته في موصوفه، وصمدية الحق في قائمه لمعروفه وجه الله لأحدية وجهه لوجوهه، وواحدية طلعته لصفاته بموصوفه، وصمدية ظهوره بحقه في موصوف خلقه برزخ البحرين يلتقيان، ووجه الحضرتين للإنسـان، ومعنى ذكر الله للعيان.
تواجد فردا ضالا في الضلالة عن معرفة معناه، فكُشـف عنه غطاؤه، وهُدي إلى نفسـه بمعناه فعرف من طلب في وحدته إنسـانا، وتواجده على ما طُلب فلبى بالعبودية معنى وقياما لمعناه بحاضره، قديمه بالربوبية عينا وقياما، في قيامه في وحدته إنسـانا بمعناه حقا من حقائق في الله، فكان ظاهـره العبد، وباطنه الرب، وواحده الحق ووجه الإلـه. قام به للخلق قائم الحق من الله. أُمر أن يتلو كتابه على مكث فمكث. وأُمر ليبين للناس فأبان متكاثرا يتحدث. وأُمر أن يصبر نفسـه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي فمشـى وما زال يمشـي على الأرض هونا بحثا عنهم. وأُمر بالصبر فصبر وما زال صابرا لم يتخلَ ولن يتخلى يقوم ويتقلب في السـاجدين. وأُمر أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، وبلغة قومهم، فأشـفق على الناس في كل علم وبيان، وجعل من العقل أصلا لكل ما قدم في عموم البشـرية، وما كشـف لها قياما وامتدادا بنوره في كل عالم أو مصلح أو حكيم، وتخير للهدى من بينهم في حدود قابليتهم في كل مكان وفي كل زمان. وأُمر أن يَؤمّ الناس فخفف في إمامته كلما أمّ ظاهرا، ولم يُثقل عليهم بتكليف، وإن نفسـه بينهم وفيهم كلف، متبعا أحسـن القول. وأُمر أن يبشـر الناس ففتح لهم باب الرجاء على مصاريعها، لم يترك للرجاء بابا إلا فتحه، وللبشـرى طريقا إلا أمام قومه كشـفه وسـلكه، وما عُرض عليه أمران إلا اختار أيسـرهما على الناس. وأُمر أن ينذر ويحذر، فأنذر وحذر، رقيقا رفيقا مواسـيا، ظهر في الناس بوجه طليق حتى في الإنذار، وبفعل لطيف رقيق حتى في الإعسـار. أحب الناس جميعا وهاونهم مخاصمين، وسـالمهم مسـالمين، وحـاربهم لخيرهم معاندين، لم تخلُ مهاونته من نشـر حكمته، ولا مسـالمته من إغداق رحمته، ولا محاربته من إقامة وصلته. صلى لربه ونحر في الجهاد الأصغر والأكبر، فأوصل إلى ربه من قتل. نجا بسـيفه من نفسـه من نحر، يوم خاصمه وعانده فنحر، فحمله إلى الخير على كـره منه بجهله، متعجبا من قوم يجرون إلى الجنة بالسـلاسـل، فكان بشـدته في الحق ظاهره من قبله العذاب وباطنه من قبله الرحمة. وكان بحلمه ظاهر الخير وباطنه. طلب للناس من ربه الغفـران مما حقق ربه له في نفسـه من معاني خلقه، فكان الأعلم بخيرهم منهم، والأولى بأنفسـهم مؤمنين من أنفسـهم. كان أولى بهم لخيرهم مخاصمين بصبره عليهم وأولى بأنفسـهم من أنفسـهم مسـالمين، يحرص عليهم وكان قيامهم، مُخلِّصا لهم من قيامهم مؤمنين. كانوا رسـالته، مؤمنين ومرتدين ومخاصمين وراجعين، وكوثره للناس، به بالله عارفين، وبه بالله قائمين. كانوا به محلا للحضرتين غائبين وحاضرين بقيام كلمات الله بهم، متصاعدين، يحملها العمل الصـالح مصطفين، تتجددها بيوتا توضع بأوادمها للعالِمين، وبيوتا ترفع بمعانيها ومعالمها في العالَمين، يذكر فيها اسـم الرحمن الرحيم ربا للعالَمين، وتقوم ذكرًا لله رب العالمين، فلا يختلف ذكرها عن ذكره كلما ظهرت، ولا علمها عن إعلامه كلما علَّمت، ولا كلامها عن كلامه كلما تحدثت، ولا قيامها عن قيامه كلما انتشـرت. إنهم سـبيله على بصيرة قبلة للناس، يرتفع أذانها للصلاة، ونداؤها بالحجيج. إنها رحمـة الله وسـاحة الله ويوم الله وسـكينة الله وسـاعة الله وقيامة الله يوم يظهر رجالـها، وحـق الله يوم يمتد بها نورا لله عبادها، وجوها لله ناضرة، تنظر إلى وجه لله، كانت إليه مفتقرة ومنه فاقرة.
بهذا كله تواجد يتيم الله، ومن آواه الله لمعنى بيته وأهلا له، وجعله حق الناس والحق منه، ومن آوى يتامى الناس، فكانوا بيته وأهله، فكان علوي أبوتهم، وطبيعة أمومتهم، وقيامة وصلتهم، وسـاعة نجـدتهم لطريقهم وسـعادتهم، ومغفرة حسـابهم لحريتهم وشـفاعتهم، وأنس حشـرهم لجنتهم ووصلتهم، ومعاني قيامهم كلمات لله، من معاني قيامهم لحقيقتهم بدخولهم، بسـلامهم في سـلامه وبعزتهم في عزتـه، حرب لمن حاربهم، سـلم لمن سـالمهم، غفور لمن أنكره ما ذكر ربه، ذاكرا لمن جحده ما ذكر الله، مقاربا لمن باعده ما صدق في طلب الله… رحمة الله… عناية الله… يد الله… وجه الله… حق الله. ذلك من عرفناه محمدا، فكان لنا بالإسـلام والتسـليم له دين، وبمحبته وبوصلته، قرب ويقين.
ذلك من عرفناه محمدا، آدم وجود، وآدم ذات، وبيتا يذكر فيه اسـم الله، ظَاهَرَه بيت قديم، واسـتقبله بيت جديد، فكان لبيته القديم من خلال بيته إلى قيام بيته الجديد قضية من قضايا الحقيقة في لانهائي الله، كما كان لذاته عند الناس وللناس في الله قضية. أرسـله قديمه بالحق للناس قدوة وأسـوة كافة للناس، قائم حق يكسـبوه ما تابعوه، وما آمنوا به رسـولا لمعبودهم، قائما على أنفسـهم وواجب الوجود عندهم بوجودهم، المعروف لهم في عقولهم، وفيما لا يعقلون من أمرهم مما هو فوق عقولهم، قائما في عقائدهم بغرائزهم وحسـهم، وبذلك كانت قضيته عبدا وربا هي قضية كل إنسـان في نفسـه، من يكون؟ ولِمَ خلق؟ وممَ وجد؟ والى أي أمر يؤول؟ وكانت الصلاة عليه من قديمه والصلاة بالسـكينة منه على قادمه قضية كل إنسـان…
كما كان بيت شـهوده، وبيت وجوده، قضية كل بيت من إنسـان، وكل بيت لإنسـان، في معاني قديم بيته وقادم بيته وقائم البيت له. كان بعث القديم في أحسـن تقويم من خـلال القائم ليتواجد بالقادم في أحسـن تقويم. هو قضية البعث، يُعرّفها الدين، ويشـهدها اليقين، ويقومها القيام، ويكشـفها العلم، يقومها الناموس، وتقوم بها قوانين الحيـاة. كان بعث سـابق الحق له في قديم قديمه في قائم الحق به. كانت في قائمه وقادمه دورات الزمان، وبدايات الأزمان، ونهايات الخلائق والأكوان، فكان المعروف بالعصر وبالزمان والدهر. كان العلمية على الأول والآخر، خلقا وحقا، فيمن لا أول له ولا آخر له، حقا وخلقا، لدائم متكرر من أول وآخر، حقا وخلقا، فكان رسـول قديمه لعينه في قادمه من قائمه. صلى عليه القديم وملؤه، واتصل به القادم وملؤه، فتلاقى فيه كتابا للوجود قائما دائما بعترته القديم والقادم حقا وخلقا، فكان به الظاهر بوصف الجديد مرآة الباطن بوصف القديم، به عرفنا قائم الحق في صمدية الوجود، علما على معلوم الوجود للإنسـان ممن يبدأ الخلق ثم يعيده، والذي يعيده على ما بدأه لا ينفك له بدء عن انتهاء ولا انتهاء عن بدء، لا جديد في الحق ولا جديد في الخلق، ولا جديد في الوجود، ولا محدث للشـهود، ولكنها البدايات وأطوارها للنهايات وتداخلها وتعددها في الكائنات. إن الحق على ما هو قائم كان قائما بلا بدء، والحق على ما هو قائم سـيبقى قائما بلا انتهاء، وكذلك الخلق في جملته ووحدته على ما هو قائم كان قائما بلا بدء، وفي جملته ووحدته فيما هو قادم سـيبقى على ما هو قائم بلا انتهاء. فلا دين لمن يحرفون كلام الله عن مواضعه بزعم العلم به وبكتابه ولا حيـاة لقلوبهم، ولا نور لعقولهم، ولا نار لنفوسـهم، ولا سـكينة لذواتهم، ولا عقل لمن ينسـبون أنفسـهم إليه بزعم الاسـتقامة والقرب والولاية يفترضونها ويفرضونها لأنفسـهم فرضا، ويعرضون أنفسـهم على الناس بوصف النبيين، وبوصف أهل الذكر، وبوصف كلمات الله، عرضا هسـتيريا مسـرحيـا، لا جادة فيه ولا حق له.
لقد جُعل محمد العربي بعروبته للعروبة معنى ورسـالة، كما جُعل محمد الإنسـان للإنسـانية معنى ورسـالة، كما جُعل محمد الآدم لآدمية الأرض قياما ورسـالة، تكلم بالعربية، قرآنا، وحديثا، وبيانا، وقياما، فشـرفت العربية قوما ولسـانا في شـرف نطقه بها، إنسـانا عربيا، فكان للعروبة، بمجرد نطقه بالعربية بلاغا وبيانا، ومن مجرد ظهوره من أهلها من العرب، كيانا وأمرا وعنوانا. نطق بالعربية، فعرا الحق به، وعرا بلسـانه، فجعل لسـان أهل الجنة في الجنة عَربي، لأنه عرا بالحق، قياما ولسـانا.
أُرسـل رحمة للعالمين، بدأها رحمة لأهله وبيته، فقام بأهله وبيته، ثم ضحى بأهله وبيته، وهم كل ما يملك، لأهل أكبر، ولبيت أكبر، أهل من العرب، وبيت هو العروبـة، ثم ضحى بأهله وبيته من العروبة ممن ملك في سـبيل بيت أكبر، وأهل أكثر، في سـبيل الإنسـانية، فأذل العرب أهلا وبيتـا، للإنسـانية قيامـا، يوم انحرفـوا عن تعاليمه، وإن كان قد غفر لهم ما فعلوا بأهله وبيته، إلا أنه لم يغفر لهم العبث برسـالته وكتابـه، وإن كان قد صبر عليهم يوم انحرفوا عن بيته وطريق عترته وقد ابتلعتهم الدنيا عبادا لها، وما قادهم لسـيادة الدنيا عليهم ولكن لتكون أمة لهم، فسـودوا الأمة عليهم عبادا لها فسـادتهم وأذلتهم وما زالت، فذهبت عنهم به وبعزته سـيادتهم.
اسـتعمر الناس بلاد العرب جزاء أخطائهم لقيام حجة الله عليهم، وهي عليهم قائمة في دوام، وحجـة الرسـول بينهم وهي قائمة بدوام جديده دائمة في عيان وقيام، ولم يجعل الله للكافرين على المؤمنين سـبيلا. فهل أفـاق المسـلمون في ذلهم إلى مروقهم من أمر دينهم، وما قصد من تطهيرهم بإذلالـهم؟ وقد جعل الله بمحمد، رسـول حقيقته، وقيام حقه، وجماع عبده وربه، وطلب إليهم ما آمنوه، إلها، قادرا، أن يؤمنوا بعبده ورسـوله حقا حاضرا، وبشـرهم بتكاثره فيهم لهم عبادا للرحمن، يمشـون على الأرض هونا، علماء الغيب والشـهادة، إذا سـألـهم الناس عن الله دلوهم على طريقه في أنفسـهم، فكانوا مفاتيح الكنوز لله في بيته من قلوبهم، يكشـفون الغطاء عنهم أئمة لهم، ورحمة من الله بهم، خبراء عن الله بالله عبادا للرحمن، لم يعبدوا أنفسـهم لصفات قهره، أو لأسـماء عدلـه، ولكن عبدوا أنفسـهم لرحمته، فكانوا أحواض الحيـاة برحمته.
فقد العرب وفقد المسـلمون معهم الاسـتقامة على الدين، ونسـوا أو جهلوا أنه لا شـرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وأن الإسـلام دين الفطـرة وأن بلاغه الدائم في النفس وما يحيط بها من أحداث وظواهر الآفاق، ففقدوا صدارتهم ومكانتهم من الأرض ومن الناس، وعزتهم من الله، وعاشـوا في وهم من عزة وكرامة، وفي وهم من دين وسـلامة، ولكن من عرا به الله عربيا، وشـرف به العرب كلمة لله عبدا ونبيـا ولم يشـرف بهم وهو الغني عنهم بربه، وسـعد به العرب، ولم يسـعد بهم وهو السـعيد بقربه، وغنى به العرب، ولم يغنَ بهم وهو الغني برحمته، وعز به العرب ولم يُعز بهم، فقد كانت عزته بالله أعطاها لهم وللمؤمنين من كل جنس فكان عزة الله لكل من اعتز بالله فياضة ليعتز بها المؤمنين اعتزازا به، ولكن وهو الحليم الغفور غفر لقومه، وها هي رحمته بقومه الذين جهلوه، وذكره لقومه الذين نسـوه، تظهر بوادرها، وتقوم بواكيرها، فيسـتيقظ العرب والمسـلمون من كل مصر على مهل، وعلى خطو ثابت وئيد، نرجو أن يتواصل إلى مرجو الكمال في يقظة نرجو أن تزيد.
يتكلمون عن الوحدة، ولا إلـه إلا الله وحدتهم، وهي التي تعمل بينهم. ويتكلمون عن اسـتقامة الأهداف، ولا إلـه إلا الله هدفهم ينتظرهم. ويتكلمون عن وحدة صفوفهم، وبلا إلـه إلا الله تنتظم صفوفهم وهم في طريقهم بها للانتظام.
لقد جعل محمد، بوجوده من صحراء العرب، ومن الجنس العربي للعرب رسـالة إلى الجنس البشـري كله، ومن الصحراء مصدرا لحاجة القلوب هي رسـالة السـلام، ورسـالة المؤاخاة الإنسـانية، ورسـالة الإقنـاع، ورسـالة البيان، ورسـالة الكلام، فيها وعلى أعلامها، وشـعاراتها يجتمع جنس الإنسـان، لا شـرف لعربي على أعجمي إلا بالتقـوى. قوتها وقدرتها وسـلاحها محبـة الناس، ادفع بالتي هي أحسـن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. ومن عفا وأصلح فأجره على الله. يؤثرون على أنفسـهم ولو كانت بهم خصاصة.
محمد رسـول الله، والذين معه، أشـداء على الكفار، رحماء بينهم، ليس للمسـلمين، يقودهم الرسـول ويؤمهم، ويوجههم، ويلهمهم، ويأخذ بقيادهم، إمام جمعهم، وعلم دولتهم، في باطن أمرهم، يعنونه أمثال تظهر في ظاهر أمرهم، على ما هم في قائمه من قائم أمره بهم في باطن أمرهم به بباطن قيامه، وظاهر قيامهم. لم يجعل لهم في تعاليم الله إليهم حق في اسـتعمال القوة، إلا في حدود الدفاع عن أنفسـهم، وعن بيئتهم، وعن أوطانهم، وحريتهم، وحرية نشـر تعاليمهم، لا يتجاوزون ذلك إلى الاعتـداء على غيرهم، فإذا ظهروا بعزة الله، لا بعزة أنفسـهم فيما هو لهم كانوا قبلة للناس، ونبراسـا لهم، من كان يريد العزة فإن العزة لله جميعا. إن العزة لله، يفيض بها على رسـوله شـديد القوى، ويفيض بها منه على المؤمنين به وبرسـوله، فيجعل دولة الحق وصولته باسـم الحي القيوم قائمة بالله ورسـوله والمؤمنين، يشـهدون أعمال الناس معينين برحمة الله، مقيمين لعدالة الله وأحكام وأوامر الله، ويجعل من الناس ومن جماع الأجناس في كل الأوطان، رعية وشـعبا واحدا لرب وإلـه واحد، إلـهنا وإلـهكم واحد، وربنا وربكم واحد. اعملوا فسـيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. إن الله ورسوله والمؤمنين في باطن القيـام البشـري بوحدته في عوالمه لهم قيام متميز مقابل لظاهر هذا القيام في هذه العوالم، وما كان ظاهر القيام الكوني إلا التعبير عن قيامهم الحقيقي الثابت بعوالم الروح والحيـاة السـرمدية بالعالم الأكبر. فهذا القيام على ذاك القيـام عنوان (الظاهر مرآة الباطن)[١]، وهو في السـماء إلـه بحكمه وحكمته، وتدبيره وآياته، وعلمه ورسـالته، وهو في الأرض في نفس الوقت إلـه، بقيامه وحكمه وحكمته، وعباده ورسـالته، له في الأرض أمـره على ما تشـهدون من أمركم في أمـره، وله في السـماء أمره، على ما تطلبون من أمركم، في أمركم من أمره، {وفي السـماء رزقكم وما توعدون}[٢] وفي الأرض، {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}[٣]، والحـق بها ألا تكشـفون، خاب من دسـاها وأفلح من زكاها، فالله معكم لا تغيبوه عنكم، فعنـه تغيبون، وله يوما لا تشـهدون، إذ تبعثون إليه مفتقرين وله فاقرين ومنه يائسـين. إن الله معكم عاملين، في يومكم مشـاهدين، به قائمين، جعلكم خلائف الأرض مؤمنين، وجعلكم وجهه في السـماء للسـاجدين، يوم يبدل الأرض غير الأرض والسـموات للطالبين والعارفين، يوم تشـرق الأرض بنور ربها وهي به مشـرقة لعوالمها بين العالمين، يوم تظهر الأرض بالحـق من الله في كسـبها أمة له ظاهرة الإيمان به وقد أوحى لها وهي به ظاهـرة وله كاسـبة، ما اسـتقام أهلها، وما عُرفت الاسـتقامة لأهلها ففارقوا مادي قيامهم إلى روح تواجدهم، ارحموا من في الأرضأأ يرحمكم من في السـماء. والسـماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، فإلى الأرض رجعتكم وبعثكم يوم عن ركب الحيـاة تتخلفون. وبذلك كان الإسـلام دين ودولة هي دائرة الوجود، مملكة الله الأزلية، لله ورسـوله والمؤمنين.
بهذا كله جاء محمد الإنسـان، ليظهر به من محمد العروبة، ليقومه الفرد من أمته من العرب، فيكون رسـولا يعرو به للناس… ورُب حامل فقه لمن هو أفقه منه، ولا شـرف لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولكن بدءا منه ظهر الحق بأول العابدين، ليتحقق الناس سـيرا إليه، رضيه الله لنفسـه عبدا على الناس قيما، ورضيه للناس قدوة، ورضيه لدينه لسـانا وترجمانا، ورضيه للبشـرية كتابا، ورضي جمعه فيه له أهلا وبيتا، ورضي الطائفين به له أمة، ورضي الأمم في متابعة أمته إنسـانيةً، وفي هذا يكون للعرب بين الناس شـأنا، وتكون وحدة الـهدف في لا إلـه إلا الله شـعارهم، ووحدة الصف في لا إلـه إلا الله قيامهم، ووحدة الحق بها يوم يعرفون رسـول الله، ويرون فيه عَلم الله لجند الله وركب الله لإنسـانية الله لا عربي ولا أعجمي، ويرون في الناس أهلا وفي الأرض بيتا، وفي السـماء وجاء وظلا وسـقفا، وفي نور قلوبهم إلـها وربا، وفي ذواتهم رسـولا وعبدا.
ها نحن في شـهر الأمة، وها نحن في الجمعة اليتيمة من رمضان، نردد ونذكر الوحدة، وننشـد ونطلب الوحدة. ونحن إذ نفعل، إنما يفعل الله بنا، لينبهنا إلى رسـالة الوحدة بين السـماء والأرض، بين ظاهر الإنسـان وباطن الإنسـان، وها هو باطن الإنسـان يدانينا، ويسـهر علينا، ويأخذ بنواصينا إلى الخير، ويهدينا سـواء السـبيل، ويوائم بين ظلام نفوسـنا ونوراني نفسـه، فيشـرق بمصابيحه في مشـكاة الظلام من صدورنا، فيشـعل مشـاعل النور في قلوبنا، ويشـعل جذوة الحيـاة في نفوسـنا، ويحرر رقابنا من النار، ويعتق عقولنا من المادة، ويحررها للانطلاق والتأمل بعيدا عن التعصب والعصبية، كافرين بأخطاء الآباء، فلا أمجاد للمخطئين، ذاكرين لله في تقوى المتقين، واسـتقامة المسـتقيمين، وإحسـان المحسـنين، فالذكر لله وكفى وعبده الذي اصطفى، والاعتماد على الله، أقرب للإنسـان من حبل الوريد.
هذا ما يليق بنا أن نطلبه كمحمدين، وكمسـلمين، وكمؤمنين، وكعارفين، وكإنسـانية، تحمل القلب الصافي، والود الكبير، الأرض لها وطن، والجنس لها أهل، هذه هي تعاليم الإسـلام على ما يريد الله بها، وعلى ما قامها رسـوله، وعلى ما يليق بنا أن نقومها، في أكمل صورها، فلنقمها خطوة خطوة، ولنحققها لأنفسـنا خطوة خطوة. هذا الدين القيم أوغل فيه برفق، إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
أشـهد أن لا إلـه إلا الله، وأن محمدا رسـول الله.
اللهم يا من جعلت بها رواسـي أن تميد بنا بقلوب المؤمنين، اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان بك. اللهم انشـر بيننا الإيمان من قلوب القائمين به، والعلم من قلوب العالمين بك، والمعرفة من قلوب العارفين بك. اللهم أعلِ كلمتك، وانشـر رحمتك، وأشـرق في صدورنا بنورك. اللهم ارزقنا الرضا عنك، مرضيين منك. اللهم لا تجعل لنا ذنبا إلا غفرته، ولا عيبا إلا أصلحته، ولا انحرافا إلا قومته، ولا معنى للإنسـان بك فينا إلا أحييته. اللهم اجعل منا عبادا لك، وعبدا واحدا لك نحن له وجـوه، أنت به بيننا قائم، وبعزتك بمن أعززت، علينا حاكم، وبحكمتك فيه، من بحار علمك، لأمرنا محكم، ولعقولنا معلم. اللهم اجعلنا لا إلـه إلا الله، يا لا إلـه إلا الله، بعبدك وابن عبدك، ورسـولك، وجمـاع رسـلك، من جعلته لا إلـه إلا الله، وأقمته لا إلـه إلا الله، وجددته لا إلـه إلا الله، وكثرته لا إلـه إلا الله، ونشـرته لا إلـه إلا الله، وأحييته لا إلـه إلا الله، وبعثته لا إلـه إلا الله، وشـرفته لا إلـه إلا الله، فشـرف الناس بلا إلـه إلا الله، في الشـرف به لا إلـه إلا الله.
عباد الله… اعلموا أنه لا إلـه إلا الله، واعملوا للا إلـه إلا الله، وأبشـروا أن تكونوا لا إلـه إلا الله، يوم تؤمنونها، وبألسـنتكم لقلوبكم ترددونها، ومن قلوبكم بألسـنتكم تشـهدونها، فتقومونها لا إلـه إلا الله، فتدخلون في حصن لا إلـه إلا الله.
لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله.
أضواء على الطريق
(إن الحق لا يضار أبدا. الحق لا يتلف أبدا. إنه قد يتقهقر. إنه قد يحتجب. ولكنه لا يدفن إلى الأبد. كل شـيء حق لا يتلف لأن الحق سـوف يبزغ على الدوام مهما كان سـمك طبقة الضلال الذي يتراكم فوقه. لا يمكنكم إخضاع الحق إلى الأبد. الحقائق التي نقف بجانبها لها دور هام في عالمكم. وعندما تتبلبل الخواطـر دائما يختبر الناس التعاليم التي تعلقوا بها طوال السـنين، ويعجبون هل سـيكون في مقدور هذه أن تمنحهم الراحة والمسـاعدة في أيام البأسـاء والضراء.
وليس من الممكن ترك صدق الحقائق الروحية جانبا. إنه لشـيء أسـاسي أن نبين أنكم أطفال الروح الأعظم جميعا. ولكم أنصبة روحية عليكم أن تحصلوا عليها كيما تجدوا مكانكم الحقيقي في العالم وتسـاهموا في المشـروع العظيم للخلق اللانهائي الأبدي.
من الناس من يشـك في وجودنا، ومنهم من يشـك في مقدرتنا. إنا لم ندعِ القدرة على كل شـيء. لطالما علمنا أننا ذووا إمكانيات محدودة. ولكن لا تشـكوا في قدرتنا على مسـاعدتكم. لدينا مقـدرة، مقدرة الروح. إنها المادة التي تصنع وتتشـكل منها كل الحيـاة. وأينما تمدوننا بالظروف والأحوال الصحيحة يمكن اسـتخدام هذه القوة لحمايتكم ولمسـاعدتكم، لا لغاية أنانية وإنما لأنه في تدفقها خلالكم سـوف تتصلون بالآخرين وتسـاعدونهم ليصبحوا مسـتجيبين لتأثيرنا. إن الأيام التي أمامكم ليسـت سـهلة ولكن بالتعاون والرغبة في نتائج سـليمة في العدل المشـبع بالرحمة، وبإزالة كل أفكار الكراهية والثأر يمكن أن يصبح على أبوابكم مسـتقبل شـديد الازدهار).
من هدي السـيد (سلفربرش)