(٨)

الإنسان
الذكر المحدث للذكر القديم
في قائم الله الرحمن الرحيم

حديث الجمعة

١٤ رمضان ١٣٨٢ هـ - ٨ فبراير ١٩٦٣ م

إنا للـــــــــــــــــــــه

وإنا إليـــــــه راجعــون

إنا بالله قائمون، وإنا إلى الله بأنفسـنا راجعون. هذه هي الحقيقة التي قام فيها الإسـلام دين كتاب، وأسـفر بوجهه عن قائم وجـوده دين الفطرة، وفطرة الدين. مثّله محمد، بفطرته إنسـان الفطرة في قيامه، يوم قـام بمجيء بمولد مسـفرا ببلاغ، منصتا لسـماع، ناطقا ببيان، صفوة لإنسـان، وقياما لإنسـان، وبدءا لإنسـان، فدار بإنسـانه في دورة الإنسـان بين حقيقته وخليقته، يقـوم خلقه من حقه، ويقوم حقه من خلقه. بُعث بالحق من حقية خلقه، وغفر له ما تقدم وما تأخر، وما قام، مما يصدر عن معنى الخلق فيه إلى معنى الحق به من ذنبه.

قام الإسـلام دينا مرضيا من الفطرة، يوم قالت الفطرة ما سـبق أن ردَّدت وأظهرت، رضيت لكم الإسـلام دينـا، ويوم قالت الفطرة بما سـبق أن فعلت، أتممت عليكم نعمتي، وأظهرت الحـق إنسـانا. أظهرته على الدين كله، فظهر على الدين كله وبه ظهر الدين كله. وبذلك تواجد الإنسـان بقديمه بمعاني العبد، وأسـفر الإنسـان بحقه بمعاني الرب، وعرف الإنسـان بحقيقته بمعاني الإلـه، وظهر وجه الكل بإظهاره وجها لمن هو الكل. عنونته كلمة الله بباطن لا يدرك إلا لكائنها، وبظاهر مدرك في ذات الإنسـان، وغيبيته لبشــرية صفاته هي واحديته لأحديته في معناه وذاته.

لم يكن محمد بدعا من الرسـل، ولم يكن بدعا من العباد، ولم يكن بدعا من الإنسـان، فقد عرف ذلك كله، وقام ذلك كله، كما قامه في الله قائم من قبله بمعناه، ويقومه في الله قائم من بعده بمعناه، وهو ومن قبله وهو ومن بعده، رفاق في الله لا يعرفون معنى التعدد لهم ولا الفرقة لجمعهم بآحادهم، هم عباد لله أرباب في خدمة الناس في سـائر عوالمهم، آلـهة للناس بالإنكار على ذواتهم لقائم ودائم فعلهم، ملوك على الناس بربهم خلفاءه على أراضيه من ذواتهم، لا يخدمهم الناس ولكن يخدمون الناس، لا يحتاجون إلى الناس ولكن يحتاج إليهم الناس. يفتقرون إلى الله في دوام وهم الأغنيـاء به، ويفتقر إليهم النـاس افتقارا إلى الله، ويتعارفون إلى الناس تعارفا مع الله لا يعرفون له أغيار في الوجود.

بمحمد ظهرت أزلية رسـالة الله، وقامت أبدية رسـالة الله، بإدراك الـهدي بها صفة له للإنسـان به. وبذلك قام عباد الرحمن من الإنسـان يمشــون على الأرض هونا، يخفضون جناح الذل من الرحمة للمؤمنين، ويسـتكبرون على أهل الكبر من الطغاة المتكبرين.

وبقيام إنسـان الإسـلام بمحمد رضي قديم الإنسـان في قيامه جديد الإنسـان لقيامه، وتعهد قديم الإنسـان بدائم قيامه بالاتصال بجديد الإنسـان في أبدي قيامه، وبذلك انقطع وصف الإنباء والنبوة والآباء والأبوة من وصف الإنسـان، إلى معاني الفطرة له تقوم وتعلم بوصلة الرفاق الأعلى والأدنى. وبذلك تميزت رسـالة الإسـلام مع محمد عن رسـالة الإسـلام مع من قبله من أنبياء الفطرة ورسـلها، كما تميزت بالتعريف عن قائم الفطرة ودائم انفعالـها، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}[١]،{كنتم خير أمـة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}[٢]، تعرف الله ظاهرا لا يغيب، وتعرفـه غيبا لا يدرك، وتعرف الإنسـان فيه من ظاهر الفطرة إلى غيبها، ومن غيب الفطرة إلى ظاهرها وجها له، فتعرف الإنسـان آتيا من أعماق الغيوب إلى قائم الشــهادة، رقيا له وارتقاء فيه، بيتا يوضع يذكر فيه اسـم الله، وتعرف الإنسـان راقيا من الشــهادة عارجا إلى أعماق الغيوب رقيا فيه وارتقاء له بيتا يرفع يذكر فيه اسـم الله.

إن الإسـلام كدين كتاب ما هو إلا كشــف النقاب بأعلام عن قائم الفطرة، والعمل به طريقا وسـلوكا يجعل ما عرَّف عنه قياما محسوسـا مدركا، كما يجعل من قوانين الفطرة خلقا قابلا للإدراك وللقيام بما نشــهد من أمر الفطرة في أنفسـنا وفي الطبيعة، وبما يتكشــف من قوانينها، ومن قدراتها، ومن فعلها، ومن تدبيرها، ومن وعيها، ومن حكمتها، ومن انتظامها، ومن صمديتها، ومن دوامها، ومن أزليتها وأبديتها في سـرمديتها، لا يجد علينا من أمرها إلا الوعي عنها، ولا يجد على قيامنا ومسـلكنا بوعينا إلا اسـتقامتنا على ما ندرك، واسـتقامتنا مع قوانين قيامها، منتجة لآثارها فينا، وقيامها بنا، مدركة لمعيتها معنا، ووحدانيتها لنا، ووحدانيتنا بها، حتى ينعكس ما بنـا من وحدانيتها لنا على كل ما نرى ونسـمع ونشــم ونلمس ونعقل من وحدانيتنا بها.

إذا عرفنا الإسـلام كدين كتاب وإنه إنما هو العلم عن الفطرة وقوانينها، وعن الوجود القائم وصفاته وقدراته وحكمته، نتواجد فيه ونقوم به وفق مراده وتحت سـلطان قدرته، في حكمة منه لإنشــائنا لنفسـه نعرفها يوم نعرف فينا عنه، ويوم نعرف عن أنفسـنا منه، لكان لنا في هذا حيـاتنا من عملنا وسـعادتنا من وصلته بنا وصلتنا به.

بدأنا فيما نعلم من تراب، ومن أنفسـنا، ومما لا نعلم، في معراج إليه حتى وصل بنا إلى أحسـن تقويم، وجوها له، وحقائق فيه، برحمته بنا، وبعزته في وجوده لا شــريك له، وبوحدانيته لا قائم غيره، ثم كلف من حقق أن يعود لمن لم يتخلق فيتحقق فرجع الإنسـان بأحسـن تقويم إلى الإنسـان تحت سـلطان الفطرة، وتحت سـلطان الطبيعة، وتحت سـلطان نفسـه، ضالة غير مهتدية، حائرة غير مرتضية، قلقة تعيسـة في قطيعتها منها عنها عن وصلتها بها لها، متعجلة معناها لها بربها. وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا! فجاءه قديم نوعه هاديا ممن له أوجد ليُعرف، وبه تواجد ليتعارف، رسـلا من أنفسـهم، ختمها عبده، ورسـوله، وكتابه، وحقه، ووجهه، وإنسـانه، وفطرته، ويده، وقدرته، وعلمه، ورحمته، وحكمه، وحكمته، وتدبيره وعزته، من عرفناه لنا عبد الله ورسـول الله والحق من الله، بلفظ ذكرناه ما اتصفناه، ولنا أن نكون معناه يوم نؤول إلى معناه، بحقي معناه، فنعلم أن فينا رسـول الله، يوم تحيا فينا الضمائر، وتبعث بنا السـرائر. لقد أبرز الله من قبله سـليمانا (سـليم أنا) يسـلك طريقه إلى نفسـه، فيعتز بكرم الله عليه في حاضره، وبآلائه له، وبنعمته عليه، ويعتز بنفسـه لذكره - أن به اسـم الله، لا مؤثرا، ولا متقبلا للشــريك له في مولاه، {وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي}[٣]، فأعطاه ربه ما طلب، وسلكه طريقه، في نفسـه، مرتقيا بنفسـه، على نفسـه، في ملك له، ليسـتأثر به لنفسـه، في نفسـه، لا يتعارف إلى جمع، ولا يتواصى في جمع بحق، ولكنه يقوم في سـلطانه بسـلطانه، ولا يعرف إلا سـلطان نفسـه، عبدا ملك داره وزمامها، وسـاد الدار وروادها، وملك زوارها وجوارها، وتواجـدت فيه صفات معانيه، منفردا في مسـلكه ومراقيه، لم يرتضيه الله لمعانيه من رحمتـه وإن أقامه ربه في عظمة الله تعبيرا وعلما على معناه من عظمة، وحذر الناس أن يطلبوا لأنفسـهم هذا المعنى، كما حذرهم أن يقعوا تحت سـلطان هذا المعنى، (العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، شاركني في شيء منهما قصمته ولا أبالي)[٤].

إن سـليمان الحكيم كان بسـم الله الرحمن الرحيم فيما كان، ولم يجعل قدوة للناس من الإنسـان، فهو في هذه الزاوية وهذه الصفة لله الرحمن الرحيم أسـفر به معنىً فيه، ووجها له، وقياما به، في كبريائه وعظمته أمرا لعباده لا يرتضيه فهو يظهره ويفنيه.

لم يشــارك سـليمان الله في عظمته ولا في كبريائه، ولكنه أحب من الله الكبرياء والعظمة، فجعله الله في الكبرياء والعظمة علما عليهما ثم أفنـاه ما أبقاه، وضرب به مثلا لرفع الهوان عمن أراد الله لهم الـهوان، {لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين}[٥]، جعله مثلا لأصحاب النار وملائكتها من الإنسـان. لم يؤلف القلوب له ولم يرفعه مكانا عليا على مُثل من رحمته من أصحاب الرضوان، ولم يسـوِ بينه وبين العديد ممن جعلهم أيدي رحمته، ووجوه نعمته، وأحواض الحيـاة منه، من أعطاهم فردوس أنفسـهم دارا لجنان، وجزاهم غرفة العنوان، ووصفهم بأهل بيت الإحسـان. {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون}[٦]، {إن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسـنون}[٧].

ولقد جعل الله مثالا لأهل هذا المعنى من أهل الإحسـان المسـيح وأمه، إذ جعل من عيسـى كلمة لله، مرضية، ومن فردوس نفسـه جنة لله عالية، يجلس فيها مع إخوان له على سـرر متقابلين، في الله يتواصون، وعن الله يتحدثون، وعن المعرفة والعلم يتذاكرون، وفي أمر بني إسـرائيل وأسـباط إسـرائيل يحكمون. وضرب به مثلا للمسـلمين، وللمؤمنين، وللصادقين، وللطارقين، وللسـالكين، وللعارفين، ممن لله يذكرون، وفي الله يقومون {في مقعد صدق عند مليك مقتدر}[٨]، ثم جـاء بمحمد عليه السـلام، فأبرز به حكمته بسـليمان، ورحمته بابن عمران، فأعطاه من قدرته، بقدر ما تسـتقيم معه وبه حكمته، (وا عجبي لأناس يجرون إلى الجنة بالسـلاسـل)[٩]، {وما أرسـلناك إلا رحمة للعالمين}[١٠]، وجعل من بيته وأهله وعترته كلمات لله، وأبناء للإنسان، وجعل منهم حقا راعيا، وربا سـاهرا داعيا، أولى بالمؤمنين من أنفسـهم وأزواجه أمهاتهم، كما ساق الناس إلى خيرهم بما أبرز في أمته بأصحابه من سليمان وسـليمان. أبرز الله به وبهم إنسـان آدم بأوادمه يوم يتواجد آدم على صورته في ناموس ظهوره ظاهرا لباطن لا تتوقف دورته في صمديته. أبرز الله به آدما بذاته ذاتا في عين ذاته، وظهر به روحا تدانيه، تظهره بمعانيها في عين معناه لمعانيه، وتخبره بمعانيها تواجدا من سـبق معناه لسـابق لمعانيه، سـواه الأقدم لقديم إنسـانه، بقائم إنسـانه، وبشَّــره بعينه في قادم عنوانه لإنسـانه.

لقد قام محمد للناس وبين الناس بقدوته وأسـوته، بشــرى للناس لما يؤول إليه أمر الناس. عَلّمه مَن آل محمد فوعى وبدعوته دعا، فقام ببصيرته، فتجددت به في الناس جلدته بها يتكاثر وبالناس يتدثر، ثم بمعناه لمعناهم يتناثر. ودانته حقائقه، تتواجد وتمتد، وتنتشــر فتتزايد.

جمع محمد بين الطريقين من إنسـان الغيب إلى إنسـان الشــهادة، إنباءً وخَبرًا، ومن إنسـان الشــهادة حيـاة وخلقا، إلى إنسـان الحق قياما ومسـلكا وطلبا، فكان للناس إماما وهديا وخلاصا.

بذلك أكمل الله للإنسـان به ظهور الله فيه، وظهور الله حوله، وغيب الإنسـان على الإنسـان معروفا وموصوفا، فكان الحق على ما شُــهد، وكان الحق عِلمَا منه على ما شَــهِد، عرَّف الحق أينما نولى فوجهه، وعرَّف الحق، كيفما وأينما ننعكس في أنفسـنا، هو معيتنا، ونحن له جهره وسـره، لا نحيط بشــيء من علمه إلا بما شــاء أن يحوطنا في معلومنا عنا، ولا نظهر بوجه له إلا بقدر آلائه بمعلومه بنا عنه.

علِمناه لا إلـه إلا الله، بأنفسـنا فينا بها ندركه في كل ما نسـمع ونحس ونعقل ونشــم ونشــهد، وعلمناه الحق حقا بمحمد رسـول الله، كلما أُلناه، وصرنا بمتابعة في معناه، وعلى بصيرة لاقيناه معنىً للحق قائما بمعنى رسـالة الله الأزلية القائمة الأبدية، فبمحمد لا تتوقف من ربه آلاؤه، ولا تتعطل رحمته، ولا يحد اصطفاؤه، ولا يجز عطاؤه ربا من إله واحد، لا شــريك له من أنفسـنا، ولا شــريك له من مجتمعنا، ولا شــريك له من أهل الأمر علينا، ولا شــريك له من طاغية أو مسـتبد بنا، ولا شــريك له من عبد أو عالم أو عليم، برزوا لله جميعا لهم مالك، ولهم مسـخر، وبهم حكيم عزيز قادر.

بذلك ظهرت الفطرة بوحدانيتها، وظهر الكتاب بفطرته، وقامت الفطرة على كتابها، واسـتقام الأمر عند مأموره بآمره. لا جديد تحت الشــمس، ولا جديد في الحق، الله في كل شــأن وكل يوم له شــأن، والله في كل يوم وفي كل شــأن له يوم، {وإن الدين لواقع}[١١]

يظهر ظاهرا لمن يطلبه ظاهرا، ويختفي على من ينكره معروفا، ويتعارف إلى من يعرفه لا يتصف.

ويتصف، فيمن عرفه بوحدانيته بصفاته.

الإنسـان مظهره، وهو للإنسان جوهره.

والإنسـان جنده، وهو للإنسـان قديمه وأثره.

الإنسـان فيه بين إله ورب وعبد، وعبد ورب وإله.

الإنسـان فيه، شهادة إلى غيب، وغيب إلى شــهادة.

الإنسـان فيه، الظاهر والباطن به، والظاهر والباطن منه.

اصطفى كل أصل له، وكرَّم كل فرع فيه.

علَّمه الأسماء كلها أصلا أما وأبا، وكرمه وفضله على كثير مما خلق فرعا وولدا.

وجعل في اصطفائه قياما للمعروف، ووصفا لخير الموصوف، وجه حقه، وتمام كلمته.

إن الإنسـان، ما بين ظهوره بآدم في معناه، وبطونه بآدم إنسـانا لأبناء، هو الظاهر والباطن من الله. إن الله للإنسـان عبدا له بالإنسـان، رسـولا منه عن الإنسـان، مرسـلا إليه أقرب إليه من حبل الوريد، قائما فيه على كل نفس، متعارف إليه يوم يعكس بصره في بصيرته فيرى بمرآة قلبه من ليس كمثله شيء وهو بوجهه كل شيء.

هكذا عرف محمد ربه وإلهه، وعرف في ربه وإلهه نفسـه، عبادا لله في وحدة منه، فقدر الله حق قدره، وعرفه على ما يليق به. عرف محمد ربه إنسانا، وإلهه إنسانا، وصفهما بالرفيق الأعلى يوم عرف نفسـه إنسانا، وجعل من معروفه عن معنى الله ما هو أكبر، فعرفه الله أكبر وأكبر، وأن الله بوجهه، بمن يصطفي، وبمن يجتبي، وبمن إليه يتعارف عبادا له. وبذلك تجاوز محمد رسالة شعب الله المختار في أبناء يعقوب، وآبائه إلى إبراهيم وإلى نوح، وإلى آدم قياما بآدم لذاتـه وبأوادم سـبقه لمعناه إنسـان الله وعبده ورسـوله، وجاء البشــرية بما لم يجئها به من قبل رسـول. لقد عرف الرسـل من قبل الله بأصلهم الأول في إنسـان آدميتهم، وكانت نهاية المعرفة عندهم في معروفهم أن يخاطبوه (أبانا الذي في السـموات)[١٢]، فيوم قال يعقوب لبنيه {ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلـهك وإلـه آبائك إبراهيم وإسـماعيل وإسـحق إلـها واحدا ونحن له مسـلمون}[١٣]، إنما عنوا كلمة الله التامة بكلمة إلهك، أي غيبك يا من هو به ظاهر لنا أبا، وبذلك كانت نهاية المعرفة عند بني إسـرائيل أن يقول الأبناء للأب يا إلـهنا، يا ربنا، يا من هو ظاهر الأب لنا لا يغيب، يا من التحق بالأب الأول فكانه، وظهر به ابنا له، وجعل منا أبناءً لهذا الأب. هذه عقيدة بني إسـرائيل، وهذه نهاية المعرفة عند شــعب الله المختار الذي جعل من إبراهيم بدؤه وقد جعل في ذريته الكتاب والنبوة، وقد جعل من محمد ختمه، وبعثه، وجماعه، وتجديده بأصله من نوح إلى موسـى بعثا لآدم وكلمة الله التامة به. {هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}[١٤].

إن محمدا لم ينكر على هذا الوعي ولم يرفضه، ولم يسـفه هذه الأحلام وقال على لسـان الله في دائرة هذا المعنى، (ما ظهرت في شــيء مثل ظهوري في الإنسـان) ، وقال الله في دائرة هـذا المعنى واصفا محمدا بهذا المعنى، { وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا }[١٥]، {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا}[١٦]، وإن بيوتا من قبل رفعت ذكر فيها اسـمه، وما زال يذكـر فيها اسـمه، وإن أول بيت وضع للناس لن يكون آخر بيت يوضع للناس، فهو بيت لله وضع للناس، يذكر فيه اسـمه، يعقبه بيوت توضع للناس يذكر فيها اسـمه، ما تابع الناس محمدا بيتا موضوعا، فسلكوا إلى الله مسـلكهم، غير متثاقلين إلى الأرض، بيوتا مرفوعة، يجزون الغرفة بما صبروا، فإذا انشــقت سـماؤهم كان لهم حق العودة إلى الأرض بفرعهم بيوتا موضوعة، وهنا يقول محمد اتبعوني يحببكم الله، وإن أحبكم الله، واصطفاكم لنفسـه، كان لكم من الله ما لي. إن نهاية ما وصل إليه الإنسـان من قبل محمد، إنما هو الإنسـان وهو ما عرفه محمد لنفسـه بمعنى العبد.

إن محمدا هذا على ما هو، هو ما بشــرت به رسـالة بني إسـرائيل، على ما هي، فقال أنبياؤهم، وجاء في كتبهم، إن الأرض يأتيها نبي الأمم، يأتيها روح القدس، يأتيها صاحب البيوت، يأتيها مدينة العلم، يأتيها من يحل في البلد ووالد وما ولد، يأتيها من يدخل الناس في دينه أفواجا، يأتيها من كل من يتابعه، يصبح كلمة لله إنجيله في صدره، وولدا للإنسـان، ووجها لله ذو الجلال والإكرام، هو أولى بالمؤمنين به من أنفسـهم، لأن كل مؤمن به هو في بيته، ويكون مدخله في بيته بداية في حقه، يأمره إنسـانه وربه وإلهه بالصلاة، حتى يتهيأ لرحمة الله ولنفحات الله، فيسـوي الله بينه وبين أبيه، ويجعل منه آدما يصطفيه.

بمحمد أصبحت كلمة الله حقا يكسـب للناس باجتهاد الناس في المتعرض لرحمته ونفاذ وعده، وأصبح وصف آدم أمرا يتعرض له الناس يوم يرتضيهم الله لنفسـه، ويجعل منهم بدءا لخلقه ووجها لمعناه، وبيتا لحضرته، وعالما يعرف مولاه، ويذكر فيه الله بوحدانيته.

لقد أصبح إسـرائيل وبنو إسـرائيل في محمد زاوية من زواياه، ومعنىً من معناه، وقياما من حقه في جوهره ومبناه، نبي الأمم حقا، ونبي المعرفة حقا، فيه سـفن الخلاص، من مبانيه لمعانيه في خلقيته تطورا إلى عينه بمعانيه وربانيه في حقيته، قُدر به الله، وبه ذكر الله، وبه عُرف الله، وبه ظهر الله، وبه تعالى الله، به كُرم أبناء آدم، وبه تمت النعمة لآدم في اصطفائه، وبه ارتقى آدم إلى صفائه، وبه عاد آدم إلى الخلق بإنائه رسولا من أنفسـهم، صلى عليه الغيب وعوالمه، وطُلب للشــهادة أن تتعرض لصلته وصلاته، بالصلاة عليه.

قديم الحق به يظهر، وقادم الحق به يعمل، رسـول الحق إلى الخلق، نبيا، مصلحا، ورسـول الخلق إلى الحق، إماما هاديا مخلصا.

رحمة المطلق للمرحوم به حضرة رحمته، عبد الله دائما وإن تألهه، المتواضع دائما وإن تعالى، والرب الخادم الذي يخفض جناح الذل، لمن يرعى ويرحم، بحكمته، بسـعته، برحمته، بعلمه، بسـكينته، نهاية المعارف، وبداية ما يشــرف، وانقضاء ما يشــقي، وسـفينة ما يسـعد.

إن محمدا، وقد فتح للناس أبواب حضرات الله في كل حضراته، وبكل صفاته، وتميز برحمتـه، وخصه الله بباب رحمته، وارتضى له الله عنوانا وبيانا حضرة رحمته، وجعله الله للناس حوض رحمته، {وما أرسـلناك إلا رحمة للعالمين}[١٧]

فهل نطلبه؟ هل نسـعده؟ هل نعمل لنقومه؟ هل نعتقده قائما؟ هل نراه قريبا؟ هل نؤمنه حبيبا؟ هل نسـتمعه مناديا؟ هل نلبيه قائدا؟ هذا الذي تذكرون أنكم على دينه، وترون مع الناس أنكم في دينه، ولسـتم في ذلك إلا ما آمنتم بما تسـمعون، وصدقتم ما تشـهدون، وأدركتم ما تعلمون، واستقمتم على ما تعرفون، فكانت لله فيكم قيامة، وكان لكم بفعلكم من الله سلامة، قيامة تعرفونها وتحسـونها، وخلاصا وسـلاما تدركونه، وتحسـونه، فتزحزحون عن النار، وتفوزون بالجنة، يوم تجافون أنفسـكم، وتعزلونها عن أوانيكم مع روادكم فتتعلمون الموت، وتقومون المسـح، إذ ينفخ الله من روحه فيكم، نورا على نور، وروحا على روح، وأمرا على أمر، وحقا على حق، وقيـاما على قيام، يوم يقوم محمد روح الله في أوانيكم، ويتقلب فيكم سـجودا لربه ثم به تبعثون، ولربه تذكرون، فتعلمون حقا أنه خلقكم أزواجا، وأقامكم أزواجا، وأنه خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض، وأنه خلق الأزواج كلها من الأرض، ومما تنبت الأرض، ومن أنفسـكم، ومما لا تعلمون.

بذلك في الله تقومون، وبدينه تعملون، وبرسـوله تشــهدون وترحمون. لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله عز على الإحاطة وعز على المكافأة والمثال.

اللهم إني أعوذ بك أن أقول زورا، أو أن أغشــى فجورا، أو أن أكون بك مغرورا، اللهم اجعل لنا بمحمد قيام، واجعل به منك لنا سـلام، أنزل به سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا، اللهم به فصلنا، وبنا له فصله، ولا تجعل بيننا وبينك عائقا من أنفسـنا، ولا من أوزار قيامنا، بإدخالنا في سـاحة قيامه، وفي بنيان سـلامه وأعلامه، وفي روح انطلاقه، وفي عظمة روحه، من عظمة لانهائيك بروحك في وجودك ذاتا بسـعتها لا تحاط ولا تدرك، وروحا في مطلق لانهائي لا يبلغ. الكل بذاته في ذاتك سـابح، والكل بروحه من روحك مسـتمد، لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين، اللهم ضع عنا أوزارنا، واكشـف حجاب الغفلة عنا، وأنر بنور رسـولك عقولنا، وأحيِ به صورنا، وأوجـدنا بأنانيته عبادا لك، أحيِ به أنانيتنا، وابعث به أممنا أمما فيه وأمما لك، وولِ اللهم أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شــرارنا، وأعلِ كلمة الحق فينا بك وبرسـولك، وأعلِ كلمة الحق علينا بك وبرسـولك، وأعنا وارعنا بكلمة الحق منك برسـولك. لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك.

أضواء على الطريق

(أنا يا من تدعونه سـلفربرش أسـتودعكم الله. بعد لحظة قصيرة أكون في المسـتويات التي عشـت فيها سنوات طويلة، كيما أحس مرة أخرى بتلك القدرة الحيوية الروحية المتجددة في إكسـيرها البالغة الكمال في كل جمالـها، والتي تجعلك تدرك ماهية الحيـاة عندما تسـتطيع تذوقها في ممالك الروح العليا.

كيف أتمكن من وصف السـمو الروحي في كلمات؟ كيف أسـتطيع وصف السـرور والفرح عند اجتماع الكائنات التي تشــع الضوء العظيم للروح الأعظم، هؤلاء الذين امتلأوا حكمة وفهما ومودة وعطفا، الذي يعلمون كل شـيء قبل أن تنبس به؟ الذين يعرفون دخيلة أفكارك، الذين يرون أعمال عقلك، الذين يعرفون عن نجاحك وفشلك؟

عندما أترككم لا أرتبط بعد ذلك بقوة جذب الأرض ولا حتى بذبذباتها. إني أترك ورائي الجسـم النجمي الذي أظهر لكم من خلالـه، وأقتصر على الجسـم الروحي الخاص بي، والذي يكون عادة شــبه مخلوع عندما أتحدث معكم هنا، والذي أترك فيه جزءا من وعيي عند انطلاقي إلى العوالم الأعلى حتى يمنع فسـاده عندما أنسـحب لأسـجل المزيد والمزيد من وعيي الداخلي، وإن كنت غالبا لا أنجح في الوصول إلى الوعي الذي كنت أبديه قبل مجيئي إلى عالمكم المادي، إذ لا أسـتطيع في أيام قليلة أن أؤدي ما اسـتغرق سـنين. هذا هو السـبب في أنني أسـعى لكسـب فترة أطول بقدر الإمكان، إذ أنه بزيادة الوقت الذي يمكنني اسـتغلالـه في التحرر من ذبذبات الأرض يزداد علو درجة الوعي التي أسـجلها في مسـتويات الروح التي أريد الوصول إليها، وهي العوالم التي ضحيت بالحيـاة فيها من أجلكم راضيا بخدمتي لكم).

من هدي السـيد (سـلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  2. سورة آل عمران - ١١٠ ↩︎

  3. سورة ص - ٣٥ ↩︎

  4. حديث قدسي: “الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما، قذفته في النار.” صحيح مسلم، أخرجه أحمد وأبو داود. ↩︎

  5. سورة سبأ- ١٤ ↩︎

  6. سورة الحشر - ٢٠ ↩︎

  7. سورة النحل - ١٢٨ ↩︎

  8. سورة القمر - ٥٥ ↩︎

  9. حديث شريف: “عجِب اللَّه من قوم يدخلون الجنة في السلاسل.” صحيح البخاري. كما جاء بلفظ “عجبتُ لأقوامٍ يُقادونَ إلى الجنةِ في السلاسلِ وهم كارهونَ.” أخرجه ابن الأعرابي في معجمه، وأبو نعيم في حلية الأولياء. ↩︎

  10. سورة الأنبياء - ١٠٧ ↩︎

  11. سورة الذاريات - ٦ ↩︎

  12. الصلاة الربية في الإنجيل: لوقا: ١١: ٢ ↩︎

  13. سورة البقرة - ١٣٣ ↩︎

  14. سورة الأنبياء - ٩٢ ↩︎

  15. سورة الإسراء - ٨١ ↩︎

  16. سورة آل عمران - ٩٦ ↩︎

  17. سورة الأنبياء - ١٠٧ ↩︎