(٧)

قالب صار قلبا
ومخلوق صار خلقا
وجزء صار كلا
فقام الحق وزهق الباطل
انتقال مصطفى محمد كامل

حديث الجمعة

٧ رمضان ١٣٨٢ هـ - ١ فبراير ١٩٦٣ م

(كان مُجِدَّا في الله، يبحث عنه في نفسـه، فهداه الله إليه. كان جادا وكان مجدا في الله، فاحتسـبه الله لنفسـه. كان جادا وكان مجدا في الله، فاصطفاه الله لنفسـه. كان مسترشـدا بإمامه، وبهدي رسـوله، قائما مؤمنا بمرشـده، فاجتباه الله لنفسـه.

مصطفى… ما غاب عنكم ولن يغيب، وكيف يغيب وهو رجل جند في الله، فأصبح لا فناء له، ولا عزاء فيه! فالعزاء فيمن يفنى، ولا عزاء في قائم.

كان مسـتقيما صادقا في الله، متابعا لإمامه، مسـتقبلا قبلة ربه من بيت مرشـده بجهاز وسـيطه، فهداه الله لنفسـه. لا أود أن أراكم محزونين من أجله، ولا تلبسـوا شـعار الحداد من أجله، بل صلوا من أجله، وادعو له بالخير، فما زال أخوكم مصطفى بخير، وما زلنا نعمل من أجله.

فحمدا لله وشـكرا له على ما هداه إليه، حمدا لله وشـكرا له لقد بدأ أن يفيق من غيبوبته ومن سـباته، هناك من يعمل بجانبه وكان أقربكم إليه صحبة، ليأنس به، وليطمئن إليه، إنه أخوكم قدري. لقد بدأت هذه الأسـرة أن تتكون لتعمل في رسـالتها ما بين العالمين، ندعو الله لكم وله التوفيق حتى يحقق الله لكم آمالكم في الله، وكمالكم في عالمكم، إنه سـميع مجيب.)

هذه هي عبارة السـماء إذ تتحدث عن رجل من أبناء الروح ومن أبناء الأرض، جند في الطريق في حيـاة المجاهدة والكسـب، قياما في المادة وجهازها من دنيانا، وداني إدراكنا، فصبر وصابر، ولبى نداء رسـول الله، وعرف أن الصلة بين العبد وربه هي الصلاة، وأن الإيمان بالله إنما هو الإيمان بقدسـية الحيـاة، وأن المتابعة لمحل عقيدة من أبوة أو أخوة إمام من أنفسـنا هي الطريق، وأن بذل وتبادل المحبة للناس ومع الناس، والمتابعة للإمام أو الرائد تنتج أثرها في عاجل الحيـاة قبل آجلها، فتغير الطريق لسـالكها، وتفتح الأبواب لطارقها، فتعلم نفسـه ما قدمت وأخرت، فتسترشـد فيما علمت بما يُقـوم طريقها فيما طلبت، فعلمت لتسـتكمل، واسـتكملت لتتكامل، وتكاملت لترتقي إلى كمال بعد كمال في معراج لا يتوقف، مسـتقبلة لعطاء لا يجز في مسـير لا ينتهي.

إن خير الأمور الوسـط. إن الإنسـان في أعلى عليين مهما علا فهو دون عالي من عليين. والإنسـان أسـفل سـافلين مهما سـفل فدونه سـافلون من سـافلين، فالإنسـان في صافي النفس وسـليم الوعي وصادق العزيمة هو في دوام في حال وسـط بين عالين وأعلى وسـافلين وأسـفل، فإن كان في سـافلين فأسـفل وطلب العلو والتسـامي فمهما سـما فما زال وصف الوسـط بين سـافلين وعالين له وملاحقه. فلا يليق به أن يخدع نفسـه بالصعود أو التصاعد فيتوهم كمال الكمال له ومفارقة الافتقار لوصفه. وإن كان في حال تكشـف له وصف سـافلين لمجتمعه أو لنفسـه فلا يليق به أن ينخدع في نفسـه أو في مجتمعه فيستسـلم للهبوط وييأس من الله، بل عليه أن يتحرر من مجتمعه من السـافلين برباط مع المتحررين منه، فإن تحرر كان عليه أن يحرر معه من يطلب التحرر تكاثرا للمتحررين.

{إن تنصروا الله ينصركم}[١]. إن التعاون مع الإنسـان الحر المتحرر من بيئة الـهاوين لنشـر الحرية الفردية بالتحرر من ربقة وسـلطان وقيود المادة هو معنى نصر الله من المنتصر له والناصر لأعلامه بالحيـاة والرقي. (لا يؤمن أحـدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسـه)[٢]. إن الله وعد بنصرة المنتصرين للحيـاة أو المنتصرين للحق في أنفسـهم باجتماعهم على نواة له بكلمة منه بينهم، {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله}[٣]… {اُنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا}[٤]. إن فوارق الدرجات بالله في الله لا ترفع ولا تحط من أقدار الناس بالله في الله، ولكنها تنظم الركب اللامتناهي في طرفيه الأعلى والأسـفل. والمهم أن يقوم الناس بالله وفي الله فيكسـبون ويحرصون على هبة الحيـاة لا يفقدونها سـيرا إلى العدم وخروجا من الله إلى قيام أوهام التواجد.

إن السـعادة، وإن الحيـاة، وإن الجنة، في مواصلة العمل، ومواصلة الكسـب، ومواصلة الزرع والحصاد، في الحيـاة… في الوجـود… في النفس… في الأنا… في المعنى… في القيام… في الذات… في لطيف الإنسـان، وكثيف الإنسـان، عاملا في تواجداته بين التكاثف واللطافة، بقيـام كثيف على هذه الأرض، وقيام ألطف في كواكب السـماء، وفي قيام لطيف مشـرق بالنـور في عالم الروح، أو في عوالم الروح. إن الذي عرف لذة المسـير لا يتوقف، وإن الذي عرف ثمرة العمل لا يتعطل، وإن الذي ذاق لذة الكسـب لا يتلكأ ولا يتوانى في نشـاطه طلبا لمزيد من تحصيل ما بقي في حيـاة العمل والكسـب بزعم انشـغال بمتعة من إنفاق لم يحن أوانه.

ها هو أخ لنا يفارق بشـبحه، ولا يفارق بروحه، ولا بمعناه. لقد ازداد بنا التصاقا، وازداد عن الحيـاة فهما وإدراكا، وازداد في العمل نشـاطا. آب إلى عالم الروح الذي عرف من قبل أنه كان فيه، وقد تواجد منه إيابا إلى عالم المادة، فعرف في عالم المادة أنه من قبل قد كان فيه. عرف وجوده في عالم المادة في قيام سـابق، وقيام أسـبق، وقيام لا يدرك، فعرف عما قدمت نفسـه، وشـيئا عما كانت نفسـه، ومن كانت نفسـه، لقائم معناه. وعرف أنه جاء من عالم الروح قديما، تحجب عنـه قليلا ثم أسـفر المرة بعد المرة، وأدرك أنه إليه يؤوب، وأن داره فيه تنتظره بمغنم وقد علم علة مجيئه إلى عالم المادة. عرف أن داره في حيـاة الروح، مشـيدة بعمل جديد تنتظر صاحبها، وتسـتعد لاستقباله، فهو سـيعود إلى عالم الروح منسـوبا إلى أسـرة، وله مكانه في بيت لا مشـردا، ولا ضالا، ولا مقطوعا عن أهل، إنه سـيعود إلى بيت لله ينتظره ليأويه، ويحتضنه ليسـعده ويحميه، وعما قريب يتهيأ ويُهيأ له بيننا من يتحدث منه، ونسـتمع منه إليه كما كنا نسـتمع إليه، ونعلم منه عن قائم عالمه كما كان يتعلم بيننا عن عالمنا، فيعرف أن لا فرق بين عالمينا موحدين، ومنه نعرف أنه لا فرق بين عالمينا متجمعين، وأننا وعالمه وعالمنا عالم واحد لحقائق إنسـانية واحدة، يجمعها بيت حقي واحد، لا يكسـب الحيـاة فيه إلا من عرف وحدانية العالمين، فعاش فيهما، وعَلِـم بهما، وعلم عنهما، وعلم عن طريقهما ما لا يُعلم لغير من يعلمهما، فكان عالم الغيب والشـهادة يوم عرف قبلته وأقام صلاته شـهادته وغيبه من حيث ما يتواجد به في عالميه بمعلومـه، أما الغيب عنده فبما يعلم عما لا يعلم عن نفسـه في نفسـه بقائم علمه عن علمه وعَلَمه من أمر نفسـه في واسـع الوجـود بربه، هو فيه لا ينتهي له رقي أو معرفة عن نفسـه وعن ربه وعن إلـهه، هما له وهو فيهما، وهما فيه وهو بهما العبد لهما والحق منهما، كلمة تمت بالله ورسـوله في الله ورسـوله.

ما عَرف الإنسـان ربه إلا في نفسـه، ولا يُعرف الرب لعبده إلا في نفسـه، ولا يعرف الرب إلا عبده، ولا يتعارف إلا إلى عبده، ولا يشـغَل العبد إلا ربه. وما طلب العبد ربه بعيدا عن نفسـه إلا باعد بينه وبينه فحُرمه وظلم نفسـه. وما صدق في طلبه في نفسـه إلا وجـده وكسـبه. إن الإنسـان هو وجه الرحمن، وهو عبد الرحمن، وهو ظاهر الرحمن، وهو الحق من الله، يوم يسـتقيم الإنسـان على ما عرف وإليه هُدِي، ويتجنب ما منه حُذِر، ومنه وقيِ، ما اسـتقام على طريق، وما اجتمع في الله على رفيق، وما سـار في طريق على بصيرة مع أهل البصيرة، وما قام في عمل على حسـن سـريرة، ما رآه في الدنيا غريبا وعابر طريق، وعدّ نفسـه من الموتى فكسـب الإيمان فكان مؤمنا.

إن الأعمال بالنيات، وإن لكل أمرئ ما نوى. من طلب الله وهاجر إليه بطرح مشـاغل دنياه ظهريا، مع انعكاس بصره في بصيرته حاليا وفعليا ليبحث عن الله في نفسـه، على ما أمره اسـتقام أمره ووجد طريقه، {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة}[٥]، وقوِّم إليه طريقك. اذكره في نفسـك تضرعا وخيفة، واعلم أنه يعلم السـر وأخفى، واعلم أنه يعمل ما اتصف بعمله، وأنه أقرب إليك من حبل الوريد، ما شـئت مشـيئة إلا كانت مشـيئته، وما قمت في إرادة إلا كانت إرادته، وما قُدِّرت على فعل إلا كانت قدرته وما وفقت في طريق إلا كانت هدايته، وما زلت بك القدم إلا كانت حكمته. قائم على كل نفس. لها ما كسـبت وعليها ما اكتسـبت.

لا تباعدوا بينكم وبين الله في قيامه، قائما على كل نفس، ومن ورائها بإحاطته. لا تباعدوا بينكم وبين الله في قيامه عن قائم قيامكم فتحرموه، وما هو قائم لكم في يومكم في غد لكم تفقـدوه. إن الذين كفروا بمعية الله، أعمالـهم كسـراب بقيعة، يحسـبه الظمآن ماءً، فإذا جاءه لم يجده شـيئا، ووجد الله عنده. كفى بنفسـك فقدتها باسـم الله اليوم عليك حسـيبا وقد أصبحت عملك.

إن أنانية الله محلها الإنسـان يوم يقول الله به إنني أنا الله لا إلـه إلا أنا فاعبدني وأقم الصـلاة لذكري. وإن أنانية الإنسـان محلها الله يوم تقول كلمة الله إني عبد الله. وإن أنتية الله ما هي إلا مخاطبة أنانيته بالعبودية لمعاني العبد له، في أنانية العبد به يوم يخاطبه فيقول له {ربِ لا تذر على الأرض من الكافرين ديـارا}[٦]. وأنتية الإنسـان فيه يوم يقول له أنانية به، ما خلقت الإنس والجن إلا ليعبِدوا أنفسـهم لمعناي. فأيًا ما كانوا، أربابا كانوا، بأنانيتي، أو عبادا كانوا بها فيهم غير محرومين من أنانيتي ومعاني الوجـه واليد لي، فأنا الرب وأنا العبد بهويتي، الرب عني صدر وعني يقول، هُوُ… ربي، والعبد مني تواجد وهو عني يقول، هُوَ… ربي، يوم يشـهد كلاهما ربه رسـولا من نفسـه وقياما من حسـه، القلب بيته، والعقل نوره، والنفس ناره، والذات وجوده ودنياه، والسـماوات روحه وأخراه.

إن الذي عرفناه بلا إلـه إلا الله، يوم تقومنا لا إلـه إلا الله، ويوم نقومها رسـلا لها، فننادى لا إلـه إلا الله، ونخاطب لا إلـه إلا الله، ونجاهد لا إلـه إلا الله، لا نشـرك به شـيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا من دونه، فهو لنا بنا، وبقيامنا، العبد والرب، من ورائهما بنا بإحاطته، وعليهما علينا بقدرته، هما منه برحمته، وهو لهما بعزته وحكمته.

ها هي الرسـالة الروحية بنا تؤسـس بيتا في السـماء، يصعد إليه أهله، وتؤسـس بيتا في الأرض، ينزل إليه أهله، فنعرف كيف يوضع البيت ونعرف كيف يرفع البيت، ونعرف أن البيت الموضوع في عالمنـا هو ظل للبيت المرفوع في عالمه، وأن البيت المرفوع في عالمه هو ظل للبيت الموضوع في عالمنا، وأن المرفوع والموضوع ظلان لبيت لله من بيوت له لا عد ولا حصر ولا انقطاع ولا بدء لها. إنها بيوت ثلاث في وحدة من كلمة، وأوادم ثلاث في وحدة من آدم، وإنسـانيات ثلاث في وحدة من إنسـانية، وعوالم ثلاث في وحدة من عالم، وأكوان ثلاث في وحدة من كون. إن القيام الواحد للثلاث غير جامد في ذاته عن الاتسـاع والكبر، وغير جامد في أطرافه من القيام والزمن، وغير جامد عن سـبق بمعناه ولحاق بمعناه عَبّر عنهما بقيامه ومعناه. ومن ذلك كان خير الأمور الوسـط في الوجود اللانهائي للموجود السـرمدي، وكان اسـم الله وذكر الله والحق من الله هو للأمـر الوسـط بوصف رسـول الله، أو بوصف عبد الله، أو بوصف رب الناس ملك الناس إلـه الناس. فالبيت المرفوع أو البيت الموضوع كلاهما بيت الله، وكلاهما قبلة الله، وكلاهما حوض للحيـاة، وكلاهما مطاف للنجاة، وكلاهما دار للهداة، إليهما يُتجه بالدعاء والصلاة، وبالرغبة إليهما تسـلك الطريق، وتركب سـفن الخلاص والنجاة، هو في السـماء إلـه وهو في الأرض إلـه رب السـماوات والأرض لا شـريك له. هل تعلم له سـميا؟

ها نحن في هذه الرسـالة نرى الدين واقعا يقوم، بقيامه نعرف ما هو قائم، وبقيامنا فيما هو قائـم نعرف ما سـوف يقوم، ونعرف ما سـبق أن قام، فنتواجد في قيام لا يغيب، وفي حيـاة لا تنقضي، وفي عمل لا يُمل ولا ينقطع، وفي حيـاة تزداد بغير قلة، وتنمو في غير توقف، فنعرف الحيـاة، فتطيب الحيـاة، فنصدق الله يقول لنا في دوام، ولمن خاف مقام ربه جنتان، فنحيـا في جنـان الله في أنفسـنا، وفي أئمتنا، وفي إخواننا، وفي حاضرنا، وفي قابلنا، وفي ماضينا، وفي عملنا، وفي أنانيتنا، وفي غيريتنا، وفي أنتيتنا، وفي هويتنا، وفي تقيدنا، وفي انطلاقنا في معلومنا، وفي مجهولنا. هذا ما قام عليه الإسـلام بشـهادتيه، لا إلـه إلا الله، والله أكبر، وبشـهادة هديه واسـتقامة الطريق على مـراده في شـهادة محـمد رسـول الله لنفس القائم بالشـهادة في شـهادته لمشـهوده من أمره أن محمدا، في أنفسـنا ومعنا، وفوقنا، وتحتنا، وقبلنا، وبعدنا، وفي قائمنا ومعنا، رسـول الله، وعبد الله والحق من الله لنا، هو لنا كل شـيء لنا في الحيـاة، وفي الوجود ما آمنا أنه الحق من الله للمؤمنين به من المؤمنين بالله، {واعلموا أن فيكم رسـول الله}[٧]، {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم}[٨]، يقـوم ويتقلب في السـاجدين. اعلموا أن في أنفسـكم رسـول الله، اعلموا أن في ضمائركم يوم تحيا رسـول الله، واعلموا أن كل نفس بنفسـها بصيرة برسول الله فيها، واعلموا أن بينكم الخبير من الرحمن رسـولا من أنفسـكم، واعلموا أن هذا أمر ما كان في قديم له انقطاع، وما كان له في حـاضر ضياع، وما له في قابل فقدان، فما غاب ولن يغيب له عنوان. اعلموا الحيـاة على ما هي الحيـاة، واعلموا الله على ما هو الله، واعلموا أنه لا جديد في الصمد، وأنه ما قال لكم سـاعة أو قيامة، أو حشـرا أو بعثا، إلا كشـفا عن قوانين الحيـاة، في قائم الحيـاة قائمة فاعلة، لا جديد في الله، فالحشـر قائم والقيامة قائمة، والسـاعة قائمة آتية متجـددة متعددة مع كل نفس في أنفسـكم، وفي جمعكم، في حيـاتكم من حاضركم، وفي حيواتكم مما لا تعلمون، في سـمواتكم وفي أرضكم، وما تحت الثرى، وما دون أرضكم، إنما هي قضايا الوجود وقضايا الحيـاة وقضايا الطبيعة، اكشـفوها تنكشـف، {سـنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسـهم، حتى يتبين لهم أنه الحق}[٩]، لا جديد فيه، صمد في وجوده، صمد في فعله، صمد في صفاتـه، وأنه ليس له صفات الحوادث من خلقه، فلا قيامة يقيم غير قائمة، ولا حشـرا يحشـر غير قائم، ولا حصادًا يحصد غير حاصد، فهو حاصدكم، وهو حاشـركم، وهو مقيمكم، وهو باعثكم، وإن لكم في حيـاة الروح لقيامة وبعث، وإن لكم في الارتداد إلى الأرض لقيامة وبعث، وإن لكم في كل جديد تقومون فيه من مهاجـرة من صفة مرذولة إلى صفة محمودة قيامة وبعث. تخلقوا بأخلاق الله، ففي التخلق بأخلاق الله القيامة والبعث. جددوا أنفسـكم وجددوا سـفينة ذواتكم، ففي تجديد أنفسـكم القيامة والبعث، لا تغيبوا أمر الله، ولا تغيبوا هدي الله، ولا تغيبوا فعل الله، ولا تغيبوا قدرة الله، ولا تغيبوا الله عن أنانيتكم، ولا هويته عن إحاطتكم، ولا أنتيته عن مشـهودكم من الناس، ومشـهودكم من الكون، واعلموا أن لا إلـه إلا الله، على ما هو قائم وعلى ما أنتم فيه بقيام، واعلموا أن محمدا رسـول الله، على ما هو قائم وعلى ما أنتم فيه بقيام.

إن الاتصال الروحي الذي يقوم في هذا العصر ومنذ أكثر من قرن من الزمان بين دواب الأرض ودواب السـماوات تحت إشـراف الأرواح المرشـدة والأرواح المهيمنة يقتضي من كل صاحب عقيدة أيا ما كان دينه، أن يعيد النظر فيما بين يديه من التبليغ، وأن يفهمه في ضوء هذه الحقيقة القائمة التي لا يسـتطيع العقل مهما كان نصيبه من الالتواء الإنكار عليها. إنها خرجت بالغيب من كنزية غيبه إلى قيام في قائم الشـهادة. إن الذين طلبوا إلى موسـى أن يروا الله جهرة وهو المرئي فيما ينظرون أجابهم الله إلى سـؤلهم وقد ضاعف الحيـاة لقائم الحيـاة، فجمع بين إمكانيات إنسـان الغيب وإنسـان الشـهادة في الأجهزة البشـرية من إنسـانية القيام على صورة مقدرة بظاهر الحواس وبباطن الحواس لطارقي أبواب الروحية.

إن الذي نعمل له ونطمع ونحن على ثقة من تحقيق الله له أن يتمكن إخواننا طنطاوي، وقدري، ومصطفى، ومن يلحق منا بهم، أن يقدموا لهذه البشـرية، وأن يفعل بهم السـيد الروح المرشـد لنا ما يجبه[١٠] مسلمي صدر الإسـلام ومسلمي القرون حتى هذا العصر، فيما أنكروه على الرسـول وأهله وعترته، وعلى أهل البصيرة من متابعيه عن اتصال العالمين ومواصلة الحيـاة فيهما، والتردد بالعمل بينهما، وهو ما فعله لهم أرواحا فعلا، وما ننتظر أن يفعله لهم أشـباحا في أشـباح هذا القيام بأرواحهم يقظة متحررة، وبهذا يتجدد الإسـلام على فطرته وقد أصبح غريبا على أدعيائه باسـم أهله وهو دين أهل السـماء قبل أن يكون دين أهل الأرض. وقد أملته السـماء على الأرض يوما وهي تعيد اليوم إملاءه وبيان ما سـبق أن أملت، وسـوف تمليه الأرض على السـماء يوما يوم يبدل الله الأرض غير الأرض والسـماوات، ويرث الله الأرض ومن عليها يوم يرثها من عباده الصالحون، وتقوم فيها خلافته على سـماواتها إذ تلد الأمة ربها يوم تنشـق الأرض عن وليدها وسـيدها، يوم تنشـق عن المحمود الموعود، يوم تنشـق عن ابن الإنسـان بأديمه وآدمه وعين العنوان لقديمه وعلمه.

اللهم يا من دركتنا بما لا ندرك لا تقطع عنا تدريكنا فيما لا ندرك. اللهم وفر من العلم عنك حظنا، ومن القيام بك قدسـنا، ومن الطلب لك طريقنا، ومن المتابعة لنبيك صفاءنا، ووحد برحمتك بين قلوبنا، ويسـر بكرمك أمرنا، وادفع عنا شـرور أنفسـنا، وشـرور الأشـرار من خلقك بما أحكمت من أمرك، وأدخلنا سـاحتك بعفوك، وبرحمتك وبرضائك في مظاهر رضائنا عنك ورضائنا بك، وارفع حجاب الغفلة عنا بقدرتك، ويسـر سـبيلنا بمنتك، ولا تتركنا لأنفسـنا طرفة عين ولا أدنى من ذلك برحمتك، وأنزل سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا، وتولَنا في أمورنا، وخذ بنواصينا إلى الخير، حكاما ومحكومين روادا ومرودين، يقظين وغافلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

أضواء على الطريق

(الدين هو أن تخدم الروح الأعظم بخدمتك أطفالـه. الدين لا يتصل كثيرا بالأفكار التقليدية في عالمكم. الدين هو ذلك الذي تسـاعد الروح الأعظم الذي فيكم على أن يبرز في حيـاتكم. الدين هو ذلك الذي يزيد من الرباط بينكم وبين الروح الأعظم، وبينكم وبين أطفالـه الآخرين. الدين هو ذلك الذي يجعلكم تنتشـرون في الأرض، لتقدموا الخدمات أينما تقدرون. الدين هو الخدمة والخدمة هي الدين.

أما ما عدا ذلك فليس بذي قيمة. عندما يسـقط الجسـم الفيزيقي سـوف يثبت أن كل المذاهب التي جاهد وحارب البشـر طويلا من أجلها لم تكن إلا عبثا، وعبثا فارغا لا معنى له ولا غرض، إذ أنها لم تسـاعد على نمو النفس قيد أنملة. إنما يزداد نمو النفس بالخدمة لا غير لأنه عندما تنسـى ذاتك في خدمة الآخرين تنمو نفسـك في التركيب والقوة.

وُجد منذ القدم كثير مما سـمي بالأديان، وكان لكل قوم رسـالة تبدو مختلفة، ولكن الأشـياء التي استمسـك الناس بقوة عليها مع مرور الزمن لم تكن مما له قيمة جوهرية. احتفظوا واستمسـكوا بما سـبب سـيل الدماء والتعذيب والتمزيق والتحريق. بها انقسـم البشـر إلى معسـكرات متضادة، ولم تزد بها روح الإنسـان ذرة واحدة، أو تنمو قيد أنملة في طريق الحيـاة والتجمع عليها، لقد خلقت الحواجز وسـببت فروقا لا لزوم لها بين الشـعوب وبين العائلات. خلقت المنازعـات وعملت لكل شـيء من ديدنه المهاترة وعدم الانسـجام. لقد فشـلت في تأليف أطفال الروح الأعظم. هذا هو السـبب في أننا لا نعنى كثيرا بالمباني والدين التقليدي. ولا نهتم ولا نضع وزنا لما يسـميه الإنسـان بنفسـه لنفسـه، وأن ما يهمنا دائما هو ما يعمله من أعمال وما يقترن بعمله من غاية وعزيمة عليها).

من هدي السـيد (سلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة محمد - ٧ ↩︎

  2. حديث شريف. صحيح البخاري. جاء أيضا: " والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ." أخرجه النسائي ومسلم. ↩︎

  3. سورة آل عمران - ٦٤ ↩︎

  4. سورة الإسراء – ٢١ ↩︎

  5. سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎

  6. سورة نوح - ٢٦ ↩︎

  7. سورة الحجرات - ٧ ↩︎

  8. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  9. سورة فصلت - ٥٣ ↩︎

  10. يُجبه: يُسْكِتُ أو يُفْحِم أو يُواجِهه بشدة ↩︎