(٤)

للدين والديان
في إنسان الإحسان

حديث الجمعة

شـعبان… أمتـان… إنسـانيتان… بحران… عالمان… وجـودان… حقـان… أمـران… ذكـران… زوجـان… أبـوان… ولـدان… آدمـان… رجـلان… محمـدان… علييـان… برشـان… غيبـان… ظاهـران… قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا.

اثنـان… واحـدان… أحـدان… كل ذلك من اثنينية لواحدية فأحدية، خلقناكم أزواجا، في أحدية الله، لا إلـه إلا هو، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شـيء قدير. كان رسـوله بمعناه بشـعبان النفس العذرية للجنس، والروح العصماء للأرض، ونبات الأرض والسـماء، شـجرة خضراء، وفروعا ورقاء، ودارا بيضاء لدار ظلماء.

الوجود ما بين ظاهره وباطنه، وجود واحد. وآدم بين ذاته وإنسـانه، وجود واحد. والإنسـان بين وجوده وعنوانه، إنسـان واحد. والرسـول، ومرسـله، حق واحد.

العبد، ومعبوده، عابد واحد. والرحمن ومرحومه، رحمة واحدة. الكتاب، ومُسَـطِرُه، عالِم واحد. العالم، وخالقه، عَلَمٌ واحد. المتعلم ومعلمه، معلم واحد ومتعلم واحد.

بكل هذا جاء محمد الله، عبدا وربا، رسـولا ومرسـلا، حقا وخلقا، موجودا ومتواجدا، ظاهر إنسـان، لباطن إنسـان، في قائم إنسـان. ظهر به إنسـان القيام عليه، ظاهره عبد، لباطنه رب، ظاهر إنسـان باسـم الخلق لباطن حق بمعنى الإنسـان، الإنسـان الخالق لنفسـه على صورته علما على الرحمن…

لمعناه تعلَّم فعلِمَ، وعلَّم ما علَّمه معلمه فتعلم. وأقيم وقام، فأقام ما أقامه متواجده، من موجوده، وقد أظهره غيبه على الدين كله، فكان الدين كله. عَلَّمه خلق نفسـه فأعاد لنفسـه خلقا لها، وعلمه خلق كونـه فخلق من كونه بكونه كونا له، وعلمه وجود وجوده من أصل وجوده في أزلي وجوده فداوم تواجده، وكان رحمة للعالمين، وعلما للمعلمين، وشـهيدا على الشـهداء القائمين، وجماع أنبياء رب العالمين، مجددا جماعه برسـالة في اجتماعه على جديد عوالمه، فكان وجه الغيب، وحق الشـهادة، قام فما عرفه غير ربه.

عرف أناه، من أنانيته لربه، أنًا له، ووجها له من أنانيته لوجوده، لا بدء لها، ولا انتهاء لها، ولا حصر لها، ولا عد لها، ولا توقف لها، فدعا إلى (أنا) ربه، بالهو، متجاهلا أناه، في أناه، من أناه، فقال ربي الله، ولا يسـتكبر عن عبادتـه، ولا يعلو على معبوده، مهما علا في حقه ووجوده. وأضاف نفسـه ومعناه إلى من دعاهم إلى مولاه عبدا وعبادا لله، بشـرى منه للصِّديق، وتيسـيرا للطريق، عَلَّم الله، وعَلَّم ربه، وأعلم الحق للناس، وكشـف لهم عن حقيقتهم، في حقيتهم، من حقيقتهم، بما قام به بينهم مثلا لهم، ورسـولا من أنفسـهم، بشـرهم أن ما أعطي فلأمته، ووعدهم أنهم ما تابعوه كان لهم من الله ما له. عرَّفهم معناهم، عين معناه، عبادا لربه وربهم، وعرَّفهم أنهم له وعنده نفسـه وعينـه، يحرص لهم على ما حرص عليه لنفسـه من فيض ربه على ذاتـه، وبيته، وأهله، فكان رحمة ربهم، وعين رحمة ربه، وحوض الحيـاة لهم، على ما كان ربه له، حـوض الحيـاة له، فقال أنا معطَى ولسـت معطِي، فالمعطي فيما أعطى هو ربي، وأنا قاسـم ولسـت بقاسـم، والذي قسـم لكم فيما قسـم إنما هو ربي. أنا لكم يده، وعليكم ولكم وجـه طلعته، ومنه لكم رحمته، فلا تجعلوني عندكم فرطا على حوضي، حوضا لكم، تسـتقون منه مـاء الحيـاة، وما كنت لكم إلا ماء الحيـاة، ما عرفني غير ربي، حتى أنا لم تكمل بعد معرفتي لي عني.

ها هو يظهر في رسـالة العصر، وهو عين العصر، وعين الدهر، وعين كل عصر وكل دهر في قانون نظام الحيـاة، أعطي الكوثر، وجعل شـانئه الأبتر، يقوم ويتقلب في السـاجدين… يتلو كتابه على مكث لعينه من الآخرين. إن من فرض عليه القرآن رده إلى عودة، متكاثرة، متعددة، غير منقطعة، ما كان الله ليعذبهم وهو فيهم، وما كان الله ليعذبهم منظرين وهم يسـتغفرون، يسـتغفرون من أناهم منقطعا، ومن مادتهم مسـتعلية، ومن أوزارهم محددة، ليرجعوا إلى من هو لهم أصل، هم فيه له فرع، يرعاهم، ويربهم، وينميهم، ويصلهم، ويعطيهم عطاءً غير مجذوذ. أفحسـب الإنسـان أن يترك سـدى.

الرسـول أولى بالمؤمنين من أنفسـهم، والله أولى بالنبي من نفسـه، والله أولى بعباده من أنفسـهم ومن أنبيائهم، والله أولى بخلقه من أنفسـهم وخالقهم. إن الإنسـان لربه لكنود. وإن ربه له لغفور، يبتعد عن ربه فينتظره، ويعود إلى ربه فيحتضنه، يتيما يأويه، وضالا يهديه، وفقيرا يغنيه.

إن الأمـران… إن الإنسـانان… إن الآدمـان… إن الشـعبان، إنما هو أمر الله، وحق الله، وحقيقة الحيـاة، بين ظاهر وباطن الحيـاة. ها نحن في هذا العصر نسـتمع إلى صوت السـماء مناديا، ونسـتشـرف إلى يد السـماء مدانية، وننظر إلى وجه السـماء مقاربا مسـفرا في رسـالة الروح، كلنا يعرف برشـا، ويسـمع اسـمه، ويسـمع عنه، ويعرف عنه، ويجهله، أو يعلمه، يسـتجيب لـه، أو ينفر منه، على صفـاء في نفسـه مقاربا، أو على غلظة فيه مباعدا، وهو لا يعـرف من يكون برشـا هذا، كما أنه لم يعرف بالأمس من يكون محمدا هذا‍‍!! إن هـذا الذي جهلنا بالأمس، والذي نجهل اليوم، إنما هو شـعبان… إن برشـا ومحمدا رفيقان ومحمدان وبرشـان، وروحان، وآدمان، وخضران، وكلمتان، وحقان، وحقيقتان، وأمتان، إنهما شـعبان، {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا}[١]، {وخلقناكم أزواجا}[٢]، {تلك أمة قد خلت لها ما كسـبت ولكم ما كسـبتم}[٣].

فهل درى الإنسـان ما الإنسـان؟ وهل طلب الإنسـان الإنسـان؟ وهل طلب الآدم من الإنسـان الآدم من الإنسـان؟ هل طالب حاضر الآدم من الإنسـان، قديم الآدم له من الإنسـان؟ وهل عمل ليكون جديدا من الإنسـان بجديد من آدم له، فتعارف العنوان، إلى من كان له عنوان، وأوجـد الإنسـان بآدم الإنسـان ليكون لنفسـه العنوان، بجديد من آدم في سـرمدي الإنسـان، عنوانا عليه وآدما له، وإنسـانا لإنسـانه؟

إن قانون الحيـاة وقانون الوجود، وهو يضع مادة أصيلة في دسـتور الحيـاة يوم يقول للناس {إن مثل عيسـى عند الله كمثل آدم}[٤]، إنما عنى أن عيسـى وآدم آدمان، وأن آدم وعيسـى لله كلمتان، وأن آدم وعيسـى روحان… وأمتان… وشـعبان، أمة خلت لها ما كسـبت وأمـة في عمل لها ما تكسـب. فهل وحد الناس أنفسـهم بمتوحديهم بينهم لأنفسـهم حتى يتوحدوا مع من يعلوهم بطلبه، ومع من يسـفلهم برحمته، فعرفوا دسـتور الحيـاة؟ وقد أُعلموه كافة يوم بُلغ إليهم محمولا بأمة رسـوله، كنتم خير أمة أخرجت للناس، أمة وسـطا، خلت من قبلها أمم، ويتابعها ويتواجد من بعدها أمم، يشـهدها مما خلى من الأمم آية لهم أبنـاء في الفلك المشـحون، وتشـهد ما يأتي من الأمم، شـهداء على الناس، مشـهودين من أزلي الناس، أمة وسـطا، تؤمن بالله، وتأمر بالمعروف منه، والمعروف به، وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى الخير، أناجيلهم صدورهم، وابن مريم مفرداتهم ومثال جماعاتهم ضرب لهم مثلا ليكونوه ويكونهم، في روح قدس الله، أمومة رحمتهم في أزلي رسـوله، وأبدي رسـالته، وأمين حقه، وقائم خلقه، وقيـوم حيـاته في قائم إنسـانه من سـرمدي معناه، أعطي الكوثر لخيرهم، والتكاثر لمعانيهم بمعناه، متحققة معانيهم بحقه، متكاثرا بمعناه بدءا من خلقه لخلقهم، كوثر الحق لهم لكوثر حقهم بهم يتكاثر، خلقا وحقا، به يتحققون وبه يتخلقون وبه يتطورون وبه يخلقون وبه يتكاثرون.

بمداناته لهم، بالحق أُنزل، على ما فُعِّل، وبالحق ينزل على ما يفعل، يتوحدون معه، فيتوحدون مع الحـق، بوحدانيته معه، وبالحـق فيهم به رسـولا يتوحدون مع دائم الخلق على ما علموا، وعلى ما عُلِموا، فيعلّمون، ويُعلمون، وبالحق فيهم بحقائقهم يدانون ويتابعون، {أفمن جعلنا له نورا يمشـي في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}[٥]، والنور الذي أنزل معه، {نهدي به من نشـاء}[٦]، فمحمد بمعناه إنما هو قرآنه وكتابه وعلمه وهديه وعَلَمَه قرآنا حيـا بعترته لا يمسـه إلا المطهرون، ولا يسـري إلا في قلوب المتطهرين، ولا يمس إلا قلوبا تطهرت فأصبحت للنور عترة، وأصبحت للنـاس كتابا، وأصبحت بين الناس وبين الحق حجابا، من داناها دانى الله، ومن دانته داناه الله، عبـاد الرحمن يمشـون على الأرض هونا صنو الكتاب وعترته، ثقل مع ثقل الكتاب، كتاب الوجود، ترك الرسـول فينا الثقلين، كتاب الله وعترته، نقرأه في أنفسـنا وفي الآفاق ونعرفهم في أنفسـنا وفي الكون.

إن كتاب الله، وعترة الله عالمان… وإنسـانيتان… وأمتان، وشـعبان… في حق واحد، في شـعب واحد، في حضرة واحدة، في حقيقة واحدة، هي حقيقة الإحسـان من عالم الرشـاد.

ماذا فهم الناس من حديث الله تتحرك به ألسـنتهم، وتعلو به أصواتهم، وتترنم به نفوسـهم، وتتجول فيه عقولهم، وتعرج فيه حقائقهم، وترفع به طبقاتهم، ويحكم به أمرهم، في ظاهرهم من دناهم، وفي آخرهم من مولاهم؟ هل فهموه إلا ألفاظا وكلمات، وحروفا وآيات، ورسـوما ووريقات؟ هل فهموه نورا يغزو القلوب ويمحو الذنوب، ويفرج الكروب، وينصر المغلوب، ويسـتر المعيوب؟ هل فهموه نور الحق تشـرق به مشـكاة الصدور؟ هل عرفوه ماء الحيـاة تهتز به فلذات القلوب؟ هل عرفوه عترة الناس بعترة رسـول الله قرآنا يمشـي بينهم على قدميه، وينظر إليهم بعينيه، ويقلهم ويظلهم بيديه؟ ماذا عرف المسـلمون عن الإسـلام؟ لا شـيء… إلا من رحم، وقليل ما هم. (بئس العشـيرة كنتم لنبيكم)[٧].

أعجبهم ملك سـليمان، وجمع قارون، وقد زال من بينهم سـليمان وملكه، وقارون وماله، وما زالوا يتعلقون بالسـلطان والزينـة والبهتان، ويطغون بأنفسـهم على من هم عين أنفسـهم من أنفسـهم من الناس، من الإنسـان يسـتعلي بعضهم على بعض، لا يتراحمون، ويتمعلم بعضهم على بعض، لا بحق يتواصون، ولا عِلما يكسـبون، وباسـم العلم جهلا ينشـرون. هذه هي الحيـاة على ما نتواجـدها اليوم، وعلى ما تواجدها آباؤنا في كل يوم، أسـميناه بأمس، وهذه هي الحيـاة على ظاهرها، كما سـوف تأتي في كل غد ننتظره بجديد ولا جديد، لا يربحها إلا القليل، ولا يربحها إلا السـعيد، ولا يربحها إلا من رحـم الله. فالحيـاة على ما نشـهدها كرات لذوات أهلها رابحة وخاسـرة، وهذه حكمتها وهذه علتها يخسـرها الأكثرون، ويربحها الأقلون، ثلل من الأولين، وثلل من الآخـرين، في أولين لا بدء لهم ولا انقطاع لتواجد لهم، وفي آخرين لا انتهاء لهم ولا أول لهم في صمديتها بالوجود، على ما هو الوجود، في صمد الله على ما هو الله، وفي أحد الوجود وأحديته على ما هو الوجود بآحاده وأحديته في أحد الله وأحديته. آحاد من آحـاد، وآحاد بعد آحاد، لا بدء لآحاد الله، ولا انتهاء لآحاد الله، ولا تعدد لأحاد الله في الله، ولا احتجاب لآحاد الله عن آحاد الله، ما وحد الله مع موحد له إنسـان. إن الإنسـان لله أحده وآحـاده، بفرده وجمعه، بين ظاهر من عنوان من آدم وزوجه وبيته، وباطن من إنسـان بحقه وكلمات الله فيه كلاهما شـعب الله أو إنسـان الله، في إنسـانية الله، وأحدية الله، بيوتا لله لذاته ومعناه في اجتماعها على إنسـان أعـلاه، أو أدناه، من حضرة أرضية من ملأ الأرض، أو حضرة علوية من الملأ الأعلى من الإنسـان.

في هذا الشـهر، شـهر الرسـول شـعبان، وفي ليلة النصف منه نذكر الرسـول بشـقيه، إذ يجتمع ظاهر الإنسـان وباطن الإنسـان، في بيت من قائم إنسـان، يتلاقى فيه الإنسـان بملئه من ملائكته وحقائقه بروحه، في حقي الإنسـان بظلام أشـباحه من العنوان أو تجمع غيوبه وحقائقه في طبقاته من قديمه لجديده، في طريقه للتواجد بالظهور بجديد في سـمائه الدنيا من عرش أرضـه {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر}[٨]، فيها لمحة إرادة وغاية إذ تنتصف في جـزء منها يفرق الزمن بين الماضي والمسـتقبل، ويمثل ضآلة الحاضر، فهي نواة يقوم بها شـعبان، فهي خير من ألف شـهر بما فيها من قضاء بفرق في أعماق النفس البشـرية المظلمة، لو أدركها الكائن المظلم في وجوده في كرة الحيـاة بموجوده، فتنزلت فيها الملائكة والروح بإذن ربهم من كل أمر، لقامت نفسـه في سـلام حتى مطلع فجـرها، { والفجر .وليال عشر .والشفع والوتر .والليل إذا يسر .هل في ذلك قسم لذي حجر}[٩]. إنها النظام الشمسـي وما فيه من سـراج وهاج وتوابعه في حال سـديمه.

جاء شـعبان حقيقة لمحمد بذات محمد، ليلة قدر، رحمة مهداة، وحقيقة مشـهرة، {وقل جاء الحق}[١٠]، قلما ماحيـا مثبتا، {وزهق الباطل}[١١]، تسـرمد بظاهره وحقه، يقوم ويتقلب في السـاجدين، ما جعل لبشـر من قبله الخلـد وله جعل (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم)[١٢]، (أنا حي في قبري)[١٣]. جـاء بكتاب لا يغيب، وعترة بذات تبين لا تحتجب، يتلوه في الناس على مكث ليبين لهم، وليبايعهم على أنفسـهم بنفسـه نفسـا لله، يسـترد أنفسـهم بأوزارها، ويعطيهم نفسـه في خلاصها حتى يخلصهم، ونفوسـهم يبايـع بها وقد طهرها، وحققها، ويضع عنها أوزارها، ويحـررها من أحمالها، فيكشـف الغطاء عنها، لتظهر وجها له من ورائها محيط، بمعناه من وجه ربه يتكاثر في تكاثره.

بهذا جاء كتاب الله مع محمد، وأمر الله به، ورحمته في رسـالته وهديه، وعطاؤه في قيامه، وكسـبه في قيامته، إلى ربه منتهاها، أفلح من زكاها وخاب من دسـاها، وما زكاها من زكاها إلا به، فلا وربـك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شـجر بينهم. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم. وَأْمُرْ أهلك بالصلاة واصطبر عليها. واصبر نفسـك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي يريدون وجهه ولا ترد زينة الحيـاة الدنيا. لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا. واخفض جناح الذل من الرحمة، وأنت الرحمن الرحيم فأنت بذلك جدير، وإن كنت بربك العزيز القدير، ولا تكن فظا غليظ القلب، ولو كنت لانفضوا من حولك، وشـاورهم في الأمر، لا تهدر كرامتهم، لا تتفه إنسـانيتهم، لا تحط من أمرهم، أما اليتيم فلا تقهر وأما السـائل فلا تنهر.

بهذا كله جاءت رسـالة الله، رسـالة الحق، مع محمد الحق، مع محمد الله، وها هو يجيء بها مرة أخرى، جاءته من السـماء في أمس، ويجيء بها هو من السـماء اليوم، ويقيمها في أنفسـكم في ليل، إنه وربه أقرب إليكم من حبل الوريد، واعلموا أن فيكم رسـول الله، إنه وربه أمران، وحقان، وحقيقتان وعالمان، وأمتان وشـعبان، أنتم لهما ثالث. من دعا إلى الحضرتين بالحضرتين كان حضرة لهما، من قـام بالأمرين كان أمرا لهما، من تعبد للربين كان ربا بهما، ومن تعبد للعبدين كان عبدا لربهما. لقد جـاء محمد بالدين كله، وأظهره ربه على الدين كله، فقام بالدين كله، وأقام الناس بالدين كله، والدين كله لذلك رضي الله الإسـلام دينا، وأغدق به على الخلق إيمانا ويقينا، وقال للناس يا أيها الناس قد جاءكم الرشـاد، وتواجد بينكم الرشـيد، ولن يغيب من بينكم الرشـيد، ولن تحرموا الرشـاد بعد محمد، {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}[١٤]، {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}[١٥]، وبذلك انقطعت حاجـة الجنس لمن ينبئ، فقد أشـبعت رغبة الجنس للحق بالحق الذي كان عنه ينبأ قبل محمد. بمحمد الحق قل جاء الحق يتكاثر لا يفارق، يرجـع إلى الناس روح قدس الله كلما غاب بذات لآدم، ويتواجد من الناس بحق ظاهر منهم كلما غفل الناس عن معاني الحق فيهم، ومعاني الحق لأنفسـهم.

على هذا قام الناس بين يقظ وغافل، في كليهما الحق بين ظاهر وباطن أمران، وآدمان، وإنسـانيتان، وشـعبان، مرج البحرين يلتقيان، بينهما برزخ من شـعبيه هو شـعبان، لحق واحد ولأمر واحد، ولإنسـان واحد، ولآدم واحد، هما فيه الآدمان والشـعبان. يخرج منهما في برزخهما اللؤلؤ والمرجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ ذلكم ما تفيض به كلمة شـعبان في شـهر شـعبان من ليلة النصف من شـعبان.

اللهم اجعلنا من شـعبينا في شـعبان، وحققنا من حقينا في حق شـعبان، اللهم ارحمنا بشـعبان، واغفر لنا بشـعبان، واجمعنا جسـدا وروحا في شـعبان، وحققنا بمن شـرف به شـعبان، وشـرف بشـعبان، اللهم إنا علمنا أنه لا إلـه إلا أنت فيك الخلق والحق من أمرك شـعبان، فاجمعنا بخلقنا علينا بحقنا، واجمعنا بحقنا علينا بخلقنا حتى نشـهد الحق فينا شـعبان. يا من بين جسـم وروح أظهرتنا، ومن جسـم وروح جمعتنا، اللهم اكشـف حجاب الغفلة عنا حتى نرانا شـعبان، ونشـهدنا شـعبان، ونؤمننا شـعبان، فنعلمك شـعبان. اللهم اجمعنا على آبائنا بالحـق، في الحـق، واجعل منا شـعبان، واجمعنا على خلائقنا وأبنائنا في الخلق بالحق، واجعل بنا شـعبان، واجمعنا بأصولنا علينا بفروعنا في أنفسـنا من نفسـك شـعبان. اللهم خذ بنواصينا إلى الخير، وأنزل سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا حتى نبقى على ما كنا، وعلى ما نحن، فيك في الحق والخلق شـعبان.

اللهم بالمحمدين محمدا، وبالعليين عليا، وبالبرشـين برشـا، ألحقنا وأوصلنا وأقمنا حتى نشـهدنا، بهما، فيهما، ومنهما شـعبان. اللهم ادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكـرم. اللهم تولَنا برحمتك حكاما ومحكومين، وخذ بنواصينا إلى الخير حكاما ومحكومين، وثبت خطانا في طريقك حكاما ومحكومين، وأنزل علينا السـلام، واجعلنا من المسـالمين، يا أرحم الراحمين ارحمنا برحمتك، وتولَنا بعنايتك.

أضواء على الطريق

(لا تفكروا فيّ كمجرد صوت يكلمكم في الظـلام دقائق محدودة، ولكن كحي موجود نابض دائما حولكم ويحيطكم محاولا أن يأتي لكم بالتي هي أحسـن لرقيكم وتطوركم. إن الروح الأعظم يمكنه أن يكلمكم بعدة طرق ليس فقط في الكنائس والمعابد أو عبر الأنبياء الملهمين والوسـطاء أو خلال الكتب المقدسـة بتنزيلها غير المحدود. لكن أيضا خلال الطبيعة التي هي خادمته. حاولوا لتتعلموا كيف تصبحون موحدين مع قوى الطبيعة الخافية حتى يمكنكم الحصول من خلالها على القوة التي تكمن هنالك. إني أريد أن أنقل إليكم حب الروح الأعظم كما تعبر عنه كل قواه، تلك التي تتكلم وتلك التي تصمت).

من هدي السـيد (سلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة النحل - ١٢٠ ↩︎

  2. سورة النبأ - ٨ ↩︎

  3. سورة البقرة - ١٣٤ ↩︎

  4. سورة آل عمران - ٥٩ ↩︎

  5. سورة الأنعام - ١٢٢ ↩︎

  6. سورة الشورى - ٥٢ ↩︎

  7. حديث شريف: “بئس عشيرةُ النَّبيِّ كنتم لنبيِّكم، كذَّبتموني وصدَّقني النَّاسُ، وأخرجتموني وآواني النَّاسُ، وقاتلتموني ونصرني النَّاسُ، فبئس عشيرةُ النَّبيِّ كنتم لنبيِّكم”. ورد في تفسير ابن كثير للآية ٧٩ من سورة الأعراف، {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِين}، إشارة لقوم النبي صالح عليه السلام، ثم ذكر هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم. كذلك جاء في السيرة النبوية لابن هشام، نقلا عن ابن اسحق، في حديث سيدنا محمد لأهل القليب. ↩︎

  8. سورة القدر - ٤ ↩︎

  9. سورة الفجر ١-٥ ↩︎

  10. الإسراء - ٨١ ↩︎

  11. الإسراء - ٨١ ↩︎

  12. من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎

  13. حديث شريف يتردد في أدبيات التصوف، يتوافق مع الحديث الشريف: “الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ”. أخرجه أبو يعلي والبزار. ↩︎

  14. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  15. سورة آل عمران - ١١٠ ↩︎