(٥)

الفطرة
تُجدد بالسلام للإسلام على الأرض أقدامها
وتبعث من السماء بالسمو أعلامها

حديث الجمعة

٢٢ شعبان ١٣٨٢ هـ - ١٨ يناير ١٩٦٣ م

إليـــك…

إليـــك يا من هو غيب وجــودنا…

إليـــك يا من هو وجــه شـهودنا…

إليـــك يا من هو كل شـيء لنا في بقائنا وفنائنا…

إليـــك يا من قـام كل شـيء بك فيك لك، أفنيته عنه وهو منك، وأبقيته بك وهو لك، ثم أسـعدته بكشـف وحدانيتك.

كل شـيء هالك إلا وجهك. جعلت بالإنسـان وجوه أحديتك، في أزل الإنسـان من أزلـك، وأبد الإنسـان من أبدك، أوجدت الإنسـان بك، فتواجد الإنسـان لك فيك ليتعارف إلى نفسـه تعارفا إليك فتعرف.

شـهد لا إلـه إلا الله يوم شـهد وجوده من وجودك، وشـهوده من شـهودك، وروحـه من روحك، وحيـاته من حيـاتك، ونوره من نورك، وأنه لا يحيط بشـيء من العلم عنك إلا في العلم عنه بمشـيئتك باطن مشـيئته، وبمشـيئته ظاهر مشـيئتك.

يا من تميزت بأحديتك فلا شـريك لك، وتعددت بوجوهك فلا خفاء لك، وتعاليت بقدسـك فلا إحاطـة بك، واتسـعت بذاتك في ذاتك من ذاتك لذاتك فما حرمت شـيئا منك، ولا جززت معراج الرقي فيك، والعطاء بك.

إليك يا من جعلت الألوهية نظرا فيك، وقياما معروفا لك، ويقينا يقوم في إنسـان خلقك عن إنسـان حقك، تنشـق أرضه عن سـمائه بقيام وجهك. جهلك من عدَّدك مع نفسـه، وعرفـك من غاب عن نفسـه إليك. غبت عن من غيبك بمشـيئتك قرين مشـيئته، وحضرت عند من آمن فاعتقدك فشـهدك حاضرا في حضوره، من ورائه محيط، وعليه قائم، أقرب إليه من حبل الوريد برحمتك، في قيامه وحسـه بعظمة قربك من عظمة تعاليك في عظمة شـمول قدسـك.

فتحت بالحكمة أبواب حضرتك، وأحييت بالروح قلوب خلقك، وحققت بالنور عقول عبادك، وأعليت بالحرية والانطلاق عتقاء قيودك في عوالم فعلك.

يا من جعلت من العلم عنا عين العلم عنك، ويا من جعلت من العلم عنا علما عنك دينا لنا، أدنتنا بالحرمـان منك في طريق الغفلة عنك، وجازيتنا بكشـف القرب منك في طريق الشـكر لك، أودعت في مـادة قيامنا سـر قدرتك يوم تسـتحيل إلى طاقة بطاعتك، وجعلت في وعي طاقاتنا سـر العقل لنا في ظاهر إرادتك منا، يوم تعي الطاقة أمرها من حرياتها وقيودها فتسـتجيب لنداء ربها، فتبايعه على نفسـها نفسـا له مع يد منه، ممتدة بين إنسـانيتها منها رسـلا من أنفسـها، فتأخـذ بنواصيها إلى عوالم النور، وحجب النور عنك، وحجب النور لك من حجب الظـلام من أنفسـها، فتسـلك طريقها إلى الحق فتعرفك حقا في حقيقتها، يوم تتنزه بك عن خليقتها، وتتسـربل بجلباب صورها علما على سـر حقيتها، أمرا لك قائما بها، وعبدا لك بعوالمها، ووجها منك بحقيتها، يُشـهد بك لعوالم الخلائق، يوم يسـفر عنك بخلع جلباب الخليقة للقيام بواجب الحقيقة.

بهذا بشـرت على ألسـنة رسـلك، ولهذا صدَّقت في ثياب خلقك، وبين النور والظلام فرقت، بما أقمت من سـبلك، بعبادك يسـلكون طريقهم من حضرتك وجوه طلعتك، وحقائق منك عنك فيك إلى عوالم التعبير عنك، بوصف عوالم خلقك، حتى إذا ما جاءوا عوالم خلقك، ورجعوا إلى عوالم حقك، أخـذوا في ركبهم إليك من كان منك، كما صاحبوا في ركبهم منك من كان منهم، جاءوا إلى عالم البدء من خليقة هذه الأرض جماعات يقودها جامع لها، بوجه لك، إنسـانا منك، ثم عادوا بركب من الخلق يتابعونهم إيابا إليك، على ما أردت، وعلى ما شـئت فأحكمت، خالقا لا يتوقف فعله بخلق، وحقا لا يتوقف تحقيقه بحقائقه لخلائقه، إنما هي الطريق منك، والطريق إليك، منك وإليك أشـهدتها عبر الزمن، وفي كل العصور في عالمنا وفي سـائر العوالم بكلماتك وأوادمـك وأبنائهم من أنبيائك كلمات منك وكلمات منهم، وحققت الأبناء بعين الآباء يوم كرمت بني آدم، وجعلت من الأبناء نواة لأصولهم من الآباء أوادم فيك، في عوالم خلقك وحضرات حقك، وجعلت من أوادمهم تعبيرا عن أزلي إنسـانك في قديم عنوانك، ثم اصطفيت من بينهم الواحد والجمع، بعد الواحد والجمع، اصطفاء لا يتوقف ولا ينقطع، فجعلت من العنوان إنسـانا، وجعلت من الإنسـان للرحمـة عنوانا، وجعلت من إنسـان الرحمة حقا، سـربلته بقبضات نورك، وأفضت منه حيـاة روحك على أواني خلقك، من جديد أوادمك، في قائم معالمك، لا انقطاع لفعلك، ولا خفاء لقيامك بقائمك وقيومك… سـبحانك لا شـريك لك.

ضربت بآدم مثلا، وبعيسـى مثلا، وبموسـى مثلا، وبنوح مثلا، وبإبراهيم مثلا، وجعلت من محمد أمة مثلا مضروبا جامعا لذلك كله، بفرد ذاته لأحديته، وجمع انفلاقه برتق قديمه، وقائمه بتكاثره في بيته وأهله لواحديته، وفتق جمعه متجددا في أوادم بدايات بصحبه لقيام تمام صفاته بأصحابه وقومه في حس وجوده بوجودٍ ضربته مثلا، وأقمته عملا، وعددته تكاثرا، ورفعته عطاءً، واسـتولدته بقاءً، وأظهرت نعمتك عليه رضاءً، ثم خفضته حكمة إيقاظا ورحمة، ثم عفوت عن ثيابه صفحا ومغفرةً، فرضيت من كان قد عَبدَك فيه مسـجدا، وعبّدَ نفسـه لك وجها قياما في رسـولك، وقبلت به من اسـتغفر من وزر نفسـه، وتخلى عن شـيطان مادته. {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون }[١]، {واعلموا أن فيكم رسـول الله}[٢] في عباد الرحمن يمشـون على الأرض هونا كوثره ونفسـا له، يصبرون نفوسـهم نفسـا لعبده ورسـوله تتكاثر مع من يطلبون وجهه ليكونوا وجوها له لا تعدو عيناهم عنهم، ولا يلتفتون لزينة الدنيـا من عبادها منهم سـخروا لخدمتها ربا لهم، وعبادا لها يأمرون أهلهم وجمعهم ونوعهم ومن اتحد هواهم مع هواهم بالصبر والصلاة، لا يسـألونهم أجرا، ويوفونهم من الله أجورهم، يدا لله يد القسـم والعطـاء، يد الرحمة وحسـن الجزاء، يمتدون بيد العطاء، ويتقاعسـون عن يد البلاء والابتلاء إنذارا وانتظارا ليقظة النفوس من منامها، وتخلقا بأخلاق ربهم في قوانين فطرتهم قائمة فاعلة، لا تختل موازينها، ولا يُطغى على سـلطانها، الوجود كتابها وقوانينه آياتها، والكتب المقدسـة بيانها والقـرآن جماعها، والمؤمنين جندها، والمرسـلون عمادها، والإنسـان حقيقتها وجمعها، والواحـد الديان إحاطتها. معرفته للنفس سـعادتها، وحسـه في الذات سـاحته وسـاحتها، فيها برحمتها، ووحدانيتها. أينما كان الإنسـان كان الله وكان الرحمن، وظهر وجه حقه، وقائم طلعته، فحيثما تواجد العنوان تواجد الإحسـان، تنزه الكبير المتعال عن المكان، فهو في كل مكان، وتنزه عن الزمان، فهو في كل زمان، وتنزه عن القيود والتقييد، فوجهه في كل عنوان، وتنزه عن الإحاطة به، فهو الغيوب وراء كل عرفان أو قيام لإنسـان.

بهذا جاء الإسـلام مع رسـوله، وبهذا جاء الوجه والعنوان مع عبده. كانت الذات المحمدية بخلقها وبحقها وبرسـالتها وكتابها حلقة في معناها، تعريفا عن معاني عبوديتها لحقائقها في أزليها معها، قائمة في قيامه، باقية في بقائه. بها انتهى الإنباء عنه إلى قيام العبد له بقيام محمد لا يغيب في عين قيامه، يتلو على مكث، ويبين على إقامة، ويتلقى على دوام. يقوم ويتقلب في السـاجدين، على نظام تنشـق عنـه الأرض بآدم خلقا، وتنشـق عنه السـماء ردا كلمة وحقا، لتحقيق الخلق، بالحق ينزل، وكم بالحق في قديم نزل، وكم بالحق في قادم ينزل، وبالحق في مجهول أُنزل، فهو يُنزل ويَنزل، فارض القرآن عليه راده إلى معاد، راده بحقه، ومحققه بخلقه، رحمة للعالمين، مدركا للقليلين، عند ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين هم القيمة على الدين، يتابعهم أهل الإيمان واليقين قيامة الحكمة، وقيامة الروح، وحيـاة النور، ونهاية الخلق، وبداية الحق، يوم يطلب الخلق معنى الحق لأنفسـهم في أنفسـهم، تصديقا لرسـول الله، وفرقا بين الحق والباطل في الوجود، اسـتجابة لأمر الله، بالانتهاء عن منهيه، والقيام في مأموره، والسـير خلفه، في الطريق إليه سـبيلا لله، حتى تحيا القلوب بروح الله، ويشـرق النور على ظلام النفوس من ذوات الخلق من عوالم الله، في مشـكاة الصدور، وذوات القبور، فينزل ماء الحيـاة على أرض القلوب لأجداث القيام بعد موتها عن معاني الخلق ودخان الظلام، إلى معاني بيت الله يشـاد ودار الله تقام.

بهذا كله جاءنا كتاب الله، وسـنه بيننا رسـول الله، وأبانه لنا عباد الله، بعبد الله، بمحمد الله، لإنسـانية الله، لأمة الله، أمة وسـطا، عرفت الله، معروفا عند من قبلها، موجودا عند من بعدها، عرفت الله بقيام على قائمها، على ما قام في أصول إنسـانيتها من إنسـانية، وعلى ما بها يقوم بإنسـانية له على إنسـانية لها، وعلى ما سـوف تقوم بإنسـانيتها على فروع إنسـانيته منها، خلقا لها وعبـادا له، يشـهدون الله أقرب إليهم من حبل الوريد، بأرباب منهم في أصول لهم، وعبادا له لكلمات عنهم، أربابا لهم، كلهم راع وكلهم مسـئول عن رعيته…

الرسـول قدوتهم وعنوانهم، بذاته وبيته وأهله، وأصله وفرعه، وصحبه وأتباعهم أتباعا له، خيرهم منهم خيرهم لأهلـه، وهو لهم خيرهم لأهله، طلب الله إليهم الإيمان به، والتقرب إليه، مزيدا في معارج الإيمان بعظمته، ومزيدا في القرب إليه، جعل في مودته مودتـه، وفي القرب منه القرب منه، جعله الحق المقارب لحقائقه في خلقه، يوم يتحققون به، ويتخلقون بخلق ربهم في الصلة به والتخلق بخلق عبده، عرَّف العبد عن ربـه، وعرَّف الرب عن عبده، وما زال العبد يعرف عن ربه، وما زال الرب يعرف عن عبده، عظم العبد وعظم ربه والعظمة لله، وتنزه العبد كما تنزه الرب والتنزيه لله.

إن الذي خلقنا أزواجا في جديد، ما تواجدنا إلا أزواجا في قديم، ولن نتعارف إليه إلا أزواجـا في قادم، رب الرتق والفتق فاتخذه وكيلا، بفلقك من وحدة نفسـك إلى شـقيك من قائم جنسـك من أحدية ذاتك، ببشـري جهازك إلى جهازين على مثالك، من شـقيك بزوجك في رتق، لأحديتك في جديد طور لك، أنت فيه لباس لزوجك وزوجك لباس لك، فتعرف عن صفات ربك في قائم صفاتك بقيـام موصوف العبد والرب فيك، لا يسـبق وجود الخلق وصف الحق له ولا يسـبق وجود الحق وصف الكون والخلق له، تعرف أن السـموات والأرض كانتا رتقا ففتقهما، وجعل من الماء الدافق من بين الصلب والترائب كل شـيء حي، وتعرف أن طور السـماوات والأرض من أطوار الناس، وأن ماء الأرض مع يابسـها زوجان، وأن ماء النفس من يابسـها من الصلب والترائب صدر بفتق من رتق، وأنه إنما يمثل ماء السـماء تسـتقبله الأرض، وأن السـماء والأرض عالمين كزوجين من فردين، يتطوران بما يصدر منهما كفرد، شـقيه بولد هو عين الأصلين، هـذا هو كلمة الله وجها لأصليه، وبداية لحقي خلقهما بجديد لهما، هو{الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا ونسـاءً }[٣]. هكذا فعل، وهكذا هو اليوم فاعل، وهكذا سـيبقى فعله، سـيبقى أبدا كما كان أزلا، فلا تحرفوا كلم الله عن مواضعه في وجود الله الصمد، لا جديد تحت ظله بشمسـه، ولا جديد فوق ظله من شمسـه، لا جديد بعد شـمس عبده، ولا جديد قبل شـمس خلقه، لا جديد قبل آدميتكم، ولا جديد بعد آدميتكم. إن ثبات آدميتكم فيه على ما هي فيكم على ما ترون، إنما هي صمديته في حقه، عبر عنها بصمدية خلقه، فلا تغيبوا الله عن صمده بظهوره أو عن صمده بغيبه.

إن الذي جاءكم به الدين، وتقومه الفطرة عن مولد وموت، إنما هو تعبير عن بدء وانتهاء في وصف خلق، وعروج بمعنى، في سـلم جزاء، من أرض حصاد، إنما هو تعبير عن الحيـاة في سـرمديها على ما تشـهدونها في سـاعتها، وعلى ما هي قائمة في وحدتها مظهرا لباطن لها، به تزدوج وبها يزدوج في وحـدة الظاهر والباطن. فإذا تحـدث لكم الدين عن جزاء، أو عن أمر أو نهي بما تؤمرون به أو بما تنهون عنه، فإنما هو وحي العقل وضمير الذات، يوم يقوم العلم عن الإنسـان من الإنسـان للإنسـان في نفسـه. فما صدرت لكم أديان إلا عن إنسـانية أصولكم، وما تحققت لكم ذوات إلا باصطفاء قديمكم من الحق لحاضركم من الخلق، تشـهدون أمـره في أنفسـكم يوم تجددونها شـهودا لكم، عطاءً منكم بوصف الآباء لكم على وصف الأبنـاء منكم. ويوم تفعلون هذا مع الأبناء على عين فعل الآباء معكم يأتيكم يقين الحق وصفا لكم. إن ما هديتم به من قيامـة أو سـاعة أو بعث أو حشـر، وما بشـرتم به من خروج من عدم إلى قيام في دوام، وما عولج أمركم به من نار تُرهَب أو جنة تطلب، إنما هي أمور في أوصاف الحيـاة، يوم تتصف عندكم لكم الحيـاة، يوم تطلبون الحيـاة، وتحققون قسـطا من الحيـاة، ويتكشـف لكم عنكم ثقل أحمالكم وأوزاركم من أثقالكم بمادتكم، وما فيها من طاقة تجسدت بكم تجمدونها ولا تعيدونها للطيفها، فتعرفون معاني الشـيطان الرجيم فيكم، والشـيطان الكريم لكم، تسـتقيمون بالشـيطان، وترجمون الشـيطان بالشـيطان، في صراع ضمائركم مع صفات غرائزكم، تنسـاق عقولكم لتحقيق شـهوات ذواتكم ونفوسـكم، يؤخذ بنواصيكم في طريق الجحود والكفر. ويوم تسـتجيب قدرات ذواتكم وصفات نفوسـكم لنداء ضمائركم، فيدبر لها العقل قائدا لا مقودا، وسـيدا لا مسـودا، ورائدا لا مرودا، يؤخذ بنواصيكم في طريق الإيمان، وطريق الحق والشـكر، يوم تسـعدون في أنفسـكم بسـلطان عقولكم، وحرية نفوسـكم، ولطافـة ذواتكم تفك رقاب معانيكم من أسـر أوزاركم فتسـبحون في الوجود، خلق لكم، في دار عرضها السـموات والأرض أعـدت للمتقين منكم، للتوابين، للرجَّاعين، للآيبين إلى أصولهم من الحق، اسـتطاعت عقولهم مضيا إلى أهلهم، في أحسـن تقويم، والرجوع لأبنائهم بالبشـرى عن دار النعيم، لا قيود للأجسـام والأبدان، والأوزار، ولا ضيق في الإدراك، ولا انحطاط في الغاية في أسـر شـهوات النفس، حفت الجنـة بالمكاره والنار بالشـهوات، ولمن خاف مقام ربه جنتان، ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، هذه الدار أول أبواب جهنم، هذه الدار أول أبواب الجنة، أول أبواب الجنان.

إنكم في عالم تولدون فيه مولد فطرة، لا ترتبطون بقديم، ولا تحرمون من قادم، كل مولود يولد على الفطرة، اطرحوا جانب قديمكم، واعلموا أنه ما كان حسـنا، وإلا ما كنتم هنا، واعلموا أن الشـيطان يجري من أنفسـكم مجرى الدم فلا تغيبوه عن معانيكم بمادي قيامكم، فضيقوا فيكم مسالكه بالجوع والعطش، وافرضوا إرادة الخير عليكم في القيام في قوانين السـلامة لأبدانكم. إن لبدنك عليك حـق، وإن لعقلك عليك حق، وإن لنفسـك عليك حق، وإن لروحك عليك حق، وإن لنور الحيـاة فيك عليك حق. إنك يوم تعرف من أنت من الحق، تقوم بواجبك لكل هؤلاء بالحـق، فارتفع بمعناك، واطلب لمولاك، وسـدد فيه طريقك، وقوم فيه مسـلكك وخطاك، واعرف الحـق تعرف أهله، وفرق بين الحق والباطل في فعلك، وميز في اختيارك لمن عرفت خبيرا بالحق، له تابعت، ومعه سـلكت، وله بصلاتك اسـتقبلت، بيتا لمن نشـدت ووجها لمن طلبت، وعينا لعين معناك، بمعناه لمعناك تقوم، وبمعناك في معناه لك يتواجد وبك يعمل، خلقكم أزواجا، قوموا لله مثنى، يجمعكم فرادى، قوموا لله إنسـانا وأمة، أمة في إنسـان، وإنسـانا في أمة. إن إبراهيم كان أمة في فرد قانتا لله حنيفا، وأنتم تنشـدون رب السـماء والأرض، تنشـدون الله، تنشـدون الغيب والشهادة، وتسـألونه أن يصلي منكم على رسـوله، وأن يصلي عليكم من رسـوله كما صلى على إبراهيم من أمتـه، وكما صلى من إبراهيم على أمتـه، يوم جعل في ذريته الكتاب والنبوة، فصلى منه على الأنبياء أمة له فرفع ذكره وخلد أمره، وألف القلوب على دينه في أبنائه وجدده ورسـالته وبيته بمحمد جديدا لقديمه بآدمه، فكان بمحمد آدم والده ووليده، فجعل من محمد أمة كما جعل من إبراهيم أمة قانتا لله حنيفا، وجعل من محمد الذي عرفنا مثالا عن قديم مما لا نعرف، وجعل منه أصلا لجديد مما نطلب لنشـرف، فأمرنا أن نكون على ما شـهدنا من أحوالـه في متابعة لمثالـه على بصيرة، { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}[٤]، {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}[٥]، {محمد رسـول الله والذين معه أشـداء على الكفار رحماء بينهم}[٦]. بذلك كانت البشـرية به من بعده خير أمـة أخرجت للناس، أمة وسـطا، أمة تعرف الحق لا يغيب ولا ينقطع عن التواجد بذكره لقديمه وجدته، وتعرف الحق ما غاب عن الوجود، وتعرف الخلق لا يتوقف عن التواجد، ولا يتخلق بخلق الحق إلا يوم يتحقق بالحق رسـولا من أنفسـهم فيصبح حقا بعد خلق، على مثال من قديم نعرفه، وعلى مثال من حاضر نشـهده ونشـرفه.

هذا هو الدين على وضوح فيه وبيان له، يُبيّن لكم على مكث بأهله، وعلى بيان دائم من نبعه، ما اسـتقامت فطرتكم وما لبت نـداء الله حقيقتكم، وما اسـتقامت على مراده خليقتكم، وما اسـتنارت بنور كتابه حيـا عقولكم، وما حييت بالحب والخشـية قلوبكم، وما قامت بروح الله عقولكم ونفوسـكم، {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين}[٧]… سـبحان الله وتعالى عما يصفون.

تعالى الله عن وصف النفوس والعقول له، وتعالى الله عن إدراك الذوات له وعن إدراك الموتى له، وتعالى الله عن القطيعة عن الروح روحا لها، وعن الغيبة عن الوجود نور الحيـاة فيه في الأحيـاء.

عباد الله… اتقوا الله، وآمنوا بالله، قائما على نفوسـكم في وحدتكم، ما تحاببتم في نجواه، وتواصيتم بالصبر لمعناه، وصبرتم لاختباره وابتلائه، لا تغيبوا عنكم قيامه بعطاء، ولا مثوبته برضاء، ولا جزاءه بابتلاء، فكل ذلك في الحيـاة التي تحيون، وفي الإدراك يوم تدركون، وهو في الإمكان يوم له تعملون، صحائفه حولكم منشـورة بآياته في الوجود وفي أنفسـكم في الشـهود، بيانا لا ينقطع، وهديا لا يتوقف، اقرأوه في أحداث الحيـاة، واعلموه في أحداث حيـاتكم. إن أحداث الحيـاة لا تسـير لحسـاب فرد منها، ولا أفراد، ولكن أحداث الحيـاة تسـير لحسـاب وحدتكم من الله، جزاءً وفاقا، وعطاءً حسـابا، وقياما صادقا لا كِذابا، كتابا من عملكم، ورسـولا من أنفسـكم فصلا خطابا.

إن محمدا بالرسـالة الروحية هو المخاطب في قومه وأمته في هذا العصر كما هو في كل أمة وفي كل عصر، وإن الله يخاطب خلقه وعبـاده في هذا العصر كما خاطبهم في كل عصر، على لسـان الحوادث إرهاصا كما سـبق أن أرهص لكل رسـالة. قل إني أنذركم قارعة مثل قارعة عاد وثمود. ها نحن نرى الطاغية يهلك قومه، ألم نشـهد فعل هتلر في قومه وفي نفسـه، وفعل الطغاة من قومنـا في أقوامهم وفي أنفسـهم، وفعل الطغاة في كل قوم، وما كان من أحداث على هـذه الأرض في حربين عالميتين متتاليتين؟ الأحداث ترهص بثالثة لولا رحمة الله، ولولا عناية الله، ولولا عناية رسـول الله وحكمة رسـول الله.

لقد كان للإسـلام صولة ودولة، وامحت عن ظاهر الحيـاة صولة ودولة، جزاءً لأهله، طلبوا الدنيا، ونسـوا الدين، طلبوا سـعادة دنياهم وعاجلتهم، ونسـوا رسـالتهم بدينهم لآخرتهم، وقد اسـتوفوا في ذلك جزاءهم، وذهب الله بهم وأتى بخلق جديد، وها هو رسـول الله على ما فعل بيننا بذاته قديما يفعل بيننا في جديد الرسـالة إليه ومنه، أمة عذابها في قبورها من دنياهم، وحكمة في دينها، وفي قيامها لأخراها، دولة السـماء ودولة الأرض في معناها ومبناها. ها هو الإسـلام ينفض عنه غبار الظلام ليتهيأ لجديد لباس من سـرابيل النور في القيام، بيانا لما غاب لمعناه عنه عند الأنام.

الإسـلام هو أقلام الحكمة في مشـارق الأرض وفي مغاربها، في بيئة السـماء قبل بيئة الأرض، ها هو محمد يرجع إلى الأرض كما فعل من قبل، ما جعل لبشـر من قبله الخلد، في تدان متفاوت وبمسـتويات متقاربة متعارفـة، ليقوم على الأرض مرة أخرى جيئة للحق وانشـقاقا للأرض عنه بنفسـه وبيته وصحبه، ودينه وأمتـه بيتا يوضع كما سـبق أن وضع بآدم إليه نسـب. ها هي السـماء ترهص له، ها هي الطبيعة تهتز لمقاربته، ها هي الأرض تتهيأ لتشـرق بنور ربها أمة له زواها بعد عناد، ها هو الكتاب ينزل مرة أخرى، وينطق مرة أخرى، ويبين مرة أخرى، ها هي الأرواح المرشـدة من أزلي حضرة الإنسـان تداني جديده لتعلم الناس معنى الإنسـان فيهم، وتقدم للناس إنسـان محمد، إنسـانا لله، وعبدا لله، وقبسـا من نور الله، وروحا من قدس الله، وذاتا لآدم الله في قديمه لدائمه ومسـتديمه، وبيتا لكلمات الله، وسـاحة لأنبياء الله، وأرضا لعباد الله، ودارا لحضرة الله، جاءنا فما عرفناه، وقاربنا فما قاربناه، وأحبنا فما بادلناه، وغفر لنا فما قدرناه، وخفض لنا جناح الذل من الرحمة فعلوناه، وما قدرناه، وحمد لنا فما شـكرناه، واسـتغفر فما قبلناه. هذا هو رسـول الله.

تعالى في تعالي الله، وتدانى في تداني الله، وقارب في مقاربة الله، وظهر في ظهور الله، وتكنز في تكنز الله. عبَّد نفسـه لنفس الله بعباد الله، وطلب العلم عن الله فعلمه الله، وما زال يطلب، وما زال يتعلم فيجيبه الله ويعلمه الله.

هلا إليه رجعنا ولندائه لبينا نداءً للسـماء يدوي في بيداء نفوسـنا؟ هلا اسـتجبنا له؟ هلا رضينا به؟ هلا صدقناه؟ هلا آمناه؟ نرجو أن يكون لنا ذلك ونحن نلبيه، في رفيقه الأعلى، وفي رفيقه الأدنى، وفي رفيقه من أنفسـنا، نصله بمحبتنا لأحبابه بيننا على ما هدينا من فارض القرآن عليه، وفارض قدوته لنا علينا. نسـألـه أن يصلي علينا منه، وأن يصلي منا عليه، حتى نلتئم معه، ونتوحد به، يوم نتوحد في جديد قيامه خبيرا بالرحمن وعبدا له من أنفسـنا طلبا لقديم قيامه، وتأهلا لقادم قيامه، في أنفسـنا وبأنفسـنا به نشـهد أن لا إلـه إلا الله وبها نشـهد أن محمدا رسـول الله. نسـأل الله بالشـهادتين أن يولي أمورنا خيـارنا، وأن يعافنا من قضائه بعدله فينا، وأن يعاملنا برحمته لنا، وأن يكون معنا في مآلنا بعزته، وفي حاضرنا برحمته.

أضواء على الطريق

(تذكروا أنكم أنتم الروح الأعظم، والروح الأعظم هو كل واحد منكم. إن القوة الجبارة التي أعطت للكون كله الحركة وخلقت جميع مظاهر الحيـاة حيـا وجمادا، القوة الجبارة التي شـكلت النجوم والكواكب، الشـمس والقمر، القوة الجبارة التي أعطت ضميركم جزءا من روحها، القوة الجبارة التي تتكشـف في القوانين المضبوطة والتي تتحكم في كل طور من تعبيرها، تلك القوة لا يمكن أن تتخلى عنكم، إذا كنتم أنتم لم تتخلوا عنها. فلتكن تلك قوتكم، مأواكم ومرسـاكم. واعلموا أن رداء المحبة الإلهية دائما محيط بكم، والحنو اللانهائي يحتويكم دائما بين ذراعيه).

من هدي السـيد (سلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الأنفال - ٣٣ ↩︎

  2. سورة الحجرات - ٧ ↩︎

  3. سورة النساء - ١ ↩︎

  4. سورة آل عمران - ١٠٤ ↩︎

  5. سورة آل عمران - ١١٠ ↩︎

  6. سورة الفتح - ٢٩ ↩︎

  7. سورة الأعراف - ٢٠٥ ↩︎