(٢)

الإنسان
بظاهره خلقا وعبدا بالملك والإنس والجان
لباطنه حقا وربا بحقائق الرحيم الرحمن

حديث الجمعة

١ شعبان ١٣٨٢ هـ - ٢٨ ديسمبر ١٩٦٢ م

في الروح الأعظم اللانهائي نقوم، وبه من روح الحيـاة الأعظم نسـتمد، ومنهما بروح الحيـاة العظيم نعمل، وعلى الحي القيوم نعتمد ونتوكل، وللرب المعلوم نشـهد، وبالإلـه المعبود نؤمن، وبالوجود المقدس نتواجد ونتجدد، نشـهد أننا لا إلـه إلا الله، بنا تقوم فنشـهد محمدا رسـول الله به نقوم فنَشـهد ونُشـهد رسـول الله عبدا وحقا، وعبادا لله، وحقائق الله.

هذا الدين القيم دين القيمة، ودين الفطرة، ودين التبليغ الدائم والهدي القائم، ودين العلم والمعرفة واليقين، يجب أن يوغل الموغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

من لم يكن له في نفسـه واعظ لا تنفعه المواعظ. إن الذي لا خير فيه لنفسـه، لا خير عنده للناس. ابدأ بنفسـك ثم بمن تعول. لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. إن الذي لا يشـهد في نفسـه أن لا إلـه إلا الله، وأن محمدا رسـول الله، كيف يُشـهِد غيره لا إلـه إلا الله أو يُشـهِد غيره محمدا رسـول الله؟ إذا قال القائل (لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله)، فقالها الناس معـه، وقالها الناس لأنفسـهم، فقامها الناس، ولم يقمها من علمها للناس قولا، فرب حامل فقـه إلى من هو أفقه منه، فهو لم يقلها لنفسـه مع الناس، يوم ربح الناس، علمها منه الناس فقاموها عليه ربـا، ولم يقمها ليكون بها لله عبدا. {أتأمرون الناس بالبر وتنسـون أنفسـكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}[١]. {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسـون}[٢]، أي ابحثوا عن ربكم في مجتمعكم بين عباد الرحمن.

من ربح الدنيا وخسـر الله ماذا ربح؟ ومن ربح الله وخسـر الدنيا ماذا خسـر؟ (ازرع كلمة الله في أرض ناسـوتك)[٣]، (القلب بيت الرب)[٤] ، (المرء على دين خليله)[٥]، (رب أشـعث أغبر لو أقسـم على الله لأبره)[٦]، {الله أعلم حيث يجعل رسـالته}[٧].

(ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)[٨]، (ولأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها)[٩]. هذا شـعار رسـالة الإسـلام مع محمد لمن يرفعه، والله أعلم حيث يجعل رسـالته. ليس الكسـب بكسـب الأعوان والأنصار، والمواطن والأنصار، ولكن الكسـب يوم يحيا القلب فيُحيي قلبا، فيحيا هذا القلب مع مُحييه في وحدة خالدة، فيعرف القلب الذي حيي القلب الذي أحيـا، ويحرص القلب الذي أحيـا على القلب الذي حيي، يتوحد القلبان فتتوحد لهما الأبدان، وتتطور إلى قدس الزمان والمكان بفردوس أزلي الجنان أو غرفة الإحسـان فيقوم التوحيد، ويُدرك الإنسـان بين القديم والجديد فعال لما يريد.

{قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[١٠]. إن المجاهدة بالفكر، إن قيام المعرفة للعقل، إن الإحسـان من النفس إلى النفس بالنفس، إن نشـأة الحيـاة، إن بعث الحيـاة، إن قيامة الحيـاة، لا يسـتقيم أمره، ولا يُدرك سـره، ولا يتحقق جوهره، إلا إذا قامت وحـدة بين قلب وقلب، ففنى قالب عن قالبه إلى قلبه، واجتمعت عليه القلوب بقلب في قالبه، فاتحدت القلوب وتعددت في صور من قوالب، وانتشـر الأمر فاتحدت القلوب، وعنونها قالب لقلب من إنسـان ظهر به غيبه من العنوان للرحمن فلا غيب، ولا شـهادة، ولكنه أمر في مظهرين من الذات، بالأبدان الأب والابن لمعنى الإنسـان، من اللطيف الخبير بالروح، جوهرا للعنوان، وإن مثل عيسـى كمثل آدم بقائم من ذوات من بنيان، بيتا موضوعا لبيت مرفوع، أو بيتا مرفوعا من بيت موضوع للإنسـان في الإنسـان.

إن لاهوت الإنسـان وناسـوته في مجتمعه البشـري أمر ليس بقاصر على النبيين، أو على الأولياء والصالحين، ولكنه أمر شـامل للجنس من الإنسـان في مظاهره من البشـرية بالإنس والملك والجان، وفي حقائقه من الروحية بعوالم الروح والنور والنار، تعريفا عن جوهر الحيـاة وروح الحيـاة، من عرفنـاه بالرحيم الرحمن، ومن عنونه الوجود باسـم الله وذكر الله، ظاهرا لغيب من الهو بعلمه من مقام الإنسـان علما على معلومه من الحقيقة باطنا لظاهر الوجود بالأكوان لعوالم الحق السـرمدي الرحيم الرحمن.

إن الناس يتواجدون في ظاهرهم بجماع ظواهرهم، الله من ورائهم محيط، وعلى كل نفس قائم. بهذا قامت فطرة الإنسـان في قديمه، وبه تقوم فطرة الإنسـان في قائمه، وعليه تبقى فطرة الإنسـان في قادمه ما بقي الإنسـان. والإنسـان باقٍ على ما كان، لا بدء له في وجود، ولا نهاية له في تواجد. فالإنسـان عنوان غيبه، وظاهر ربه، وداني إلهه، وقائم حقه، اتصف بما اتصف به جوهره، وقام لجوهره عين مظهره، وعلى ما قُدر جوهره تقدر مظهره، وعلى ما كشـف حق مظهره تقدر أمر جوهره. فإذا كان الجوهر لا بدء له فكيف يكون المظهر ببدء له! وإذا كان الجوهر لا فناء له، فكيف يكون المظهر موقوت يقطعه فناء له!

إن الإنسـان بجوهره ومظهره هو وجه الغيب، في معاني غيبه دائما، إذا ما صار الغيب في معاني الشـهادة، وصارت الشـهادة في معاني الغيب لمن كان له وجه لمعناه يشـهده في داخل نفسـه لمعناه. بذلك جـاء دين الفطرة بالفطرة لا بدء لها صبغة الله جددها رسـول الفطرة، وصبغة ذكره قياما وسـنة وكتابا، قدوة للناس وأسـوة، من عرفناه محمدا، ومن عرفناه عبد الله، ومن عرفناه عبد ربه وعبد نفسـه، ومن سـمعناه رسـول الله، ومن أجبناه داعي الله، ومن تابعناه، دليلا إلى الله، ومن آمناه في أنفسـنا الحق من الله. زويت له الأرض ليعممه ويعلمه ويظهره على الدين كله.

طلب إلينا عبد الله أن نؤمن بالله قائما على كل نفس، وأن نؤمن بربه الرحيم الرحمن، رحمته غلبت عذابه ومغفرته سـبقت عدله، وطلب إلينا ربه أن نؤمن بعبده ليكون لنا كفلين من رحمة الله. كما طلب إلينا دليل الله، ورائدنا إلى الله في أنفسـنا أن نسـلك طريق ربه طريقا مسـتقيما لا عوج له، وطلب إلينا ربه أن نسـلك طريق عبده ورسـوله طريقا مسـتقيما لا عوج له، ولا عوج للعامل فيه.

قام بيننا محمد الله، وحقيقة الإنسـان لآدم الناس، ليكون بيننا بما شـهدنا من قيامه، وبما عرفنا عن أصوله، وبمن قام بيننا من فروعه، كتاب علم لنا، وطريق الحق لنتخلق بأخلاق خالقنا، نتخلق بأخـلاق الله يوم نتخلق بخلقه، ونتواجد باسـم الله يوم نتواجد باسـمه، ونعنون وجها لله يوم نعنون وجها له، ونقوم حقا بالله يوم نقوم حقا به، نتوحد مع الله يوم نتوحد معه، ونحيـا باسـم الله يوم نحيـا باسـمه، حضرة اجتماع حقي الإنسـان بخلقي الإنسـان في دار الإنسـان، عرضها السـموات والأرض، هو بحقي ذاته وبيته مركز الدار وبيت قبلة أهلها للصلاة، أحدُ وجوده في وجوده حقا من حقائق تتعالى في وجودها بوجودها بجودها بمعناها لطالب معناها منها، افتقارا إليها، ومرضاة لها في الغني المسـتغني بمعناه لمعناه، وبوجوده لوجوده، عبدا له، وربا به، ورسـولا منه، ورسـولا إليه حقا في عيانه، وخلقا في عنوانه.

على هذا قام دين محمد، وبه قام دين ربه معه، فقام مسـفرا لنا دين الحيـاة، دين الفطرة، وقامت بنا روح الحيـاة، فقمنا في لانهائي الحي القيوم، مقاربا الأحيـاء وجوها له في عمائها متجاهلا الأشـلاء فضلات قيامها، يعرج الأحيـاء به في معارج الحيـاة لا جز لها في عطاء ولا توقف لها في وفاء. يحيون، ويحيون، ويحيون، بلا انتهاء لمراقي الحيـاة.

إن من يتوقف مع ما يقوم به من معنى الحيـاة، فرحا بما قام فيه من معناها دون حرص على مواصلة مزيد منها بها إنما هو المتخلف عن ركب الحيـاة، إنما هو السـالك لطريق الفناء، سـيصبح يوما فضـلات القديم وطعام القادم فالحيـاة لا تتوقف. والمتوقف بمظهر من مظاهر الحيـاة مع مظهره من مظاهـر الحيـاة متوقف عن ركب الحيـاة. والمتوقف في سـلم الحيـاة عن الركب متخلف عن الحيـاة، والمتخلف معدوم في جوهر الحيـاة ومعنى الحيـاة يوطأ بأقدام الركب المتحرك بالحيـاة.

يا من ذاقوا الحيـاة، فإنا لا نخاطب النيام، لا تتوقفوا مع ما ذقتم من الحيـاة، واطلبوا الحيـاة، فالحيـاة فوق ما أدركتم، فإذا قامت الحيـاة بلا إلـه إلا الله قام معراجها بمحمد رسـول الله، وإذا قامت الحيـاة بمعراجها برسـول الله، قدر الله حق قدره، وعرف الناس أن ربه أكبر مما هم فيه من الله له ولهم هو بأنفسـهم ذكرا له وحقا منه، وهو عليه بربهم رحمة منه وكتابا لهم.

إن الله قد صدق الناس هديه، وتعريفه، يوم قال لهم… ويحذركم الله نفسـه. إن الله يحذرنا نفسـه، وقد أعطانـا نفسـه، فإذا أدركتم أن أنفسـكم إنما هي نفس الله، فلا تفرحوا بما كشـف لكم، فما آتاكم شـيئا ولكن كشـف لكم فطرتكم وصنيعته لتعملوا لكسـب به فيه، واعلموا أن الله من هذا الحوض حوض اليقين يؤتيكم بلا توقف، ومن هذا الماء يسـقيكم بلا ارتواء، ومن هذا النبع يفيض عليكم بلا انتهاء، ومن هذا البحر اللجي يأخذكم تضلون فيهديكم، وتغوصون فيخرجـكم، وتعرضون فيشـهدكم، وتصدون فيسـمعكم، ضالا فهدى، وعائلا فأغنى، ويتيما فآوى.

إن من يصل إلى الضلالة في الله، فيحيره الفهم فيه في نفسـه، إنما ذلك من يطرق أبواب الله، مقاربا له، حائرا فيه، يعرفه واجب الوجود، ويؤمنه المعروف في الشـهود، وينشـده منزها له عن نفسـه في مطلق الوجود، عبدا له في الشـهود، وهو لا يعرفه ولن يعرفه إلا في نفسـه حقا منه سـالمت أو خاصمت نفسـه في قيامها، يطـرق كل باب، ويسـلك كل طريق، ويغترف من كل ماء، ويحدد البصر في كل نور، ويتأمل في كل ظلام، ويسـتمع لكل قول، ويسـتجيب لكل هدي، ولا يَزورُّ عن يد تمتد إليه بعطاء، ولا يظاهر وجها يجابهه بلقاء، يطلب الله، ويطلب الله، ويطلب الله… أينما ولى، ويقصد الله كلما سـار، ويسـكن إلى الله كلما قبع، ويستشـرف للمزيد كلما عرف، وينزل عن مكانته كلما شـرف.

هذا الدين القيم أوغل فيه برفق، تنبه، تيقظ، احذر خدعة نفسـك فيك، ولا تجهل عظمة إلهك، ولا تيأس من رحمة ربك لك، واعلم أن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، فلا الطريق سـلكها إلى مراده، ولا الغايـة حققها لرشـاده، ولا ظهرا أبقى لمواصلة مسـيره ومعاده، إنه متلف لنفسـه مطية لربه، إنه مفرط في أمره بيتا ونصبا لإلهه. إن النفس مركبه إلى الحيـاة يوم يريدها، إنها تقطع به الطريق فلا يصح أن يحملها بما هو فوق طاقتها، وبما لم ييسـر الله لها فيتلفها. ولكن البشـرية وإنسـانها يضع أصابعه في آذانه حذر الموت وفيه الحيـاة فلا يسـتمع لقول الله، {لا يكلف الله نفسـا إلا وسـعها}[١١]، {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها}[١٢]، {فقال لهم رسـول الله ناقة الله وسـقياها}[١٣].

أيها الثقلان، أيها الإنس والجان، بأي آلاء ربكما تكذبان، هل جزاء الإحسـان إلا الإحسـان، وهل نهايـة البهتان إلا الحرمان، أيها الخليلان، أيها الوجهان، أيها الأمران، أيها الكائنان، إنما الجنـان في أن تتحدا، وتتواجها، وتتقابلا، وتمتزجا بالإيمان والإحسـان، كل فيما خلق له لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وأن تقلعوا عن الخصومة والبهتان، لا شـرف لأيكما إلا بالتقوى، وإنكما في مقام الخلق وفي عالم الخلق لا تصلحان إلا بالاختبار، وبالبلوى، فاصبرا لأمر ربكما، حتى يرفع عنكما يوم تصدقان وتأخذان كلا وضعه في الحيـاة فيرفع عنكما الاختبار، ويقيم فيكما الادكار، ويقوم بكما الإخبـار، وتتحدث عنكما الأخبار. فهذا هو معنى الحق جامعا لكما أهلا لهذه الدار، يوم تقضون أيامكم فيها على تواصي باصطبار، وتعارف بادكار، فينتهي الإنذار، وينقضي الإعصار، وتتحقق البشـرى، ويقوم اليسـار، ويحيـا الإنسـان بشـقيه من معنى النفس والعقل أو الإنس والجان، من جوهر العقل والنفس بمعنى النور والنار في ذاته صمدية سـرمدية، عالما من هيكل أو دار.

هذا الدين القيم أوغل فيه برفق، إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وليتأمل الإنسـان في نفسـه يوم يفيض الله الإيمان على قلبه، ولينظر المتبصر يوم يتبصر فيبصر ما كان يعجز عن إبصاره، كم قضى في الضلالة وكم قطع من طريق الهدى، وليتأمل في أمره كم سـمع فما اسـتجاب، وكم نظر فما اتعظ، وكم لمس فلم يحس، وكم مر بآيات الله لا تترك عنده أثرا، ولا تثير في نفسـه خبرا، إنه يوم اسـتيقظ، يوم أفاق، يوم أدرك، إنما زحزح عن النار قيد أنملة، فلا يفرح بما يشـهد من دان من فعل رفيق أعلا من مظاهر النعمة، ومن مظاهر الجنة، فعند الله الكثير والأكثر، وإنـه بما هو فيـه ما زال بالنسـبة لما سـيأتيه، ما زال على ما كان فيه بالنسـبة لما قام له فيه، فلا يبالغ فيما تكشـف له يوم آتاه، ولا يسـرف في تقدير ما انتهاه أو توفاه، وليعلم، وليرشـد، وليصدق الله، وليدرك أنه إذا أعطى فعطاؤه غير مجذوذ، وأنه إذا أنهى فهو الحافظ مما عنـه نهى، وهو الغافر لمن وقع فيما عنه نُهي، وإن أطاع فما أطاع إلا بالمطاع، وأن الله فوق الطاعة والمعصية، لا تضره معصية، ولا تنفعه طاعة، وأن عبده إذا ارتفع إلى وصف العبد له، وقام في معاني العبد منه، وشـرف بمعاني الحق فيه ارتفع فوق الطاعة والمعصية، يأتي الطاعة لا كما يأتيها الطائعون ولكن مثالا يضرب، ويتجنب المعصية لا كما يتجنبها المتقون ولكن مثالا يحتذى، ويقع في مقتضيات الجزاء لا كما يقع فيه المجزون ولكن ليضرب المثال بنفسـه لمن يدركهم عن عجز أنفسـهم ومغفرة ربهم، ما أنزلنا عليك القرآن لتشـقى إلا تذكرة لمن يخشـى، غفرنا لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. إن الذي أدبه ربه فأحسـن تأديبه ما كان ليزل أو يخطئ، ولكن أظهره ربه في مظهر أهل الزلة، وفي مظهر أهل الخطأ،{عفا الله عنك لما أذنت لهم}[١٤]، {عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى}[١٥]، يعلمنا به كيف يكون أدب الدعوة، {واصبر نفسـك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيـاة الدنيا}[١٦]، يضع لنا قانون الإرشـاد للمرشـد، (أدبني ربي فأحسـن تأديبي)[١٧]، هذا من محكم آي القرآن مما لا يقبل التأويل والتحريف، حتى تقوم الحجة به على المخالف، ويتيسـر الانتفاع به للمتابع لقولـه المحكم {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون}[١٨] وبذلك كان المتعامل في الدين احترافا واسـترزاقا من الناس مبعد عن أمر المتابعة السـليمة، كما جعل الاهتداء من المتابع شـرط في الانتفاع به بتأليف القلوب بتنفيذ أمر المتابعة الواقع نفاذه على الله طلبا وافتقارا، فهو وحـده المؤلف للقلوب على قلب آيته وبيته بابتعاد التبعية للدنيا منه في حال الداعي ظاهر الحال بمجانبة أهلها وأحوالهم لأحوالها، لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا، والعكوف على دعوته متحليا بصفة الصبر، ورحابة الرجاء من الله للناس، عاكفا على طالبي وجهه دون من جعل منهم زينة الحيـاة الدنيا. ووصف من عرف من يسـلم له من عباد الرحمن بالمسـلم، ووصف عباد الرحمن وعارفيه ومقدريه بعجزهم حق قدره بالمسـلمين لله أو المسـلمين لربهم.

إن الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق… إن الذي قام ليقوم به الحق ما كانت حيـاته التي شـهدنا كافية لكسـب تجـارب الحيـاة على ما أراد الله به، وعلى ما أراد الله له، ولكنه من ظهر آدم في خليقته، أو قل من ظهر أوادم آدمه بين خليقتها وحقيتها، بدأت تطوراته وتعليمه وتجاربه. في ظهور الأخيار وُجد، ومن بطون الأحرار تواجد، حتى ظهر بشـريف ذاته. لقد كانت تجربة آدم من تجاربه، ولقد كان الأوادم آدما بعد آدم، وآدما قبل آدم ألواح كتابه، وكانت الكلمات من آدم، يظهرها رب آدم، منابر بيانه، وأيادي إحسـانه، وأحواض مائه، وهياكل قدسـه، وأبواب مدينته. لقد كان إنسـان الله قبل آدم لإنسـانه، وما كان آدم من قبل إنسـانه إلا مظهر عنوانه، تواجد إنسـانا، وظهر بآدم عنوانا، في أزل لا إدراك لبدئه، ويبقى كذلك في أبد لا إدراك لانتهائه يظهره آدم عنوانا ويصيره إنسـانا، علما على الحق، علما على الله، علما على روح الحيـاة، علما على الروح الأعظم فالأعظم فاللانهائي، علما على الحيـاة، بحرا لا سـاحل له، ومأوىً لا ضيعة فيه، عبدا عند من آمن به، وربا للمؤمنين بربه معه.

ما عرفنا من حق الحيـاة بالوجود أقوم منه قولا، ولا أطيب منه خلقا، ولا أرحم منه إنسـانا، ولا أبرز منه عنوانـا، ولا أشـرف منه بيتا، ولا أبين منه كتابا، ولا ألطف منه حجابا، ولا أكرم منه اسما، ولا أشـرق منه حقا. ذاك من ذكرناه عبد الله، ومن عرفناه رسـول الله، ومن آمناه الحق من الله.

اللهم به فارحمنا… اللهم به فقومنا… اللهم به فيسـر أمورنا… اللهم به فأزل عنا عثرات أنفسـنا، وعثرات الدنيا، وعثرات الآخـرة… اللهم به فانشـلنا من أوحال التوحيد إلى فضاء التفريد المنزه عن الإطلاق وعن التقييد… اللهم به فأقمنا منابر حقك، وألسـنة صدقك، وأيدي وصلتك، ووجـوه رحمتك، وعناوين حقك، وماء الحيـاة منك. لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم يسـر أمورنا حكاما ومحكومين، واغفر ذنوبنا حكاما ومحكومين، وتولَنا برحمتك وعنايتك وتوفيقك وتسـديد منك حكاما ومحكومين، لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين.

أضواء على الطريق

(نحن سـائرون نحو النور أكثر مما تعلمون. إن الحوائط القديمة التي ظنها الناس قوية جدا، والتي خندقت خلفها خرافاتهم وأهواءهم التقليدية وعقائدهم الثمينة تتداعى بسـرعة عظيمة. لقد مسـت النفوس، وانكسـر على عقولهم النور، وأصبحت القلوب أكثر قبولا. لقد أعاروا لحقائقنا آذانا صاغية. لقد تم نجـاح كبير في السـنين القلائل الأخيرة حتى حان الوقت لأن نقول إننا جزء من جيش منتصر. وهدف النصر بات على مرمـى النظر. نحن نتكلم على علم عندما ما نقول إن عالمكم القديم المؤسـس على الأنانية الماديـة يموت، وأن دنياكم الجديدة قد ولدت فيما بين ظهرانيكم. لنا أن نطلق الآن نغمة الثقة فلن تطول معاركنا مع اليأس.

نحن نحتكم دائما إلى الذكاء الباقي في الكائنات البشـرية، ولو أنه يظهر أنه في بعض الأحيـان أنه قد اختفى تحت أنقاض الجهل والخرافة والإصرار على العناد حتى أنكم تشـكّون في مجرد وجوده.

إن الذين قاموا بأعمال التضحيـات في الماضي يرون الهدف كلما اقترب الجيش رويدا رويدا).

من هدي السـيد (سـلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة البقرة - ٤٤ ↩︎

  2. سورة آل عمران - ٧٩ ↩︎

  3. استلهاما من تعاليم السيد المسيح وهو يدعو حوارييه أن يزرعوا “الكلمة” أي كلمة الله، أي المسيح في أرض ذواتهم. ↩︎

  4. عبارة دارجة عند المتصوفة يذكرونها كحديث قدسي يتناغم مع الحديث القدسي (لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن) الذي أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد. ↩︎

  5. حديث شريف: " المرءُ على دينِ خليلِه فلينظرْ أحدُكم مَن يُخاللُ." أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  6. حديث شريف: " رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرَينِ، مُصفَحٌ عن أبوابِ النَّاسِ، لو أقسمَ على اللهِ لأَبرَّه.": أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، وأصله في صحيح البخاري ومسلم بنحوه ↩︎

  7. الأنعام - ١٢٤ ↩︎

  8. حديث شريف ذات صلة: “خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول.” صحيح البخاري وصحيح النسائي. أيضا من الحديث الشريف: “ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها فإن فضلَ شيءٌ فلأهلكَ، فإن فضل من أهلك شيءٌ، فلذي قرابتِك فإن فضَل من ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا، وهكذا.” أخرجه مسلم والنسائي. ↩︎

  9. استلهاما من حديث شريف يخاطب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم الإمام علي بن أبي طالب: " فوالله لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لكَ حُمْرُ النعم" أخرجه البخاري ومسلم. ↩︎

  10. سورة سبأ - ٤٦ ↩︎

  11. سورة البقرة - ٢٨٦ ↩︎

  12. سورة هود - ٥٦ ↩︎

  13. سورة الشمس - ١٣ ↩︎

  14. سورة التوبة- ٤٣ ↩︎

  15. سورة عبس – ١٠:١ ↩︎

  16. سورة الكهف - ٢٨ ↩︎

  17. حديث شريف. جاء في الموسوعة الحديثية لابن حجر، والعسكري في كتابه “الأمثال”، والسَّرَقُسْطِيُّ في كتابه” الدلائل “، والسيوطي في كتابه” الجامع الصغير“، وابن السمعاني في” أدب الإملاء “، وأبو نُعَيم الأصفهاني في تاريخ أصبهان. ↩︎

  18. سورة يس- ٢١ ↩︎