(٢٣)
لا إله إلا الله
قديم وقادم وقيام
بداية ونهاية لقائم أمر وغاية
يقومها الإنسان ليكون بها عن ربه وعبده العنوان
حديث الجمعة
٢٦ جمادى الآخرة ١٣٨٢ هـ - ٢٣ نوفمبر ١٩٦٢ م
الحمد للــــه
الحمد للــــه والشـكر للــه
له الحمـد والشـكر على ما أنزل من سـكينته على القلوب، وعلى ما أنزل على أرضه من السـلام، وعلى ما أنزل من رحمته على النفوس.
لا موجود بحق إلا هو، السـلم معه، والسـلام منه، لا شـريك له.
ها هي نبوءة الروح تصدق، ويتحقق للأرض السـلام، ويتخلى أهلها عن طبيعتهم من التنافر والخصام من رحمته.
ها هي الدورة تتم للسـلام بقيام وبدء، وتتم للخصام بزوال وانعدام إلا اللمم. فنسـألـه تعالى أن يتمم نعمته بالسـلام، حتى يكون جامعا مديدا تاما شـاملا لبقاع الأرض وأممها. ونسـألـه برحمته أن يطول هذا السـلام في دورة ممتدة بمنه وكرمه ورحمته، حتى يسـتكمل الناس فيه نورهم، ويسـتقبلوا به منه مسـرتهم، وتهدأ نفوسـهم من قلقلها، فيسـتطيعون ردها إلى بارئها، مهيأة لرحمته، مسـتقبلة لفيضه، مسـتكملة لنورها منه، أعلاما عليه، ووجوها له، من ورائها بإحاطته، وفي معناها بذكره، وعليها برحمته، ولها بقدرته، مدركة حقيقتها وكمالـها في معاني ذكره وعبده، يلحقه بلطيفه في كثيفها فتسـقط عنها أوزار كثافتها لمبانيها، بكشـف الغطاء لها عنها بالحرية لمعانيها، فتشـهده من وراء كل كثيف بلطيفه، وجها له لوجوه لها، ووجوها له لوجه بها، فتشـهد أنه لا إلـه إلا الله، بدخولها في حصن لا إلـه إلا الله، وقيامها بلا إلـه إلا الله، يبعث بها السـلام، ويتواجد بها الإسـلام، وتحيـا بها الأرض من ذاته له بعد موتها عنها بعثا للحق به، فيقوم بها المسـلم في نفسـه وبنيانه، ويفيض بها المؤمن بقلبه وعنوانه.
هكذا يكون الإسـلام في دورته مع كل إنسـان في حضرته، الناس جماع حضراته، لواحدية حضراته لصفاته، ولأحدية معناه لأحدية ذاته، بقيامه على كل نفس بما كسـبت.
النفوس فيه بين فرق وجمع، بفرق ظاهرها عن باطنها، وبفرق باطنها عن ظاهرها، في فرق حاضرها عن ماضيها وقابلها، وبجمع حاضرها على ماضيها وقابلها، علمت نفس ما قدمت وأخرت.
علمت نفس ما هي وما عَلِمت، لا يحيطون بشـيء من علمه إلا بما شـاء، وشـاء من هو منها أقرب لها من حبل الوريد أن تعلم أنها منه، وأنه لها، وأنه أقرب إليها معها من حبل الوريد، فيشـهد معنـاه في معنى من هو أقرب إليه من حبل الوريد، فيراه وجها له، ويقومه عبدا له، في حال اجتماعه وجمعه على أصله وفرعه، على مسـتقبله وقبله، في حاضره لمعناه قائما على حاضره بمبناه أحدية للزمان، في معنى الزمان له والدهر عنده، وأحدية للمكان في معنى الوجود له والمطلق معه، وأحدية للحق والخلق في معنى العبد والرب له، والسـرمدي من ورائه بإحاطته. هكذا يكون الإنسـان، يوم يصبح الناس في معنى الإنسـان مع من لاقوا من إنسـان، ويوم يصبح هيكل الإنسـان عن معنى الإنسـان عنوان إنسـان، يوم يقوم القلب بيت الحق حقا، ويوم يتواجد الذكر المحـدث بالذكر القديم فيكون له معنى وقيام، ويصبح للدلالة على قديمه له ختما وبدءا وعنوانا، ذكرا لإنسـان عن إنسـان في إنسـان الكل لله، لا يذكر غيره بالوجود والفعل مذكورا، ولا يقوم غيره بالرحمـة وبالحيـاة مشـكورا. الإنسـان له أبرز المعاني منه، بقيام معناه. الإنسـان له ظاهر غيبـه وباطن شـهادته، بالإنسـان للإنسـان يسـفر وجها له، وبالإنسـان عن الإنسـان يغيب كنزية له، والإنسـان بغيبه وشـهادته قيام حقه، ذكره وعَلَمُه وكتابه وعلمه وحكمته وأمره. يوحده الإنسـان بالإنكار على نفسـه في عزلة عنه بوجود له، ويتوحده ربه بوحدانيته بمعاني العلم عليه والوجه له، والعلمية لمعناه كلمة تامة له.
لا إلـه إلا الله، ولا عارف ولا معروف إلا الإنسـان. لا إلـه إلا الله، ولا موجود ولا موجـد إلا الإنسـان. لا إلـه إلا الله، ولا عاقل ولا معقول ولا معنون ولا عنوان إلا الإنسـان. لا إلـه إلا الله، ولا قيام لها ولا قيام بها إلا الإنسـان.
للإنسـان، في الإنسـان، لا إلـه إلا الله تتواجد به فيه له بطبائعها في طبيعته صورا وألوانا، وبحقائقها في حقيقته كتبا وأسـرارا، يجمعها العنوان في لا إلـه إلا الله. لا إلـه إلا الله، فرقـة الإنسـان يوم يتفرق الإنسـان بطبائعه، أو بألوانه، أو بمعانيه، أو بمعارجه ومراقيه، أو بنهاياته، أو بلانهائياته وببداياته، وبما قبل بداياته، ثم يتجمع فيها الإنسـان بفرقته، فيقومها لا إلـه إلا الله في أحديته زمانا وأزمانا، وفي أحديته مكانا وإمكانا، وفي أحديته طبيعة، وفي أحديته فطرة، وفي أحديته وجودا وموجدا وموجودا، وفي أحديته شـهودا، شـاهدا ومشـهودا، وفي أحديته قياما بآحاد واحدا موجودا. لا إلـه إلا الله هي الإنسـان، والإنسـان هو لا إلـه إلا الله.
ومهما فرط الإنسـان في أمره في لا إلـه إلا الله، فإن لا إلـه إلا الله لا تفرط في الإنسـان. إن الإنسـان ما أخـذ سـمت الإنسـان تكوينـا وعنوانا قامت عليه لا إلـه إلا الله، بما كسـب من لا إلـه إلا الله. وقامت عليه لا إلـه إلا الله بما اكتسـب من الغفلة عن لا إلـه إلا الله حتى يقـوم بلا إلـه إلا الله معنى وقياما، فيحاسـب الإنسـان نفسـه، وكفى بنفسـه عليه حسـيبا بلا إلـه إلا الله. وبلا إلـه إلا الله يجازي الإنسـان نفسـه. ما يعمل من مثقال ذرة خيرا يره، وما يعمل من مثقال ذرة شـرا يره. وبلا إلـه إلا الله نصر الله نفسـه برحمته على نفسـه بعدله في معنى القول بالعذاب. وبلا إلـه إلا الله ما من شـيء إلا ويسـبح بحمده. وبلا إلـه إلا الله ما من ذرة في السـموات أو في الأرض إلا ويأتي بها الله.
بلا إلـه إلا الله غلبت رحمته عدله، وغلبت نعمته جزاءه. وبلا إلـه إلا الله تغلب نوره على ظلامه، وحقه على باطله، وسـلامه على خصامه، وجمعه على فرقه، وأحديته على صوره، وبقاؤه على وهمه، وأبده على تجلياته، وأزله على كنزيته.
بلا إلـه إلا الله، يذكرها اللسـان، ويقومها الجنان، تخرج من الفم، وتسـتقر في القلب والوجـدان، تصدر عن العقل، وتسـتقبلها النفس، وتعمل بها الجوارح، فتحيا بها الذات، فتقوم بها دورة الحيـاة في عالم الفرد من الغيب إلى الشـهادة فيه، ومن الشـهادة إلى الغيب له، في فرد الإنسـان سـالكا طريق الحيـاة، بادئا بنفسـه، قاصدا باب الرحمن في بيته بقلبه، طالبا وجه الإحسـان في نفسـه لمعنى عبده، وتقوم بها الجماعة إذ يقوم بها الاجتماع، وينادي مؤذن قبلته بالتجمع فتقوم الصلاة، ويتحقق الإصلاح ويحيا الصلاح، ويتواجد الفلاح، وتكشـف الحقيقة للنفوس، فتسـلك الطريق، وتبدو للسـالك فيقوم الإيمان مع بوادر فجر السـلام، فردا أو جمعا، في أحديته، وأحدية جمعه، وأحدية الاجتماع فيه بلا إلـه إلا الله.
هكذا تقوم لا إلـه إلا الله. وهكذا تنادي لا إلـه إلا الله لغة الوجود لسـميع، ووجه الشـهود لبصير، فيقومها المسـتجيب لهـا والملبي لندائها، والبصير لها المتابع لشـهودها، فيقومها لا إلـه إلا الله لنفسـه، ثم يقومها نداءها ووجهها أنه لا إلـه إلا الله لجمعه.
هذا هو الإسـلام، وفقه الإسـلام، ما دار فقه الإسـلام حول هدف لتفقيه المسـلم فكانت لا إلـه إلا الله هدفا للمسـلم، فدار حولها كعبة له فيمن قامته فقامها مرآة له ليكون على دينه، من كانته فكانها فحيا قلبه، وينطلق ويقوم بها وجهه فيشـرق، وقد وضع وزره، فشـهد وشـهد لا إلـه إلا الله.
لا علم في الإسـلام، إلا بالعلم عن لا إلـه إلا الله، ما دار العقل والقلب ودارت غاية النفس حول لا إلـه إلا الله، وركنت كل معرفة إلى لا إلـه إلا الله، فكانت للإنسـان مركز وجوده، وأصل وجوده، ودائرة وجوده، هو لها ما هي له في وجودها لوجوده، وفي وجوده لوجودها، فسـلمت معرفته، واتسـع علمه، وانتشـر حوله هديه، نورا يمشـي به في الناس، يهدي به الله، وينشـر به الله رحمته ونوره، فكان ماء الحيـاة يتسـاقط من سـماء الحيـاة بمعناه على أرض الرحمة بالحيـاة لمعناه فيمن صافاه وتابعه لمعناه نفسـا وذاتا لمولاه، يمتد بالحيـاة إلى أرض القلوب ومعاني العقول، في إنسـانية الأرض إنسـانا لله وعبدا لله.
إن إنسـان الأرض بجماعه وبمفرداته على تفاهته من حيث ذاته من ترابها، في حال من العظمة في إنسـانية الله، من حيث قيامتـه في إمكانياته بجماعها إنسـانا وفردا. إن إنسـان الأرض بألوانه، وبفرقته، وباختلاف درجاته، وبتقادم وتجدد حيواته، وباختلاف طباعه، وبجماع معادنه وأطباعه، وبقيامه في وحدة من قيام على اختلاف أوضاعه، إنما يمثل الإنسـان الأكبر في أحديته، كما يمثل الإنسـانية الكبرى في حضرتها بمفرداته…
فرده بجمعه إن صح فهو عبد الله، وإنسـان الله، وذكر الله، وجماع بشـريته، وإحاطة أرضه، وطي سـمواته، كلمة الله وذكره، وآية الله وعلمه، وكتاب الله ونشـره، ويد الله وبسـطها، وقدم الله وسـيرها، وعين الله وسـهرها، وأذن الله وسـمعها، وعلم الله وإحاطته، يُظهره على الدين كله، يشـهده خلق نفسـه، يشـهده خلق السـموات والأرض، يتخذه عضدا، يجعلـه وجها من ورائه بإحاطته، يجعله يد قدرته، الأرض جميعا قبضته يوم القيام به، إنسـان لا إلـه إلا الله، يوم تقـوم لا إلـه إلا الله على إنسـانها في معنى إنسـانه، فيقوم الإنسـان عنوانا على عنوانه، من ربه في قيامه وعيانه في فرد جمعه بأهلها، وأحد جنسـه بأزلي عنوانها ذي المعارج أينما نولي فوجهه.
إن في شـهادة أنه لا إلـه إلا الله كنوز الحيـاة، وكنوز السـعادة، وكنوز العلم، وكنوز المعرفة، وكنوز القرب، وكنوز التواجد في اللانهاية بقيام معنى اللانهاية في قائم لا إلـه إلا الله، فيمن قامت عليه، فكان عين الحق من الله، كان حقا من الله، كان عين عبد الله، كان أول عباد الله لعباد الله، كان محمدا رسـول الله وكان آدما لأنبياء لله، وكان روح قدس لأقداس لله، وجماع كلمات لله إنسـان الله، كان كلمة تمت في الله. هذا ما كان محمد وما جاء به محمد للبشـرية لتكونه في متابعته. فهلا شـهدنا لا إلـه إلا الله بعقولنا، ووعينا، وعقيدتنا، فاسـتقمنا على لا إلـه إلا الله بقلوبنا طريقنا وجمعنا ووحدنا، فدخلنا في لا إلـه إلا الله، حصننا وعزتنا وبيتنا وكعبتنا، وشـرفنا ونعمتنا، فكسـبنا لا إلـه إلا الله، فكسـبنا أمانة الله معنا، فكنا عبادا لله، وذكرا لله، ووجوها لله؟
على هذا قام الإسـلام، وبه جاء مؤسسـه كتابا، ومجدده فطرة، ومبشـره قياما. فهل على أنفسـنا في سـابق أقمناه، أو في حاضر راعيناه، أو لقابل رجوناه؟ إنكم هنا في بيت الروحية تسـتمعون لمؤذن للصـلاة، من لا إلـه إلا الله، وتُدعون إلى حوض لا إلـه إلا الله، ومائدة لا إلـه إلا الله، وطريق لا إلـه إلا الله. فإن اسـتجبتم فإنكم تسـتظلون بظل لا إلـه إلا الله، وتسـقون من ماء لا إلـه إلا الله، وتطعمون من مائدة لا إلـه إلا الله، وتمتدون بنور لا إلـه إلا الله، وتشـعل فيكم مصابيح الحيـاة من جذوة الحيـاة بلا إلـه إلا الله.
إنكم ثمرة الوجود بلا إلـه إلا الله، فلِمَ لا تكونون ثمرة طيبة، وكلمة طيبة، وأرضا طيبة، وزرعا طيبا، فتكونون أصـلا للا إلـه إلا الله شـجرة طيبة وهي أصلكم، أنتم لها فرع، وكم يطيب لأصلكم بلا إلـه إلا الله أن تكونوا به وأنتم فرعه أصلا له لمن يطلبها من عملها بعملكم، أو يعرفها معروفة بتعريفكم، أو ينشـدها بتشـويقكم وحديثكم، أو يسـمع عنها بالسـماع لكم أو السـماع عنكم، أو يجهلها أو يجهل بها بمخاصمتكم أو بجهله عنكم.
لقد جُعل الإسـلام في لا إلـه إلا الله، فكانت عِلمه وعَلمه وطريقه ورحمته، وكانت بذلك بدء الإسـلام للمسـلم دين فطرة، وكانت نهايـة المطاف للمؤمن دين يقين، ذلك دين القيمة، ذلك دين من قام الله عليه، فأقامه على الناس، الله عليه شـهيد، وهو على الناس شـهيد، وهو في الناس شـهيد، والناس عنده له وعليه شـهداء. لم يجعل الله الإسـلام في القراطيس والمحابر، وقد جعل الإسـلام في قومه ينظر في وجوههم، ويقرأ في معاملتهم، ويكسـب من قلوبهم بمحبتهم، وينشـر من ذواتهم بقدوتهم.
ضرب ابن مريم مثلا للمسـلم يوم يقوم المسـلم بمعناه كشـهيد، يوم يكون المسـلم لله عبـدا وعلى الناس شـهيدا، فيدعى الناس بإمامهم، لا دينونة على من دخل في قلب كلمته، ويكون ربه عليه شـهيدا، وما ربه إلا عبدا كان عليه شـهيدا ورسـولا لمن هو عليهما من الغيب شـهيدا إنسـان الله وعبده.
هذا هو الإسـلام عند المسـلم، فالمسـلم أمة في معناه وذاته، وأمة في جمعه وأخوته وأخواته، كل المسـلم على المسـلم حرام، المسـلم للمسـلم كالبنيان يشـد بعضه بعضا، المسـلم للمسـلم عنوان في سـبقه وقائمه وقادمه، المسـلم صلح فوقه الآباء، وجاهد تحته الأبناء، واسـتقام معه الأخوة لبنات لبناء، وبيت لقبلة، يسـتقبلهم الناس وجه الله، ويصلون الناس صلة الله، يسـكنون لهم في أنفسـهم بما أنزل الله عليهم من سـكينته، ويمتدون بسـكينتهم في الناس رحمة الله للناس، وعباد الرحمن بين الناس. فماذا كان المسـلمون بعد إمامهم المسـلم لربه، يوم أسـلموا له، فكانوا المسـلمين؟ انظروهم كيف جهلوه فغيبوه ففقدوه، وكيف عموه بينهم بأهله فتركوه، وكيف زاحموه في شـهوده فظاهروه، وكيف هم يوم احتجب من بينهم نصب له، وقام لهم عديد من النصب منه فما طافوه ولا حجوه، ولا بقلوبهم وصلوه، ولا بعقائدهم صلُّوه، ولا بصفائهم اتصلوه، ولا بعقولهم أدركوه فعقلوه، ولكن بدنياهم معبودة جهلوه فما عرفوه، وصارحهم فما صدقوه. (ما عرفني غير ربي)[١]، ولكنهم على شـاكلتهم قـدروه، (وا شوقي إلى أحبابي)[٢]، فما اتعظوه ولا في جـديد نظروه أو انتظروه، (قوم يؤمنون بي ولم يروني، [لهم من الله ما لي])[٣]، ولكنهم بخاتم النبيين وصفوه وما فهموه، ولا روحا آمنوه، فزعموا لأنفسـهم ما لهم على وهم بهم، وسـلبوهم التقدير والقـدر عندهم، واهميهم أهل السـبق (أما أنتم فأصحابي)[٤]، أنتم من صاحبوا جسـدا وهموه كأجسـادهم، أما هم فأحبابي يعرفوني روحا لأرواحهم وباطنا لأشـباحهم.
ما كان لبشـر أن يكلمه الله إلا وحيـا أو من وراء حجاب، فما كان للناس أن يعرفوا الحق في عبده ورسـوله، وهو لهم بينهم وجها لوجه من شـبح لشـبح، فكان لا بد وهو الحق من احتجابه بغيبة عنهم أو احتجابهم بإكبار له عنه حتى يعرفوه، وكان لا بد أن يتخذ من دونهم سـترا من إنسـان في عنـوان ليعشـقوه يوم يحنون إليه بالوجدان ليلاقوه يوم يتذكروه وقد حرمـوه، أو يذكروه وقد أكبروه، فجعل الله من أهل بيته عنه حجابا لهم ليقوموه فما عرفوه بل أنكروه وجحدوه. وبذلك كسـبه المتأخرون مع سـفنه، وفقده المتقدمون مع أنفسـهم.
هذا هو عبد الله… هذا هو رسـول الله… هذا هو الحق من الله… هذا هو الوجه لله… هذا هو القانون في الوجـود… هذا هو الحق في الشـهود… هذا هو المعنى في التداني والصعود… هذا هو الفطرة للموجود… بلا إلـه إلا الله، بها قام عبد الله، ومنها كان رسـولا من الله، فكان للأرض والسـماوات وجه الحق من الله، به جاء الحق وزهق الباطل.
بهذا قام رسـول الله، على مكث يتكاثر، وبجديد يقوم، وببيان يصدر، وبنداء مسـتمر يجهر، وفي قيام يتجدد لا يغيب، كوثر العبودية لله، ودوام العبد له، ومعنى الحيـاة فيه، في معنى العبودية له، نورا يمتد في ظلمات النفوس، لا يحتجب ولا يغيب، لكل قوم هاد أحواض رحمة الله، ونار مقدسـة مشـتعلة بالدفء والحيـاة، لا تخبو ولا تخمد، نار الله الموقدة، بورك من فيه، وبورك من حوله، نفس الله المحذرة، قامت بشـيرا للبشـر، ونذيرا للظلام، محذرة من الغفلة والعدم. قامت وبعثت من غلبة فيوض حضرة الرحمـة على موازين العدل منهما خلقت وبهما تخلقت وحقت، رحمانا وعبدا للرحمن، ورحيما وعبدا للرحيم، وحقا وعبدا للحق.
ذلك هو عبد الله، من عرفناه محمدا، ونعتناه ابن عبد الله، وهو عين عبد الله، نعم هو عبد الله، وابن عبد الله، وكم كان عبدا لله، وكم كان ابنا لعبد لله، وكم هو كائن عبدا لله، وكم هو كائن ابنـا لعبد لله، (ما أعطيته فلأمتي)[٥]، (من كان مني، كنت منه)[٦]، من صارني صرته، من تواجـدني تواجدته، لا فرق بيني وبينكم، ولا فرق بيني وبين ربي ورفيقي الأعلى، بي كنتم له عباد، وبما علمني كنت، وكنتم فيه في حضرة الرشـاد، وكنتم معي في سـبيله سـبيلي، وكنت معكم في سـبيله سـبيلكم، وبرحمته كنت فيكم رحمته، (أنا رحمة مهداة)[٧]، ولكن يا حسـرة على العباد ما يأتيهم من ذكر محدث إلا كانوا به يهزؤون، (أنا فرطكم على الحوض، يؤتى بأقوام أعرفهم ويعرفوني، ويؤخذ بهم دوني، فأقول أمتي أمتي، فيقال لي ما تدري يا محمد ما فعلوا بعدك، فأقول ما فعلوا بعدي فيقال لي أحدثوا بعدك، فأقول أنا بريء ممن أحدث بعدي)[٨]. هكذا أنا معكم كنت، وهكـذا معكم أكون، وهكذا في قديم قمت، وهكذا في قادم أقوم، وهكذا أنا في كل حاضر قائم، ما عرفني غير ربي. بدأ الإسـلام غريبا كلما بدأ ويعود غريبا كلما عاد.
إن الذي عرف أنه فرط قومه على الحوض قد كان في سـبق في أمم وفي جمع، في رسـالات قامها وعرفها وختمها فرطا على الحوض. إن الذي عرف أن الناس أحدثوا بعده، أو يحدثون بعده، عرف أنهم في قديم أحدثوا بعده، وأنهم في قادم سـيكونون على ما كانوا في قديم، وهو فيهم على قديمه قائم، مبعوث ليتمم مكارم الأخلاق، وهو في قادمهم على ما هو في قائمه، لا يعرف إلا رحمة الله، ولا يقوم إلا بمكارم الخلق من الله، ولا ينطق بالتعريف إلا بالحق في صمد الله وصمد رسـالته بدائم كوثر رسـوله.
(اللهم إني أعوذ بك أن أقول زورا أو أن أغشـى فجورا أو أن أكون بك مغرورا)[٩]. هكذا كان دعاؤه، وهكذا كان في الله رجاؤه، فحقق الله له دعاءه، وأوصل إليه برحمته، وبعزته، وبقدرته، رجاءه… فما نطق زورا، وما فعل غرورا، وما زلت له قدم، وما أفلت له لسـان، لا ينطق عن الـهوى، فقد كان هو عين الوحي الموحى، وظاهر وحي يوحى، كان رسـول الله… كان عبد الله… كان كل شـرفه أنه عبد الله… كان كل عمله أنه رسـول الله… كان كل خلقه رحمة الله… كان قيامه كتاب الله… كان علمه علم الله عن نفسـه… كان توحيده توحيدا لله لنفسـه… كان ذكـره ذكر الله لنفسـه… تكلم نبيا، وتكلم عبدا موحىً إليه، وتكلم حقا قائما… نطقه نطق الله، وعلمه علم الله، وكلامه كلام الله.
أظهره ربه على الدين كله، فكان بظاهره ظاهر الدين كله، وبغيبه غيب الدين كله، وبعلمه علم الدين كله، وبكتابه كل كتاب، وبإنسـانه كل إنسـان، وببيانه كل بيان، وبعنوانه كل عنوان، وبعبوديته كل عبد وكل العباد، وبرشـاده كل رشـد وكل الرشـاد. كانت لا نهائية الله في لانهائية عبـده به، وفي لا نهائية علمه عنه، وفي لانهائية رشـده للناس به، في لانهائية حكمته، ولانهائية ظهوره، ولانهائية بيانـه، ونطقه، وأثره، وسـنته. في كل أمة جاء بلغة قومه ليبين لهم دين الفطرة، فنطق في الحكماء في مشـارق الأرض ومغاربها، يقوم ويتقلب في السـاجدين، وينطق ويظهر بالحكمة في العالمين، ويجدد طريقه في المعلمين، ويواصل رحمته في العاملين، فيمن كانوا بالرحمة على الناس قائمين، مدثرا بالأجسـاد، متكاثرا بالأمجاد.
هل عرفنا عبد الله؟ هل عرفنا رسـول الله؟ هل عرفه آباؤنا؟ هل عرفه مجتمعنا؟ إن حررنا العقل وحكمناه، وصدقنا العقل وتابعناه، فقليل من العباد الشـكور، وقليل وأقل منهم الذكور، ما عُرف رسـول الله بعد، وما شـُهد رسـول الله بعد، وما أَدرك الناس عن رسـول الله بعد، إلا قلة ممن رحم، وقليل ما هم، في قوم جفوناهم وجافيناهم، ونعتناهم أهل المواجيد، وهم أهل الوجود والشـهود، وهم أهل اليقين والمعرفة والكتاب والسـجود، هم عترة رسـوله، وهم صنو كتابه، وهم معالم بيتـه، وهم سـفن ركبه، وهم نبرات صوته، وهم آذان سـمعه، وهم يد فعله، وهم قدم سـيره. هم فمه ولسـانه، هم رحمته وجنانه، هم طلعته وعنوانه، جافيناهم وجفوناهم، وفي المقابر ذكرناهم، ولقضاء الحاجات في مقابرهم قصدناهم، فنذرنا النذور، وضربنا الطبول، ورفعنا البيارق، وانتظرنا الخوارق. تجددوا فما أدركنا دوام التجدد، وغابوا وتواجدوا، فما أدركنا مواصلة التواجد، فما في أنفسـنا ولا بين الأحيـاء طلبناهم، ولكن في دوام بين المقابر ذكرناهم، وبين الجيف قصدناهم، وقلنا نحن الأحباب في الله، ونحن الأخوة، ونحن الإخوان في الله، ونحن أبناء الطريق، ونحن نصب الإيمان، وما قصدنا في حاضرنا لنا عنوانا إلا من أهل البهتان، نعنون به موهوم الصدق ومزعوم العرفان، والحـق بيننا في قيام، والبيان يدوي في قلوب أهل الوجدان من عباد الرحمن، فاختفى بيننا كل صادق من إنسـان زكاها، واختال باسـم التقوى كل إنسـان دسـاها، في الجمع يقوم بالزور والبهتان، يجهل معنى الإنسـان ويزعمه الإنسـان، يجافي الرحمن ويطلب بجهله وباسـمه الشـيطان، يتابع الطاغوت باسـم طاعة اللاهوت، ويجهل شـرف الناسـوت…
فما أدركوا ما تردد ألسـنتهم من لفظ لا إلـه إلا الله، ولا ما تنطق شـفاههم من لفظ محمـد رسـول الله، شـهادة لا يشـاهدونها لا في الله ولا في رسـول الله، وأسـماءً لا يدركونها ولا يحسـونها، ولكن ألفاظا بألسـنتهم يلوكونها بعيدة عن لا إلـه إلا الله، وبعيدة عن محمد رسـول الله، وبعيدة عن كل محمد لله، وبعيدة عن كل حق من إنسـان الله، في حاضر الله وفي غيب الله، في قابل الله أو في قديم الله.
اللهم يا من جعلت من عبدك الحق لنا، وأنزلت عليه جديدا من الحق على قائم فيه بالحق رحمة بنا، وكثرته لنا حقا يتكاثر لدوام له في دوام لنا، وأوسـعت عطاءه حقا يتناثر فضلا علينا، وجعلته بتكاثره في وحـدته بمعناه مائدة السـماء للأرض، وحوض الماء للحيـاة، جعلته ماء الحيـاة الطيب، ونهر الحيـاة الطيب لطيب الحيـاة من بحرك الوافر، ومحيطك الزاخر لا حد له ولا إحاطة به، اللهم يا من جعلت المعرفة بك في القيام به والتعارف إلى النفس فيه، قياما بك وتعارفا عليك، اجمعنـا عليه فينا بفضلك. اللهم يا من جعلت منه الرحمة يبذلها من بحارها كيف يشـاء، ومن غير حسـاب منـك عن فعل بها، وجعلته الرحمة بعينها، وجعلته رحمة مهداة منك بالنسـبة لنا، وحقا قـام علينا به بالنسـبة لك… اللهم به فارحمنا… اللهم به فحققنا… اللهم به فصلنا… اللهم بـه فأوصلنا… اللهم منه فاتصلنا… اللهم اجعله لنا في الدنيا والآخرة فيك غايتنا في الدنيا والدين والعلم واليقين، نعرفه فنعرفك، ونشـهده فنشـهدك، نتوحده فنتوحدك، وقد جعلته نبي الأنبياء وقدوة الأولياء وشـهيدا على الشـهداء، كما جعلته لكل قوم هاد، ولكل عصر هاد على مكث يبين، قدوة دائمة متجددة متصورة للعالمين.
نتلاقى معنا، فنتلاقى به، فنتلاقى في لقائه بك فنجددنا معك فنراه رحمة السـموات والأرض، وعبدا لك في خدمة أهل السـموات والأرض دارا له لأنه عبد رحمتك لنا، السـموات والأرض وما فيهما، أعدها عدا وتأتيه في طلبها لك فردا وعبدا، لأنه عبد لانهائيك لرفيق أعلى في دوام وفي سـلام. اللهم يا من به عرفناك وقدرناك، وبالعظمة أكبرناك، وبالعجز أدركناك… اللهم به فارحمنـا… اللهم به فأحينا… اللهم به فابعثنا… اللهم به فوفقنا، ويسـر فيك أمورنا حكاما ومحكومين، وأنزل به سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا.
أضواء على الطريق
حاول أحد الأعضاء لدائرة روحية مقارنة تقدم المعرفة الروحية بالنمو الروحي في الديانات القديمة، فنصح السـيد الروح المرشـد (برش) بعدم عقد مثل هذه المقارنة قائلا: (حقا لقد انطلق من عالمي منذ مائـة سـنة تقريبا بحسـاب زمنكم مجهود منظم بناء على خطة موضوعة بكل ما فيها من تفاصيل، واسـتقر العزم على أن الحق الروحي قد جاء هذه المرة لأجل أن يبقى. ولا توجد قوة على الأرض في اسـتطاعتها أن تمنعه.
لقد نجحنا… ولكن يجب أن تتذكروا أننا لا نفكر في الروحية كشـيء يمكن مقارنته بالديانات الأخرى. إنها بالنسـبة لنا قانون الكون الطبيعي. إنها ليسـت تعاليما تتبلور وتصاغ في مواد ثابتة تطاع. وما كانت الديانات القديمة سـوى وسـيلة للتعبير عن القانون الطبيعي. لكل زعيم ملهم جـاءت الرؤيا والإلـهام وفهم القانون الطبيعي فتصرف على حسـب العصر الذي عاش فيه. وكما تلقاها النبي نقلها لمن كان لديهم اسـتعداد للقبول.
كان ذلك جزءا من الحق ثم أصبح هذا الجزء للأسـف محملا فوق طاقته، فلم يسـتطع الحق البسـيط أن يبقى على فطرته وجمالـه، لقد غدا مزيجا بما أضيف إليه من الأسـاطير اللاهوتية، والتجارب الدينية، والتقاليد الموروثة حتى اندثر كلية ما يتعلق بالروح العظيم، وظهرت الحاجة من جديد لبعث وإحيـاء ما دفنه الإنسـان.
إن كل ديانات الماضي- بدون اسـتثناء - جزء من نفس ذلك الإلـهام الذي يصل إلى عالمكم اليوم. ومن الصعب الموازنة بين الواحدة والأخرى لأنها جميعا مظاهر للحق. والظروف الآن قد تغيرت).
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي.” ↩︎
من الحديث الشريف: (مَتَى أَلْقَى أَحْبَابِي؟)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا أَوَلَسْنَا أَحْبَابَكَ؟، فَقَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي، أَحْبَابِي قَوْمٌ لَمْ يَرُونِي وَآمَنُوا بِي، وَأَنَا إِلَيْهِمْ بِالأَشْوَاقِ لأَكْثَر. رواه أبو الشيخ الأصبهاني في " ثواب الأعمال "، كما في " كنز العمال "، والقشيري في " الرسالة “، والديلمي في " الفردوس.” ↩︎
حديث شريف من حديث أبي جمعة - رضي الله عنه - قال: “تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، أحد منا خير منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك، قال: نعم، قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني.” رواه الدارمي وأحمد والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وإسناد الدارمي. وعبارة “لهم من الله ما لي” عبارة يذكرها السيد رافع أحيانا مع هذا الحديث الشريف. ↩︎
من الحديث الشريف: (مَتَى أَلْقَى أَحْبَابِي؟)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا أَوَلَسْنَا أَحْبَابَكَ؟، فَقَالَ: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي، أَحْبَابِي قَوْمٌ لَمْ يَرُونِي وَآمَنُوا بِي، وَأَنَا إِلَيْهِمْ بِالأَشْوَاقِ لأَكْثَر. رواه أبو الشيخ الأصبهاني في " ثواب الأعمال "، كما في " كنز العمال "، والقشيري في " الرسالة “، والديلمي في " الفردوس.” ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
إشارة إلى معنى جاء في أحاديث شريفة متعددة: " إن عليا مني وأنا منه". رواه الترمذي والنسائي في السنن الكبرى. و" حسين مني وأنا منه". أخرجه الترمذي وابن ماجه، وأحمد باختلاف يسير. أيضا: في حق جليبيب لما استشهد بعد قتله سبعة من المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم: هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه. رواه مسلم. ↩︎
حديث شريف: “إنما أنا رحمة مهداة.” أخرجه ابن سعد والحكيم والحاكم. ↩︎
حديث شريف: “أنا فرطكم على الحوض فمن ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا لَيرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي.” أخرجه مسلم، والبخاري في صحيحه. ↩︎
دعاء مأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر في كتاب “بحار الأنوار” من المكتبة الشيعية. ↩︎