(٢٠)
قامت الصلاة
حي على الصلاح حي على الفلاح
النداء الدائم من البيت السرمدي القائم
حديث الجمعة
٥ جمادى الآخرة ١٣٨٢ هـ - ٢ نوفمبر ١٩٦٢ م
حي على الصلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إلـه إلا الله، محمدٌ رسـول الله.
نادى بها بلال في قميصه، يوجهها إلى نفسـه، في دار ابن الأرقم، وما زال ينادي بها بلال في قميصه، يوجهها إلى نفسـه، في دار ابن الأرقم كلما بدأ إنسـان بنفسـه ليصلحها.
قام بها رجل لنفسـه وأول رجال عَلِمهَا فكان عَلَمَها، وعَلَّم بها فأعلَمها لزوجه وبيته، وقد بدأ بنفسـه وأهله، ثم دعا إليها عشـيرته الأقربين، ثم نادى بها في العالمين، فعلمها من عَلِم، وتنكب عن طريقها من تنكب، فسـلم من سـلم، وهوى من هوى، علم أو لم يعلم.
وما زال بلال يرددها في قميصه لنفسـه، وما زالت دار ابن الأرقم قائمة تتجدد كلما بدأ رجل بنفسـه فكان بها أول رجال، فدعا زوجه وأهله، ثم عشـيرته الأقربين، ثم صاح بها ونادى بها في العالمين. وما زال أول العابدين بها يتجـدد أول عابدين في كل أمة بلغة قومه ليبين لهم، يقوم ويتقلب في السـاجدين رسـولا للناس كافة، ورحمة للعالمين منذرا، ولكل قوم هاد.
إن الذي بدأ الخلق، بادئه بدءا آخر ببدء الصلة به، والإيمان بالمعية له بما ينزل من الحق على هياكله من الناس فيجعل لهم منه نـورا، ويقيمهم به روحا في قيام المعية منه حقا يقوم بهيكله منهم نصبـا له بفراغ الـهيكل من كل ما سـواه، إزهاقا للباطل، وجيئة للحق، حيث يتلاقى عالم الرحمن وعالم الشـيطان في ذات الإنسـان على أرض الحيـاة ونشـأتها عروشـا وكراسـي للمعروف لعبـاده عليهم يسـتوي، قائما على كل نفس بما كسـبت، بدءا لحقائقهم فيه عنونهم بدء خلائقهم به.
لا يسـتوي أصحاب النار قرناء، وأصحاب الجنة خلصاء، ولا يسـتوي أهل الجنة أتقياء، وأهل النار تعسـاء، ولا يسـتوي عباد الشـيطان، وعباد الرحمن، ولا يسـتوي الشـيطان والرحمن، ولا يسـتوي الظلام والنور، ولا يسـتوي العدم والحيـاة. وما قامت هذه المظاهر إلا صورا للإنسـان في أي صورة ما شـاء ركبـه، وهو من خصه بالتعبير عنه أو بظهوره علما عليه قائما به بمعيته له من ورائه بإحاطته…
فكان الإنسـان في حقيقته الروح الجامع لمفرداته ومعنى الحيـاة لجماع ذاته. وبذلك كانت الحيـاة الأرضية وما صدر عنها من مرتفعاتها، بطبقاتها من الحيوات العلوية في سـماواتها وحدة تقدس بدؤها، وتأبدت ذاتها، وعنونت بذاتها غيب أزلي نوعها…
وكان كتاب قدسـها في معرفة حيـاتها عن بدئها وتطورها، ودورة البدايات لمفرداتها إلى نهايات من غايات هي عين بدايات لجديد دورات في دوائر الحيـاة لها، على اختلاف في مسـتويات التطور لمفرداتها، به تتعارف على مرضي فضل واعتراف وإيمان بتفاضل فيه تنتظم وبه تتجمع وفي مواضعها بأنفسـها واختيـارها تتماسـك، فيظهر بها معها معيتها من الأزل فتحيا وتبقى وبالحيـاة تتسـرمد، وبمعنى الأبد تقوم وتعمل.
وعلى مثال من مفرداتها في وحدتها على ما تعلم تدرك قيام وحدة أكبر من مفردات على مثال من جماع أحدية وحدتها. وحدتها أحدها المتضائل أمام الكبير لها الجامع، ووحدتها هي حجابها وبابها إلى الأكبر لهما تراه في تطورها بمعناه لها فيها بما تمتد وتتسـع به من عملها وجديدها لها. فلا يسـتوي الحوض وواردوه، ولا مانح الحيـاة ومسـتقبلها…
وإن كان الإنسـان، بجميع حضراته، وبجميع ألوانه، وبجميع طبائعه، وبجميع معانيه، وبجميع معارجه، وبجميع طبقاته، وبغيوبه وبشـهاداته، في حضراته من النور، أو حضراته من النار، أو حضراته من الظـلام، أو حضراته من التراب، أو حضراته من المعاني، هو الإنسـان، فسـواء في أعلى عليين كان، أو في أسـفل سـافلين كان، وفي أقوم طريق كان، أو في أحط انحراف بطريق كان، في أحسـن تقـويم كان، أو في أبسـط تقويم كان، إنما هو الإنسـان في روح الحيـاة الأعظم اللانهائي هي له وهو لها.
إن الإنسـان، في الله أو في روح الحيـاة إنما هو بإرادة مطلقة لا تحد، يقوم بتجليات أزلية للحق دائمة قائمة، أبدية لا تحصر ولا تعد في الأعظم اللانهائي لمعناه، وهو في الإنسـان بالإنسـان بكلماته، تمت أو لم تتم، وبآياته أبرزت أو لم تبرز، قائم بمعيته، يقيمه بها أينما كان وحيثما كان، يظهر للإنسـان عين الإنسـان ومعنى الإنسـان، يوم يتجمع الإنسـان بأبعاضه من مفرداته في ألوانه ومعانيه وصفاته في وحدته من جمع على فرده في فرده بفرده، على محبة في اجتماع، تتأثر مفرداته، وتتواصى أفئدته في قيام، فيتجمع قديمه من الآباء على جديده من لداته من الأبناء في حضرة قيامه من ذاته، أمة مؤمنة، تدعو إلى الخير، لها الغلبة والأمر تأمر بالمعروف، ولها اليقظة والدراية، والخبرة والحماية، تنهى عن المنكر، ولها العلم، والمعرفة، الصلاة عندها صلة، بين ظاهر الإنسـان بخلقه، وباطن الإنسـان بحقه، تؤمن بالله، ظاهرا وباطنا، في إيمانها بنفسـها، ظاهرا وباطنا، يقينا بوحدانيته في وحدانيتها به، وقياما بحصن ألوهيته، وظهورا بحقه، لا تنكر عليه قائما، ولا تغيبه حاضرا، ولا تحيط به وجودا، ولا تنكره مشـهودا، ولا تحتويه معلوما، ولا تجهله علما، تتواجده ويتواجدها، تشـهده ويشـهدها، تعرفه ويعرفها، أمة وسـطا، بين قديم الإنسـان وأزلي جنسـه لا بدء له، وبين جديد الإنسـان وأبدي جنسـه لا انقضاء له، قياما بمعنى الإنسـان، يوم يقوم الإنسـان بمعنى ربه عبدا ووجها له، فرغ فانتصب، وأمر فقام، وآمن فسـجد، وتأدب فركع، وطلب، وحار فسـعَى وقصد، فعلم فطاف واسـتقبل وواصل، واسـتقرت نفسـه، وقامت سـكينته فدخل فوصل، فصار سـكينة الله في نفسـه وبيته، فنشـر الله منه السـكينة على خلقه، وأمر فصلى عليهم فكانت صلاته سـكنا لهم، فاسـتقبلوه وجها للصلاح، وطافوه بيتا للفلاح، وامتطوه سـفينا للنجـاح. ذلك من شـهد أنه لا إلـه إلا الله، فأشـهده الله أنه محمد رسـول الله ولنفسـه مثلا لخلقه اصطفاه، تعريفا عن الأقدس من ذاته، ولسـعادته اجتباه ليأنس بالرفيق الأعلى لذاته، وائتناسـا بذاته لعباده، أهداه رحمة مهداة.
إن الربوبية، لا تُعرف ولا تتعارف، إلا لعبوديتها، ولا تتلاقى ولا تتعارف إلا بعبادها، وعبادها في ألوانهم وطبائعهم، يعنونونها في أسـمائها وصفاتها لعوالمهم بمعالمهم رسـلا من أنفسـهم. إن القائم على كل نفس، ما عُرف إلا بما قام به على هذه النفس لهذه النفس وما قام عليها بما كسـبت، وما كانت بذاتها إلا ما اكتسـبت.
إن الناس من الإنسـان، في طبائعهم من النور، ملكهم عشـق مولاهم، أو في طبائعهم من النار، ملكهم من سـادهم وتولاهم، أو في طبائعهم من الطين، ملكهم من بالروح طواهم وبالنور غذاهم، ولمعانيه ارتضاهم، فالإنسـان بمجتمعه كتاب الله، وبطبائعه سـور كتابه، وبمفرداته صحائفها وكلماتها وحروفها. وهو في علميته على معلومه بمفرداته وجماعاته إنما يعنون أسـماء الله، ويعنون صفات الله، ويعنون حقائق الله.
إن الناس في الله، ينتظمون، وينظمون، ويتواجدون، وينسـقون، في ظل قوانين الحيـاة، وهي خُلُق الله، وصفات الله، فمن تخلق بأخلاق الله، وحاكى لنفسـه صفات الله، قام باسـم الله فيما حاكاه، واتصف بما تمناه. إن للإنسـان في الله حضرات بقدر أسـماء الله وبقدر صفات الله، وإن الله في قائم الحيـاة هو قانـون الحيـاة، وهو محقق لكل إنسـان فيه ما تمناه، فهو عند ظن عبده به، إن ظن خيرا حقق له الخير، وإن ظن شـرا أقامـه فيما أراد من شـر به يقوم أو عليه يُقام، وفق طويته في معاملة الناس معاملة مع الله، وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، نارا وقودها الناس والحجارة، أصحابها وسـاداتها ملائكة من الجنة والناس على رأسـهم إنسـان الرحمن المسـتوي على عرش كبريائـه وعظمته برسـالته للناس، أعطاه السـيد المالك للملك ملكا يسـوده وعالما يقوده رفيـع الدرجـات فيه. فهل نطلب في الله حضرة الرشـاد؟ أم هل نبقى في الله في تعلق بحضرة العناد؟
إن الإنسـان لربه لكنود، خلقه من نطفة فإذا هو خصيم مبين. يا أيها الإنسـان، يا أيها الناس أقيموا الصـلاة وادخلوا في السـلم كافة. إلى متى مخاصمة الله؟ إلى متى معاندة الله؟ فإن الله وقد خلقكم في كبد من أمركم، وفي حجاب من أنفسـكم بحكمته، إنما أراد أن يخلق أنانيتكم في وهم عزلة عن أنانيته، وهو الذي لا يشـارك بوجود، حتى إذا ما أدركتم هذه الأنانية في عزلة عن معاني أناه وهذا خصامكم وهو لكم فيه معيتكم، تخليتم له عن أنانيتكم من الباطل والوهم ليقومكم بأنانيته من الحق واليقين وينفخ فيكم من روحه، فتقومون وجوها له، وقد كنتم أشـباحا عنكم. هذا هو الإنسـان في الله، ذكـرا محدثا له، يوم يحرص على أمانة الله بحرصه على معية الله له، فلا يخرج من هذه الدنيـا، إلا وقد كسـبها فقامته فقامها، ونحر نفسـه، وقتل باطله، وأنكر على موهوم أناه، وقال بل هو… لا شـريك له، هو… لا إلـه إلا الله، فدخل في حصنها، وأمن من نفسـه تمكر به بوهمها من حكمة الله وقضاء الله وتدبير الله، حتى يتعارف العدم في معناه، إلى الوجود في معنى مولاه، فيتواجده معنى فيه عنه، وقد كان من قبل لا كائن ولا شـيء، فأصبح به كل شـيء، لا يكذب الفؤاد ما يرى، ولا تطغى العين فيما ترى.
إن محمد الله دوما ومحمود الناس برحمته يوما، رفيع الدرجات، ذو العرش يوم تشـرق الأرض بنوره ربا لها، وتلده الأَمَة سـيدا عليها، فتنشـق الأرض عنه وتشـرق الأرض بنوره مسـتويا على عرش ملكوته، أقرب الناس منازل منه يوم يظهر بما يقوم به من أمر الله، يوم يقوم بالحق، رفيع الدرجات، رافـع الرتب، نفسـا قدرت، خافضة رافعة، يبطش بها الله البطشـة الكبرى، الأرض به جميعا قبضته والسـموات مطويات بيمينه، إنسـان الله، ومحمده، ومحموده، وعبد الله، ومشـاهده ومشـهوده، يُقَدَّر به الله حق قدره عبدا له، وينزل به الناس منازلهم فيه، عبادا لربه ووجوها له، أمة لهم، تؤمن بالله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، أمة في فرد وفرد في أمة، ذلك هو رسـول الله يوم يدعى الناس بإمامهم. وهو الذي لم نعرف. ذلك هو عبد الله لنا الذي لم نشـرف، ذلك هو إنسـان الله الـذي لم نقم، ذلك روح الله الذي لم نتعرض له، ذلك نور الله الذي لم نسـجد له، ولم نتقدم لسـريانه بنـا، هذا هو حوض الله الذي لم نرد وكان فرطنا. هذا هو الرحمة المهداة التي رفضناها. كان هذا كله لنا منا، وكان لنا منه فأخذنا طريقنا نقيضه في كل حال. باعدناه فما باعدنا، وجافيناه فما جفانا، وجهلناه ولم يتجاهلنا، وأسـأنا إليه فلم ينقطع عن الإحسـان إلينا باخعا نفسـه على آثارنا في دوام من أزله إلى أبده، حتى يحمد عندنا، وحتى نرضى، وقد رضينا قائما في النيام منا، معنا وإن جهلناه أو تجاهلناه، داخلا علينا بالسـلام، نازلا بالسـكينة، موقظا بالحكمة، آخـذا بنواصينا إلى الخير، ها هو يدانينا، في مداناة نفسـه بنا، يسـهر علينا لا ينام، ويحيط بنا لا يغفل، ويتواجدنا لا يسـتكبر، ها هو ملأ السـماء، كما هو ملأ الأرض، ها هو يمـلأ السـماء، عقلا وحكمة وتدبيرا لملأ الأرض، جسـدا وقدما وجوارح له، يلتئم بهما لمعناه، ويوقظ نائم القيام بعثا لمبناه، يميته عنه مقطوعا، ويحييه به موصولا، ويتحدث منه واصلا معلما. ها هو الإنسـان يقوم ويشـهد قيامته، ها هي السـماء سـماؤه وداره، وها هي الأرض أرضه وملكه ومزرعته وعطاؤه ومزاره. ها هو يجمع بين أرضه وسـمائه دارا واحدة له وملكا واحدا له يقوم عليه بالحق في معناه من ربه عبدا له وإنسـانا فيه، يعرفه لا شـريك له، ويقومه أحدا، لا وجود لغيره وجها له، ويَعلمه ويُعلمه واحدا لا يشـارك رحمة منه لنفسـه به. ها هي رسـالة الروح، تخاطب هياكل الروح بلسـانه روحا هاديا، وتؤذن في عوالمها بالحج بصوته مناديا تناديهم للقيـام أن هلموا إلى أنفسـكم، وتدعوهم للحيـاة في القيام به قائمين فيه، وتقوم لهم به أحواض الحيـاة لهم، وتنزل من سـمائها بماء الحيـاة، فتتفتح بقدرة الله الأرض بعيونها ومائها ويلتقي عليها مـاء الأرض بماء السـماء فيتصاعد نبات الأرض لأجواء الفضاء بأمر قد قدر، يخرج من ضعفه إلى قدرة ربه، إلى قدرة الله، إلى معنى يد الله القابضة الباسـطة إلى أمر الله، إلى رسـول الله، أتى أمر الله فلا تسـتعجلوه. وها نحن نشـهد فجر يومه.
هذا ما جاء به محمد، وما قام به دين محمد، وما حفظ به دين محمد، وما تجدد به دين محمد، وما يتجدد به دين محمد في كل وقت وحين.
لا إلـه إلا الله، لا عبد له إلا عبد معناه، ولا شـهود له إلا في شـهود وجه معناه. الرسـول ومرسـله وربهما عبـاد له. الأعلى فيه والأدنى منه عباد له. لا تعدد لهم معه. عباده وجوهه لمعارفه. المشـاهد والمشـهود منه عباده لرسـله بهم تعارف الرسـول إلى مرسـله، وما تعارف المرسـل إلا لرسـوله في تعارف العبـد إلى ربـه، وما تعارف العبد فيـه إلا إلى رفيق أعلى له في قانون الوجود المقدس، أو في الوجود الأقدس، برحمة المعروف، وفي حكمة الموصوف، وبقدرة الموجود.
ما تعارف الإنسـان إلى معاني الرب عليه، إلا إلى المعنى القائم عليه من جنسـه. إن كل نفس لما عليها حافظ، لا يحيطون بشـيء من علمه إلا بما شـاء، ولا يحيط الإنسـان بعلمه إلا بما كسـب من عمل، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يـره ومن يعمل مثقال ذرة شـرا يره}[١]. إن الإنسـان مظهر صنعه بقدرة صانعه فيه. والعبد والرب لمعناه أحدية في صانعه أحدا معه ومعروفا منه.
هذا هو قانون الحيـاة، وهذا هو باب العلم عن الله، فهل علم الناس؟ وهل تعلم الناس؟ وهل تواصى الناس متعلمين بالالتفاف حول المعلمين فانتظم جمعهم، واسـتقام هديهم، وما خاب سـعيهم، وتحققت لهم في الحيـاة أهدافهم؟
إن حجر الزاوية… إن مركز الدائرة… إن دائرة الإحاطة، إنما هي فيمن جاهدوا في الله حق جهاده، فكانت منهم أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، يوم يعرفون محمد الله ومحمودهم، ويوم يعرفون عبد الله بينهم، وبيت الله لصلاتهم، وجـه قبلتهم، وباب سـاحتهم، ووعي حضرتهم، ومعية إيمانهم، ووسـيلة مصاحبتهم، ومركز ارتكازهم، وطريق سـيرهم، ومصباح طريقهم، على مثالـه، وعلى حالـه، وعلى معناه، يقيمون وصلتهم مع الله واتصالـهم به، عبدا للرحمن بينهم، يدا للإحسـان ممتدة إليهم، دليل طريقهم، ومصباح سـعيهم، يتخلقون بأخلاقه تخلقا بأخـلاق الرحمن، ويتعارفون إليه تعارفا إلى وجه الديان، ويقومونه قياما من فضل القيوم، ويحاكونه في الصغير والكبير من أمره قياما في أمرهم بقائم ربهم.
إن حلقة المعلم في الله هي حوض الحيـاة، وسـاحة المعرفة، ومصباح الظلام، وصلاة الدين، وقبلة اليقين، وبيت الطواف، وزمزم الارتواء، ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشـدا، ومن يهدي الله إنما يهده السـبيل وذلك يوم يجمعه على الخبير والدليل.
محمد رسـول الله، والذين معه أشـداء على الكفار رحماء بينهم، لا ينقطع لهم وجود، ولا يتوقف لهم تواجـد، ولا يمنعهم الله على الناس، لا شـرف لعربي على أعجمي في أمته إلا بتقوى الله، إنما أنت منـذر ولكل قوم هاد. إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد. كتاب أنزلناه عليك لتتلوه في الناس على مكث. إذا سـألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعانِ. يرسـله الله في أمم البشـرية يقوم ويتقلب في السـاجدين، وما أرسـلناك إلا كافة للناس تبعث فيهم بلغة أقوامهم، وما أرسـلنا من رسـول إلا بلغة قومه ليبين لهم.
إن محمدا رسـول الله، وعبد الله، وروح الله، ونور الله، يقوم ويتواجد في مشـارق الأرض وأممها، ومغارب الأرض وأممها، في أهل الاسـتقامة والإدراك والمعرفة، رسـلا من أنفسـهم بنور رسـول الله، الذي أعلمنا الله أنـه فينا، {واعلموا أن فيكم رسـول الله}[٢] والذي أعلمنا الله أنه آخذ من كل أمة بشـهيد يقوم منبرا لدعوة الفطرة يقوم فيه الرسـول بنوره، ثم يأتي بالرسـول زويت له الأرض وتبلغ أمتـه ما زوي له منها شـهداء على هؤلاء الذين كانوا منه وإليه، فكان محمد بذلك نهاية المطاف، ونهاية المعرفة، ونهاية الأرب، ونهاية كل شـيء للإنسـانية والبشـرية، في قائم البشـرية، وفي قـادم البشـرية، كما كان كذلك بقديم معانيه في قديم البشـرية. أخذ له الميثاق من قديمها أنبياء يظهرهم قبل ظهوره، وأخذ له الميثاق من مسـتقبلها شـهداء يقومون بعد سـفوره، ويقوم في الناس أمة وأمما أمة بعد أمة، تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بعديد دائم وقديم قائم. ذلك هو محمد الإنسـان، ذلك هو محمد العبد، ذلك هو محمد الرسـول، ذلـك هو محمد النور، ذلك هو محمد الروح، ذلك هو محمد المعنى، ذلك هو محمد المبنى، عبد الله، ووجه الله، والحـق من الله للناس يوم يفكر الناس في أمر أنفسـهم في الله، فيتابعونه على ما عَلَّم، ويعلمونهم على ما عَلِم، فيعلّمون الناس عن أنفسـهم، ويعلمون الناس عن الله في معيتهم. أشـهد أنه لا إلـه إلا الله وأشـهد أن محمدا عبده ورسـوله.
اللهم إن محمدا على ما أبرزت وعلمت، وعلى ما لم نعلم… جعلته منك لنا رحمة، وأبرزته لنا قـدوة وأسـوة. اللهم به فارحمنا على ما وعدت، اللهم به فأوصلنا على ما هديت، اللهم به فقمنا على ما أكرمت وبشـرت وخلقت، اللهم إنا علمنا معه أنه لا إلـه إلا أنت، ولا وجود لنا، وعلمنا به أنه رسـولك بعثت به إلينا من حقي أنفسـنا بك، وجعلت فيه قدوة لنا، ووعدتنا ما عَلَّمته، وأمسـكت بنا على ما هديته ضالا فهديت، ويتيما فآويت، وفقيرا فأغنيت. اللهم على ما نحن، على ما تعلم، كلنا الضال، وكلنا المفتقر، وكلنا اليتيم. اللهم مره يأوينا على ما آويت، وأجزل عطاءه، وقسـمنا عنده حتى يغننا على ما أغنيت، ويفيض علينا من نوره الذي عليه أنزلت، يسـري فينا بـه، فيقومنا لا نقومه، ويتوحدنا لا نتوحده، فيه نتواجد، وفينا بعظمته منك لا يتواجد، وهو فيك المتواجد، وأنت به لنا المشـاهد المتواجد. اللهم إنا به آمنا إيمانا بك، وله عرفنا معرفة لك، اللهم إنا لا نتجاوزه إليك، فهو لنا حقك، وهدانا، وغنانا، وسـعادتنا، ومأوانا. اللهم إنا معه تأدبنا تأدبا معك، وله خشـعنا خشـوعا لك، وإليه رجعنا رجوعا إليك، اللهم به فأكرمنا، وبه فارحمنا، وبه فأوصلنا، وبه فأحينا، وبه فأبقنا، لا إلـه إلا أنت. اللهم به تولَنا برحمتك، حكاما ومحكومين، طغاة ومهتدين، ضالين وعارفين، مجاهدين وغافلين، يا من أحطت بنا برحمتك، وجعلته رحمة منك، به ارحمنا، وبه اغفر لنا، وبه تب علينا، وبه تولَنا، وأنزل سـكينتك منه على قلوبنا. لا إلـه إلا أنت ولا معبود سـواك.
(سـيروا دائما إلى الأمام عالمين بأن معكم حقا منحة من الحق الروحي لا يقدر بثمن، سـوف تطرد كل الغيوم وتسـاعدكم على اختراق الظلمات بضوء الفهم. ولكن تذكروا دائما المسـئولية التي تأتي مع المعرفة لأنه إذا ما عرفتم مرة فلسـتم أنفسـكم عندما كنتم جاهلين. إن الذي يرفض قوة الروح وهو يعرف يرتكب ذنبا أعظم من الشـخص الذي يعارض الحق الروحي بجهالة).
من هدي الروح المرشـد السـيد (برش)