(١٩)
السلام
نبوءة الروح
وقد زلزلت الأرض والنفوس بالخصام
في أزمة كوبا
حديث الجمعة
٢٧ جمادى الأولى ١٣٨٢ هـ - ٢٦ أكتوبر ١٩٦٢ م
أشـر أريد بمن في الأرض، أم أراد بهم ربهم رشـدا؟!
أرادوا بأنفسـهم السـوء، ولكن رشـدا ما أراد ربهم بهم، ورحمة ما قدر ربهم لهم.
هـا هي البشـرية بين يـوم وليلة يقوم منها من يفعل بها بزعم الخير والمصلحة والصلاح، ما يزعج النفوس، وما تزلزل معه القلوب من خطر الحرب، لا بل من خطر المحو والإبادة.
ظن أهلها أنهم قادرون عليها، بلغت زخرفها وازينت بمن جعلوا زينة لها لوجه الحيـاة الدنيا منها، وما لهم في وجه الآخرة من خلاق، فما تخلقوا بأخلاق الله، ولا حرصوا على أمانة الله لهم وأمانـة الله بهم، وخلافة الله طوق بها أعناقهم، وعليها اسـتأمنهم، وعليها ما اسـتقاموا وقد أمَّنهم، ووجههم وباسـتقامتهم توجه بهم فرحم من رحم، وقضى أمره فيمن قضى.
الإنسـان في الحقيقة، معناها لذاتها وصفاتها مشـرقا بالحق، من حقائقها من ورائه محيط، وعليه قائم. وجـه عليه غبره، ترهقه قترة، ووجه عليه نضرة الحيـاة، ونضرة الحق، ينظر للأكبر المحيط الظاهر في كل وجه، ينظر للراعي، للمتجلي، للمشـرق، للرب في القلب وللقلب يظهر باللطيف الخبير، يلحق الأبصار فتبصر إحاطته ووجهه في كل شـيء، ولا تلحقه الأبصار التي لها لم يلحق، وبه لا تبصر، فهو الشـاهد والمشـهود عند الشـاهد والمشـهود، فهو الأكبر والأصغر يوم يعـرف الأصغر أنـه عين الأكبر، ويوم يقوم الأكبر في عين الأصغر في لا إلـه إلا الله، فتقوم قيامة لا إلـه إلا الله فيمن أقامها، فيمن أقامها لنفسـه في نفسـه على نفسـه، بإرادته في وعيه وحسـه. قام لا إلـه إلا الله، فقامت لا إلـه إلا الله، وشـهدت لا إلـه إلا الله، وشـهد بلا إلـه إلا الله، وذكَّر وذَكر لا إلـه إلا الله.
هذا هو الإنسـان في سـلمه، به يدخل في سـلامه، يوم يدخل في السـلم مع كله وربـه، فيدخل في السـلام لنفسـه مع نفسـه، فيخرج من معاني العدم وخطره، إلى معاني الحيـاة وبقائها له، ودوامه بها في لا إلـه إلا الله.
ها هم أهل الأرض يركبون رؤوسـهم، بين عشـية وضحاها، فيسـتكبرون ويتنافرون، ويهددون الحيـاة بالإزالة والمحو كأنهم منشـئوها، كأنهم خالقوها، كأنهم مبدعوها، كأنهم مالكوها. وإن ظهروا بذلك فمن كلهم ومبدعهم، الذي يأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون.
أرادوها حربا وأرادها ربها سـلاما، فأي الإرادتين وأي المشـيئتين تكون له الغلبة؟ أمشـيئة الضعفاء من المظاهر؟ أإرادة الجهلاء من المناظر؟ أم مشـيئة رب الأرض والسـماء؟ إنها مشـيئة الله، وقـد شـاءها سـلاما فأنزل السـلام على الأرض يحمله عباد السـلام من عوالم الروح فلن تكون هناك حرب، مهما انتفخت أوداجهم، وتشـدقوا بكبريائهم، منذريها أو محرضيها. فلن تكون هناك حـرب ولكنه السـلام، سـتتغلب دعوة السـلام، وروح السـلام، واسـم السـلام، فهو السـلام، ومنه السـلام، لا إلـه غيره، ولا معبود سـواه، ولا قدرة لناكريه، ولا سـلطان لجاحديه، ولا حكمة لغافليه، الأمر له، والشـأن له، والتدبير له، إرادته نافذة، والسـلام إرادته اليوم.
فلتطمئن القلوب الواجفة، ولتهدأ النفوس الخائفة، ولتتحرر العقول المرتقبة المتوقفة، فلن يكون هناك حرب ولكنه السـلام، أرادته السـماء، وأراده رب السـماء والأرض، فكان السـلام إرادته، مهما أرجف المرجفون، ومهما زعم المدعون.
فليطمئن بالله المؤمنون، وبسـلامه الموقنون، وبقربه العارفون، إنه روح سـرمدي الإنسـان، إنه رب حقي الإنسـان بالإحسـان، إنه إلـه الإنسـان الخلقي بالإيمان. إنه غيب الإنسـان الفطري في العوالم والأكوان، إنه شـهادة الإنسـان الإلـهي في العطاء والحرمان.
لا يحيط الإنسـان حقا وخلقا بعلمه إلا بما شـاء، وشـاء برحمته أن يحيط الإنسـان بنفسـه علما عنه بمعلومه منه، فيحذر نفسـه ويحرص عليها، في آن واحد…
يحذر نفسـه، يوم يراها تشـعر بقطيعتها عن ربها وكلها، جذوة من ناره، وقبسـا من نوره، وشـيئا لوحدانية أشـيائه…
فإذا رجعت، وإذا اسـتيقظت، وإذا من نومها أفاقت، وفي طريق النمو والحيـاة سـارت، وعن ألوهيتها في عزلتها تخلت، وعبوديتها في وصلتها أقامت، عليه عزَّت، لأنها لأناه مثلت وعليه بمعناه حرصت ودلت، فعليه في هذه الحال أن يعزها كما أعزته بربها وأن يحرص عليها وجه ربه له بمعنى العبـد لها، رسـول ربه عنده، عبدا له وعبدا لها بمعنىً فيه لمعنىً له ومعنىً لها لا يشـارك اللانهائي وحدانيته في وصفه، ولا يعدده أحديته في قيامه، بل الذكر المجرد والعبد المعنى له، هو ما هو الإنسـان كل الوجود لربه، وكل الشـهود لمولاه، وكل المنظور، إنما هو ظاهر إلـهه من كنزية غيبـه. الإنسـان هو الغيب فيه. وتنزيهه عن الشـريك هو معنى العبد له والرب منه، بمعناه منه لمعنى العبودية له، في معنى مطلق الوجود لمعناه.
إن العبد في الله، معنىً في الله، معنىً من الله، معنىً لله، معنىً إلى الله، يقوم لنفسـه في معناه بمعنى ربه لا شـريك له. الوجود له، والقرب والبعد له، والعظمة له، والتواضع والدنو له، والسـعة له، والغيب له، والتقيد والظهور له، والإطلاق له، والوحدانية والأحدية له، والمعاني له، والأسـماء والمسـميات له، والصفات والموصوفات له. وهو معنى العبد والرب فيه له، إنسـانا يظهر ما كان الإنسـان منـه، فكان له في معناه لنفسـه، بفرده وجمعه. كل ما عرف إنما هو لربه، سـواء في معناه مصنوعا أو صادرا من صنعه. جماع نفسـه يشـهد أنه لا إلـه إلا الله، يوم يعرف الله، وما عرف الله، إلا يوم شـهده وعرفه في معناه، عبده له وسـيدا على الأكوان به في فردوس ذاته وصفاته ومغانيه لمعانيه، لا يبغى عن معناه، ولا عن نفسـه ومبناه حولا إلى غير معناه عبدا لله…
عبد الله، الواسـع العليم، اللطيف الحكيم، العزيز الخبير، المعنى المجرد لله، في الله، بمعاني العبد لله والذكر له.
خُلقنا لنكون عبادا له، أفي العبودية لله هوان أو ذُل؟! إن الحرية والعظمة والعزة، في معاني العبودية لله، يرتضيها العبد لله، يوم يرتضي الله ربا له ومصدرا لها في كل ما ربّ العبد لنفسـه في السـموات والأرض دارا له أينما ولى فوجهه منظور هو بمعناه إليه ناظر. أينما ولى فمعشـوق طلعته. أينما ولى فجمال شـهادته وحق وجوده.
ما أقربه لا يغيب، ما أكرمه لا يفارق، ما أرعاه لا يغفل، ما أحرصه لا ينام. هو السـاهر على عباده ينامون، هو المحيي لعباده يموتون، هو العامل في عباده يهدأون، هو المنفعل بعباده يسـكنون، هو الراعي لعباده يتوكلون.
سـبحان الله أغير الله تعبدون، والله يتوحدكم وما تشـعرون! يربُّكم بأرواحكم من روحه، ويسـيركم بأشـباحكم من ذاته لذاته، هو في الأرض إلـه لذواتكم بذواتكم، وهو في السـماء إلـه لمعانيكم بمعانيكم.
فأنتم من الله إلى الله تتواجدون، ومن الله إلى الله ترحلون، ومن الله إلى الله تأتون، وتعالى الله عما تصفون. فأي بعث تنتظرون! وأنتم في أول الحشـر قمتم وتقومون، والسـاعة بدأتم برسـولكم وبه لها في أنفسـكم تبدأون، يوم به تبعثون، ونوره به فيكم تقومون، هو من ذكراها على ما من ظـاهر قيامكم تشـهدون، وإلى ربـه منتهاها لكم تنتظرون، وهو القائم على كل نفس على ما تعلمون، فأنتم في سـيرها، على ما تتطورون، يوم تعلمون.
القيامة قائمة، عنها تغمضون، وإنها لقائمة لو تؤمنون، وإنكم لمقيموها يوم يتكشـف لكم أنكم بالله تقومـون وتحيون، وحجب الغفلة عنكم تسـقطون، وذكره في أنفسـكم تحفظون، فذكره القديم بالإنسـان بجديدكم تجددون، يا حسـرة على العباد ما يأتيهم من ذكر محدث إلا اسـتمعوه وهم يلعبون، وهم عنه لاهون، وهم عنه غافلون، وهم له قالون.
سـبحان الله، أفغير الله تتواجدون! أفي غير الله تقومون، وبغير الله تفعلون! لِمَ لله لا تركنون، وعنه في أنفسـكم لِمَ لا تبحثون؟ عرفتموه ببلاغه أقرب إليكم من حبل الوريد فلِمَ للبلاغ لا تصدقون؟ فأي كعبة إليه تقصدون؟ وأي سـماء إليها بالدعاء تتوجهون وفي أنفسـكم لا تبصرون ولا تتجهون، وإليها بعد يأس لا ترجعون، وبأبصاركم الي بصائركم فيها لا ترتدون؟
فإلى متى في الغفلة تقومون أيها الغافلون؟ إن الله يناديكم من أعماقكم، وإن الله يناديكم من حولكم، وإن الله يناديكم من بعيد أن اسـتيقظوا لله في أنفسـكم أيها النائمون، وكونوا من المؤمنين اليقظين أيها المسـلمون، ولا تخدعوا أنفسـكم بألفاظ تلوكون، وحركات تأتون، ومشـقة من سـير في رحلة باسـم الحج ترحلون. فما شـرع لكم شـيء من ذلك إلا لتتأملوا فيه، فتسـتيقظون وتدركون إلى مراد الله به لكم إن كنتم حقا من المسـلمين وصدقا من المؤمنين. كبر مقتا أن تقولـوا ما لا تفعلون وأن تفعلوا ما لا تعلمون. فيوم تصدقون برباط الإنسـان بالإنسـان يربط الله على قلوبكم لتكونوا يوما من المؤمنين.
لا إلـه إلا الله رب العالمين، رب الغافلين واليقظين، رب المقاربين والمباعدين، رب الناس أجمعين، رب السـموات والأراضين، يحتجب عن النفس إلى حين، ويظهر لها يوما ودوما باليقين، يظهر لكل من طلبه في أي عالم في كل وقت وحين.
هو السـلام، ومنه السـلام، وعليه الاعتماد، وبه القيام. إليه نركن، وإليه نؤوب، في أنفسـنا، في قيامنـا، في عالمنا، في وقتنا، في آننا، في طورنا، في وحدانيتنا، في معنانا من العبد له، في لا إلـه إلا الله نقولها وتقولنا، ونقومها وتقومنا، في محمد رسـول الله يقومنا ونقومه، ونشـهدنا ونشـهده، نشـهده لا إلـه إلا الله، ويشـهدنا لا إلـه إلا الله في شـهادتنا محمدا رسـول الله وعبدا لله وحق الحق من حقائق الله، وجها لله، وروحا لله، وقبسـا من نور الله نراه في أنفسـنا قياما في تكاثر نفسـه لنا قائمة في نفس الله ثالوث ووحدانية الحيـاة. لا نفرق بين أحد من رسـله، إليه المصير.
اللهم يا من هو معنا، يقومنا ويجمعنا، اللهم أنزل سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا، واحفظ لنا السـكينة، واحفظ لأرضنا السـلام، اللهم خذ بنواصينا إلى الخير، وولِ أمورنا خيـارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارانا، وقومنا حكاما ومحكومين، وارحمنا حكاما ومحكومين، وخذ بنواصينا إلى الخير حكاما ومحكومين، وغير ما بقلوبنا من الغل والحقد حكاما ومحكومين، وارزقنا السـلم والسـلام معك، وأدخلنا في السـلم كافة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
أضواء على الطريق
١. الصلاة صلة بين العبد وربه:
-
المرسـل والرسـول والمرسـل إليه ثالوث وحدانية الله.
-
المرسـل إنسـان الله، والرسـول إنسـان روح الله، والمرسـل إليه إنسـان عبد الله ثالوث قيام الحق في الله بالإنسـان للإنسـان.
-
الله وملائكته والرسـول وأهله والمؤمنون بهما ثالوث قيام الرحمن في الله بالإنسـان للإنسـان.
-
الملأ الأعلى لله والملأ الأدنى لله وما بينهما من ملأ روح الله ثالوث وحدانية إنسـانية الله في الله.
-
إن الله وملائكته يصلون على النبي وأهله والذين آمنوا في قائم وحدانية الله.
-
إن الله وملائكته يصلون على إنسـانية الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور.
-
إن النبي وأهله يصلون على المؤمنين لتنزل بهم السـكينة على قلوبهم.
-
إن الذين آمنوا يصلون على النبي وأهله تخلقا بأخـلاق القائم على كل نفس، ليصلي بهم عليه فيصلهم به أولى بهم من أنفسـهم.
٢. الله نور السـماوات والأرض:
-
النور الذي أنزلناه معه جعلناه نورا نهدي به من نشـاء.
-
أفمن جعلنا له نورا يمشـي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها.
-
وهو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين.
-
إنا أعطيناك الكوثر. ما جعلنا لبشـر من قبلك الخلد.
-
نأخذ من كل أمة بشـهيد ونأتي بك شـهيدا على هؤلاء.
-
تشـرق الأرض بنور ربها ويوضع الكتاب ويؤتى بالنبيين والشـهداء.
-
كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين. قل أنا أول العابدين.
-
إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد.
(من هدي الفقراء)