(١٨)

التعديد والتوحيد أو التوحيد والتعديد
الشفع والوتر أو الوتر والشفع
هو العلم والعقيدة أو العقيدة والعلم

حديث الجمعة

٢٠ جمادى الأولى ١٣٨٢ هـ - ١٩ أكتوبر ١٩٦٢ م

إلى مصدر كل شـيء…

إلى كل شـــــيء…

إلى المعروف الذي لا يُعلم، إلى المعلوم الذي لا يُعرف…

إلى المسـمى الذي لا اسـم له ولا يتسـمى…

إلى الموصوف الذي لا يتصف…

إلى واجب الوجود المتواجد في وجوده…

إلى الموجود المتفاني بفناء وجوده في موجوده…

إلى المنزه… إلى المنزه عن التنزيه…

إلى القيام المدرك… إلى الحيـاة… إلى مصدر الحيـاة… إلى الحي القيوم…

إليه نتجه، معبدين أنفسـنا له، سـرابيل ليله ونهاره، لظهوره بتجليه، ولتواجده بتدانيه، رحمة منه، في الافتقار إليه، نوحده لا نشـرك به، ونسـتعينه لا ننكر عليه، ونعتز بفضله لا نسـتكبر به، لا إلـه إلا هو، ولا حق سـواه…

جاء الحق منه، في مجيء رسـالته برسـله، لا بدء لها، ولا انقطاع لهم، ولا بدء لهم، ولا انتهاء لها.

عباده، عباد رحمته، وجوه طلعته، رسـله منه وإليه، إلى الناس قائما على كل نفس من الناس أمورا لـه، منه وإليه لا شـريك له، نشـهد أنه الواحد لا تعدد له ولا كفأ معه، وأنه الأحد لا تعـدد فيه، ولا سـلطان إلا له، وأن الإنسـان بمعناه معاني فيه ومعاني له، طلعته ربا مرسِـلا، وعبـده رسـولا، وسـيدا منه مرسـلا إليـه. أينما نولي فوجهه، وفي أي شـأن نقوم فأمره، وفي أي لون نعمل فحكمته، من الأرض ينشـئنا وإليها يعيدنا، ها نحن عليها، بنا تتزين وتغنى، ومنا تخلع زينتها وعنا تخلع غناها، حول نفسـها تدور، وحول شمسـها تطوف، وحولها وليدها منها عليها يعكف.

حول الأكبر تدور، وحولها الأصغر يدور، وما دارت حول غير لها، وما كان غيرا لها ما دار حولها.

إذا اجتمع من يدور حولها، أو ما يدور حولها، على من دارت هي حوله، أو ما دارت هي حوله، فقد أدت رسـالتها، وتخلت عن سـيادتها على صغيرها أو وليدها، وردته إلى السـيادة عليها، من كانت هي منه وليـدة، فاجتمع الفرع على أصل أصله ثالوث واحد، وما اجتمع على أصل أصله إلا بالتحرر من أصله بمولد منه ليكونه، خلق فسـوى، اجتمع الشـمس والقمر.

إن الذي يُشـهد من أمر الفلك، هو ما يشـهد من أمر الناس، والناس على أرضهم تنشـق عنهم أبنـاءً لها، وأُما لهم، يَحملون صفاتها في أنفسـهم فيدورون حول أنفسـهم، كما تدور أمهم الأرض حول نفسـها، فيظاهرون شـمس معرفتهم أو يواجهونها تبعا لها وهم في دوام بدوام حركتهم، حـول أنفسـهم في حركتها يواجهون شـمس معانيهم بأبعاضهم، ويظاهرونها بأبعاضهم، فيجمعون لذواتهم معاني الليل والنهار بما يعلمون من أمرهم وما يجهلون من أمرهم، وهم في علمهم لا يسـتكملونه، وهم في جهلهم لا يدومونه، يأتيهم الجهل بعد العلم فيعرفونه، ويأتيهم العلم بعد الجهل فيسـتقبلونه، ويأتيهم العلم بعد العلم فيعرجونهم أو يأتيهم الجهل بعد الجهل فيضاعفونه ويعمهونهم. فبين العلم والجهل يتواجدون، وبين العلم والجهل ينعمون ويشـقون. هؤلاء هم أبناء الأرض، القمر مثالـهم لبنوتهم لها وانشـقاقهم عنها مواقيت للناس في أطوارهم بزمانهم، الشـمس مرادهم ومولاهم، أو مجهولهم ومبتلاهم على ما الأرض معها في أمر نفسـها. إذا عرفنا هذا ظاهرا لنا في ظاهر أمرنا، عرفنانا بين الشـمس والقمر، أراضين وسـمواتها، وأوادم ودوراتها، فكنا أمة وسـطا، أبناءً لأرض، كانت بين الشـمس والقمر كوكبا وسـطا، تعرف الأكبر وتعرف الأصغر، وتعرف نفسـها، فإذا كنانا معناها وجدنانا نرعى الأصغر آباءً وأمهات، ونوالي الأكبر أولادا وبنات، ونتكاثر بأنفسـنا متزاوجين في أنفسـنا في بنات وبنين امتدادا لنا.

بهذا كان إنسـان الأرض أصلح أنواع الإنسـان لاسـتقبال كمال معناه من إنسـانية الأزل، وكان أرضا صالحة لبدء إنسـانية الأبد، فما صلح في بيئات الإنسـان لاسـتقبال المثل الأعلى للإنسـان في أزله في أحسـن تقويم، إلا إنسـان الأرض مسـتخلفا مشـهودا بمعنى الأزلي لمعناه لسـائر العوالم. وما صلح من الأراضين لنشـأة الإنسـان نشـأة يصل بها إلى أحسـن تقويم إلا إنسـان الأرض. فطوبى لأهل الأرض من صلح منهم لمعنى الإنسـان، وليدا فوالدا، فعين مولوده قائما، فقادما فقديما، وجديدا فمتجددا، فجدا فكوثرا، القدم والجدة له والجدة والقدم له، والأزل والنشـأة له والنشـأة والأبد له. كل هذا لإنسـان الأرض ما حرص إنسـان الأرض على معنى الإنسـان له فطلب أباه وربه، وقام على مخاصمة نفسـه فجددها وعددها، وحرص على أن يترك لولـده ما ينمو به إلى كمالـه، مثالا للكمال له، ذرية طيبة بعضها من بعض، حتى يعمر أرضا يحييها ويملكها هي أرض قلبه، وسـماوات ينشـئها ويتسـعها هي وحدانية ذاته يوم يحييها جزءا جزءا فردوس نفسـه، يتخلق به المكان يوم تصبح ذاته محلا لوجود الإنسـان الروح الدائم ذاتا له ونواة لوجود وليد. بها يتواجد بيت القبلة وقلب الوجود فيعرف الاتجاه للأعلى منه وللأسـفل عنه، والاتجـاه للأمام والخلف في مواجهته ومظاهرته، ولليمين واليسـار بمتابعته ومعاندته، في ثالوث من الأطوال يتلاقى عنده حجرا للزوايا لتقاطع المتباينات من الطرق، وتلاقى المتناقضات من الاتجاهات، وهذا ما عناه عيسـى بقوله كل منكم يحمل صليبه.

به يخلق الآن والعصر كلما ظهر بالحيـاة في مجالات العدم. فيتحدد القبل بما قبل بدئه بمولد، ويتحدد البعد ما بعد انتهائه بقيام في مظهر غيبه بموت، ويتحدد الحاضر بعقيدة حاضره فيمن فيه يحضر، ويتحـدد الغيب بعقيدة تواجده في بعد عن الحاضر. به يتلوَّن نوعه من ظاهر الجنس ومن باطن الجنس بوصف الكفر أو الإيمان لظاهره في القرب منه والبعد عنه، وبوصف النور والنار أو الظلام والتراب لباطنه في الارتباط به والتطور بمعارجه وأطواره بسـرابيله من الطبائع في الطبيعة.

إن الإنسـان في مرجعه إلى الحق، في مرجعه إلى الحقيقة، في مرجعه إلى الله، إنما يرجع إلى أصوله، من صلح منهم يوم يصلح مرضيا مكافأ مسـرورا، منقلبا إلى معانيهم على تمام لها في الإنسـان، وإلا فيبقى مجفوا، مجازا، محسـورا في طريق الفناء والحرمان. كلما نضج جلد له بدل جلدا غيره.

فالإنسـان، إما أن تتهيأ له أسـباب المضي في التكوين والتجدد والوجود ليكمل بمعناه باسـم الإنسـان، أو اسـم ابن الإنسـان، أو الروح القدس للإنسـان، إذ ينقلب إلى أهله مسـرورا، برجوع الولد إلى والده، والموجود إلى موجده، {فما اسـتطاعوا مضيا ولا يرجعون}[١]، {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشـهدهم على أنفسـهم}[٢]، إن الإنسـان إلى أصلـه، وإن الإنسـان في نفسـه لنفسـه بنفسـه يعمل ويسـتقيم، ليتواجد ويصل، يتواجـد بلا إلـه إلا الله، ويصل إلى لا إلـه إلا الله، فيعلم أنه من لا إلـه إلا الله نشـأ. إن لا إلـه إلا الله لنشـأته، وجود وقيام، وإن لا إلـه إلا الله لنفسـه، وجود وقيام، وإن لا إلـه إلا الله لقادمه، وجود وقيام، وما لا إلـه إلا الله في قيامها منشـأ، ولا لا إلـه إلا الله في قيامها منشِـئا، ولا لا إلـه إلا الله في قيامها هدفا وغاية إلا لا إلـه إلا الله.

وهذا ما أراده أخونا، ومولانا، وسـيدنا، وراعينا، ابن الإنسـان، وابن آدم، وابن الأرض، وابن السـماء، وابن الشـمس، وابن الطبيعة ووليدها، وسـيد الطبيعة وجديدها، من عرفناه عيسـى بن مـريم، ومن عرفناه كلمة لله وروحا منه، يوم قال الآب والابن والروح القدس إنسـان واحد، أي أن آدم وحواء وأولادهم بيت واحد، أي أن الآب بقديم الأب، والأب لجديد الآب، والابن بمعنى الذات، والروح القدس بمعنى جماع الصفات حق واحد، وإلـه واحد، ووجود واحد.

يقول المسـلمون ادعاءً إن الإسـلام لا يعرف التثليث، ولا يعرف التثنية، ولكنه يعرف التوحيد. إن الإسـلام عرف التعديد ما أنكره في القول بالخلق مسـتقلا عن الخالق، كما عرف التوحيد ما فارقه بظهور الخالق بالخلق، فعرف التثنية ما جحدها، وعرف التثليث وما فوقه فما أنكر المعارج في المعروج إليه وفي العارج به، وعرف التوحيد إذ قام به، وبدأ به، وجعل التوحيد شـعاره وأسـاسـه وبابه، وقيامه، وكتابه، وعلمه، ولكن جعل التثنية بعد التوحيد طريقا فيه {يا أيها الذين آمنوا اتقـوا الله وآمنوا برسـوله}[٣]، وجعل التثليث بعد التثنية علما فيه (كل ما جال ببالك فهو على خلاف ذلك)[٤]. {ليس كمثله شـيء}[٥]، فميز المجهول عن المعلوم، والغيب عن الشـهادة، وجعل الشـهادة في تثنية من الرسـول وربه الغيب باطنهما، هما معه ثالوث واحد، وقيام واحد، وأمر واحد، وحق واحد، فجعل التعديد بعد التثليث تعريفا عنه بوحدة مفرداته لا حصر لها، في التوحيد والوحدانية وجوها له. فإذا جاء أدعياء الدين الذين ما أسـلموا لأمر الله فيهم وبينهم، ولا منهم الناس سـلموا، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويزعمون القول بتوحيد ابتدعوه يشوشـون به على العقائد بأوهامهم، والتوحيد في الإسـلام قيام بدء بالله ورجاء نهاية إليه، نبدأه على سـبيل البشـرى بإيمان قيامه في النفس، وننتهي إليه على سـبيل الغاية بقيام اليقين بمعناه لها، فإذا تحدثنا إليه معنا مفتقرين، وعرفنا عنه لنا مجاهدين، وطلبناه فينا بوحدانيته معنا سـارين، فإننا نبدأ في التعديد مثنّين بعين وجود عبد وقيام رب في الذات وفي اليقين، فإذا عرفنانا للرب عبدا نتابع، ووجها للرب لوجوهه في الناس نشـاهد، وعرفنا ما بينهما على ما علمنا من وحدانية الله بها بدأنا، فلم نفرق بين العبد وربه الأمر الذي عرفنا في أنفسـنا، عرفنا الرب أينما نولي فوجهه، ثم عرفنا معنى العبد فينا وبيننا، وفي أنفسـنا، وفي كل شـيء، كيف هو مع ربه، من هو كل شـيء فعلمنا وحدانية الله بعد اعتقاد بها فقبلنا قول الحق: واعلموا أن فيكم رسـول الله، اعتقـادا، فطلبناها لنا به علما ورشـادا وقياما، إذا قمنا في هذه التثنية بعين عبد ورب لأنفسـنا، وعبد ورب لمن نتابع وبه نقتدي ونهتدي، وأثره نتعقب. إذا قمنا ذلك قام فينا هذا التثليث، بكائن متابع لمعنانا متابعين، وعبد حقي متبوع لمعنى الرسـول خلفه سـارين، هو حـق لرب معه متحد على ما نحن فيه متحدين. فإذا عرفنا هذا التثليث من الغيب إلينا والرسـول بيننا وقمنا بين يدي رحمته من الرسـول وربه، عرفنانا بربه في دوام ظهور صفاته الأزلية على ما شـهدنانا كان لنا، وعلى ما نشـهد بمزيد وجديد دائما لنا يكون، فعرفناه ذا المعارج بعروجنا، فعرفنا التعديد، لا عد ولا حصر له، وأدركنا ماذا أراد رب محمد، بما قال لمحمد: آتيناك سـبعا من المثـاني والقرآن العظيم، إذ دركه الوحدانية بدءا في قرب بقاب قوسـين أو أدنى، ثم دركه الإثنينية في شـهود نزلة أخرى، ما زاغ البصر وما طغى. دركه الوحدانية في: ما كذب الفؤاد ما رأى، ثم دركه المعارج بدءا من نفسـه في معراج هيأه لتقبل نزلة وأخرى، ودركه التعديد بالعبودية والتنزيه باللانهائية في قوله له: هل تعلم له سـميا… قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون. فكيف ننكر على الإسـلام علمه بالتثنية والتثليث والتعديد وهي تفريع عن أسـاسـه من الوحدانية، وهي علوم في الحقيقة عنها يدرك معنى الإكبار لله والتقدير لمظاهره من كائنات بها يذكر؟ فالتثنية منتهية إلى التوحيد وبادئة منه، والتثليث منتهي إلى التوحيد وبادئ منه، والتعديد منتهي إلى التوحيد في إدراك مفردات وصفات وأسـماء الواحد وبادئ منه في عظمة تقديره، هو الرحمن فاسـأل به خبيرا.

إن السـائل قائم بالله، والمسـئول قائم بالله، والمسـئول عنه قائم بالله، فالسـائل والمسـئول إثنينية، والمسـئول عنه بطلب حـي عند السـائل وبعلم قائم عند المسـئول، تثليث يجعل منهم قياما في المسـئول عنه، هم ثالوث واحد، وقيام واحد، وحق واحد، والله خلقكم وما تعملون، عملكم هو مبناكم، من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، إن ابني من أهلي إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.

إن العمل وصانعه، وصانع الصانع ثالوث واحد وحق واحد، أنت ومن صنعك وما صنعت أمر واحد، وشـأن واحد، وقيام واحد، وكتاب واحد، وحق واحد.

أنت وأبناؤك قيام، وآباؤك إلى آدم قيام، وآوادم آدم في قيام قيام ثالوث واحد. إن آدم في قيامه ومن تناسـل منه إليك في قيامهم، وأنت وما تتناسـل منك في قيامك ثالوث واحد، وقيام واحد، فيك صفات آدم وما زلت فيه وما زال يقوم بك، فأنت وآدم وما بينكما ثالوث واحد، وقيام واحد، وآدم واحـد، وحق واحد، وإلـه واحد، آدم ومن وجد على مثالـه، ومن أوجدهما منه، ثالوث واحد، وقيام واحد، وحق واحد، ووجود واحد.

إذا لم نعرف التعديد بالتثنية والتثليث في وحدانية الله، فكيف ندرك وحدانية الله؟ وكيف نقبل وحدانية الله؟ وكيف نفعل لأنفسـنا وحدانية الله فنوحده؟ كيف نقوم بوحدانية الله اعتقادا؟ وكيف نقوم بوحدانية الله يقينا وحسـا وقياما؟

إن آدم بلا بدء، وآدم بمعلوم بدء، وآدم بمنتظر ومرجو بدء، إنما هم ثالوث واحد، وآدم واحد، وحق واحـد، خير الأمور فيه أوسـطها، فآدم الذي تعارف إلى الرفيق الأعلى من آدم والذي سـهر وانتظر الرفيق الآتي بمعني آدم منه كآدم له حتى يلتحق بالرفيق الأعلى لهما ويسـتخلف في القيام الأدنى على ما اسـتخلف، إنما هو أعرف آدم بمعنى آدم وقد أظهره اللانهائي على الدين كله، علم آدم الأسـماء كلها ولن يحرم آدما ما من معارف هذا الآدم في قديم الأوادم عليه أو في قابل الأوادم من بعده إمام النبيين، ونهاية أطوارهم، وختام مطافهم، وسـيد الشـاهدين، وشـهيدا عليهم. وإن لم يكن ذلك كذلك فماذا يرجو أبناء آدم من رب آدم مربوبا، ومن أبوتهم بآدم أبا وربا؟ إذا لم يكن ذلـك كذلك فكيف نسـمى بشـرا؟ وكيف ننتظر بشـرى؟ وكيف نشـرئب لمرجو كمال من العزيز على المثال، والذي جعل في آدم لأبنائه حالا ومثالا؟

إن كلمة الله بآدم نؤمنها لأنفسـنا فردا فردا، ونؤمنها لجماعتنا جمعا جمعا، ونعتقدها لأمم أرضنا أمة أمة، وندركها لبشـرية أرضنا بشـرية بشـرية. على هذا يقوم رجاؤنا، وفيه تقوم آمالنا، وعلى القيام فيه وكسـبه لأنفسـنا يقوم ديننا، وطريقنا، ومعارفنا، وعلمنا، ومجاهداتنا.

إذا لم يكن ذلك فلا خير في دين، ولا خير في مودة، ولا خير في حب، ولا خير في تجمع، ولا خير في مجاهدة، ولا خير في مسـير، ولا أمل في سـكينة.

إن دورة آدم هي كتابنا… هي دسـتورنا… هي علمنا… هي معرفتنا… هي حقيتنا… هي حقنا… هي ديننا وطريقنا… هي عملنا ووسـيلتنا… وهي أملنا وغايتنا… أبناءً كنا أو آباءً صرنا… أو روح القدس لهما حصلنا.

إذا نظرنا إلى آدم بمعلومه لنا، من العلم عنه من أبنائه رسـلا إلينا وإخوانا لنا، عرفنا أن آدم على مثال من سـبقه بمعناه لا جـديد في الله علما عليه دار حول نفسـه ليتواجد على تكامل، وحـول سـبقه إلى كمال دورات بين الليل والنهار، جمعتها في الزمان فترات، عنونها منه له فيه أبناء هم الكلمات، وأرواح هم الآيات هيكلا وبيتا للإنسـان، كان أأأا نوح، وإبراهيم، وعمران، وموسـى له آيات مثلت فصولا أربعا في الزمان، وجهات أربعا في المكان، وأركانا أربعا لذات البنيان في دورته حـوله وحول شـمس معناه، جمعها محمد لبيت قبلته، وطواف وصلته، وعاكفي صلاته من معانيه ولداته إماما وخاتما للنبيين، وأصلا وشـهيدا على الشـهداء والشـاهدين، عبدا لله وأول العابدين، وربـا للناس وقـدوة للمؤمنين، وإماما وربا للعالمين في بيوتهم مرفوعة أو موضوعة لفردوس أنفسـهم في لانهائي الوجود للصالحين، كمالا لآدم أصله، وبعثا له منه بكمال معناه، وقياما له بين يدي رحمتـه، بمعناهما روحا أمينا لهما موصولا بهما، رسـول الله اللطيف الخبير عالم الغيب والشـهادة رفيع الدرجات جماع الكلمات والآيات، قدسـي الذات والصفات. فكان آدم في جديده بأيامه ماثلا بوجه مشـرق على رأس كل قرن، وبلياليه متواجدا في كل وقت وحين، في دورة حول نفسـه وحول شمسـه لا تفتر ولا تهدأ ولا تلين، فكانت نسـبية اليوم بالنهار والليل للفصل، والفصل للعام، والعام للقرن في العصر والدهر، أمر نسـبي يدركه الإنسـان في نفسـه ما دارت نفسـه بالحيـاة، فعرف الليل والنهار في نفسـه، وعرف الأيام والشـهور في خطوه، وعرف الأعوام والقرون في يقظته ونومه، وأدرك أنه يقطع الزمان ويبقاه، لا يقطعه الزمان ولا يفناه، ولو قطعه الزمان لرد إلى حجاب العدم، منه انبثق فعنون الأزل، وبنفسـه تواجد فعنون الأبد، وإنه وقد قطع الزمان فإنه يواصل السـير في طريق الحيـاة ارتفاعا فوق الزمان وفوق المكان.

إن البعث والقيامة والسـاعة والنشـأة الأولى والآخرة، والحيـاة الدنيا والثانية، إن العاجلة والآجلة، إن الأزلية والأبدية والدورة السـرمدية الدائمة، إنما هي قضايا الإنسـان وأحوالـه، وأطـواره، ومنازله في وعيه عن نفسـه، وفي إدراكه عن معناه في وجوده وحسـه موجودا في الموجـود المطلق، واجب الوجود عنده، والمعروف له في وجوده ومعارفه ضرورة وعلة. أدرك وجوده من الموجـود المعلوم إليه من ربه وأصله من الوجود المطلق عبدا له وسـيدا به، معبودا منه ومعبودا به. وهو يوم يعلم عن ربه لا يعلم عنه إلا يوم يُصبح أصلا معلوما لفرعه عالما به فيقرأه علما به وعلما عنه في مقروء نفسـه، فيشـهد في فرعه ما يشـهده ربه فيه فرعا له، فيعلم عن ربه في معرفته عن نفسـه أصلا لفرعه، ثم يشـهد في فرعه قيام وبعث أصله أصلا له وفرعا منه فيعرف قادمه وقادم الحق له وقديم الحق عليه وقائم الحق به.

على هذا قام الإسـلام، وعليه قامت آيات القرآن وحكمته، وفي هذا دار حديث الرسـول وفعلـه وسـنته، فمن أراد الدين فالدين في العلم، ومن أراد العلم فالعلم في الدين، لا فرق بينهما، ولا انفصام لهما، ولا عزل لأحدهما عن الآخر، فلا دين بلا علم، ولا علم بلا دين.

لا إلـه إلا الله، وحده لا شـريك له، هي الدين وهي العلم وهي الحيـاة وهي الوجود، ما ظهـرت الحيـاة في شـيء مثل ظهورها في الإنسـان، أشـهد أن محـمدا عبده ورسـوله وإنسـانه للعالمين.

اللهم اهدنا بهديه، وأنر بصائرنا ببصيرته، وأحيِ قيامنا بقيامه، وأشـهدنا به أنه لا إلـه إلا أنت ولا معبود سـواك.

اللهم يا من عرفت نفسـك بنفسـك، وعلمتنا وعرفتنا وأبلغتنا لنعرف نفسـك في أنفسـنا منك بك فيك، اللهم تواجدنا منك لنتواجد بك وجوها لك إليك المصير، اللهم برحمتك فأدخلنا في حصن لا إلـه إلا الله، وأشـهدنا أنفسـنا بك من نفسـك فيك، عبادا لك، وكتبا منك، وكلمات إليك، ورسـلا لخلقك فيك.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وارحمنا وتولَنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك، اللهم أصلح أمرنا، حكاما ومحكومين، غافلين ويقظين، عاملين ومتواكلين، اللهم خذ بيدنا أجمعين، واجمع عليك قلبا قلوبنا، ووحد فيك كلمتنا، وأعلِ بنا كلمتك، وارحمنا برحمتك، واجعلنا من المسـلمين، بجاه سـيد الأولين والآخرين، عبدك وابن عبدك ورسـولك وخادم أمتك وجماع خلقك من أظهرته محمدا بن عبد الله. اللهم اجعله لنا وسـيلتنا إليك، واجعل قيامه فينا غايتنا، وارحمنـا به يا أرحم الراحمين، وصلنا به موصولين بك في وصلتنا به أول العابدين، لا إلـه إلا أنت ولا معبود سـواك.

أضواء على الطريق

  • اللـــه وملائكتــه يصـلون

  • النبي وعترتـــــه يصـلون

  • المؤمنـــــــون يصـلون

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة يس - ٦٧ ↩︎

  2. سورة الأعراف - ١٧٢ ↩︎

  3. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  4. مقولة صوفية ↩︎

  5. سورة الشورى - ١١ ↩︎