(١٦)

الإنسان
مِمّ ولمَ تواجد وماذا ولمَ أُوجد
حاله وأصله ومآله

حديث الجمعة

٦ جمادى الأولى ١٣٨٢ هـ - ٥ أكتوبر ١٩٦٢ م

رحمته… رحمانه… عرشـه… كرسـيه… صبغته… فطرته… شـهادته… غيبه…

{هل تعلم له سميًا}[١]؟! {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون}[٢].

وسـع كرسـيه السـموات والأرض.

كرسـيه في عرشـه، كحلقة ملقاة في فلاة.

وسـعت رحمته كل شـيء، واسـتولى رحمانه على كل شـيء، اسـتوى رحمانه على العرش.

كل شـيء يسـبح بحمده، فطرة الفاطر الذي أعطى كل شـيء خلقه ثم هدى، الذي أتقن كل شـيء صنعه.

أتم في مولد بدء، وبدأ في مولد تمام منزها عن البدء وعن التمام. ظهر بالإنسـان، صبغته، ومن أحسـن منه صبغة.

يريهم آياته في السـموات والأرض، وفي أنفسـهم حتى يتبين لهم أنهم منه وأنهم فيه، وأنه الحـق، كلا يمـد هؤلاء وهؤلاء، يداول الأيام بين الناس، يتغلب من هم زينة الدنيا بدنياهم يعبدونها، ثم ينهزمون بظنهم القـدرة عليها وكفرهم بها من الحق، وينتصر من هم زينة الآخرة بأخـراهم يعبدونها ثم ينهزمون بظنهم القدرة على أنهم بعملهم يأخذونها ويخلقونها فيكفرون بمعناها لهم بالحق، وما أبدع خلقـه، وما خلق الخالق إنسـانه، وما تجلى بنفسـه بما صنع ليزين به الدنيا والدنيـا ما خلقت إلا لـه، أو ليزين به الآخرة وما وجد بالآخرة ما تواجد إلا له، بل صنعه لنفسـه، وصنع كل شـيء من أجلـه، طلب إليـه هاديا ألا يتعب للحصول على ما صنع له، فإنه آتيه يوم يسـتحقه بلا كد وبلا عد وبلا حد، وطلب إليه ألا يلعب فيما خلق هو من أجله لنفس من هو ربـه، هيأه دثار ظهوره ليصنع على عينه، وألا يأخذ هذا الأمر هزوا ولهوا، كلما نودي للصلاة والصلة ممن أسـفر بها من يوم الجمعة، وهو ظهور الإنسـان بمعناه ودعوته ليومه في دهـره يجمع على غيبه له باسم الله، يسـتمع لدعوته لاهيا لاعبا هازئا التعسـاء، وينتهبها ويلتهمها لأنفسـهم السـعداء، قل ما هو أقرب إليكم من حبل الوريد خير لكم من اللهو ومن التجارة.

أهكذا كلما رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما! تدعوهم وأنت بالحق قائم، تدعوهم وأنت وجه الغيب الظاهر، تدعوهم وأنت الحق لهم من ربهم، فيضعون أصابعهم في آذانهم حذر الموت، والله محيط بالكافرين، وإذا أحاط الله بشـيء محاه، يحيط بثمرهم، فيقلبون الأكف على ما أنفقوا فيها من مال وجهد وما أصبح من أمرها وقد غار ماؤها وتوقفت أكلها.

إن الله هو ما وراء الصادقين، هو ما وراء المؤمنين، هو ما وراء العابدين بإحاطته، هم وجه إحاطته يفعل بهم ويفعل لهم، ليكونوا وجوها له به مشـرقة لوجوه لها به ناضرة عبادا له هم عباد رحمته على عباد له هم عباد فضله، محتجبا عن عباد له هم عباد أنفسـهم. فالكل لله عباد، ولكن للرحمة من بين أهل رحمه عباد، هم وجوه طلعته، هم كلماته، هم هداته، هم آياته، هم قبلته، هم نصبه، هم وجوهه لمن ألقى السـمع وهو شـهيد.

لا جديد في الحق، ولا جديد في الخلق، ولا جديد تحت الشـمس، ولا جديد فوق الشـمس، وقد جعلت الشـمس دليلا على إنسـان وجوده، لا جديد في صمدية الإنسـان، ولا دخيل على أحديته في قيام عوالم خلقه، ولا جديد في الإنسـان في مرفوع عوالم حقه. لا جديد حول البيت الموضوع، ولا جديد في البيت المرفوع، ما دخل الإنسـان البيت المرفوع إلا بعد طواف حول البيت الموضوع. بهذا الطواف أفاض الله عليه مفتقرا، وأنزل السـكينة على قلبه حائرا، وألحقه اللطيف الخبير بحضرة رحمتـه، وقربـه بأهل بيته يتيما، فأمسـكته يد ربوبيته وأبوته يتيما آواه، ورفعته يد قدرته مسـكينا أغناه، وأمسـكته يد رحمته فأدخلته مرفوع بيت ربوبيته ومولاه.

إن ما جاء ويجيء به الدين، هو ما جاء ويجيء به العلم. وما جاء ويجيء به العلم هو ما يسـبق أو يلحق ما جاء به الدين ليهيئ الجو والعقول لما سـوف يأتي به الدين، أو ليبين ما غمض أو ما أجمله أو أشـار إليه الدين. يسـبق الدين العلم بتبليغه، ويسـبق العلم الدين ببيانه للحقائق، وكشـفه وإيضاحه لأمور الكائنات والدقائق. هما أخوان، وصنوان، ورفيقان، يتسـابقان على تعريف الإنسـان بالفضل والفضيلة لا يتخاصمان ولا يتنافران على تعريف النـاس بربهم هم فيه وهو فيهم. هو اللطيف الخبير بهم وفيهم ومن ورائهم، يلحق الأبصار فتبصر، ويلحق الأسماع فتسـمع، ويلحق العقول فتشـرق، ويلحق القلوب فتحيا، ويلحق الذوات فتبقى، ويلحق البقاء فيتطور، رب الفلق للنفس الواحـدة، ورب الرتق لأبعاض النفس الواحدة، يقطِّع أرض الذات التي تقوم بالبقاء من هيكل الإنسـان عوالم، ويتواجد بأبعاضه بها حقائق، يرتقها في دوائر وأفلاك، وكواكب وسـدم، من وجوه في وجوده، في ثنائية من شـهود لمشـاهد بتعدد لتكاثر في واحدية من شـهود لأحـدية من عقيدة ووجود، في وحدانية من انتظام. لا جديد في الوجود، ولا جديد على الشـهود. لا جـديد في الحق ولا في الحقيقة، أحد لأحدية دائما، وأبد لأبدية دائما، وواحد لواحدية دائما قديما وسـرمدا، لا إلـه إلا هو، ولا موجود غيره، الناس فيه بين موتى ونيام، بين سـجود وقيام، بين خصام وسـلام، يعرفونه في معرفة أنفسـهم، ويجهلونه في جهل أنفسـهم، ويحيونـه في حيـاة قلوبهم، ويفقدونه في موت ضمائرهم، لا إلـه إلا هو، إليه المصير. فلا أنًا إلا له، من ورائهم محيط، هم له وجوه، لا يُشـهد لها إلا يوم يشـهد بها، وجوها له، مشـهودة منها، ومشـهودة لها، من وراء الكل بإحـاطته، في شـهود الكل لوحدانيته الشـاهد والمشـهود، وبانتظام الكل بأحديته لا غيره ولكن هو، ولا إلـه في غيب ولكن شـهوده، هو الشـاهد والمشـهود، وهو الموجد والموجود في عين مطلق وجوده لا بدء ولا نهاية له. هو الطاقة قبل تجسـدها وهو الأشـياء قبل تحللها… هو ما وراء الأشـياء من طاقـة تحكمها… وهو ما وراء الطاقة من أشـياء تصدرها… وهو ما بالأشـياء من طاقة تتجسـدها… وهو ما بالطاقة من الأشـياء في طريق تواجدها… هو باطن الأشـياء وهو باطن الطاقة… هو الأشـياء وهو الطاقة… هو الوجود وهو مصدر الوجود. الإنسـان ذكره ومعناه، وباطنه لظاهره، وظاهره لباطنه.

هذا جاء به الإسـلام، صبغة وفطرة، وتطويرا ونشـأة، وإخراجا من عدم أو ما هو في معناه، وامتدادا بنور، وقياما بحيـاة.

المسـلم من سـلم الناس من يده ولسـانه، من سـالم الله في الناس فسـلم الناس من بطشـه ومخاصمته، وسـلم من النـاس بفطرته لم يدخلها فعلهم، من رأى أنه بالوجود حيـا موجودا فغنى وقنع بالحيـاة مسـيح وجوده شـاهدا ومشـهودا، لا غيره بوجود منعزل ولكن عينه في تواجد متصل فدخل حصن لا إلـه إلا الله، وأمن من مكر الله وزحزح عن النار، وأدخل الجنة، وفاز بالله، وفاز بالحيـاة، فاز بالعقيدة، فاز بالسـلامة. وفاز بالسـلامة ففاز بالقيامة. لا ينكرها وهي قائمة، ولا يسـتعجلها وهي قادمة، ولا يجهلها وآياتها عارمة. مات قبل أن يموت، وحاسـب نفسـه قبل أن يحاسـب، وبعث قبل أن يبعث. يؤمن بسـاعته يقيمها ويشـهدها قائمة لا ينتهي لها قيـام، رحيمة لا يتعطل منها فيض بسـلام، إنما هي الأعمال ترد إلى مصدرها فيشـهد أنه لا إلـه إلا الله، فإذا عرفه الحيـاة، وإذا اتصفه معناه، إذا أحسـن حق قدره، وتأدب في حق تقديره فعرف الحـق في الإنسـان، وعرف الحق في رسـول الإنسـان، وعرف الله برسـول الحق فيه فطلبه به فشـهده، فقام به فقامه، فعرف نفسـه، وعرف ربه، عرف مسـحه، وعرف وجوب ربه بوجـوده في معروف إحاطته بمعلومه، من معدوم ذاته في موجود معبوده، فشـهد أنه لا إلـه إلا الله، وعرفه بها عبده ورسـوله فعرف محمد الله ورسـوله، فشـهد أنه محمد رسـول الله.

يا أيها الذين آمنوا… يا أيها الذين عرفوا المعروف… يا أيها الذين اتصفوا الموصوف… يا أيها الذين وجدوا الموجود… يا أيها الذين شـهدوا المشـهود… يا أيها الذين عرفوا أنهم في الموجود موتى وعدم، فطلبوا موجودا لهم فيه بالوجود به، فوجدوا فتواجدوا له عبادا، فعشـقوه عبده مرسـلا، فأسـلموا لرسـوله… يا أيها الذين آمنوا بالله وأسـلموا لرسـوله اتقـوا لقاء الله وآمنوا برسـوله، فآمنوهم فيه فأعطاهم رسـوله كفلين من رحمته، أعطاهم رسـوله، معناه لمعانيهم، فشـهدوا بمعانيهم معنـاه لهم في معاني الرب عليهم، كما شـهدوا بمعاني العبد فيهم معاني الحق لهم، فأخذوا كفلين من رحمته، أخذوا وصف العبد مرحوما، وأخذوا وصف الرب راحما، وعرفوا أنهم جميعا رب راع وعبـد مسـئول عن رعيته، فخشـوا الله في أنفسـهم وفي ضمائرهم عبادا له وأربابا على من ربوا ممن كفلوا، ممن منهم تواجد أو بهم وجد وممن عليهم قاموا. هذا هو الإسـلام، هذا هو الدين، هذه هي الفطرة، هذه هي صبغة الله. فماذا يطلب الناس وماذا يدرك الناس؟ يتكلمون عن حتمية التاريخ ولا يدركون من خلق وصنع التاريخ، ولا يعرفون معنى للتاريخ، أو باطنا للتاريخ، وينفرون من اسم الله في فعله قديما وفعله قائما، صبغة الله وفطرته في الإنسـان قام بالله ويقوم بالله ويقوم به الله في قيامته.

إن الله كما بدأ أول خلق معيده على ما بدأه بدءا بعد بدء. إن الله في قديم الخلق وجديده. إن الله قائم بقديم الخلق، كما هو قائم بجديد الخلق. إن الله خالق بالخلق، وسـبق أن جعل وهو جاعل من المخلوق معنى الخالق، والله خلقكم وما تعملون. فهل وحد الناس الله فأمسـكت يد بطشـه بإحاطته عن هلاكهم إلى الإمسـاك بهم مرحومين، متوفين بموتهم عنهم إذ يشـهدون فيهم وحدانيته؟ إنهم ينفرون من وحدة الله، وينفرون من وحدة الوجود، وينفرون من وحدة أنفسـهم، وينفرون من وحـدة جديدهم بقديمهم في حتمية التاريخ كما يقولون، ومن وحدة قادمهم مع قائمهم، يرون الناس في دوام بما يكسـبون، ويعرفون الناس في دوام معارفهم فيما يكشـفون من ظاهر أمرهم، ويغمضون عن أمر أنفسـهم، ولا يتابعون إمـام بشـريتهم، {فكشـفنا عنك غطاءك}[٣] {ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر}[٤] الخطاب له وهم المخاطبون {وفي أنفسـكم أفلا تبصرون}[٥]… انظروا في بيـداء داخلكم فعمروها، ولا يشـغلكم في خدعة عن أمركم خضراء ظاهركم، فإنكم لن تفقدوها، إن لكم ما تكسـبون من تعمير داخلكم فلا تكونوا عبادا للدنيا وزينة لها، ولكن اجعلوا من الدنيا أمـة لكم، وحقلا لعملكم، عمروا داخلكم بالله وهو له مهيأ ما كنتم في الحيـاة، وما تكشـفت لـكم أنفسـكم، وما قامت فيكم عليكم ضمائركم، وما حكمت في أمر أنفسـكم عقولكم، وما خضعت واسـتجابت لأمر العقل نفوسـكم، وما حرصت على الحيـاة ذواتكم، وما قامت بالحيـاة لكم معانيكم.

كل هذا جاءكم به الإسـلام دين فطرة، كما جاءكم به دين كتاب، كما جاءكم به دين علم، كما قام فيكم دين رسـول وبيت وعترة، عبادا للرحمن لا ينقطع لهم على الأرض تتابع وقيام، ولا يتوقف لهم فيها سـعي بسـلام. ختموا النبوة والأنبياء وبعثت فيهم الأمم بالحسـاب والجزاء هم عليهم شـهداء، يمشـون على الأرض وهم الأرباب للأرض أمة ولدتهم لا مسـتعلين ولا مسـتكبرين لا عن ذل ولا عن ضعف، ولكن عن حكمة، وعن رحمة، وعن تواضع، وعن سـلام في وعي، وعن رحمة في تدبير، وعن حكمة في هدي، واسـتقامة في قصد. طلب إليكم أن تبحثوا عنهم بينكم من أنفسـكم، وأن تسـعوا لهم ما عرفتم لهم كعبة تقصد، وبيتا يطرق، وقبلة تعشـق. بهم تشـهدون أنه لا إلـه إلا الله، يوم أنكم بهم ولهم وفيهم تشـهدون أنه لا فرق بينكم وبينهم، فتقومون لله فرادى، وقد كنتم في شـهودكم مثنى، فعرفتم في حاضركم أحدية قيامكم، فأدركتم أحدية الله لكم، وأحدية الله لأبنائكم، وأحدية الله لمجتمعاتكم، وأحدية الله في وجودكم، بوجوده عين وجوده وجوها له، وأعلاما عليه فتدخلون في حصن لا إلـه إلا الله، وتدركون وتشـهدون رحمة الله بكم، يوم تعرفون أنكم بمحمد رسـول الله، يوم تكونوا من الصديقين يوم تصدقون الله وتصدقون مع الله وهو يقول لكم: واعلموا أن فيكم رسـول الله، فتقولون كما قال أناس من قبلكم: أيها المبعوث فينـا جئت في ضمائرنا بالأمر المطـاع، فتعلمون رسـول الله بينكم وفي أنفسـكم فتترنمون به بدرا مشـرقا على ظـلام أرض قلوبكم، وشـمسـا ذاهبة بظلام ليلكم، وروحا متدفقة بالحيـاة في أرض هياكلكم في نصب هياكلكم من ذواتكم فياضـة بالحيـاة على قلوبكم، فتعلمون صدق قوله: هو الذي يراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين، وتؤمنون أنكم من ربكم مشـهودين. وإذا عرفتم أنكم منه مشـهودين سـألتموه أن يلحق أبصاركم بلطيفه فتكونوا له من المشـاهدين، شـهودا لنفسـه بنفسـه، فتدخلون في لا إلـه إلا الله، وتقومون محمدا رسـول الله في محمد الحق من ربكم.

هكذا هو الإسـلام، وهكذا جاء الإسـلام، وهكذا يتجدد الإسـلام كلما جدده لنفسـه في نفسـه مسـلم، فآخاه من طلب الإسـلام ليكون مسـلما، فأدرك في رسـول الله قدوة لا تغيب، وأسـوة لا تنقطع، ووجها لا يحتجب، فعلم أن رسـول الله يتلو كتابه على مكث ليبين لهم، وأن عترته وكتابه لا يمتنعان عليهم أبدا. كانا بالفطرة في تواجد أزلا، وفي جديد سـرمدا، فيعرف أن الله قد ارتضى الإسـلام للناس في فطرتهم قديما، وجدده في فطرتهم بمحمد وإبراهيم والأنبياء جديدا، وأنه مرتضيه لهم بتجديده فيهم أبدا، يبعث لهم فيهم ومن بينهم عبادا شـهداء من أنفسـهم يجددونه على رأس كل أمة، وعلى رأس كل جيل من الناس، وعلى رأس كل عصر من الزمان، في لمحات من العصور، وفي ليالي وأيام من كل آن. إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. صدق الله العظيم القادر. نزل الذكر في الإنسـان بالإنسـان ولم يرفعه، وحفظه ولم يقطعه، ما كان الله ليعذب الناس وفيهم رسـول الله، وما كان الله ليعذب الناس وفيهم من حكموا على أنفسـهم بالخطيئة فاسـتغفروه، ما كان الله معذبهم وهم يسـتغفرون… نعم رضي لهم الإسـلام دينا، وأرسـل عبده ورسـوله في فطرة الخلق، على دوام فيهم جـدده، وأبرزه على كمال فيه بمحمد وببيت محمد، وبآل محمد، وبأصحاب محمد، وبأمة محمد من الشـهداء وأممهم، تجديدا لا ينقطع، وقياما متصلا لا يندثر، ووجودا لا يغيب، وحقا لا يقهر. جعل مما بعد محمد بعثا لما هو من قبل محمد، فكان برسـالته فيصلا للزمان والإنسـان، وكان أول السـاعة وأول الحشـر وأول القيامة، أمورا قامت به وواصلت من بعده لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله…

زويت له الأرض فكانت له مسـجدا وطهورا. ما ظهر في قوم إلا بلغتهم ليبين لهم لا شـرف لعربي على أعجمي عنده إلا بالتقوى. كافة للناس في قدوته. كافة للناس في أسـوته. كافة للناس في رحمته. لا ينقطع له في الناس تواجد. ولا يتوقف له في الله نمو بوجود أنه الإنسـان وعبد الإنسـان ورب الإنسـان.

اللهم برحمتك فقدرنا على شـهود أنه لا إلـه إلا الله، وعلى الدخول في لا إلـه إلا الله، وعلى العمل بلا إلـه إلا الله، وعلى الاسـتقامة على لا إلـه إلا الله. اللهم برحمتك فانشـر فينا نور هديك برسـول الله، وأقمنا في رحمتك رسـول الله، وجوها له وعبادا لك. اللهم قوم فيك سـبيلنا، وابعث بحقك قيامنا، وأزهق باطلنا، وأغطش ليلنا، وأخرج ضحانا، وأشـرق بمعناك على ما أردت معنانا، واجعلنا بمحمد وجوها لك من ورائنا بإحاطتك، ومن أمامنا بشـهادتك، حتى نشـهدك أنـه لا إلـه إلا الله لا شـريك لك، وحتى نقومك محمدا عبدك ورسـولك، وحتى ندرك ونسـعد برحمتك عبادا ووجوها لك، لا تشـاركِكَ في عظمتك والعظمة لك، ولا تشـاركك في قدرتك والقدرة لك، فإنه لا يشـارك عبد من عبادك عبدك وصفيك أول العابدين بمعاني العبد لك، فما عرفنا عن وحدانيتك إلا عن وحدانية عبدك، بمعاني العباد لك علما على وحدانيتك معه، وعلى وحدانيتك به، يا من هو لا إلـه إلا الله، ويا من هو في ظاهر حقه رسـول الله، ويا من هو في باطن رسـوله عبد الله، ويا من هو في ظاهره وباطنه لا إلـه إلا الله، وفي ظاهره وباطنه رسـل الله وعباد الله، في ظاهر عبد الله، وباطن عبد الله، وأولية عباد الله.

بهذا أقمنا، وبه قومنا وسـلمنا، وبه أدخلنا في السـلم معك، وبه أنزل سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا، وفيه قومنا حكاما ومحكومين، عالمين وجاهلين، مجاهدين ومتعطلين، سـارين وواقفين… وخذ بيدنا جميعا، واحفظنا في يدك، وأحط بنا بيد رحمتك… وتخللنا بلطيف يدك، ووجهنا بحكمتك ورحمتك، يا أرحم الراحمين، وألحقنا بأقوم سـبيل وأتبعنا لأظهر دليل.

لا إلـه إلا الله، محمد رسـول الله.

أضواء على الطريق

(لقد كان حبكم ورسـالتي هما فقط السـبب في رجوعي إلى عالمكم المملوء بالأنانية والقسـوة. وعلى هذا أعود لأعمل بينكم مرة أخرى لأعطيكم ما أقدر عليه من مسـاعدة لأسـتمر في المهمة الخطيرة، ألا وهي تحـرير الإنسـان حتى يخلص من أسـره، ويتمتع بما أراده الروح العظيم للذين حلت بهم بركته الربانية من حيـاة كاملة روحيـا وعقليا وفيزيقيا. إنكم محظوظون إذ عرفتم أن الإنسـان خالد، وأنه روح لانهائية تتغرب على الأرض سـويعات قليلة في طريقها إلى الأبدية. إن الناس يقلبون أبصارهم إلى أعلى يتطلعون إلى فجر العالم الجديد الذي سـيعطيهم أملا جديدا، وفهما جديدا).

من هدي السـيد الروح المرشـد (برش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة مريم - ٦٥ ↩︎

  2. سورة الأنعام - ٩١ ↩︎

  3. سورة ق - ٢٢ ↩︎

  4. سورة الملك - ٤ ↩︎

  5. سورة الذاريات - ٢١ ↩︎