(١٥)

السيد العذري
إنسان اللانهاية.. الحق الرسول
محمد بن عبد الله
العبد الإنسان مسيح الرب الإنسان

حديث الجمعة

٢٩ ربيع الآخر ١٣٨٢ هـ - ٢٨ سبتمبر ١٩٦٢ م

أعوذ برب الناس، ملك الناس، إلـه الناس، وأسـتعين برب العالمين، مالك يوم الدين، وأقوم باسـم الله الرحمن الرحيم.

بسـم الله الرحمن الرحيم، ندرك أن الدين، والعلم، والمعرفة، والسـياسـة، في حاضر الحيـاة، وآجل الحيـاة، في ظاهر الحيـاة وباطن الحيـاة، إنما هي مسـميات لشـيء واحد، ولأمر واحد، ولمعنى واحد، ولقيام واحد. حجر الزاوية لذلك كله، لا إلـه إلا الله، مركز الدائرة لمعناه، ومحيط الدائرة لمطلقه ولانهائي مبناه. من الإنسـان يبدأ وإلى الإنسـان ينتهي. وفي الإنسـان يتواجـد، وإلى معنى الإنسـان يصير، وبمعناه الإنسـان يقوم الحق، وتنطلق الحقيقة لا بدء لها ولا نهاية لها، ولا كنه لها، ولا حد لها. فشـهادة أنه لا إلـه إلا الله، حجر الزاوية لهذه المعاني، ودائرة القيام لها في الوجود من المباني، ومركز التواجد لدوائر الوجود في مطلقها، محورها شـهادة أنه محمد رسـول الله، بشـهادة أن الإنسـان المحمد رسـول لله في رسـالة الحق الأزلي للوجود المطلق.

محمد رسـول الله، محور دائرة الحقيقة، ومحور دائرة الحق، ومحور دائرة اللانهاية. إنه الأحد بعوالم تواجده في أحدية عوالم وجوده باسـم ربه ذكرا له. إنه الواحد المسـتقيم بهياكله على قوانين عوالمه، الذي يتكون في طرفيه من قطبيه لمباني ظهوره حدود أحديته بالسـلب والإيجاب عبدا وربا، ولمعاني وجـوده أبدا وأزلا، أبده ظاهر أزله وأزله باطن أبده، والذي يتمثل في نقطة مركزه الآدم لذات معناه الإنسـان محور دائرة لانهائية الذكر.

إنه الإنسـان، محور الحيـاة، ومحور الوجود، على إدراك مثالي معناه، لعين معناه لجنسـه، تدور الحقيقة وتدور المعرفة. وذلك بمتطور مثله من محدثه في أحدث، وتقادم مثله في قديم لأقدم، وظهور الأقدم له في الأحدث منه. فليس هذا المحمد هو الجهاز الذي عنون في ظاهر الحيـاة معناه للناس بين الناس وكفى، ولكنه محمد بمعناه في عوالمه بكافة معالمه على ما عرَّفه ويعرِّفه إنسـان ربوبيته، وعلى ما عَرَفه ربه، وعلى ما عرف هو ربه. إن محمدا بوجوده عرَّف ربه موجودا، علما على وجوده، ودام بعلميته بدوام معلومه، معنى الحق في ظهوره وشـهوده أولى بالمؤمنين من أنفسـهم. وربه عرف عنه، بيتا وأهلا له، مرفوعا إليه وموضوعا منه، يعطي ويمنع رحمة وقسـما، يجزي ويعفو مغفرة وعـدلا، يرحم ويشـفع وهبا وفضلا، يمتد ويتواجد خلقا وكسـبا، وينسـحب فيميت ويمحـو، فيُعدم قضاء وفصلا. إنه في الناس رسـول رب الناس في قيام الناس وجوها لرب الناس من ورائهـا الرب به محيـط وبه هو بها قائم، وبعينه على كل نفس يقوم أقرب إليها من حبل الوريـد، به هو معها في سـفور، حيثما كانت، وكيفما كانت، ومتى كانت، وأينما كانت، ومع من كانت، في انفراد كانت، أو في جمع كانت.

إذا ابتعد الدين عن العلم فلا دين ولا علم، وإذا ابتعدت المعرفة عن السـياسـة فلا معرفة ولا سـياسـة، وإذا ابتعدت الحيـاة عن الذات فلا حيـاة ولا ذات. بالذات تتكيف الحيـاة، وتظهر الحيـاة، وتتواجـد الحيـاة، وتنمو الحيـاة، وتنتشـر الحيـاة. وبالحيـاة تحيا الذات، وتعلم الذات، وتقوم الذات، وتتكيف الذات، وتتطور الذات، وتتلون الذات، وتنمو الذات، وتطفر الذات.

إن الإنسـان بذاته، بنفسـه في عوالمه مظهر الحيـاة، في حاضر الحيـاة، ولغيوب الحيـاة من باطن الحيـاة. إن الظاهر والباطن إنما هو الإنسـان في علميته على الظاهر والباطن من الحيـاة. ليس الإنسـان في حقيقة أمره شـيئا أو أمرا مسـتقلا عن الحيـاة أو عن ظاهر الله وباطن الله. إنه إذا تحقق بظاهره فإنما هو يتحقق بالحق في باطنه، وإذا حقق باطنه ظاهره إنما ظهر الحـق بحقه في جلبابه من خلقه. وهذا الذي هو أمر الإنسـان، إنما هو أمر معبوده ومنشـوده للرفيق الأعلى من جنسـه لأوبته من ربـه مربوبا يرعاه، ويسـهر عليه. فالأعلى لا يفتقر إليه ولكنه هو المفتقر إلى ربه وأعلاه الغنى بربه يوم يغنيه، القانع بربه يوم يعرفه، الذاكر لربه يوم يشـرُفه، المذكـور عنده ربه، والمذكور به ربـه، يوم يذكر بربه عند من ينشـده. يخلق به ويسـهر به ويرب به ما خلق منه به. إن لله عبادا إذا ذكروا ذكر الله، فعباد الله باطن ظاهره، كما هم ظاهر باطنه، عبـاد الرحمن الذين يمشـون على الأرض أو يدبون في السـموات هونا، إنما هم ظاهر غيبهم بمعنى الرحمن عبادا له. لقد أخفى الله الولي في الخلق، ومن آذى أناه وليا فليأذن من أنا الله بحرب. إن ولي الله هو الإنسـان الخفي في الخلق بين الخلق. (رُب أشـعث أغبر لو أقسـم على الله لأبره)[١]، إنما هو ظاهر الرب، باطنه العبد، لبس الرب جلباب عبده، وظهر به بين عباده وخلقه، في هيكل عبد منهم بينهم، وفي صورة عبد من عباده بها يذكر. {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها}[٢]. إن هذا العبد لن تجـده عادة إلا في الشـعث الغبر، لن تجده إلا فيمن أخفى الله على الناس حقه منه ومعناه به. أما من أظهر بالحق فرسـلا من أنفسـهم عباد مكرمون… أما من أبطن وأخفى فهو حقي أنفسـهم بأوادم تواجده حتى يعلم الناس بهم يوما آباءً لهم أنهم الحق من ربهم، وأن الذي فيهم من الحيـاة إنما هو الحيـاة للحي القيوم بحيـاتهم، وبقيامه على حيـاته بهم، وأنهم في معاني الحيـاة لا بدء لهم ولا انتهاء لهم، وأنهم في معاني الحيـاة لا خلقية لهم بل الحقية هي معناهم، وما الخلقية إلا من صنعهم، {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا}[٣]، {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسـهم يظلمون}[٤]، {والله خلقكم وما تعملون}[٥]. {إن ابني من أهلي[٦]… إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح[٧]}.

إن الإنسـان في قابله إنما هو عمله في معناه من وصف الخالق له في حاضره، وإن الإنسـان في حاضره وهو من عمل ماضيه إنما هو صانعُ ما يصنع بمعناه من أمانة الحق به. إن الإنسـان حق خالق وخلق محقق، خلق مع الخلائق، بظاهر نفسـه، وبقائم كيانه، وبظاهر شـيئه من فعل سـبقه، يكون بيتا وأهلا باسـتقامة فعله، وحق مع الحقائق، وحقيقة الحقائق، وحق الحقائق، وأحدية الحقائق، وواحدية الحق في باطنه. فالرجل في الله من صلح في قديم تواجده وبعث بقديم حقه في محدث خلقه، ومن صلح في الله، كان ظاهره مع الناس، وباطنه مع الله. فإذا صلح الناس، واجتمع صالح الناس، بظاهرهم مع ظاهرهم، وبباطنهم مع باطنهم، فتلاقت بواطنهم على وحدانية الله وأحديته، فقاموا فيه حقا واحـدا لا تعدد له، تآلفت قلوبهم وتألفت معانيهم، وتراصت ذواتهم، فقامت بهم جدران البيت، وارتفعت إلى عنان السـماء، وحصرت بين جدرانها من آوت إلى الله من يتامى الوجود المـادي إلى الوجود الحقي المعنوي، من محاهم الشـهود في مشـهودهم، كما محاهم المشـهود بعين موجوده لموجودهم، فأصبحوا عين مشـهودهم بما شـهدوا، وبمن شـهدوا، ولما شـهدوا، أصبحوا عين من طلب لمن طلبوا. هذه هي معاني العبودية لمعبود، ومعاني المشـاهدة لمشـهود في شـهادة أنه لا إلـه إلا الله لمشـاهد. شـهدها العذري عبدا للانهائي حقه وعلَّمها وأشـهدها لمن عرفه حقا فشـهده رسـول الله، يوم عرف منشـوده ومقصوده من الحيـاة في فناء وجوده عن موجوده من المادة إلى موجود رسـول الله حقا من حقائق الله، فتواجد به يوم كان أحب إليه من مالـه وولـده ونفسـه التي بين جنبيه. {فلا وربـك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شـجر بينهم ثُم لا يجدوا في أنفسـهم حرجا مما قضيت ويسـلموا تسـليما}[٨] نعم، ويسـلموا تسـليما إذ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم وأزواجه أمهاتهم فهو علوي أبوتهم في مطلق الله.

ما أبرز الله معنى الرسـول، ومعني العبد، ومعنى الإنسـان بمحمد الحق إلا رحمة للعالمين. يا أيتها النفس المطمئنة ادخلي في عبادي وادخلي جنتي، فلم تسـعني أرضي ولا سـمائي ووسـعني قلب عبدي المؤمن، فهو بيتي وقبلتي وباب سـاحة رحمتي. فإذا اجتمع في آدم الأنبياء كلمات لي وأبناءً له فقد اجتمع في محمد الشـهداء كلمات لي وحقائق له.

في دائرة هذه المعاني، وفي دائرة هذا المحور يدور الناس في فلك الدين، وفيه تدور أحكام ومبادئ الفقه، وحوله تدور قضايا ومسـالك المعرفة، وبه تمتلئ أحواض وسـرج العلم، وإليه تسـير وحوله تدور أهداف ومنافع السـياسـة. إن لله في أرضه وفي سـمواته آيات تترى لا ينقطع لها تتابع، يبرزها ليسـتيقظ الناس. فهل يسـتيقظ الناس يوما؟ وهل يدرك الناس عظمة ما فيهم وتفاهة ما يشـغلهم؟ إن قوارع الله تحيط بنا في كل يوم، وها نحن تقوم بجوارنا قارعة من قوارع الله، تدك بيتا للظلم نسـب بهتانـا لرسـوله، يعبثون بأسـماء رسـول الله، وبأسـماء أهل بيت الله، وأهل بيت رسـول الله، ويعبثون بمقومات هذا الدين، وبأوصاف وذوات أهله، وبأوصاف ومعاني دوام رجالـه، ويمهل الله ويمهل الله حتى إذا أخذ، أخذ أخذ عزيز مقتدر، حتى إذا بطش بأهل القرى، إن بطشـه لأليم شـديد. دولة الباطل سـاعة وإن طالت، ودولة الحق إلى قيام السـاعة وإن أبطـأت. سـعيد من عرف الحق وكان من أهله فاتبع أمره، وشـقي من تجاهل الحق، الحق ظاهرا، الحق معروفا والحق أبلج في قيامه على كل نفس وفي ظهوره معية كل صادق، وأشـقى منه من صد عن سـبيل الحق، وعطل قيام الصلاة، وقيام الصلة بالله، بين عباد الله، وبين حقائقهم في أنفسـهم من أنفسـهم، بتعطيل انتشـار علم نافع هو الدين، ومنع انتشـار معرفة مسـتقيمة هي اليقين وهي السـياسـة العلوية لرب العالمين، في حسـن خلق يقوم بالناس هو الرياسـة والخدمة والكياسـة. أما من طغى بكبرياء نفسـه وبغى بمتابعة شـهواته، فإن الله يكره الطغيان ولا يرتضي البغي والبهتان، وإن أمره لغالب يوما مهما أمهل ومهما طال الزمن.

إن الله قائم على الناس، قيامهم على أنفسـهم بعقولهم وتدبيرهم وحكمتهم. إن الله هو أمر الناس فيما هم عليه من أمرهم، كما أنه أمر كل فرد منهم، بأمر كل فرد فيهم في أمر نفسـه. وما خلقكم ولا بعثكم في أمره إلا كنفس واحدة منكم في أمرها، الأرض جميعا قبضته، يوم يقوم عليها ظاهر أمـره وهو عليها قائم، ويوم يعلو ولا يجحد عليها ذكره وهو عليها عالي. وسـوف يعرف لمن لا يعرف، يوم يشـرق عليها نور ربها من إنسـان قيامها بقيوم الإنسـان على إنسـانه في ملكـوته الأرضي أمـة لله، على مثال من كثير من مثل ممن اسـتخلص ممن عليها إلى ملكوته العلوي في ملك المطلق اللانهائي. يومئـذ تمسـكها مدركة يد قدرته، وتفرقها في اليقين يد رحمته، من فيض لاهوته، على ثيـاب ناسـوته، روحا لكل شـيء، من روح الإنسـان، من الروح الأكبر، في أي صورة ما شـاء ركبه.

وآية لهم أنّا حملنا ذريتهم في الفلك المشـحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون. وما الفلك المشـحون إلا نفوس وذوات عبـاده كواكب الوجود في دائرة شـمس الحقيقة تشـرق عليهم باطنـا لظاهر - على ما تشـهدون من أمر أرضكم - عبدا له، إحدى سـيارات شـمسـكم عبادا له، تمسـكها جميعا شـمس حقيقتها بشـمس الدلالة عليه.

هذا هو الفلك المشـحون بكم، أبناءً لآباء، خلق لهم من مثله من الفلك ما يركبون، ولكم يشـهدون كما تشـهدون، وسـيجعل منكم آباء لأبناء في أفلاك تحشـرون ولأبنائكم على هذا الفلك يحشـرون يوما تشـهدون، وبمعنى الآباء يوما تبعثون فدورتكم من الأرض وعليها تسـتكملون. كلمات طيبة أو خبيثة عليها تتواجدون فيجتث خبيثكم ويبقى ثابتا طيبكم فالأرض ترثون، والحق في أنفسـكم عليها تشـهدون، ونفوسـكم تسـتكملون، ومنها فلكا مشـحونا تنطلقون، وفردوس أنفسـكم تقيمون، وحضرة للحق تقومون، وعبادا للرحمن تذكرون وتُعرفون، وذكرا محدثا في لباس من خلق أنفسـكم تتواجدون، حقا وخلقا تقومون، وفي أحدية قيامكم للمبعوث فيكم عين الحق بكم تعلمون وتشـهدون، فلا نهائي حقكم تنشـدون وتعرفون، ووجه الله في عوالمكم تشـهدون، واسـم الله فيهم تذكرون، وباسـم الله بهم تظهرون، ولذكر الله في أنفسـهم تدعون، وأمر أنفسـكم تعرفون، وما يحيط بكم من الأكبر تصلون، فعبادا لمطلق الله تدعـون، وما أمر أنفسـكم وأمر الأكبر إلا أمر واحد وحق واحد في أمر لانهائي الواسـع العليم لا حد له، ولا بدء له، ولا انتهاء له، ولا اسـم له، ولا مسـمى له، ولا بعض له، ولا وصف له كما سـوف تعلمون. وهذا ما عناه ابن مريم يوم أشـار إلى الأب السـماوي أمرا لله واسـما له إنسـانا على مثالـه وعلاما للغيوب، وكما أشـار إلى الأب البشـري قياما لأمر لله يوم يدعو الناس في قيامه معه بأخوته. أما الأب الروحي أمرا لله وإنسـان كلمته، وجماع كلماته، فهو الحق الرسـول، وما كان هذا الأمر المرسـل له والأمر المرسـل منه وذاك الأمر المنتظر مرسـلا إليه في الله إلا أمرا واحدا لا تعدد له، وشـأنا واحدا لا انفصال لأبعاضه، وبيتا للحق واحدا، وإنسـانا في الله واحدا، رفع هذا البيت أو وضع من وإلى عالم الرشـاد، في واسـع الله وعلمية من مطلقه.

ما قدر الناس الله حق قدره، فما يوضع بينكم من البيوت في واقع الأمر إلا بيوت الأبناء، وما يرفع من داركم أو من عالمكم من البيوت إلا بيوت الأبناء يلحقون بالآباء، فعند الآباء بيوتا كثيرة للأبناء ومن بيوت الآباء والأبناء تتواجد في دوام مدن للمعرفة في حرم الوجود المطلق لسـاحة الحقيقة اللانهائية، وهذا ما عناه رسـول المعرفة وإنسـان الفطرة ومحور الحقيقة، ومركز دائرة لا إلـه إلا الله، وأطراف محورها، وحجر الزاوية للأزل والأبد في الزمن المطلق، يوم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وأنت ذو قرنيها يا علي، كما قال لفاطمة يا أم أبيك، وأشـار لمعناها في معناه فاطمة ابنتي روحي. فهو بذلك إنما أراد أن يقول: إنه أحدية وجود بطرفيه، وأحدية بيت لمن يدخله، وأحدية إنسـان لمن يتابعه. وزادنا بيانا بما عرف بقوله: إن الزمان قد اسـتدار على هيئته كيوم خلق الله السـموات والأرض، دارا لإنسـان واحد خلق كل شـيء فيها من أجله. فلسـان حال الرسـول يعلن: ها أنا بظهوري وقد أظهرني على الدين كله، وقد أظهرني على الوعي كله، وقد أظهرني على الزمان وخلقته، وعلى الوجـود وتواجده، وعلى الكلمات وتحقيقها، وقد أدبني فأحسـن تأديبي، وقد أنشـأني في النهار لمعنـاه، ثم أنشـأني في الليل لمعناي، ثم أشـهدني على نشـأتي وعلمني كيف أعيدها وأكررها كوثرا لها مدثرا بخلقيتي، وجعل لي وطأة وعزة هي وطأته وعزته، وجعل لي تواضعا وحلما هو خُلقه، وجعل لي همةً وفعلا هي قدرته، وجعل لي صبرا وحكمة هي رحمته فأنا عبده حقا وخلقا، أنا يتيم إيوائه تحقيقا وصدقا، وأنا مسـكينه أدبا ويسـرا، وأنا وجهه إسـعادا وقربا، وأنا حقه دينا وعلما، وأنا قدمه ويده قياما وسـعيا وفعلا، كل هذا لكم ما كنتم له، فكنتم لي عبدا له، وداعيا إليه، ودليلا لكم عليه، وفي أنفسـكم إليه أوصلكم، وعليه أجمعكم، وبه أتواجدكم، ولكم أتواجـده، وبإرادته منكم أتواجدكم منكم لكم موجودا منكم ورسـولا من حقي أنفسـكم. أنا من كل مؤمن أتواجد، إذا كان المؤمن مني متواجد، أنا جدُّ كل تقيّ، أنا أب كل وليّ، أنا ابن كل عارف، أنا عين كل معروف، أنا منكم لتمام كلماتكم الطيبة الأبناء، وأنا لكم في طريقكم الممهدة رحمة الآباء، وأنا لكم معنى أنفسـكم ما تابعتموني وسـرتم في الطريق معي إلى معبودي ومعروفي في موجـودي لعلمي وشـهودي، وهو ما يجب أن يكون لكم معبودكم ومعروفكم في موجـودكم في معرفتكم عن أنفسـكم، كما كانت معرفتي به في معرفتي عن نفسـي، لا فرق في هـذا بيني وبينكم. تعالـوا إلي أعلمكم، وأتعلم جـديدا منكم، تعالوا إلي أتواجدكم، وأتواجد لكم، وأتواجد منكم، وأوجد في وجودكم بكوثري، واعلموا أنه لا إلـه لي مشـهودا إلا أنتم، ولا إلـه لي موجودا إلا منكم، ولا إلـه لي ولكم إلا ما لنا منه مما أنا ومما أنتم. فإن تسـامى شـهودنا، وإن قدرنا معبودنا، فلا أنا ولا أنتم، إنما هو لا إلـه إلا الله، نشـهده في شـهود فنائنا، ونشـهده عبادا له بمعانينا في كل مشـهود لشـهودنا، وفي كل مشـهود لموجودنا، نشـهده ونعلمه، ونقومه ونعبده ونُعبِّد أنفسـنا له، نحن به متواجدون على ما سـبق أردنا، وبه نتواجد على ما ترضى أنفسـنا لنا منه، (كن كيف شـئت فإني كيفما تكون أكون)[٩]، {وما تشـاؤون إلا أن يشـاء الله}[١٠]، {أعطى كل شـيء خلقه ثم هدى}[١١].

هذا هو الدين لمن أراد أن يسـتقيم، وهذا هو العلم لمن يطلب المعرفة، وهذه هي المعرفة لمن يطلب السـكينة، وهذه هي السـكينة لمن يطلب السـياسـة والكياسـة والرئاسـة، وهذا هو الصـلاح لمن يطلب الإصلاح والصلاحية لنفسـه ولقومه. إن الذي يسـوس الفرد ويسـوس الكون ويسـوس الوجود هو من أوجد الفرد وتواجد فيه، وأوجد الوجود وتواجد فيه. إن السياسـي الكبير إنما هو الله، فمن أراد أن تسـتقيم وتثمر سـياسـته لفرده وجمعه وقومه فليربط قلبه وعقله بالله، ووجوده وسـعيه بالله، وأمره بأمر الله، وفعله بفعل الله في أمر رسـول الله، وطريقه مع أمر ربه مرتبطا وبأمر ربه قائما وفي طريق ربه ومولاه دائما مسـتقيما لا عوج له، ربا للناس ومالكا لهم وآلـها عليهم.

أسـأل الله لي ولكم الـهداية، وأسـأل الله لي ولكم المعرفة، وأسـأل الله لي ولكم الدين، وأسـأل الله لي ولكم لأنفسـنا ولقومنا مسـتقيم السـياسـة، وأسـأل الله لي ولكم الأدب والكياسـة، ولعقولنا على أنفسـنا الحرية والرئاسـة، ولأرواحنا فينا الحقيقة والمعرفة والوحدانية. لا إلـه إلا الله للإنسـان يقومها ويشـهدها، يوم يقومه محمد رسـول الله يقومها ويشـهدها.

اللهم يا من سسـت أمرنا واصطفيت منا في ظهور الآباء علقات، وجمعتنا في أرضنا في بطون الأمهات ذرات… اللهم يا من شـكلتنا وصورتنا وأحسـنت صورنا، ومن الآبـاء بدأتنا وأوجدتنا، ومن الأمهات جددتنا وأظهرتنا، ومن الأرض فيهم خلقتنا، ومعهم منها أكبرتنا، منها لنا ولهم أنشـأتنا وعليها جمعتنا وحشـرتنا، وإليها أشـباحا أعدتنا، ومنها في دوام تخرجنا، وأرواحا تصعدنا، ومن السـماء تعيدنا… اللهم يا من سسـت أمرنا أطفالا، ويا من وجهتنا صبيانا وفتية، ويا من أحكمت أمرنا رجالا، ويا من سـهرت علينا شـيوخا ضعافا، ويا من أعززتنا في ضعف مكرمين، ورددتنا في جبروت مسـتخزين، ويا من برحمتك من مواصلة الشـقاء حميتنا من يقظتنا فأنمتنا حتى ننمو ونحيـا في نومنـا، ثم أيقظتنا وبين ليل ونهار تنيمنا وتوقظنا، تدخلنا في سـكينة ليلك، وتنعشـنا في نشـاط نهارك ويومك، تبعثنـا في يومنا، وتميتنا في ليلنا، تميتنا في أنفسـنا وتحيينا بك في نومنا، وتميتنا بك في أنفسـنا وتميتنا فيمن حولنا، يا من في كل لمحة يحيينا ويبعثنا مع أنفاسـنا، وبنا ينتشـر بالحيـاة في محيـط وجودنا، يا من في كل لمحة ونفس يتواجدنا ويفقدنا، كن لنا، كن لنا وقنا شـرور أنفسـنا وشـرور الأشـرار من خلقك من حـولنا. كن لنا وخلصنا كلمة الحق إليك. كن لنا وأعلِ كلمة الحق بنا، جنودا وعبادا لك، في خدمة عبادك وخلقك تحت ألوية عبادك وخلقك.

اللهم ارزقنا المعرفة والحلم، والصبر والطاعة والعلم. اللهم قنا الطغيان والجبروت، والجحود والعصيـان والجهل، منا عنا ولنا. اللهم خذ بنواصينا إلى الخير حكاما ومحكومين، ظالمين وعادلين، أئمة ومؤتمين، مجاهدين ومتابعين، يقظين وغافلين، برحمتك يا أرحم الراحمين، يا واسـع الرحمة، يا واسـع المغفرة، أدخلنا في واسـع رحمتك، وفي واسـع مغفرتك.

أضواء على الطريق

(أينما تيسـر وجود وسـطاء فقوة الروح تسـري خلالـهم، وينشـأ مخفر أمامي جديد. هذه هي الحاجة العظمى لنا، حتى توجد ممرات أكثر لتوصيل معرفتنا، وتعليمنا، وحبنا، وغوثنا، وإرشـادنا لعالمكم. كل جهاز جـديد هو مسـمار جديد في نعش المادية، كل جهاز جديد هو نصر للروح العظيم والحق الروحي. وإني لأُسـر عندما أجد جهازا يمكن الاتصال بي من خلالـه لكي أعطي ما يأتي إليَّ من ممالك المعرفة، والضوء والحكمة).

(برش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف: " رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرَينِ، مُصفَحٌ عن أبوابِ النَّاسِ، لو أقسمَ على اللهِ لأَبرَّه.": أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) بلفظه، وأصله في صحيح البخاري ومسلم بنحوه. ↩︎

  2. سورة الرعد - ٤١ ↩︎

  3. سورة الكهف - ٤٩ ↩︎

  4. سورة البقرة - ٥٧ , سورة الأعراف - ١٦٠ ↩︎

  5. سورة الصافات - ٩٦ ↩︎

  6. سورة هود - ٤٥ ↩︎

  7. سورة هود - ٤٦ ↩︎

  8. سورة النساء - ٦٥ ↩︎

  9. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  10. سورة الإنسان - ٣٠ ↩︎

  11. سورة طه - ٥٠ ↩︎