(١٣)
الفطرة ودينها
والدين وفطرته
في
الإنسان ابن الطبيعة وسيدها
حديث الجمعة
١٥ ربيع الآخر ١٣٨٢ هـ - ١٤ سبتمبر ١٩٦٢ م
براءة من الله ورسـوله، لمن كان بيتا لله ورسـوله، ذكرا مرفوعا، أو بيتا موضوعا، فقد قام في حكمة خلقته، وحرص على أمانة حقيقته. هذه هي لا إلـه إلا الله في شـهودها وقيامها، كانها محمد عبد الله، فقامها رسـولا لله، منارة للطريق، ومصباح صدور للرفيق، طريقا مسـتقيما لا عوج له، عزيزا بالله لا ضعف له، قائما بالله، لا شـائبة فيه ولا شـائبة له.
كان الفطرة، وكان دين الفطرة، وكان صبغة الله، وكان وجه الله، وكان الحق من الله. الفطرة ودينها ما كان وما إليه آل. والدين وفطرته ما فعل وما قال.
فما تكون الفطرة للناس؟ وما يكون دينها للناس؟ وما يكون الدين للمسـتقيم عليه؟ وما تكون فطرته لطالبه ومسـتقيمه؟ وما تكون صبغة الله ومن كان من الله صبغته؟ هذا ما جاء به العبد وقامه. جاء به وقد جاء له من نفسـه لنفسـه ليعرفه فعرفه. وأمر ليعرِّفه فعرَّفه للأسـود والأحمـر والأبيض فكان تعريفـه لما عرف وما به في نفسـه بعث وشـرف رسـالته. وكان مجيئه بما وجد به وما بعث رحمة وفطرة. وكان قيامه به بين عوالم الناس حق للخلق مقارب فكان بيته للناس قبلة في صلاة وطواف. وكان في الإسـلام له الإسـلام لله. وكان في الرضاء منه رضوان الله. وكان في الرضاء عنه الرضاء عن الله، وفي الحب له الحب لله فكانت في الصلة به الحيـاة. وكان في المتابعة له النجاة، وكان في المخالفة له والتخلف عنه الهلاك والثبور وعظائم الأمور، كان فيه الهلكة والعدم، كان فيه الشـقاء والمشـقة، كان فيه العذاب والقطيعة، كان فيه الهاوية، كان فيه الداهية، كان فيه كل ما يبغض الإنسـان، وكل ما يكره الإنسـان، وكل ما يخشـى الإنسـان، على نقيض ما كان في أمر الصلة به فيها ما يحب الإنسـان، وما يرضي الإنسـان، وما يسـعد به الإنسـان.
أبرزه الغيب عنوانا على الغيب ومرآة للغيب وقياما للغيب بين أهل الشـهادة وهم مرايا الغيب، فكان في أهل الشـهادة عين الغيب بعين الشـهادة، وكان في مشـهوده لأهل الغيب، في قيامه بشـهادة لهم لشـهادة منهم بعين الشـهادة عين الغيب. رآه أهل الشـهادة بغيبه عين الحق وبشـهادته عين الخلق، ورآه أهل الغيب في شـهادته من شـهادتهم أرقى الخلق، وفي غيبه مشـهودا لهم عين الحق. وعرَّفه الكبير المتعال جماع وعين الحق لأهل الحق في الغيب والشـهادة، عالِمَ الغيب والشـهادة، أظهره على الدين كله. عرَّفه الرفيق الأعلى لمعناه عالم الغيب والشـهادة الكبير المتعال، عبد الغيب والشـهادة، وموصول الغيب والشـهادة، وعين عالم الغيب والشـهادة عالما للغيب والشـهادة، فكان سـيدا في أهل الغيب والشـهادة، وخادما لأهل الغيب والشـهادة وقد أظهره على الدين كله. عرف وعرَّف كيف هو خلقٌ للسـموات والأرض لمن هم أصل للسـموات والأرض من أهل الغيب والشـهادة، كما عرف وعرف خلق نفسـه لمن هم نواة جديد لنفسـه تتكاثر، وكان عضدا ويدا لمعبوده من الغيب والشـهادة، بها أوسـع معبوده وموجوده ومشـهوده ومنشـوده دائرة السـموات، وتكاثر الأرض أوسـع في السـموات والأرض، وخلق به السـموات والأرض في لانهائي وجـوده، ولانهائي فراغ تواجده فاسـتدار الزمان على هيئته من قديم فيه بإبرازه ورسـالته كيوم خلق السـموات والأرض، في دورةٍ هي العصر في لانهائي الدهر، لا بداية له ولا نهاية له، تخلق الزمان به في دورته كيوم تخلق المكان له بالقدرة لحضرته دارا عرضها السـموات والأرض، فتواجد في المكان مخلوق الإنسـان، اتسـع المكان لموجود الإنسـان، فكان الإنسـان داخل المكان وخارج المكان، وداخل الزمان وخارج الزمان بين خلق وحق، هو موصوف ومجهول الإنسـان، وقائم وقيوم الإنسـان. يقوم الإنسـان حقا، ويقوم الإنسـان خلقا، وما أوجد وخلق الإنسـان خلقا إلا موجود الإنسـان حقا صبغةُ الله، صبغة الله في حقي الإنسـان، وكتابُ الله في خلقي الإنسـان.
الإنسـان بين معاني العبد ومعاني الرب في الله، ما كان العبد إلا الإنسـان وما كان الرب إلا الإنسـان، كلاهما وجه لله، وهما وما بينهما حقيقة واحدة من حقائق المطلق في لانهائي الله، فما كان الله بأناه الجامع لمعاني العبد فيه والرب منه، وما بينهما من عوالم الروح، وما يقومان فيه من عوالم المعاني إلا الإنسـان صبغة الله، وعَلما عليه، وذكـرا قديما فيه، على مثالـه يداني بالذكر المحدث منه، إنسـان خلقه على صورة إنسـان حقه، في حقيقة منه من رآها رآه وعرفه حقا من حقائق الله، في نسـبية معارجـه لمعناه في مطلقه، وكمالات ذواته للانهائي ذاته، وتجليات أسـمائه، وتداني صفاته بآلائه في كائناته.
إذا قلنا الفطرة ودينها، وإذا قلنا الدين وفطرته، كان في معرفة الفطرة ودينها معرفة الإسـلام، وقيام الإسـلام، وسـفور الإسـلام، الناس فيه بمولدهم، والناس في طريقه، وفي البعد عنه بفطرتهم، في موالد آبائهم وأجدادهم، إما أن يكونوا ذرية طيبة من أصول طيبة تابعت أصولها بإيمان فإليها رجعت، ومنها بعثت ببعث الآباء من الأبناء في الكائنات الطيبة بالأصول الطيبة في قيام طيب، مجيئـا للفطرة في قادمها على أحسـن تقويم، بعثا وتجديدا للفطرة في قديمها في أحسـن تقويم، مجاهدة بالفطرة في قائمها عبدا وربا لقديمها وقادمها. صبغة الله ومن أحسـن من الله صبغة.
هذه هي الفطرة للوجود في كلياته وإلى ما لا يحاط به، وفي صغير جزئياته إلى اللامرئي فيه، وفي واسـع موجوده على ما نشـهد أو ندرك، وفي نامي وجوده إلى ما لا نعرف ولا نقدر، وفي لانهائي مكنته لا تغلب ولا تقهر، وفي فراغ سـعته وفي سـعة فراغه ما اسـتقام الصغير فيه في متابعة الكبير له، وما قام الكبير فيه على رعاية وخدمة الصغير منه إيمانا بالأكبر منهما في الواحد اللانهائي، وبذلك يتوحد ثلاثتهم في حق من حقائق الوجود المطلق، به كان ثالوثهم في وحدانيته جماع فطرتهم وقيام فاطرهم، واجتماع قائمهم على فاطرهم، من فطرهم كما فطر السـموات والأرض لهم، وهذا أمر القيامة والسـاعة لهم، وما أمرها إلا كلمح بالبصر أو هو أقرب، ولكلٍ قيامته وسـاعته أفرادا وجماعات.
الإدراك لهذا، والتواصي به، والعلم عنه، والقيام فيه، هذا هو الإسـلام، وهذه هي شـهادة أنه لا إلـه إلا الله، وهذا هو دخول هذا الحصن بالدخول في لا إلـه إلا الله، وهذا هو سـفينة النجاة، وباب الحيـاة، وجنة رضاه، وكتاب الرضوان، وقيام الحقيقة، وظهور العنوان، في شـهادة أن محمدا رسـول الله، معلوم في النفس قيامه، موصول بالنفس سـلامه، مقبول عند العقل كلامه، مرضي للروح والذات أعلامـه، قدوة فيما ظهر به من عطاء الله له، وأسـوة فيما هو عليه من ابتلائه بالناس من حوله، يصبر لجاهلهم، ويأوي ليتيمهم، في حصن لا إلـه إلا الله دخله فآواه، وقامه فآوى به وآوى فيه، ويجيب حاجـة مسـاكينهم، ينعم عليهم مما هو عليه مسـتخلف، وينعم الله بنعمته عليـه وعليهم من نعمائه وعطائه لا يجذ، فيسـد فاقتهم ويقضي حاجتهم بكفلين من رحمته، كفل من الله بجزاء هو عليه مسـتخلف، وكفل برحمته هو فيه مفوض. يكفر عنهم سـيئاتهم ويصلح بالهم، ينحرون وينحر لهم أنفسـهم إليه مبعوثين فيه، وينحر نفسـه فيهم بعثا بالحق لهم فيقومون في وحدانية الله لا شـريك له وجوها له، فتعرف بهم لهم فيهم وحدانية الله، ويشـهد لهم فيهم أنه لا إلـه إلا الله، وأنهم محمد رسـول الله، أمة عباد، وحضرة رشـاد، وطريق سـلام وإسـلام وانقياد، وسـاحة جهاد واجتهاد وعلم ورشـاد. أمة هي في ذاتها أمم، وأمم هي في ذاتها به أمة، خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف الذي هو أقرب لها وللناس من حبل الوريد، والذي هو معها ومع الناس، يوجههم ويرشـدهم ويسـمعهم ظاهرا وباطنا، هم إليه أوابين، رجاعين، راجين بمحمد أحيـاء موجودين، وبالقرآن كتابا قائما متجددا مبينا مبعوثين، عليهم منهم مفروض وبهم لهم على الناس مشـهود له به، ما قاموه فارضين، وعلى الناس به قائمين، ولجماح أنفسـهم والطاغين كابحين، ولعقولهم ولطالبي الشـهادة مرشـدين، ولمعروف الحـق عندهم في الخلق للخالق، في الخلق مشـاهدين، عبـادا للرحمن يدعون لا قسـاة ولا طاغين. أولئك هم المسـلمون، أولئك هم لنداء الله الملبون، وفي سـاحة الله القائمون لا حد لسـاحته، ولطلعة الله مشـاهدين لا عد لتجلياته، وبمعروفهم من الله متجلين لا غياب لوجهه، ولا كنود مع الأقدس من ذاته له يشـهدون وله يطلبون، فذات العين بهم في قدسـها بلطيفه تشـهد قدس ذات الرب في قدسـيتها بتشـريفه، علما على الأقدس لمعناها، ذكرا واسـما لله به يذكر، ووجها لله به يُعرف، وكتابا لله به يُعلم. ذلك هو الإسـلام دينا للفطرة، به الفطرة قامت لا بدء لها، فيمن لا بدء له فاطر السـموات والأرض، لا بدء لها في تواجد، ولا عدد لها في تكاثر، ولا حد لها في سـعة واتسـاع. ذلك هو الإسـلام، دين الفطرة، لا انتهاء لها، ولا بدء في فاطر السـموات والأرض، فلا انقطاع لفعله، ولا توقف فيه لآثار صفاته في واسـع وجوده، بواسـع رحمته وجوده، فخلق السـموات والأرض ضرورة تواجدت كلما خلق عبدا له، فسـد فاقته، وشـيد له داره، دارا عرضها السـماوات والأرض يقطنها، فيسـكنها وأهله، وتسـكنه وتقطنه أمرا لله عليها، فإنه إن لم تسـكنه وسـكنها حجزته وما سـكنته، وما ملكها ولكن ملكته، وإن تحرر منها ملكها ما ملكته، وما تابعها ولكن تابعته. فالإنسـان مملوك الدنيا وعبدها، أو مملوك السـموات والأرض وعبدها، أو مالك الدنيا من السـموات والأرض وسـيدها. رفعنا بعضكم فوق بعض درجات، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا. فسـواء كان الإنسـان في دنياه من السـموات والأرض دارا له، أو في أخراه من حريته متحررا من سـجن السـموات والأرض، فهو الإنسـان.
(الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له)[١]، (مالي والدنيا، أنا في الدنيا عابر سبيل، استظل بظل شجرة ثم مضى)[٢]. تابعوني إلى دنيـاي فقد اسـتدار الزمان بي على هيئته كيوم خلق السـموات والأرض. تابعوني إلى سـمواتي المشـرقة بنور الله، وإلى أرضي الطيبة بذكر الله، فأنا من كان عليكم نيره لطيف، لا بل من كان نيره رحمة لكم فإني لا أدين أبدا، اذهبوا فأنتم الطلقاء، أمة مذنبة ورب غفور، تابعوني يعطكم الله مما أعطاني مما عرفتم ومما لم تعرفوا. تابعوني يحببكم الله، من تابعني كان له من الله ما لي، ارتضوني لدنياكم وأخراكم، ارتضوني راعيا لكم، ارتضوني خادما لكم، ارتضوني أبا لكم، ارتضوني معلما لكم، ارتضوني أخا أكبر لكم، ارتضوني كتابا لكم، ارتضوني معرفة لكم، ارتضوني قدوة لكم، اقبلوني أسـوة لكم، أنا لكم ومنكم، ارتضوا أن تكونـوا أمتي حتى تشـهدوا كيف أكونكم وأكون منكم، وكيف كنتم مني، وإن فعلتم رأيتم بي من ربكم حقا منـه وحقا فيه، (من رآني فقد رآني حقا)[٣]، فإن كنت منكم شـهدتم أنفسـكم حقا له، يوم أكون منكم عبدا له، به أرى فيكم حقا له، أنا الذي طلب منه، وهو الرب لكم، أن أكون فيه العبد له، والخادم لكم. من رآني مولاه قمت فيه، وأقمت منه، وأشـهدته مولاه، على ما أنا، وعرفتـه فيما عرف مما خلق وصنع في متابعته لي، وكيف بعث بحقي، وقام في طريقي، وسـار من خلفي، فقدمته أمامي إلى ربي… إلى الكبير المتعال في ذي المعارج، إلى وجه اللانهائي إلى ربي حتى يشـهده في مرآة نفسـه، ويعرف نفسـه بنفسـه فيما يصنع بنفسـه لنفسـه، فمن كان “عَلي” مولاه على ما أنا له، عرف معه ما عرف من عرف معي، ومن عرف معي عرفه بأبي مدينة للعلم. من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شـرا يره. ومن يقترف حسـنة نزد له فيها حسـنا.
هذه هي الفطرة وهذا هو دينها، فما يكون الدين وفطرته؟ إن الدين وفطرته على فطرته أن تعرف هذا وأن تعمل للقيام فيه، فإن تحققت في القيام فيه، فاعلم أن مزيدا للقيام فيه ينتظرك، لا تنتهي معارك الرقي فيه، ولا يجذ العطاء من اللانهائي به. المعرفة لذلك هي العقيدة، والعقيدة هي الدين، والدين هو المرشـد، أما المناسـك، أما المناهج فهي ثمرة للتجارب ممن كان عنوانا للفطرة، وثمرة للوعي الفطري، وثمرة للتجربـة في الاسـتقامة، ومحاولة أخرى من المجرب ومن المسـتقيم، على متابعة لسـابق له معتقد منـه، لكل جعلنا شـرعة ومنهاجا. ولو أن أهل الكتاب آمنوا بما يجب أن يكون عقيدةً، واتقوا على ما يصح أن يكون طريقا، لسـقيناهم ماء غدَقا، لأغرقناهم في بركات منا، لفَتحنا عليهم أبواب السـموات والأرض من ماء الحيـاة والسـعادة، أقيموا الدين ولا تفرقوا فيـه، تعالوا إلى كلمة سـواء بيننا وبينكم، كلمة الله جمعتنا وجعلت من مرضاة الله غايتنا، نحن فيـه كلماته في كلمة جامعة متابعة، ونحن فيه آياتـه في آية منه ممتدة، ونحن به وجوهه لأنفسـنا ما تآلفت قلوبنا فيه، وجوه في وجه له، وجوه لوجه له من أنفسـنا، نشـاهده وجها لوجه في قيامنا فنعلم ونؤمن أن المؤمن مرآة المؤمن، وأن الأخ مرآة أخيه، كلنا فيه وكلنا منه وكلنا له. الله لهم من ورائهم محيط وعلى كل نفس قائـم، تعالوا إلى كلمة سـواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، الذي هو قيامنا وقائمنا وقديمنا وقادمنا، وهو بحاضرنا، وهو على حاضرنا قائم، غيبه لا يشـهد وشـهادته لا تغيب. هكذا نعتقد الله الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد، والذي هو معنا أينما كنا، وأينما نكون، فلا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دونه، وليتواضع بعضنا لبعض به فيه أدبا له، وأدبا منه، وأدبا معه. إن الله متأدب مع عبـاده، ما تأدب عباده معه، يرفع عنهم وصف العبد له يوم يشـهدهم معناه فيهم ليشـهدوه به، لا فرق بينهم وبينه، فيحنون لوصف العبد له به يرتقون، وبمعراجه يتعالون ويتسـعون وعبادا يتجددون. لا يرفضونه ربا وإلها شـهادة وغيبا، ولا يسـتكبرون عليه عبادا، ولا يتعالون بأنفسـهم وجوها عن السـجود لوجهه ما شـهدوه مبعوثا بهم أو شـهدوهم مبعوثين به، وقد يسـجد الأكبر للأصغر أدبا أو حكمة منه، أو تعليما له، أو توجيها له في مسـلك مع مطلق الله، حتى يقتديه فيسـجد بدوره ويخفض جناح الذل من الرحمة لمن يراه في افتقار لرحمـة الله محجوبا عنها وهو الطالب لها مسـكينا ذا متربة من ذات من تراب، أو يتيما ذا مقربة بعقل حـائر ضالٍ في سـاحة الله فيأويه إلى سـاحة الله يوم يأويه إلى نفسـه قائمة بلا إلـه إلا الله، ويوم يخفض له جنـاح الذل رحمة به وإشـفاقا عليه بقيامه محمدا رسـول الله، وما خفض جناح الذل وظهر بالذل ذليل، ولكنه العزيز، الحكيم، إنه الكبير، المداني، إنه المتخلق بأخلاق الله في قربه وحلمه ورحمته وغيبه على العقول.
هذه هي فطرة الدين، وهذا هو دين القيمة، هذا هو دين الناس يوم يحيون بالله الحي القيوم فيقيمهم الحي القيـوم بالحيـاة في إنسـانه ربا للناس ملكا للناس وإلها للناس، يسـتعيذ به الناس وهم لا يعرفونه، ويخضع له الناس وهم لا يشـهدونه، ويعتقده الناس وهم لا يقدرونه وهو معية الناس ولا يدركونه. هذا هو إنسـان القيمة من أهل الدين ورجال الفطرة وصبغة الله. الدين على فطرته يقوم في معرفة القيمة وإنسـانهم، وأنهم قائمون به بفطرة الدين، وأن التخلق بأخلاقهم والاسـتجابة لأمرهم، والإسـلام لوجوههم، والمتابعة لهم في فعلهم وسـيرهم، هي صبغة الدين، هي فطرة الدين، هي الدين، هي طريق الدين للقيام ولقاء إنسـان الناس في أنفسـهم في سـلام.
إذا عرفنا ذلك، عرفنا فطرة الإسـلام، وعرفنا صبغة الإسـلام، وبذلك نكون من المتدينين، ومن المسـلمين. كيف تتدين وأنت لا تعرف الدين؟ وكيف تكون مسـلما وأنت لا تعرف الإسـلام؟ كيف تكون عبدا وأنت لا تعرف الرب ولا العبد؟ كيف تكون متابعا وأنت لا تعرف الإيمان وبمن تؤمن ومن تتابع؟ كيف يكون لك بيت وأنت لا تعرف بابا للبيت، ولا أين البيت، ولا أحدا من أهل البيت؟ وكيف لا يكون لك بيت وأنت تقيم الصلاة تسـتقبل فيها بيتا فما البيت؟ كيف تسـافر وأنت لم تركب السـفينة؟ وكيف تطلب البيت وأنت لم تصل للمدينة؟ وكيف يكون لك بيت وأنت التائه في البيداء؟ أن تكون مسـلما عليك أن تعرف الإسـلام من أهله. أن تكون متدينا عليك أن تعرف الدين من منبعه. أن تكون مسـتقيما عليك أن تعرف الرفيق قبل أن تعرف الطريق، وأن تعرف وصف الاسـتقامة قبل أن تزعُم الاسـتقامة، أو تُخدع في الاسـتقامة. هل يتواصى الناس بذلك في هذا العصر؟ هل يتواصون بالحق هو معهم، أم أنهم يتناجون عنه بعيدا عنهم لإبعاده ولإقصائه عن أنفسـهم، وللتخلص منه في قيامهم؟ يكذبونه باسـم التصديق، ويجحدونه باسـم الإيمان، ويخالفونه باسـم الإسـلام. ولا يقبلونه في أنفسـهم، ولا أقرب لهم من حبل الوريد، ولا يقبلونهم وجوها له، ولا يقبلونه مشـهودا فيما أوجد وبه تجلى، ويطلبون لقاءه مشـركين، ويزعمونهم لـه موحـدين، يباعدون بينه وبينهم في أنفسـهم باسـم التنزيه، والتنزيه أن لا يكونوا غيره. ويحـددون له المكان فيتجهون إليه في السـماء، ولا مكان له إلا في أنفسـهم، أو يجسـدونه في وثن من صنعهم باسـم بيته فيتجهون إليه في غرفة باسـم القبلة، وما جعلت إلا رمزا لما في الصدور، وما بيته إلا في قلوبهم لعقولهم، يوم تحيا القلوب وتتحرر فيه وبه العقول، يوم يحملون صفة الحيـاة بالحي القيوم من الحي القيوم فتتدفق بالحيـاة مشـاعرهم وذواتهم، ثم هم بعد ذلك ينتظرون لقاء له في يوم ينتظرونه وهو اليوم في يومه منتظر معهم يومهم الذي يزعمون. إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب. انتظروا إنا معكم منتظرون.
ماذا يعرف الناس عما يلوكون بألسـنتهم عن اسـم الله، وذكر الله، وكتاب الله، ورسـول الله، ودين الله، وخلق الله وعباد الله؟ لا شـيء، الا هراء… هـراء في هراء من هوى أنفسـهم، ووضع أنفسـهم، وتحـريف الكلم عن مواضعه لإشـباع شـهواتهم، لا عقل فيه، ولا حق فيه، ولا صدق فيه، ولا تصديق له في ضمائرهم. هذا ما آل إليه أمر الناس مع رب الناس ملك الناس إلـه الناس، وهو فيهم وهو معهم وهو أقرب إليهم من حبل الوريد، وهو بينهم لوجوهه بعباده لوجوههم وجوها له، رسـلا من أنفسـهم، عبادا للرحمن يمشـون على الأرض هونا يقولون سـلاما مع الله، تسـلموا أيها الناس، وادخلوا في السـلم معه وانظروا جهلا في أنفسـكم تعلموا أيها الناس. واعتقدوا حقا في باطن قيامكم تتحققوا أيها الخلائق، ولا تسـوفوا الله، ولا تسـوفوا قيام الله عليكم فهو القائم، لا تسـوفوا سـاعة الله لكم وأقيموها بكشـف الغطاء عنكم، إن لله في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها. هذه هي فطرة الدين، وصبغة الدين، ومعنى الدين.
نسـأل الله أن يجعل لنا دينا هو دين الفطرة، وأن يقيم فينا فطرته بعيدة عن الخصام، وأن يبعثنا بالفطرة في سـلام، وأن يجعلنا كتبا تقرأ بالإيمان في عوالم قيامنا، وأن يحققنا بنا كلمات له في كتاب قيامه وروحا من وجوه سـلامه نشـهده لا إلـه إلا الله محمدا رسـول الله.
اللهم أحيِ موات قلوبنا، وابعث منا حقائق سـلامنا، واكشـف حجاب الغفلة عنا، وأشـعل جذوة الحيـاة فينا، وأنر مشـكاة صدورنا، وأسـرِ فينا بنورك بقاء قديمنا في أحسـن تقويم، واجعل منا أوادم لاحقنا لأحسـن تقويم، واجعلنا وجـوه حقائقنا، وأدخلنا حصن لا إلـه إلا الله، بها أشـهدنا أنفسـنا مبعوثين بك فيه محمدا رسـول الله، وأدخلنا فيه سـاحة رحمتك، ورسـول أزلك، وعبد دوامك لنشـهد به في أنفسـنا من العلم عن حقائقك بنا تُشـهد وفينا تتقلب، وعلينا تقوم، ولنا تقوّم رحمـة منك، وللناس منا تقوم فيض رحمتك وعلما عليك، كما وعدت، واجعلنا من أمـة صفيك أمة وسـطا، خير أمة أخرجت للناس تدعو إلى الخير غير مشـوب، وتأمر بالمعروف معروفا لها، ومعروفا عندها، ومعروفا فيها، ومعروفا بها، وتنهى عن المنكر لا تتصفه ولا تتهم به، لا تشـهد إلا الله، ولا ترى إلا حكمة الله، ولا تسـمع إلا من الله، ولا تتكلم إلا بلسـان الله، ولا تقوم ولا تعمل إلا بيد الله، ولا تسـير ولا تسـعى إلا بقدم الله، ولا تشـهد إلا بوجه الله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، شـهداء على الناس أمما بعد أمم لأمم وأمم، بعثا لأمم قبل أمم قد خلت منها الأرض لها ما كسـبت، ولها ما به سـبقت، فكانت أمة محمد الأمة الوسـط ما بين قديم الإنسـان وجديد الإنسـان، عن طريقها يصعد جديد الإنسـان إلى قديمه مع أئمة له وشـهداء عليه، وفيها يداني قديم الإنسـان جديد الإنسـان، حقائق لله في قيامها، ومن خلال قيامها لمواصلة قيامها في تجددها مع جديد الجنس في كل جديد له أمة رسـول الله… أمة عبد الله… أمة عباد الله… أمة الله، في بيت الله وحول بيت الله، وسـاحة الله بأرض الله مسـجدا وطهورا.
هذه هي أمة محمد، يوم يكون لمحمد على الأرض أمة، وما انقطعت لمحمد في الوجود أمة، ولن ينتهي لمحمد في الوجود أمة، وما تعطل حصاده من الأرض لأمته في الوجود.
إن أمة محمد تتواجد ما تواجد رجلان في نجوى في الله. رجل عرف نفسـه فعرف ربه، ورجل عرفه وصدقه فعرف الله، قاما في الله مثني وفرادى ثم اجتهدا فقام محمد في أولهما وانتشـر في ثانيهما فقام الحق في كليهما وتبادلا في الله ما كان من مكانتهما، فكانا كلاهما الأول والآخر.
هذا هو محمد ودين محمد وفطرة محمد وصبغة محمد.
أشـهد أن محمدا رسـول الله وأشـهد أنه لا إلـه إلا الله.
أضواء على الطريق
(ما زال هناك عمل شـاق أمام الروحيين، فليس هدف الاجتماع الروحي هو مجرد إعطاء الراحة للنفوس ولو أن هذا أمر له أهميته. إنه لجزء من مهمتنا أن نُعلم عالمكم في فهم أتم، قوانين الحيـاة في كل مظاهرها، عقلية وخلقية، وفيزيقية وروحية، حتى يقل عدد الأجسـام المحطمة والنفوس غير المتقدمة.
نحن نجاهد لنمحو الأنانية والمادة والجهل والظلام، وكل القوى التي تسـلب من حيـاتكم حلاوتها وبريقها وسـلامها. غرضنا الوحيد هو الخدمة. فلماذا يعارضنا الناس بينما نحن لا نملك سـوى الخير لنمنحه، بينما لا يوجد فينا شـر، ولا نحاول الميل إلى أي أمر وضيع أو مشـين. نحن نجاهد لنوجه النظر للحق الأعلى، وللفهم الأعظم. نحن نكافح لنجعل دنياكم تتحقق من القواعد الروحية التي تقوم عليها الحيـاة. نحن نكافح لنجعل الإنسـان مدركا لمواهبه الكامنة حتى يمكنه أن يكتشـف نفسـه وما فيه من ألوهية باطنة).
من هدي الروح المرشـد (برش)
مصادر التوثيق والتحقيق
حديث شريف: " الدُّنيا دارُ مَنْ لا دارَ لهُ ولها يَجمعُ مَنْ لا عقلَ لهُ ومالُ مَنْ لا مالَ لهُ." أخرجه أحمد والبيهقي. ↩︎
حديث شريف. “ما لي وللدُّنيا ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحتَ شجرةٍ ثم راح وتركها.”. أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد. ↩︎
إشارة إلى الحديث الشريف: مَن رَآنِي فقَدْ رَأَى الحَقَّ؛ فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَكَوَّنُنِي." صحيح البخاري. وقد جاء بلفظ “مَن رَآنِي في المَنامِ فقَدْ رَآنِي، فإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَشبه بي”. صحيح ابن حبان. ↩︎