(١٢)

عبد من عباد
في دورة للرشاد
لحق في عماء في دثار من رجاء

حديث الجمعة

٨ ربيع الآخر ١٣٨٢ هـ - ٧ سبتمبر ١٩٦٢ م

انشـقت عنه الأرض، كائنا من الناس، غاب عن نفسـه إلى الأسـمى من أمره فمات عن أمره وبُعث بأمر ربه، عنون الحق بخُلقه وهو ما زال في جلباب خَلقه، فشـرَّع للناس بسـنته، وحمل إلى الناس من حقيقته حديثا خالدا على الزمان، شـأن متحدثه عين متلقيه. في ألوان من المقال، ومصـادر من القول رسـم للنـاس ما يحييهم بما فعل وما وهَب، ليفعلوا ويتعرضوا لهبات يد الله ممتدة برحمة مهداة، أفرادا يسـتقيمون، وجماعات يتوحدون، وأمما يتجددون، وسـلطانا يتبادلون، وامتثالا للأعلى ينتظمون، حتى إذا ما حان الحين لغياب فرده، ليتجدد بأهله، ويتوحـد بجمعه، ويقوم بأمته، وينتشـر بدينه وشِـرعَته، ظهورا لكوثره، ودواما لبلاغه، وقياما لبيانـه وسـماعه حج البيت للوداع، فتكلم في عرف مظهره كلمة الوداع وما ودع، ونزل من علويه حيث صار وما انحط بما فعل وبما عرف إلى الوادي حيث البيت الموضوع رمزا لبيته من المكـان المرفوع، رمزا لذكره من دائرة المعرفة بربه إلى دائرة الأماني لسـاحته، إلى دائرة البيت لقومه بأهله فدخل البيت مطأطئا، لم يرفع، وصلى منه على الناس، يبارك ويشـفع، لا يسـأل ولا يُدين، ربا للناس غفورا رحيما، تمت للناس مكارمه، متخلقا بأخلاق الأعلى الواسـع في غفرانه وكرمـه، الذي تعالى على الناس إدراكه، فكان هو عبدا له به عرف، ورسـولا منه به عبد، ورفيقا منه للعباد مدانيا من الرفيق الأعلى له علم وعنهما عَلّم، ودَّ لو لم يدخل البيت حتى لا يشـق على قومه فيكون الدخول مفروضا في شـرعته، وحتى لا تلتزم بالأمر من بعده أمته، ودَّ لو وقف تشـريعه على تلبية النداء من المؤذن للصلاة، من يوم الجمعة من نفسـه، ودَّ لو لم يجعل من مناسـك دينه وشـرعته أن يدخل فريق من أمتـه البيت، مطأطئي الرؤوس فرض كفاية، إذا قام به البعض سـقط عن الباقين، فرض على المعلمين ليعلموا ويعلموا، وعلى الدعاة ليلبوا وينادوا، وعلى الراشـدين ليتبعوا فينتشـروا.

يسـتقبل الناس البيت مصلين، ويطوفونه حاجين، ويدخلونه عارفين. من دخله كان عليه أن يصلى على الناس لتكون صلاته سـكنا لهم، والناس مأمورون بصلاتهم أن يقيموا صلتهم بمن في البيت بأهل البيت يصلون عليهم، مؤمنين أن الله من ورائهم محيـط يصلي وملائكته على من في البيت، ويصلي بهم على الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويصلي من الناس عليهم من ورائهم محيط لترتد أعمال الناس بالصلاة عليهم إلى أنفسـهم مضاعفة مزكاة.

هذه شـرعة من شـرائع الإسـلام… شـرعة الحج… شـرعة الطواف… شـرعة الوقوف بعرفة… شـرعة الوقوف عند قدم جبل الرحمة… شـرعة الاسـتقبال من جبل الرحمة… شـرعة الانتظام والتناسـق في دوائر من رجال، رواسـي الأرض ماثلة في حلقة من جبال حول سـاحة معرفته بعرفة، وسـاحة رحمته بمنى، وحول بيت إفاضته وقبلته بالبلد الحرام، الذي شـاركت في إعداده الطبيعة بإعداد المكان قبل مجيء الإنسـان. هل عرف الناس ما عنى بهذا المنسـك؟ ما عُني بهذه الشـرعة؟ إنه يوم اعتزم عَلَمُ الحق أن يجدد عَلَمَه، وأن يشـرح معلومه دخل البيت، وصلى على الناس، فكمل للناس العلم عن دينهم، وأبان بذلك للناس أمره وأمرهم، فأمر أهله بالصلاة والاصطبار عليها، وقد تولوا زمام الأمر من أمره، إذ دخلوا بيوت أنفسـهم متابعين، لم يخرج ولم يخرجوا من قلوبهم بعد أن دخلوها لأنفسـهم مجددين، وترك الأمر للمصلين، وللطائفين، وللعاكفين، وللراكعين، والسـاجدين أن يقيموا مناسـكهم مجاهدين ومتابعين، وأن يقوموا طريق اسـتقامتهم عاملين، فأمر أهله أن يأمروا طالب الاسـتقامة، صاحب النفس البكر العذراء، أن يأمروا فيه البشـرية، الآدميـة في قيامها، والإنسـانية في نيامها، في شـخص كل صادق، وكل فارق بين الحق والباطل، كل مجاهد لنفسـه، كل طالب لأن يسـتقيم على أمر ربه في شـخص صديق من صديقين، وفارق من فارقين، إذ قال لأهله: مروا أبا بكر فليصلي بالناس، فليصلي أمام الناس، فليصلي إماما للناس، فليقدم الناس، فليتقدم على الناس ليتابعه الناس على فعله، فيعلمون ما علم، ويسـتقيمون على ما عليه اسـتقام. ما فضلهم أبو بكر بصلاة أو صيام، ولكن فضلهم بشـيء وقر في الصدر، وكم ضرب الرسـول على صدره مشـيرا (التقوى ها هنا، التقوى ها هنا)[١]

فكيف صلى أبو بكر بالناس؟ وكيف صلى خلفه الناس؟ وكيف اتقى الناس؟ وكيف عرف الناس؟ هذا هو أمر الإسـلام، إذا طلب الناس أن يعرفوا ما الإسـلام. وهذا أمر الدين، إذا طلب الناس أن يعرفوا ما أمر الدين. كان على أبي بكر أن يلبي نداء أهل البيت بالحج والصلاة بما وقر في صدره، تجديدا لإيمانه بصاحب البيت وقد تجدد البيت، وأن يسـتقبل البيت في صلاته حتى يسـتقبله الناس، وأن يعرف بما يعرف عن أهل البيت في صلته حتى يعرف الناس. كان عليه أن يسـتقبل البيت الذي عرف، ووجه الرب الذي به شـرف، وأن يلبي نداء أهل البيت، كما لبى من قبل نداء البيت وقد أشـرق قلبه بفجر يوم الجمعة، وأن يجدد صلته وصلاته بأهل البيت، كما أقامها البيت فيه له، بما وقر في صدره، وبما أدرك من أمره. ولكن أبا بكر ضعف أمام نفسـه وأمام الناس، كما ضعف في كل زمان أبو بكر. ضعف كما ضعفت كل نفس عذراء خالية من التجربة. ضعف كما ضعف آدم من قبل. وعهدنا إلى آدم من قبل فنسـي ولم نجد له عزما. ضعف عن مجابهة الجهل وخشـي أبا جهل ونسـيه أبا جهل. ضعف عن مقابلة الطغيان، وخشـي أبا سـفيان ونسـيه أبا سـفيان. خشـي الناس ونسـيه الناس، فتوجه مع الناس ولم يوجهم، وصلى مع الناس ولم يصلِ بهم، وطغى عليه الناس، ولم يطغَ هو عليهم بإيمان، ووقف عهده لأهل البيت عند نفسـه، معللا نفسـه بالاسـتقامة، وبالبعد عن الملامة واهما في ذلك السـلامة يوم قال للناس (ارقبوا محمدا في آل بيته) [٢]. وما فعل هو، وما راقب هو محمدا في آل بيته حتى يرقب الناس محمدا في آل بيته. وأهل بيته ومعناهم من بيته هم الدين وهم الباب واليقين. هم قبلة الصلاة للمصلي، ووصلة النجاة للطالب للنجاة من المنجي، وهم بيت الحجيج، ومنارات الطريق.

هذا كان، وهكذا سـيكون، وهكذا هو كائن من أمر أمة محمد إلا من رحم، لا يعرفون لهم قبلة، ولا يعرفون لهم بيتا، ولا يسـتقبلون لهم في صلاتهم وجها، ولا يطوفون في معانيهم بغاية من رشـد، ولا يتخذون لغايتهم وسـيلة من بيت. لا دليل لهم، لا راشـد ولا رشـيد بينهم، لا رشـد يُطلب، ولا ظلام ينبذ، ولا طغيان يقاوم، ولا طريق تسـتقيم. لا منار لهم في طريق إن طرقـوا، ولا هَم لهم في سـلوك إن سـلكوا، ولا وعي لهم عن منسـك إن تنسـكوا، ولا رشـاد لهم من نور إن قرأوا، أو اسـتمعوا، معالم الدين منقبرة خافية، مندثرة بالية. الدين بينهم أثمال لا تجذب نظرا، ولا تحمل أثرا، ولا تُبين خبرا، ولا تُفنى أو تسـتهلك ملبسـا.

ما الدين الذي تشـهدون؟ إنه معالم لأمر مندثر لا حيـاة فيها ولا إعلام عنه. لو صَدَق انتسـابها إلى المعلوم بها لكان الإيمان في الكفر به وبها، وفي الجفوة له ولها، والبعد عنه وعنها. إن الله وقد منح العقل وشـرَّفه، وكان العقل للإنسـان به شـرفه، وعى، وجاهد، واسـتقام، فحار، فضل، فاهتدى، فإلى من شـرف به هدى. (العقل أصل الدين)[٣] كما قال مؤسـس الدين، ومجدد الفطرة، وكما قالت الحيـاة بآياتها ومعالمها، وكما قال كلما قال ومن معه من يدرك آيات الله في نفوس النـاس، وفي أنفسـهم، وفيمن حولهم، وفي الآفاق، بما فيه وفيهم من العقل، فمن يدرك إلا العقل، ومن يقرأ إلا العقل، ومن يترجم اليقين والآيات للناس إلا العقل، ومن يحملها للناس إلا العقل، ومن يسـتجيب لها بالعقل إلا العقلاء، وما يعقلها إلا العالمون. أوقف الله العقل بين يديه ثم قال له أدبر فأدرك حكمة الأمـر فأدبر، ثم قال له في إدباره وهو المدبر: أقبل فخلع من الإدبار، وانقلب إلى الإقبال راضيا مرضيا، سـعيدا بإدباره يوم أدبر امتثالا لأمر آمره، مسـعدا بإقباله يوم أمر بالإقبال، فأقبل شـوقا إلى أمره، عرفه المأمور وعرفه بآمره الآمر، فاسـتقام على أمره ولم يخدع عن آمره.

العقل… العقل… هو مناط الشـرف، وهو مصدر الأمر بالتكليف، وهو محل القيام في الاسـتقامة على المأمور.

العقل… من موهوب ومكسـوب، هو مصدر للتشـريع، ومصدر لكلام الله، وحديث الله، وهدي الله، ونور الله، يصدر من العقل الموهوب، يوم يدخل البيت فيصلي على الناس، ولا يرفع الرأس إلى أعلى، فيصلي عليـه الأعلى ويدانيـه، به يقوم دانيا للناس في معانيهم، فيقول للناس مأمورا، لا آمرا، جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، فيسـن لهم بسابغة حيرته طريقهم إلى أمر نهايته قـدوة وأسـوة. هذا ما أراده الرسـول يوم دخل البيت في حجة الوداع ليهيئ أمره من نفسـه، ويجدد أمره من أهله، ويكشـف أمر أهله أمر ربه ونفسـه، ليقول للناس (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم)[٤]، ما دام النـور الذي أنزل علي يتواصل نزوله، ليقول للناس (لا تزال طائفة من أُمتي قائمون على الدين ظاهرين لا يضرهم من خالفهم)[٥] حول البسـملة لم ترفع من بعدي، ليقول للناس: لا زال هـذا الرشـاد، لا زال هذا العلم، لا زال هذا الوعي، يحمله عدول من هذه الأمة برجال طبقة بعد طبقة إلى أن تقوم السـاعة، هم عترتي وقرين كتابي إلى أن تتجدد هذه الأمة وهذه الرسـالة تجديدا كاملا شـاملا، يوم تأتي رسـالة بيانه بجديد ربي في دوامه. وذلك يوم يتجدد للناس في الناس من الناس قديم عنوانه، يوم يبعث من خلاله، يوم يتجدد قديم إنسـانه بجديد إنسـانه حتى يعرف الناس معنى الإنسـان وكوثره في خالـده وأبتره، فيقدروا قيمة أنفسـهم بمعنى الإنسـان، ويدركوا فيجانبوا أنفسـهم في معنى الحيوان والشـيطان. إن فعلوا غيروا ما بأنفسـهم وعرفوا الله في أنفسـهم، أقرب إليهم من حبل الوريد، فقدروا الله حق قدره متعاليا مدانيا، بعيدا مقاربا، قلب كل شـيء، والظاهر بكل شـيء، والقائم بكل شـيء، وعلى كل شـيء. كل الأشـياء عليه علم وله معلوم ومنه أعلام. كل الأسـماء اسـمه أو هي أسـماؤه، وكل الأعلام وجهه أو هي أبناؤه، أينما تولوا فثم وجه الله.

إذا عرف صغير الإنسـان في كبير الإنسـان الأكبرَ وعينَ معناه عرف ربه في نفسـه، فعرفه عين كبيره وعين الأكبر وجها لهما وعنوانا عليهما، عرف الشـفع والوتر، عرف التجديد والتعديد والصمدية والتوحيد، عرف المتجلي والصمد، عرف الصفات والأحد، عرف الله ما ينسـخ من آية أو ينسـها يأتي بخير منها أو مثلها، عرف الله المتجلي في تجليه الدائم الباقي بجديده المتعالي بقديمه الناسـخ والمنسـوخ، الموجد والموجود، المتواجد والمشـهود، الغيب والشـهادة، الدنيا والآخرة، العاجلة والآجلة، الأولى والثانية. عرف الله بوجهه حيثما ولى، وعرف الله وراء كل ما ظهر. عـرف الله المــُخبر وحامل الخبر وعين الخبر والمدرك للخبر. عرف الله النبأ والمنبئ والمسـتقبل للنبأ وما وراء المنبئ وما وراء المسـتقبل للنبأ. عرف الله جديدا لا تتوقف جدته، وعرف الله قديما لا ينتهي تقادمه. عرف الله أزلا لا أزل له بآزاله، وعرف الله الذي لا أزل له أبدا لا ينتهي آباده، ولا يتوقف وصف الأبد له بتجلياته باقية أبدية. عرف الله إذا ما اتصف بالغيب، فهو الغيب، وغيب الغيب إلى ما لا نهاية له. وعرف الله إذا ما اتصف بالشـهادة، فهو الشـهادة وعين الشـهادة ما يظهر من الشـهادة مشـهودا بلا نهاية لتواجد للشـهادة. {والسـماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسـعون}[٦]، {أوليس الذي خلق السـموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم}[٧]، (خلقت كل شيء من أجلك فلا تتعب)[٨] يا من سـبق أن خلقتك من أجلي ولنفسـي، ولتصنع على عيني، وأنت يا من أخلقك لنفسـي لا تتعب، فكل شـيء ما خلق أو يخلق إلا لك ومن أجلك، ويوم تحقق لي ما خلقتك من أجله بيتا لنفسـي، أحقق لك ما تطلب وما تريد، من كون ودار عرضها السـموات والأرض ما خلقت إلا بيتا لنفسـك.

أيها البيت الصغير… أيها العالم الكبير، لا تسـتهن بأمر نفسـك وكن بإرادتك عالما كبيرا فإرادتك إرادة الله، وفعلك حكمة الله، وخَلقك تجلي الله، وخُلقك صفة الله، ومشـيئتك مشـيئة الله، {وما تشـاءون إلا أن يشـاء الله}[٩]. {والله خلقكم وما تعملون}[١٠]

إن البيت الموضوع ما زال موضوعا، والنور الذي أنزل معه ما زال متصلا بنزول لم يتوقف، والبعث لنفس البيت بأهله ما زال متصلا ببعث أصولها لها كلمات إليها منها حتى يأتي منها آدمها وأصلها مبعوثا من خـلالها من وراء ظهرها إلى قيام مشـهود لها وأمام وجهها، {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشـهدتهم على أنفسـهم}[١١]، حتى يجليها لوقتها وتشـرق الأرض بنور ربها وهي به في دوام مشـرقة ليصير ويوضع الكتاب وهو لقارئ موضوع، ويؤتى بالنبيين والشـهداء وما غابوا عن عالِم، ويقضى بينهم وما غاب قضاؤه عن تقي، ويحمد الله وما من شـيء إلا ويسـبح بحمده. يسـتعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشـفقون منها ويعلمون أنها الحق، وأن الحق على كل نفس قائم أدرك أو لم يدرك العقل، وأحسـت أو لم تحس النفس.

على هذا قام الإسـلام وبهذا يقوم الإسـلام ويتجدد، وبهذا قام المسـلم وبهذا يقوم المسـلم ويتعدد. إن الإسـلام وهو دين الفطرة قامت به الفطرة وجددته، حتى جدده خاتم النبيين وأول العابدين، كمال المعرفـة، وشـمول الرحمة، ونصب القدس، وبيت القبلة، ووجه الغيب، وحق الإنسـان للإنسـان بحقه في معنى الإنسـان، علما على معلومه عن المنزه المطلق الذي تنزه على الأسـماء والتسـمية بالفطري المسـمى، وتنزه على تغيير الذات والذاتية بعلم الفطرة بأزلي الإنسـان يظهر لأبدية في معاني الإنسـان فيه منه يتشـرف بأسـمائه، ويتواجد بذكره، ويتعالى ويتدانى بيوتا فيه، بعباد له منه إليه، أعلام عقول وألسـنة مقول يُقبلون عليه بالنداء، ويدبرون عنه بالحكمة، إلـه في السـماء، وإلـه في الغيب بإنسـان السـماء، وبإنسـان الغيب، وبإنسـان الشـهادة، هو إنسـان في الأرض، وإلـه في الأرض، قل جاء الحق وزهق الباطل، فمن عرف الحق في كل مكان، ومن عرف الحق في كل زمان، أقبل على الحق في نفسـه لا يغيبه، وفي عالمه وعن عالمه لا يبعده. ومن غاب عليه أمر الحق، ورأى في معناه عين الباطل، وفي عالمه عين الخدعة، فجانب ما رأى من الحق، وتعالى على ما عرف منه فأدبر عن الحق، بقضاء الحق وحكمته، بعث على ما هو عليه وجاءت سـكرة الموت بما عنه حاد. أما من لم يتثاقل إلى الأرض، وتعالى في السـماء انطلاقا إلى الروح في انطلاقها وحريتها، وإلى رحابة الوجود في الواسـع العليم بسـلطان الله فيه فلم يكن أمره فرطا، فإنما أدبر بحكمة الله عن محصور بيته، ومحصور عالمه، ومحصور قيامه المادي، وإن له إلى الأرض لإقبـال ورجعة، وإن له عما قامه من إدبار عنها، لإدبار عما هو إليه، في بعث إليها ومجيء لها، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسـماوات عنده، ويحن لتعريف قومه بما جعل الله له من تكريم، فيؤذن له فيأتي ليقول: هاؤمُ اقرأوا كتابيه بيتا موضوعا لبيت مرفوع.

هذا قانون من قوانين الفطرة، ومن قوانين الحيـاة، ومن قوانين الوجود، جاء به الإسـلام حتى يكون المدبرون من أهل المـادة من أهل الأرض على اسـتقامة في أمرهم بحكمة الله، وحتى يكون المبصرون في أنفسـهم، وحتى يكون طالبو الله في أنفسـهم وفي بيته من قلوبهم أقرب إليهم من حبل الوريد، في اسـتقامة في مسـلكهم.

إن الإسـلام، وقد أظهر الله رسـوله على الدين كله، فجاء لقومه بالدين كله وقال لهم لا يتخذ بعضكم بعضا أربابا من دون الله، إنها إن تكن مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة في السـموات أو في الأرض يأتي بها الله، إن الله واسـع عليم، رفع بعضكم فوق بعض درجات، سـيد القـوم خادمهم، إن الله قريب ممن قاربه، وإن الله بعيد عمن باعده، إن الله يبايع بنفسـه الناس على أنفسـهم، فإن عشـقوه قتلهم وكانت عليه ديتهم، ومن كانت عليه ديتهم كان هو ديتهم فكانوه، إن الله يحييهم بالموت، إن الله يميتهم عن أنفسـهم بالحيـاة، ما الموت إلا الحيـاة، وما الحيـاة إلا الموت في الحـي القيـوم، هو الحي في حيـاتك ما حييت به، وما نفسـك إلا الميت في الحي القيوم، إن الموت إنما هو معناك من عزلتك عَنه، واسـتقلالك عنه، فإن رددت إليه الدِّين وأمانته التي بها اسـتدانك وأدانك، وأرجعت للديان نفسـك، بارك لك فيما أعطاك، وملكك وعليه اسـتأمنك، فكنت وجها له، {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك}[١٢]. وها أنت وجه ربك تبقى ما أدركت هذا فبقيته على ما أنت في كوثرك بتكاثرك، وتفنى ما غفلت عن هذا فأفنيت نفسـك عن معناك وما أفنيت الله في معناك فهو الباقي والقديم بمعناه، في وصف وقائم قيام معناك، {والذين كفروا أعمالهم كسـراب بقيعة يحسـبه الظمآن ماء فإذا جاءه لم يجده شـيئا ووجد الله عنده}[١٣]. إن البقاء لربك بوجوهه والفناء لنفسـك في تكاثر خلقك فصلِّ لربك وانحر.

كل هذا جاء به الإسـلام، وكل هذا جاء به رسـول الفطرة وأمينها وعنوان الفطرة وعلمها، ظاهر الغيب من الإنسـان ومن الله، ذكـر الله المحدث بعينه لذكره القديم، يد الله عند الناس تمـد، ووجه الله للناس يشـرق، وحوض ماء الحيـاة فيهم منه يدوم ويمتد، ونور الحيـاة، ونور المعرفة، وروح الدوام، وروح الأبد والأزل. هذا هو رسـول الإسـلام وإنسـان الله وعبد الله، ورب الناس وملك الناس وإلـه الناس، ربَّهم فما عرفوه، ومَلكهم فما أطاعوه، وغاب عنهم ذاتا من ذوات وما آمنوه، وأبلغوا أن فيهم رسـول الله ففي أنفسـهم وفي معانيهم كفروه.

إنكم عوالم الله، هو لها رب وهو لله عبد ما آمنتم بالله ورسـوله في أنفسـكم. (ما عرفني غير ربي)[١٤]. صدقت يا حبيب الله، ومن ذا الذي يعرفك إن لم يؤمن بك ويهدى من الله إليك، فتكن أولى بـه من نفسـه ومن مالـه وولـده! {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسـهم}[١٥]، (أنا جـد كل تقي)[١٦]. إذا كان كائن البشـرية حقيقة جديرا أن يكون ابنا لآدم وهو له أب، فليعلم أن آدم كان جديدا لقديمه من الحق، فكان معنى ولده لجديده في الحق، فالرسـول لك مؤمنا جديدك وقديمك وجدك من قائمك، يوم يكون لك به ابن ولك به أب، يوم يكون لك بيت… يوم يكون لك من الوجود به أم وأهل. إن الرسـول لا يعرف من لا يعرف له أبا ولا أما. إنه لا يعرف من لا بيت له ولا أهل له. إن الذي يجعل بيته من المادة لا بيت له، والذي يجعل أباه من المادة لا أب له، والذي يجعل أمه وأهله من المادة لا أم ولا أهل له. إن الذي ينكر على المادة أن تكون له بيت، وله أهل وله أب، وله أم، فذاك هو اليتيم… يتيم الكون… ويتيم الكائنات… هذا هو الذي يصلح لأن يكون الله له أباه وأمه وأهله وبيته. ومن كان كذلك أمر الرسـول أن يجعله منه، على ما جعله الله منه… {فأما اليتيم فلا تقهر}[١٧]. وحال الرسـول يخاطبنا في دوام… وجدني يتيما فآواني فتواجد لي الأب والأم والبيت والأهل، وإني إن وجدت بينكم من أدرك اليتم فكان في هذا سـعادته فسـيجدني له من الله الأب والأم والأهل، كما يجدني منه إذ يجدني في جديده، إن فارق قديمه، وإن عرفني عرفني على ما يليق أن أعرف، وعلى ما يليق أن يعرف الله. ما عرفني من عرفني في قابليته وزعم قابليتي للعدم، وأنا الحي في قبري، وأنا الحي في وجودي، وأنا الحي في القلوب، من رآني فقد رآني حقا لا يموت ولا يغيب، {واعلموا أن فيكم رسـول الله}[١٨]،واعلموا أن الله أقرب إليكم من حبل الوريد، واعلموا أنكم في الله، واعلموا أن فيكم رسـول الله، ورسـول الله فيكم يطلب الله أنتم فيه، واللَـه أنتم فيه يطلب عبده فيكم، فأنتم تحولون بين العبد وربه بغفلتكم وبمادي قيامكم، والله يحول بين المرء وقلبه فيكم، ما حلتم بين عبده فيكم وربه عليكم بمادي قيامكم. أسـقطوا أسـوار قيامكم بين العبد وربه، يسـقط الله الحواجز بين عقولكم وقلوبكم، فتعرفون الله أنتم وتعرفون الله في معناكم، وتعرفونكم في الله لا مخرج لكم منه، ولا حيلولة بينكم عنه، إن فعلتم فكنتم، فهذا هو الإسـلام، يوم تشـهدون أنه لا إلـه إلا الله، ويوم تعلمون أن فيكم رسـول الله فتشـهدون أن محمدا رسـول الله.

اللهم يا من أظهرت محمدا على الدين كله به علمنا.

اللهم يا من أوجدته وتواجدته وآويته، به أوجدنا وتواجدنا وآونا.

اللهم يا من أبلغتنا أن فينا رسـول الله، اللهم به فابعثنا، وبه فانشـرنا، وفينا فانشـره وبنا فأعلمه.

اللهم يا من رفعت ذكره، وغفرت ذنبه، وأعليت بيته، ولم تجعل لبشـر الخلد من قبله فأخلدته يوم كثرته وجددته، وبالحق أبقيته ونشـرته وبالكوثر دثرته… اللهم به فأحينا، واجعل منا له دثـارا، واجعل به لنا منارا، وبه دثرنا وبنا دثره، وبه فأعلنا وبنا فأعله، وإلى بيته فآونا وبيتا له فارفعنا، وبيوتا له فضعنا، يا من علَّمت هذا وهديت إليه، اهدنا واهدِ بنا، ويا من أعطيت كل شـيء خلقه، قدرنا على خلق أنفسـنا، ويا من قدرت فهديت قدرنا على الاهتداء بك إليك فينا، وعلى الدخول عليك بمشـيئتنا نعلمها مشـيئتك. خلصنا من الشـرك بك، وارجعنا لأنفسـنا إليك موحدين مؤمنين أوابين مسـتغفرين، وبرحمتك فارحمنا يا أرحم الراحمين.

أضواء على الطريق

{إن الله لا يغفر أن يشـرك به}[١٩]

{وهو معكم أين ما كنتم}[٢٠]

{قائم على كل نفس بما كسـبت}[٢١]

{ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}[٢٢]

{والله من ورائهم محيـــــط}[٢٣]

(ما ظهرت في شـيء مثل ظهوري في الإنسـان)[٢٤]

(ازرع كلمة الله في أرض ناسـوتك)[٢٥].

{قل جاء الحق…}[٢٦] {… ووجد الله عنده}[٢٧]

{والذين آمنوا بما أنزل على محمد وهو الحق…}[٢٨]

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. حديث شريف: “المسلمُ أخو المسلمِ، لا يخونُه، ولا يكذِّبُه، ولا يخذُلْه، كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ، عِرضُه، ومالُه، ودمُه، التقوى ها هنا وأشار إلى القلبِ بحسْبِ أمرئ من الشرِّ أن يحقِرَ أخاه المسلمَ”. أخرجه الترمذي باختلاف يسير، وأخرجه مسلم مختصرا. ↩︎

  2. قال أبو بكر: “ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته”. صحيح البخاري. ↩︎

  3. عن علي ابن أبي طالب قال: سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سنته فقال: المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة. ذكره الغزالي في الإحياء، والقاضي عياض في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ومعظم المتصوفة. ↩︎

  4. من حديث شريف: “حياتي خيرٌ لكم تُحدِّثونَ ويُحدَّثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم فما رأَيْتُ من خيرٍ حمِدْتُ اللهَ عليه، وما رأَيْتُ من شرٍّ استغفَرْتُ اللهَ لكم”. أخرجه النسائي والطبراني. ↩︎

  5. من الحديث الشريف: “لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم مَن خالفَهُم؛ إلَّا ما أصابَهُم مِن لأواءَ حتَّى يأتيَهُم أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وأينَ هُم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأَكْنافِ بيتِ المقدسِ”. أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. ↩︎

  6. سورة لذاريات ٤٧ ↩︎

  7. سورة يس - ٨١ ↩︎

  8. استلهاما مما جاء في بعض الآثار: يقول تعالى: ابن آدم، خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء. وذكرهما كذلك المناوي في فيض القدير.  قائلا: “ولم نعثر بعد البحث على عزوهما للنبي صلى الله عليه وسلم فلعلهما مما روي عن أهل الكتاب.” ↩︎

  9. سورة الإنسان -٣٠ ↩︎

  10. سورة الصافات - ٩٦ ↩︎

  11. سورة الأعراف - ١٧٢" ↩︎

  12. سورة الرحمن - ٢٦-٢٧ ↩︎

  13. سورة النور - ٣٩ ↩︎

  14. حديث شريف ذكره بعض المتصوفة ومنهم الشيخ الكتاني بلفظ “ما عرفني حقيقة إلا ربي.” ↩︎

  15. سورة الأحزاب - ٦ ↩︎

  16. إشارة إلى الحديث الشريف: "سُئِل رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم مَن آلُ محمَّدٍ فقال كلُّ تقيٍّ وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ}. أخرجه الطحاوي في ((أحكام القرآن)) مختصراً، والعقيلي في ((الضعفاء الكبير))، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) باختلاف يسير. ↩︎

  17. سورة الضحى - ٩ ↩︎

  18. سورة الحجرات - ٧ ↩︎

  19. سورة النساء - ٤٨ , سورة النساء - ١١٦ ↩︎

  20. سورة الحديد ٤ ↩︎

  21. سورة الرعد - ٣٣ ↩︎

  22. سورة ق - ١٦ ↩︎

  23. سورة البروج - ٢٠ ↩︎

  24. عبارة صوفية متناغمة مع الآيات الشريفة التي جاء فيه أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض. ↩︎

  25. استلهاما من تعاليم السيد المسيح وهو يدعو حوارييه أن يزرعوا “الكلمة” أي كلمة الله، أي المسيح في أرض ذواتهم. ↩︎

  26. سورة سبأ- ٤٩ ↩︎

  27. سورة النور - ٣٩ ↩︎

  28. سورة محمد - ٢ ↩︎