(١٠)
الساعة والقيامة
عِلمٌ وعَلمٌ، بحق وكلم
حديث الجمعة
٢٤ ربيع الأول ١٣٨٢ هـ - ٢٤ أغسطس ١٩٦٢ م
موجودة، قائمة مشـهودة. يؤمن بها من يؤمن بالله، ويشـهدها من يتطلع إلى وجه الله، معلومة في العلم عنـه، موجودة في الوجود له، قائمة في القيام به، يسـتعجل بها لنفسـه من لا يؤمن بها، والذين آمنوا بها في أنفسـهم مشـفقون منها، ويعلمون أنها الحق.
إنه لعلم للسـاعة. إنه عِلمها وعَلمها. ذلك من كان تمام الكلمة وقيامها. بدأها عيسـى من آدم، وواصلها محمد لآدم، ويتمها محمود المقام لهما الإنسـان الآدم، بمولد قدم لمن كان لهما أصلا هما مسـيحه، وكانا له في جديد منه أصلا هو مسـيح لهما، قيوم بهما بمجيء من كان لهما أبا في جديد مولد بهما، ومن كانا له ولدا في قديم ومعلوم مولد به لهما. إن الكلمة لله في تمامها لا تعرف لمعناها وصف الوالد والولد. وتجمع لمظاهرها وصف الوالد والولد. وتنزه بمعناها بحقها عن الوالد والولد. فهي تظهر بالوالد كما تظهر بالولد. وهي قيام والد وما ولد في قيام من جمع وبيوت وبلد. كانها من كان حِلًّا في البلد، وفي والد وما ولد. كان كلمة الله، وبيت الله، ومدينة الله، وعبودية الله، وروح الله، وآدم الله، وأوادم الله، وأمـة المصطفين من أبناء أوادم الله عبادا مكرمين. كان معنى لأولية عباد وقع عليهم اصطفاء للدوام من بين خلق وعباد للنشـأة والحطام، وكان تمام الكلمة لكلمات من بين كلمات تهيأت لطلب المعرفة والرشـاد. {يجتبي إليه من يشـاء ويهدي إليه من ينيب}[١]. إنه علم السـاعة وعلمها، وتمام الكلمة وقيامها، إنما هو دورة آدم بسـلام بين سـفوره وكنزيته، إنه يوم الله وليلة الله، يوم يسـفر فتشـرق شـمس وجهه بقيام، أو يتكنز فتغرب شـمس وجهه ليأتي ليل سـكينته بسـلام.
إن الأرض بدورتها حول نفسـها يتخلَّق عند أبعاضها من مقابلتها للشـمس وعزوفها عنها دورة الليل والنـهار دائبين، سـرمديين، أزليين، أبديين، لا يتوقف لهما تلاحق، ولا ينقطع لهما تتابع. يتواجدان معا على هذه الأرض باجتماع لا ينفصل، وتتابع منتظم متصل، لا الليل سـابق النهار، ولا النهار متخلف عن الليل. الأرض في حاجة لهما، وفي اسـتقامة بهما. ومن إلـه غير الله يأتيكم بليل تسـكنون فيه إذا أرسـل عليكم النهار سـرمدا. ومن إلـه غير الله يأتيكم بنهار تعيشـون فيه، وتعملون فيه إن أرسـل عليكم الليل سـرمدا، وهو لذلك فاعل في عوالم غير عالمكم. إنها نعمة الله عليكم في تعاقب ليله ونهاره، يتعاقبان على أبعاض الأرض جزءا بعد جزء، يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل على تداخل واختلاف في الدرجة من الإظلام والإنارة، وعلى اختلاف في الزمن من الطول والقصر. ما أشـبه الليل والنهار بدنيي الإنسـان من منظور دنياه، ومن آجل دناه، بحاضر دنياه، وبغائب دناه، بقائم دنياه، وبآتي دناه، الدنيا والآخرة، الأولى والثانية، العاجلة والآجلة، اليوم وغده، الليل ونهاره، النهار وليله. قد تكون في عاجلتك في نهارك، وفي آجلتك في ليلك. وقد تكون في عاجلتك في ليلك، وفي آجلتك في نهارك. إن الليل والنهار يتعاقبان عليـك أيها الأرض الصغيرة. وإن الليل والنهار معك على دوام أيها الكوكب الصغير. يسـتهلكانك أو يتواجدانك، ويرببانك أو يملكانك أو يُملكانك، يَسـودانك أو يُسـوِّدانك.
إنك بداخلك وبخارجك بين ليلك ونهارك، بين عاجلتك وآجلتك. وفي أنفسـكم أفلا تبصرون، سـلام هي حتى مطلع الفجر، ارجع البصر كرتين، باحثا منقبا عن هدفك في طلب معروفـك من أمر ربك. إن صدقت، إن اجتهدت، إن حاولت، انعكس إليك أمر الله الذي تطلب، فوجدتك أمر الله الذي يقوم، ينقلب إليك البصر خاسـئا وهو حسـير. ترى الله معك، تراك في أمـرك معية الله، وباطن الله، وظاهر الله، في ظهور أمرك، وفي بطون أمرك. إن كنت كذلك، قامت قيامتك، بقيام الحق بك، وجها له من ورائك محيط، ويدا له بها فاعل قابض، وقدما له بها على الأرض يدب، وعليها يسـير، وعبر الزمن للزمن يقطـع، وصحت نسـبتك إلى أبيك وصلحت لتكون ابنـا للإنسـان، فترى من يكون الإنسـان، ومن يكون آدمه، ومن يكون أبناؤه، ومن يكون بنـو آدم. إن أرض الإنسـان أو ذات الإنسـان المراد بمعنى الإنسـان في حقيقته إنما هي كائن يعيش الكون بشموسـه، وكواكبه، وأقماره، وسـدمه في داخلها، في مقابلة لشـمس ربه.
إنه لعلم للسـاعة، وعلم عليها، ذلك من تواجد كلمة الله وتمامها، وخرج للناس كلمة الله وقيامها. يشـهده الناس يدا لله مبايعة، ووجها لله مشـرقا، وحوضا لله مورودا. عرفه لنفسـه من كانه محمدا، ومن كانه كلمة الله، ومن كانه آدم الله، ومن كانه عبد الله، أو من هو قائمه عبدا لله، ومن كان مرجـوه في تكاثر لا يخـرج عن وصف العبد لله والوجه له واليد منه، حتى يدرك بالأرض له في معنـاه لمشـرق الشـمس عليها، فيعرف عن مغرب أرضـه بمغرب الشـمس عنها، لا شـروق ولا غروب، ولا غروب ولا شـروق، ولكنها الحركة ولكنها الحيـاة. ظاهر الغروب كامن فيه شـروق، وباطن الشـروق يظهره غروب. أي ظاهر الغروب باطنه شـروق، كما أن باطن الشـروق غروب. إن الليل لا ظهور له إذا طواه النهار، وإن النهار لا ظهور له إذا طواه الليل. ولكن الليل وإن طواه النهار لا انعدام له، وإن النهار وإن طواه الليل لا فناء له. إن الليل والنهار أمران لله، وأمران في الله، وأمران في الإنسـان، بالله يقومان، وبالله يتجددان، وبالله يبطنان، وبالله يظهران ما بين ظاهر وباطن من كيان، ما بين خلق وحق، ما بين عبد ورب. العبد ظاهر الرب إذا قام عبدا، والعبد باطن الرب إذا قام ربا. العبد بالرب يعمل، وبالرب يقدر، وبالرب يسـعى، وبالرب ينطق، ولأمر الرب يكتم، وهو للرب وجه، وهو للرب يد، وهو للرب عين، وهو للرب قدم يسـير. والرب بالعبد يظهر، وللعبد يعرف ويعرف، وإليه يتعارف، وبالعبد يترقى ومعه يعرف، لا فرق بين العبد والرب في إنسـان الله، يوم يقوم الإنسـان بوصف ذكر الله باطنه رب وظاهره عبد، أو ظاهـره رب وباطنه عبد. (اسـتمهلت حتى يصلي ربي)[٢] (بل الرفيق الأعلى)[٣]… - عبد يحجب ربا - رب يحجب عبدا-.
هذا ما جاء به محمد عليه السـلام، وهذا ما قام به محمد عليه السـلام، وهذا ما هو به قائم محمد عليـه السـلام، وهذا ما سـيبقى به قائم محمد عليه السـلام، وهذا ما كان به محمد في قديم قائما، في قديم لا يدرك، وسـيبقى به في أبد لا ينتهي، وسـينمو به ويتعالى به ويتدانى به في تواجد لا ينقطع، وإشـراق لا يغيب عن الأرض. جعلت الشـمس عليه دليلا، ولكنه يسـير في الأرض بين مشـرقها ومغربها، لا بل تدور فيه الأرض زويت له مسـجدا وطهورا، شـرقها حيث يشـرق، وغـربها حيث يغرب. لا… إنه شمسـها تسـتقبله فيتواجد الشـروق، وتدبر عنه فينفلق ليومها الغروب، نجما بالعلم وسـلطانه إلى الأرض هوى، وبكتاب الله عليها قام، وبالحق فيه لها طوى. قامه الحق فكان يوم ندائه، وليل سـكينته، وفجر رحمته، ونهار نعمائه، يطوي النفوس المحترقة في الله بليل سـكينته فتهجـع وتهدأ وتسـكن، كما كان النهار المشـرق لله يطوي النفوس الخامدة، ماتت بعد حيـاة، فيشـعلها جذوة مشـرقة بنار الله، بنار قدس الله، فتتألق وتحترق، ويصدر عنها نـور الله، ينشـئها فيما لا تعلم وفيما تعلم، وقد أوجدها مما تعلم ومما لا تعلم، وأقـامها فيما لا تعلم حتى تعلم لما لا تعلم، ويتوفر لها حقي العلم بما تعلم. الظاهر مرآة الباطن… من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم… اتقوا الله ويعلمكم الله… انظروكم ضالين يأخذ بأيديكم الـهادي والـهادين… اعلموكم مفتقرين يأخذ بيدكم صاحب الحوض والواردين. على أسـاس من هذا يقوم الدين، وعلى غفلة عنه وعلى مخاصمة له يُهدَم الدين، وتُظلِم قلوب الكافرين، وتطفأ عقول الغافلين، ويتخلى النور، ويطبق الظلام، ويتخلى الليل بسـكينته، ويتخلى النهار بجلوتـه عن طالبي العدم، ويتحقق لهم بإرادتهم من إرادة الله كانوها لأمرهم العدم ومعاني العدم. إن الله غير عاجز أن يحقق طلب الطالبين بالحيـاة لأنفسـهم أو بالعدم لأنفسـهم، بالبقاء لحيـاتهم أو بالتخلي عن الحيـاة لبقائهم. إن الله على كل شـيء قدير وليس الناس بمعجزيه يوم يطلبـون ما يطلبون، فقدرته إنما هي في تحقيق ما يشـاءون، كن كيف شـئت فإن الله كيفما تكون يكون، وما تشـاءون إلا أن يشـاء الله ما تشـاءون. إن العباد والخلائق لهم لا يحققون لله طلبا فلا طلب له عندهم، ولكنه يحقق لهم ما يطلبون وهم الفقراء إليه.
إذا لم يقم على هذا فقه الدين فلا فقه للدين. وإذا لم تقم على هذا حكمة الدين فلا عمد للدين. وإذا لم يسـقَ من هذا بماء اليقين فلا حوض يورد للدين. إن الدين أن تعرف جوهر الحيـاة ومعنى الحيـاة، وأن الطريق أن تسـلك سـبيلك إلى موارد الحيـاة فتردها فتحيا باسـم الله ذكرا لله وبيتا لله.
من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. إن الزحزحة عن النار إنما هي في دنيا قيامك، وإنما هي في حاضر فعلك يوم تتعرض لنفحات الله في عصرك وفي قائم حيـاتك، وما نفحات الله إلا عباد الرحمن على الأرض يمشـون عليها هونا، وما نفحات الله إلا عباد الرحمن يدبون على الأرض في قيامك رسـلا من أنفسـكم يفتحون لكم كنوز قلوبكم. (إن لله كنوزا مفاتيحها الرجال)[٤]… المؤمن مرآة المؤمن… (خلفت الله عليكم)[٥]، {قائم على كل نفس بما كسـبت}[٦] فلا إنباء ولا نبوة بعد اليوم عن قائم موجود في العيان وفي الشـهود…
رجال هم مصابيح الطريق، يعرفون مسـالك السـلامة، {الرحمن فاسـأل به خبيرا}[٧]، {قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٨]. {أتأمرون الناس بالبر، وتنسـون أنفسـكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون}[٩]. {مثل الذين حملوا التوراة [من قبلكم] ثم لم يحملوها [مثلهم] كمثل الحمـار يحمل أسـفارا}[١٠]، وقد حملتم الكتاب والسـنة من بعدهم وها أنتم لم تحملوها، ترككم الرسـول على المحجة البيضاء، كتاب الله وعترته، وقال لكم إن هذه المحجـة البيضاء سـينالـها الغبار ويعلوها الصدأ من فعلكم وغفلتكم وتحريفكم الكلم عن مواضعـه، وسـيبعث الله على رأس كل قرن من يجدد لكم أمور دينكم. وها قد مضت أربعة عشـر قرنـا، وكلما جدد الله على رأس كل قرن، وعلى رأس كل جيل من الناس، وعلى رأس كل أمة من قومه في قرون متداخلة، وأجيال من الناس متشـابكة متداخلة، في أوطان متجاورة ومتباعدة، لحِق به أناس وتخلف عنه أناس، ترفعون طبقا فوق طبق كما تردون إلى الأرض طبقا بعد طبق، تبعثون على الأرض طبقات، وتتخلون عنها طبقات، وكلما جاءها قرن، وكلما جاءتها طبقة، وكلما جـاءها جيل، وكلما تداخل جيل بليله في جيل بنهاره، وكلما أولج جيل بنهاره، في جيل بليلـه، وكلما تداخل ليل جيل بنهاره، أو ناره بليله، تواجد الإنسـان في طريق كمالـه، وفي اسـتقامة أحوالـه، في الأرض مزواة له.
جعل الله من محمد مثالا وقدوة، كما جعل به للناس أسـوة وقدوة ارتضاها، ولنفسـه في نفسـها هداها ويهديها أمرها، ومن الناس رحمة منه ما ميزها إلا بما أعطاها، وجعل في عطائها البشـري لمن والاهـا. جعل منها قدوة وجعل من قسـوة الحيـاة في قيامها بها وصبرها لله في أمرها أسـوة، حتى يصبر الناس لأمر الحيـاة في أمرهم {خلقنا الإنسـان في كبد}[١١]. وما كانت المشـقة به إلا تذكرة لمن يخشـى. فما كان بقديمه في حاجة لسـعي، وما كان في حاجة لتمام، فقد تمت به له في قديم كلمة ربه، وكان مثالا لتمام أبيه وربه، واصطفاء الأعلى له ليكون عضده وعبده، وقد سـوى به بين العبد وربه فجعل من الولد رفيقا للوالد حبيبان وخليلان فيه، فرأى الوالد في الولـد كما رأى الولد في الوالد وجه الرفيق الأعلى له، فطلب الذكر القديم للذكر المحدث إن شـاء أن يبقى كلمة الله في الأرض أبدا وإن شـاء رده إلى الأعلى لهما عبدا وولدا، فطلب المرجع للأعلى، فأعطي الكوثر حتى لا يتخلى عن الأرض بقدوته ومعناه في كوثره ومبناه، حتى يجدد نفسـه بكمالـه وجميع أحوالـه، حتى لا تسـلب الأرض عطاءها من الرحمة به، فاسـتعان بربه على أن يسـوي جديده بقادمه بحاضره لقديمه، {ربِ لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين}[١٢]، فأجاب سـؤله كما أجـاب موسـى من قبل، وأمره بالصبر والصلاة وأهله حتى يطبق القانون بمحدثه، فعرف أنه حي في قبره وقد ارتضى ربه لنفسـه ولده وجديده منه وليا، ولعين معناه تقبله فصار له خليلا وعليه دليلا فطلب من ربه له ما عرف مما به شَـرُف فعبده لنفسـه على ما عبده، وصنعه لنفسـه على ما صنعه. كيف لا وهو الولـد الذي رأى فيه الوالـد وجه الأعلى مرآة له، فسـألـه أن يجعله منه في جديد متكاثر مرآة له، وأن يجعله له منه لنفسـه لمن يؤاخيه عين معناه، وطلب أنـه من خلالـه يتكاثر بنفسـه ويحيـاه بعثا لآبائه بالأكبر من عطائه، فأجيب سـؤله وقام بالله أمره في أمر بيته وولده وعترته، وجعل الله ذريته في ظهر عَلِّيه، وجعل من زهرائه أم أبيها في أبنائه قدوة للناس وربا للناس من رب الناس في رب الناس.
أحاط بالأرض وزويت له، وجعلت له مسـجدا وطهرت له، وقيل له يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخـذ فيهم حسـنى، وقد أظهره ربـه على الدين كله فقال أمة مذنبة ورب غفور، ما أرسـلتُ إلا رحمة للعالمين وإني لا أُدين أبدا، اذهبوا فأنتم الطلقاء، وسـأبقى حيـا في قبري في جوار الرفيق الأعلَى لا مكان له، تعرض عليّ أعمالكم فإن وجدت خيرا حمدت الله وإن وجدت شـرا اسـتغفرت لكم. وإني لتارك فيكم ذا قرنيها من أنفسـكم دائم متجدد بدوامكم وتجدد أجيالكم. (أما يرضيك يا علي أن تكون أنت أخي، أنت مني بمنزلة هارون مِن موسى)[١٣]، بل عباد مكرمون. إن لله عبادا يغبطهم النبيون والشـهداء على مكانتهم من الله يوم القيامة.
لم يتعالَ على الناس بمكانته من ربه، وخفض جناح الذل وهو العزيز الممكن رحمة بالناس، ولم يظهر بجبروت سـلطانه وهو القوي، ولم تمتـد يده بطغيان حتى على أهل الطغيان، ولم تمشـي قدمه بغير الحق حتى بين أهل البهتان منزهة عن مقابلة البهتان ببهتان، حتى إذا ما تحقق له النصر وطوى الأرض وعلاها، لم يمشي مرحا ولا مختالا ولا فخورا بإحسـان على ثراها.
تخلق بخلق الله، فأثنى عليه الله {وإنك لعلى خلق عظيم}[١٤]، فقال بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، فلما تكشـف القانـون في قوله تعالى {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسـنا}[١٥]… وقد كان في المرتبة وتجاوزها قال مالي والدنيا، أنا في الدنيا عابر سـبيل اسـتظل بظل شـجرة ثم مضى، وإني لماضٍ، خلفت الله عليكم وقد عرفتم أنه القائم على كل نفس، وتركت فيه منه بينكم عبـدا له ورسـولا من أنفسـكم أخًا لي وإماما لكم ووليا عليكم، يا عليّ أنت ذو قرنيها، فمن كنت مولاه فعَليٌّ مولاه، وما أنا عليكم بوكيل إلا من آمن بالله وعرفني رسـولا له. وسـألقاكم مرة أخرى يوم أولد منه. إني أرى فيه في مرآة الأخوة وجه أبي، وإنه ليراني في مرآة من أبنائه وجه أبوته، فعليّ مني وأنا من عليّ، وولده مني وأنا من ولده. كل بني امرئ يدعون إلى أبيهم إلا بنو فاطمة فأنا وليهم وأنا أبوهم، أنا من حسـين وحسـين مني، وأنا من حسـن وحسـن مني - أعطيت جوامع الكلم - روحي وشـجرتي ونفسـي وأم أبيها وعذراء وجودي ومعنى موجودي. إنهم أهل البيت الموضـوع بي لكم، إنهم الحـوض المورود للمؤمنين منكم، إنهم الوجه المشـهود للعارفين من بينكم، إنهم الحق المقصود في قبلة صلاتكم ومطاف حجكم، حجبته عنكم غشـاوة الجحود، وغشـاوة الكبرياء، وغشـاوة الغفلة، وظلام الشـرك. إنهم أهل البيت يوم ينفخ خلال أسـوار ذواتكم وفي بيوت قلوبكم من روحـه، فتشـهدون وجه القلوب الحية وجوها لله، والبيوت المطهرة بيوتا لله بعيون بصائركم.
إنهم عباد الرحمن، إنهم عترة القرآن، إنهم كوثر الإنسـان، إنهم بيوت الله يذكر فيها اسـمه، موضوعة أو مرفوعة، إنهم أسـماء الله في الذكر القديم تقوم بالذكر المحدث باسـم الله الرحمن الرحيم. إنهم سـفن النجاة، إنهم موارد الحيـاة، إنهم أبواب السـماء، إنهم عيون الأرض بالجزاء أو الابتلاء، إنهم يد الله منبسـطة بالرضاء، إنهم قدم الله بالسـعي للعطاء جزاءً وفاقا لأهل الصدق والرجاء.
هذا في دين محمد، هذا في دين الإسـلام، هذا أمر هذا الدين يوم يقوم لهذا الدين أمر. هذا هو الطريق المسـتقيم يـوم يسـتقيم الناس في حيـاتهم، ويسـتقيم الناس في دينهم. هذا عَلَمُ الدين يوم يقوم للدين عَلَم، وهذا عِلم الدين يوم يقرأ للدين كتاب. ولكن ماذا كان من أمرنا في قديم؟ وماذا كان من أمرنا في قائم؟ وترى ما يكون من أمرنا في قادم؟ هل ندرك؟ هل نسـتيقظ؟ وما نحن في قائم إلا بعثا بجديد لقديم من الظلام ما قامت فيه حيـاة، وما قام فيه نور، وما قام فيه رجاء. هل سـنقول كما قال آباؤنا قبل الإرسـال، وقبل الرسـالة، وما عادوا إليه بعد الإرسـال وبعد الرسـالة إنا وجدنـا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتفون؟ فها نحن الأمويين، وها نحن العباسـيين، نحن الـهاشـميين، وها نحن العثمانيين، وها نحن العرب والمسـتعربين، فأين هم المسـلمون؟ أين هم المؤمنون؟ أين هم الموحدون؟ إن الآباء والأجداد بعملهم تحت نظر الأبناء يوم يتفكرون، ويوم يسـتيقظون وإلى أنفسـهم يتوجهون، يرون أنهم على ضلالة وعلى غير هدى يقومون. إن ركب الحيـاة في تقدم وارتقاء وهم في تخلف وبـلاء، فالناس إلى الأمام بالعلم يسـيرون، وهم بالجهل إلى الخلف يتقدمون فلا يميزون بين الخبيث والطيب مما ورثوا، بل ما تكشـف لهم من الحق كلما تجـدد بينهم الدين يتجنبون. وبكل رذيلة من قديم يتمسـكون. وكيف قـام هذا الخبيث من الأمر في حيـاتهم لا يتبصرون. الحلال بين والحرام بين ولكنهم مع الآباء في إصرار من العناد يعمهون، وسـيرا إلى حيـاة الأبناء بجهلهم وفسـادهم يسـرون، لا أنفسـهم يصلحون ولا أبناءهم للقدر يتركون، والجهل على الأرض الطيبة يفرضون. وما جعل الله كمال العلم به فرضـا على المؤمنين فما كلف نفسـا إلا وسـعها من المسـلمين. من شـاء فليؤمن ومن شـاء فليكفر، لا إكراه في الدين. فلا يخلفون من بينهم ولا يتركون من بعدهم إلا الضالين هم لهم مضلين، وسـحبا من فسـاد وظلام عن الأرض بأشـباحهم لا روح فيها يتصاعدون، فيفسـدون السـماء بعد أن كانوا في الأرض من المفسـدين وبفسـادهم يبعثون.
إن الله لا يقبل السـجناء في المادة ولا الأسـرى للمادة، لا يقبل الجهلاء ولا المسـتكبرين، ولكن الله يفتح ذراعيه بالقبول والرضا لمن تأمل وتفكر فيه بحرية كاملة ولو انتهت إلى الحيرة فيه، أو إلى الشـك فيـه، أو إلى الكفر به، أو الإنكار عليه. إن الفكر الطليق المتحرر الباحث عن الله لا يحيط بالله، ولكنه يحمل نفسـه ما لا تطيق فيشـق عليه الأمر. فإذا رد الأمر إلى نفسـه وطلب إلى عقلـه أن يقرأ كتاب نفسـه، وأن يتردد بالنظر إلى نفسـه لوجد ربه ووجد نفسـه، وعرفها خصيما لله بوهم ربوبيتها في عزلة عنه بعزته. ويوم يعرفها على ما هي من معاني الخلق من معاني الأرض والسـماء، ويدركها جهـازا لخـالقها وخالق السـموات والأرض. يوم يعرف ذلك، يدركه له خلقا وعبدا، ويعرفها له كرسـيا وعرشـا، فيكون بها في الله بيتا وربا، فيسـير إلى حضرة الله ويسـير في الله، في حاضر من قيام، وفي موجود من قائم بسـلام، وهنا يعمل العقل، وتسـتيقظ النفس. وهذه هي المجاهدة في الواسـع العليم وعد معها بالـهدى منه في ارتداد العقل إلى نفسـه في نوراني أمره سـبيلا لله. يا أيها الإنسـان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه، إذا سـألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فليؤمنوا بي وليسـتجيبوا لي لعلهم يرشـدون. ويوم قال الرسـول (خلفت الله عليكم)[١٦]، وقال الله هو خـاتم النبيين، وقال الرسـول (علماء أمتي كأنبياء بني إسـرائيل)[١٧]، انتهى الإنباء وقد كشـف الغطاء، {فأينما تولوا فثم وجه الله}[١٨]. {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسـئا وهو حسـير}[١٩] {فكشـفنا عنك غطاءك}[٢٠] (لا تزال طائفة من أمتي قائمون على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم السـاعة)[٢١].
كل هذا قالـه الرسـول. وكل هذا جاء به الكتاب. وكل هذا تجدد بيننا المرة بعد المرة، والكلمة بعد الكلمة، وتجاهلناه من الله، {من يهدِ الله فهو المهتدِ}[٢٢]. وتجاهلناه أنفسـنا به، وأنكرنا على من كانه وقلنا: أآلـهتنا خير أم هو؟ وتعلقنا بأربابنا مما تهوى أنفسـنا من عاجل أمرنا، وما تهوى أنفسـنا من ذليل أمرنا ممن نقيم على أنفسـنا، أو نتخذ أربابا ممن جعلتهم الفطرة زينة الحيـاة الدنيا، نتخذهم من دون الله فيمن نختار سـواء لدنانا أو لديننا ليكونوا قدوة لنا، وعنوانا لملئنا، مما هدم الدين بيننا وما هدم كياننا، وأفسـد علينا مزرعتنا من دنيانا وانفرط معه عقدنا من أمرنا، في بعد عن رب لنا هو معنا يرعانـا ويجمعنا. نسـأل الله المغفرة والعفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، لنا ولآبائنا، وأن يصلح للحق منه أبناءنا.
اللهم إنا قد فرطنا في أمرنا، وغفلنا عن أنفسـنا، وتركنا لمعاني النفس فينا قياد عقولنا، فانعكس في الحق أمرنا، وانكببنا نسـير على وجوهنا، وانفرط في الحيـاة عقدنا، وتلاشـى فيها قيامنا إلا من رحم. اللهم بحقك معنا فوجهنا، وبه فأحينا، وابعث فينا كلمة الحق لنا، وبكلمة الحق فأقمنا، وبها ألف بين قلوبنا، ووحد جمعنا، وألف نفوسـنا وقيامنا، وعلى قلب كلمة لك فاجمعنا، وبها فابعثنا، وبها فانشـرنا وارحمنا، واجعل منا يد رحمة منبسـطة، ويد عزة واقية، ويد نعمة شـافية، ويد قدرة دافعة ماحية محيية.
اللهم اجعل نطقك على ألسـنتنا مسـتقيما، واجعل صوتك في آذاننا رحيما، وقنا شـر القوارع وشـرور أنفسـنا، واهدنا حكاما ومحكومين، وارحمنا يقظين وغافلين، وخذ بنواصينا إلى الخير أجمعين.
أضواء على الطريق
(إني أحثكم دائما على أن تتذكروا الحقائق الروحية الأسـاسـية. ابنوا عليها ديانتكم وفلسـفتكم وأخلاقكم وضميركم. ما لدينا هو الحق البسـيط. إن الذين يرون بعيون الروح يرون ما وراء حدود فواصل الجنس أو الوطن أو المناخ أو اللون أو المذهب أو الزمن، ويتبصرون عقدة الروح التي تربط كل البشـرية في وحدة).
من هدي الروح المرشـد (برش)
مصادر التوثيق والتحقيق
سورة الشورى - ١٣ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
من حديث أخرجه البخاري ومسلم عن لحظات انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، فجاء له ملك الموت وقال: السلام عليك، يا رسول الله أرسلني الله أخيرك بين البقاء في الدنيا وبين أن تلحق بالله فقال: النبي صلى الله عليه وسلم، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى…" ↩︎
حكمة مأثورة تتناغم مع الحديث الشريف: “إنَّ من الناس مَفاتيح للخير مَغاليق للشَّرِّ، فطُوبَى لِمَن جعَل الله مَفاتيح الخير على يدَيْه، ووَيْلٌ لِمَن جعَل الله مفاتيح الشَّرِّ على يدَيْه.” أخرجه ابن ماجه في سننه، وهكذا صححه ابن حبان. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
سورة الرعد - ٣٣ ↩︎
سورة الفرقان -٥٩ ↩︎
سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎
سورة البقرة - ٤٤ ↩︎
سورة الجمعة - ٥ ↩︎
سورة البلد - ٤ ↩︎
سورة الأنبياء - ٨٩ ↩︎
العبارة تشير إلى أكثر من حديث شريف موجه من الرسول صلى الله عليه وسلم لسيدنا علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه: ١- الحديث الشريف حين آخى رسول الله عليه الصلاة والسلام بين أصحابه بعد الهجرة، فقال لسيدنا عليّ: “أنت أخي في الدنيا والآخرة.”. أخرجه الترمذي، وابن عدي، والحاكم. ٢- الحديث الشريف: “أنت مِنِّي بمَنزلَةِ هارونَ مِن موسى إلا أنَّه ليس بَعدي نَبيٌّ”. صحيح مسلم وصحيح البخاري. ↩︎
سورة القلم - ٤ ↩︎
سورة الكهف - ٨٦ ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎
حديث شريف يعتبره المحدثون أنه لا أصل له لكن معناه صحيح ويوافق الحديث الشريف “إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.” أخرجه أبو داوود واللفظ له، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. والحديث الشريف: “إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.” أخرجه أبو داوود والحاكم. ↩︎
سورة البقرة - ١١٥ ↩︎
سورة الملك - ٤ ↩︎
سورة ق - ٢٢ ↩︎
من الحديث الشريف: “لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم مَن خالفَهُم؛ إلَّا ما أصابَهُم مِن لأواءَ حتَّى يأتيَهُم أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وأينَ هُم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأَكْنافِ بيتِ المقدسِ”. أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. وعبارة “حتى تقوم الساعة”، من الحديث الشريف: “لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.” أخرجه الحاكم. ↩︎
سورة الكهف - ١٧ ↩︎