(٩)
الإنسان
بين القلب والقالب
بيت ونصب
حديث الجمعة
١٧ ربيع الأول ١٣٨٢ هـ - ١٧ أغسطس ١٩٦٢ م
بسـم الله قلب القلوب، وحيـاة القوالب… بسـم الله روح الأرواح، وحيـاة الأشـباح… بسم الله نور الوجود والمشـاهد في كل مشـهود… بسـم الله الرحمن الرحيم. به نسـتعين، وبه نعمل، وبه نقوم، وبه إلى الله نرجع.
الإنسـان بأنانيته، ما بين قلبه وقالبه. إذا التصقت أنانيته بقالبه، كان الشـيء، وكان الوزر، وكان الثقل، وكان الحمل، وكان الهـو له هو القلب. وإذا التصقت أنانيته بقلبه كان الأرض، وكان المعنى، وكان الإنسان. فإن تواجد لقلبه بقلب من ولد وصار قلبه لهذا القلب قالبا، تلقى من الله كلمة كانت له جديد أنانية من الرحمن، من الحقيقة، من النور، من السـر، كان بها عبدا لله، وكان في ذلك خلاصه. أما إن صار في معناه إلى معزول أناه من كبريائه، ونفسـه، وعزته، فصبِغ على مكانته، كان في ذلك إبلاسه، وكان في ذلك تعاسـته، وكان في ذلك حرمانه وطرده وإنظاره.
إذا عرفنا هذا فقدرناه، وطلبنا هذا الحق وواليناه، عرفنا أن الإنسـان الكبير بين تشـتيته وجمعه تقوم قضايا الأديان أو قضية الدين، وتقوم قضية الحق، وتقوم قضايا الوجود. إن البشـرية بظاهرها على تفرق بمفرداتها، وإن البشـرية بباطنها على وحدة بإنسـانها من آدمها، وقديمه بقائم إنسـانها وأديمه على ما هي عليه، في أزل من قائمه بنوعها وعلى عهد لبدء من قائمه لأبد بمثالها. الإنسـان بينها يتجدد ويتكرر ويتعدد لآباده عـودا لآزاله، بالله معها يفرقها ويجمعها، والله لها كل يوم هو في شـأن. يجددها بظاهرها بآحاده منه لها لآحادها منها له، فيتجدد قديمها لها بباطنها ولا يتوقف لها تجددها في ظاهرها، فلا يتعطل لها جديد من باطن ولا يتوقف لها تحقق من ظاهر، عطاءً من الغيب غير مجذوذ، وقياما للحق في شـهادتها ناجزا غير مجحود، مواصلة للتكاثر والتجدد بالخلق قياما غير موقوت، وحقا غير مفقود.
وها أنتم في هذه الدار، وفي هذه الجماعة، وفي هذه الدائرة، للإنسـان من الإنسـان تشـهدون هذا الأمر على وضوح فيه، وعلى بيـان له، وعلى قيام بكم شـتات إنسـان، واجتماع إنسـان في جمع بعنوان، لأمر لله في إنسـانية الله لا بدء لها خلقا وحقا، ولا بداية لها حقا وخلقا، ولا توقف لها في تخلق بجديد، ولا في تحقق بمزيد. نعمة الله ناجزة، ويده بارزة، ووجهه مشـرق، وأمره قائم، وحقه حاضر، لكم وبكم ومنكم وفيكم. إن قلتم رسـول فمن أنفسـكم، وإن قلتم حق فمن قائم الحـق عليكم، وإن قلتم خلق فمن تخلقكم بأخلاق الله، واجتماعكم على أمر الله، وإيمانكم بوجه الله من ورائكم يحيط، ومشـاهدتكم لوجه الله، بلطيفه فيكم قائم في مرآة أخوتكم، تشـهدونه بعينه من معاني عيونكم لبصائركم، يقاربكم في تقاربكم إليه ويباعدكم في تباعدكم عنه، تؤمنون بالله بإيمانكم بالله في معيتكم وأنتم في معيته، على دين من يخاللكم وتخاللونه، ويراكم وترونه. بكم يراكم كما به ترونه، عبادا لله مكرمون، وعبادا لله في أمر الله بأمر الله فيهم ولهم لا يفرطون، عبادا لله يشـهدون الله في عبوديتهم، وفي عبودية عباده بينهم من أنفسـهم.
ها نحن ننتسـب إلى روح مرشـد لنا نجتمع إلى حضرته بفريق منا لمواقيت له معنا، ونتابع في هذا روادا من أنفسـنا، يقيمهم هذا الروح المرشـد لنا، ويقومون هم بمعنـاه، وجها له مشـهودا لأعيننا، مسـموعا لآذاننـا، حبيبا إلى أنفسـنا. فماذا نفهم؟ وماذا نعنى بهذا الذي نشـهده ونقومه، ونسـمع عنه ونسـمع منه؟
ها أنتم تشـهدون ما وعد الله وما يعد، وما فعل الله وما يفعل، من تشـتيت إنسـان بين قلب وقالب، ومن تجميع إنسـان من قلب وقالب. إن السـيد الروح المرشـد “برش” إنما هـو قلوبنا جميعا، إن أردناه لأنفسنا، وإن عرفناه الحق من ربنا، وإن الرائد لروادنا الذي يرودنا في طريقه ما هو له إلا خادم تأدب هو معه بعالي وراقي أدبه، فقال لخادمه وتابعه: يا أخي، يا أنا، يا عيني، يا معناي، يا وجهي، يا ظاهري، يا بني، يا خليلي، يا حبيبي. إنه أدب الإنسـان يوم يصبح الإنسان إنسـانا بحق، وإنسانا على كمال، لا يرى في الوجود تافها، ولا يرى في خادمه وتابعه في الروح الأعظم المطلق إلا أخا وعينا، يتخلق بأخلاق الله ربه ورب ربه، ورب ما سـفله، ورب ما علاه، ربه ورب معناه، ربه ورب كل ما احتـواه. ألم يقل الله ما زال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنته؟ هكذا يقول الإنسـان في كمالـه متخلقا بأخلاق الأكبر والأعلى من رفيقه ومثاله، يقول مقالته، ويتبع سـنته. إذا كان هذا ما علَّم رسول الله للناس ليكونوه، ألم يكن لرسـول الله وقد تعلم من ربه وبه امتد وانتشر فكانه مع ربه، ألم يكن له من أصبح منه عين ما آل هو إليه؟ إنه المرشـد اليوم لكم.
إن الروح المرشـد لكم هو لكم ولرائدكم معاني القلب لقلوبكم، وأنتم له في الوقت نفسـه قلبه لقلوبكم لقالبه بكم في جديد أمره لعين قادمه من قديمه، بقائمه قالبكم به النور، وقلبه بكم الروح من روح الحيـاة الأعظم. وما كان قلبه بكم من روح الحيـاة الأعظم إلا ما كان قلب رسـول الله لكم، وما قالبكم به من نور الله إلا ما آل إليه قالب رسـول الله، قبسـا من نور الله جديدا لقديم فيه، في غيب الله وقائم الله سـاحة رحمة منه، ووسـيلة وصلة به. وما كان رسـول الله إلا قلب وقالب، وما زال وسـيبقي رسـول الله قلب وقالب. قالبه وجود بأسـره، وقلبه روح الحي القيوم من الحي الموجود بوجوده. فنحن إذ نتابع رائدا لقلب في قالب، نعرف فيه قالبا لقلب، ونلقى فيه قلبا لقالب في معارج الله، إنما نسـلك طريقا لله، إنما نسـلك طريق الله المسـتقيم، إنما نسـلك طريق الحيـاة، إنما نسـلك طريق الحق. المؤمن مرآة المؤمن. والمرء على دين خليله.
إن الحيـاة هي الطريق، وإن الطريق هي الحيـاة، فما هو بحي من لم يسـر، وما هو بسـار من لم يحيا. وإن الطريق منازل ومعارج، وإن الحيـاة طبقات وأطوار. إنا إذا شـهدنا القالب المضاف إلى قلب فقد شـهدنا القلب. وإن طفنا حول هذا القالب نُصبا للحيـاة فقد دخلنا القلب بيتا للحيـاة. وإن دخلنا البيت فقد دخلنا الحصن، وركبنا السـفين، وقمنا في الخلاص، وسـعدنا بالتخلص وكسـبنا الإخلاص، إن الذي قال للناس، (أنا هو الطريق والحق والحيـاة)[١]، (أنا هو القيامة والحياة)[٢]، ما انقطع بين الناس تواجده. وإن الذي قال للناس {فاتبعوني يحببكم الله}[٣]، (ما أعطيته فلأمتي)[٤]، ما انقطعت بين الناس أعلامه وفيهم بالسـاجدين قيامه. إن الذي بدأت منه الحيـاة… إن آدم الحيـاة ما انقطع بين الناس من أبنائه تجدده وقيامه. إن عباد الله الذين عرف الناس مصطفين من الله، مكرمين من الله، عارجين إلى الله، مدانين من الله وجوها لله، ما توقف لروح الله بهم من الأرض قيام أو من السـماء إعلام، عروجا إلى الأرض لتمام، أو تدانيا بحق وكلام، ثم عودا إلى السـماء بحصيلة، أو قياما من الأرض بقبيلة. إن القافلة تسـير، وإن الركب متصل كبير، وإن الفرد والجمع يعمل، دواب الأرض ودواب السـماء، ملأ الأرض وملأ السـماء بالعباد من أهل الرشـاد، لا ينقطع لهم بينهم اجتماع، ولا يتوقف لهم في أمرهم ركب من أتباع، ولا يتعطل لهم مسـير بانقطاع، فهم في الأرض إلى حين، وهم في السـماء إلى حين، هم في العاجلة إلى حين، وهم في الآجلة إلى حين، وللآخرة للأولى في دوام خير وأبقى، سـواء كانت الآخرة في هذا القيام من قائم السـموات، أو الآخرة في قائم السـموات من ملأ هذا القيام. إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أيها الملأ. إن من الملأ الأعلى من يطلبونه في ملئكم ملأ أعلى، وإن من ملئكم من يطلبونه في الملأ الأعلى، وإن من الملأ الأعلى من يدعون إليه في ملئكم، وإن في ملئكم من يدعون إليه في الملأ الأعلى. إن الله لا ملأ لـه، وإنه في الأعلى على ما هو في الأدنى، لا فرق عنده بين الأدنى وبين الأعلى، الكل له، والكل فيه عبده، والكل منه وجهه، والكل به أمره. لا وزيـر له، ولا وزر له، والملأ الأعلى له لا مكان له.
فإذا تابعتم قالبا لقلب فآمنوا بقلبه، وإن حييت به قلوبكم بنور الله في طريقكم، فاعملوا لإحيـاء قوالبكم. إن قوالبكم عالم قلوبكم، ومدينة بيوتكم، بيتا لله، وقلبا حيـا بالله، وسـراجا مشـعلا بجذوة الحيـاة من نور الله. الحي في حيـاتكم، والقيوم عليكم بالحيـاة.
على هذا قام الدين، وبه جاء الرسـل، فكانوا قوالب لقلوب، وكانوا قلوبا لقوالب، في قانون الحياة لا يتعطل لقلوبهم عمل، ولا لقوالبهم تواجد، والله لا يمنع عن طالب رفده ونعمته، الله للكل، والكل لله.
الإنسـان في الله فرد وجمع، أمة في فرد، وفرد في أمة، ما تحاب الناس في الله، وما تجمع الناس في الله، وما تناجى الناس عن الله، وما قام الناس بأمر الله، فانتهوا عما نهى لخيرهم، واسـتجابوا لما أمر لبرهم، لبوا منه كل نداء، واسـتوفوا منه كل عطاء، وأنكروا على أنفسـهم ما كانت لهم فيه نفس دعتهم لقطيعة، ومنعتهم عن جمع توحد فيه وتوحد به.
الله في الحب، والحب في الله، ما تحاب الناس في الله عرفوه، وما توادوا فيه قاربوه، وما تنافروا بينهم باعدوه، وأنفسـهم عنه عزلوه. الله أقرب للكل من حبل الوريد، ومع الكل حيثما كان. اعرفوا الله لأنفسـكم يعرفكم الله لنفسـه، وتصنعوا بيديه له على عينه. اركبوا سـفين النجـاة من عبـاد رحمته، وأوردوا أنفسكم أحواض الحيـاة، من كتب علمه بينكم من الناس. إن الله منكم قريب ما قاربتموه، وهو عنكم بعيد ما باعدتموه، وهو لكم راحم ما رحمتم أنفسـكم فاسـترحمتموه، ولم تحولوا بينه وبين داره من قلوبكم لتتواجدوه، فيظهركم فيكم يتواجد، وإليكم بكم يتعارف، ومنكم لكم يعمل، ويدا له بكم للناس يمد. هذا أمركم إن كنتم من الموحدين، وهذا شـأنكم إن كنتم لله من الذاكرين، وعن إحيـاء أنفسـكم غير متوانين، وإليه أمرها واكلين فهو حسـبكم وحسـبنا ونعم الوكيل، لا معبـود غيره، ولا مرتضى سـواه، ولا مقصود إلا رحمته، ولا أمان إلا بجواره، لا إلـه إلا هو إليه المصير.
اللهم إنا بك آمنا فآمنا، وإليك سـكنا فأنزل سـكينتك على قلوبنا، اللهم إنا عرفنا أنا فيك حللنا، فأنزل اللهم برحمتك السـلم والسـلام على أرضنا، اللهم من أنفسـنا فأعذنا، ومن الأشـرار من خلقك فقنا، وبرحمتك فوفنا، وبنـورك فتوفنا، وعنا فأمتنا، وبك فأحينا، وإليك فأرجعنا، ومنك وبك وإليك فأرسـلنا، عبادا لك، قياما بك، ورحمة منك. اللهم لك فعّبِدنا، وبأنفسـنا مزكاة برحمتك فابعثنا، واعمل الخير بنا.
اللهم ولِ أمورنا خيارنا ولا تول أمورنا شـرارنا، وخذ بنواصينا إلى الخير حكاما ومحكومين، واجعل اللهم خير أيامنا يوم لقائك وخير أعمالنا خواتيمها.
لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين.
أضواء على الطريق
(تخلصوا من زيف هؤلاء الذين يحتاج خيالهم إلى فلسـفات طنانة، ما لدينا هو الحق البسـيط. ولمنتهى بسـاطته يسـتطيع الكل أن يقدره ويفهمه. فإنا نجاهد لنبين أن أطفال الروح العظيم لكونهم جزءا من الروح العظيم، وأنهم أطفال الله حقيقة، هم جميعا محاطون برباط الروح الخالد اللانهائي، وكلهم جزء من عائلة روحية واسـعة، ومتسـاوون كافة في نظر الروح العظيم.
إنه من الضروري جدا أن نذكر عالمكم بهذه الحقائق البسـيطة، لطالما تقلبوا بين المذاهب والتقاليد بين الاحتفالات والطقوس التي ليس لها علاقة أبدا بالدين أو الروح العظيم للحيـاة. ونحن لا نعنى بشـيء من هذا اللهم إلا إذا سـاعد نفسـا كيما تحيـا حيـاة أفضل. إنا لا نهتم إلا بالعمل لأنه الباقي من حيـاتكم اليومية التي بها تتجدد حالتكم الروحية بإيمانكم بروح الحيـاة العظيم، وبكل قوانينه الطبيعية الخالدة، إذ لا تسـتطيع المذاهب أو الطقوس أن تغير من سـريان قانون السـبب والنتيجة، ولو بقيد أنملة). من هدي الروح المرشـد (برش)
مصادر التوثيق والتحقيق
(َأنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.) (يو ١٤: ٦) ↩︎
قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو ١١: ٢٥) ↩︎
سورة آل عمران -٣١. ↩︎
عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎