(٨)

لا إله إلا الله
قيام العالمين وأعلام المؤمنين
وأبواب المسلمين وسيوف المجاهدين

حديث الجمعة

١٠ ربيع الأول ١٣٨٢ هـ - ١٠ أغسطس ١٩٦٢ م

أشـهد أن الله في وجوده موجودا، وأشـهد أنه في كل شـهود

مشـهودا، وأشـهد أنه في كل علم معلوما، وأشهد أنه في كل معرفة

معروفا، وأشهد أنه في كل فعل منفعلا، وأشـهد أنه في كل أمر

سليما، وأشـهد أنه في كل تدبير حكيما، وأشـهد أنه في كل قدرة

رحيما، وأشـهد أنه في كل آية عليما، لا إلـه إلا هو، ولا موجود في الحس غيره. يقوم به الجاحد به في جحوده قيام العارف به في وجوده، فما كان غير الجاحد وما كان غير العارف، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. غفور بقدر ما عُصي، حليم بقدر ما كُفر، رحيم بقدر الإيمان به، كريم بقدر الافتقار إليه، معين بقدر التوكل عليه. يعرفه العبد في عبوديته، ويعرفه الرب في ربوبيته، ويعرفه الآلـه في ألوهيته، ويعرفه الحي في حيـاته، ويعرفه الموجود في وجوده، ويعرفه العصر في دهره، تعالى على الوصف، وتدانى عن الجحود، والجهل.

كل شـأن للإنسـان شـأنه، وكل إنسـان ذي شـأن أمره. كل من في السـموات والأرض عبده، وكل من كان في الوجود وجهُه. كان الوجود تجليه من كنزيته في خلقة أزله لمعاني أبده فيه. كل ذلك في لا إلـه إلا الله. ولا إلـه إلا الله في كل ذلك. فكيف نقيم لأنفسـنا في أنفسنا لا إلـه إلا الله حتى ندخل في حصنها ونشهدها ونكون أعلاما لها؟ هل شـهد الناس أنه لا إلـه إلا الله حقا فعرفـوه؟ وهل طلبه الناس بها ففي أنفسـهم وجدوه؟ وهل وجده الناس في أنفسهم فعَلِموه وأعلَموه وعَلَّموه، فشهدوا أنه لا إلـه إلا الله عَلما عليها؟ من دخل في لا إلـه إلا الله قامت به لا إلـه إلا الله. ومن قامت به لا إلـه إلا الله كان للناس لا إلـه إلا الله. ومن كان للناس لا إلـه إلا الله كان الناس له لا إلـه إلا الله.

بقيام لا إلـه إلا الله قام الناس بالله، وبقيام الناس بالله قامت لا إلـه إلا الله، وبقيام لا إلـه إلا الله ظهر أمر الله، وانتظم جمع الناس في الله، فتجمعت فيهم وبـهم ومنهم كلمة الله رسـولا من أنفسـهم، وليكن منكم أمة يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله.

قام الإسـلام بلا إلـه إلا الله، وتجدد بلا إلـه إلا الله، ويقوم ويتجدد بلا إلـه إلا الله، كلما بدا غريبا على الناس في جديد قيامه، فيقوم خروجا من كنـزيته ويتجدد في شـهادته بلا إلا الله.

إن دعوة إلى الله من داع إليه لا تقوم على لا إلـه إلا الله، إنما هي دعوة فاسـدة، وتجارة مع الله كاسـدة. إن الدعوة إلى الله، إنما هي في التعريف عن لا إلـه إلا الله، وعون طالبيها على قيامها في أنفسـهم حتى يشـهدوهم لا إلـه إلا الله، ويقوموهم لا إلـه إلا الله، فيعرفون أن مطلوبهم أقرب إليهم من حبل الوريـد، وأنه معهم وأنه لن يفارقهم بعد كشـف معيته، وأنهم خرجوا من العدم بصحبته إلى فنائهم عنهم بقيـام معيته بهم، وأن الجفوة، وأن العذاب، وأن المشـقة، وأن الضيق، ضيق الأرض بما رحبت، ضيق الحيـاة، ضيق المعاني، ضيق القدرة، ضيق الوعي، إنما كل ذلك في تجاهل معية الله، ورؤيـة التعدد مع معية الله، في قيام مادة الخلق قائمة منعزلة مع معية الخالـق، ومعية الخالق إنما هي الحق والحيـاة. يقذف بها على معاني الباطل من وصف الخلق في صورة المادة، لقيام التراب في حيـاة الظلام من قيام الكينونة للأنانية بوهمها المقطوعة من وحدة الوجـود الحي وجها له، باعتقادها الكينونة الموقوتة القابلة للعدم، بعيدا عن وحدتها القابلة للبقاء والقائمة بالحيـاة. فإذا ما انتقل الكائن بأنانيته من معنى خلقه إلى معيته من معنى حقه زحزح عن النار، وأدخل الجنة، وفاز بالحيـاة. إن الوجود كله حَالُّ بموجِده، ما خرج منه، وما غاب عليه، وما انفصل عنه، ولو أن شـيئا من ذلك تواجد لاختفت معالم الحيـاة في الموجودات. إن الحيـاة في الكائنات هي من تواجـدها في خالقها، موجودة به ليس كمثله شـيء لأنه كل الأشـياء، لا يحصره شـيء، ولا ينطلق عن دائرة وجوده شـيء، ولا يتواجد بحيـاة من دونه شـيء. لا تغيبوا الله عن وجودكم وعن أنفسـكم، ولا عن وجوده فيما يحيط بكم، ولا تؤلهوا أنفسـكم عليه بتأليهها على الكون، بتأليهها على الكائنات، بتأليهها على مثالكم من أنفسـكم من عوالمكم. إنما ألوهيتكم به على ذواتكم منه، من إيجاده لكم فيه مطايا وجودكم بحقكم، فامتطوا مطاياكم برحمته، ولا تهلكوها بوطأته، واعملوا على إحيـائها لتؤتي ثمارها يوم تبلغون بها غايتكم منه، بإحيائها عالما لوجودكم على مثال من معلومكم عنه في معاني وجوده في هذا الوجود المطلق له، يحتويكم ويطويكم أبعاضا له وذرات فيه.

إن النظام الشمسـي الذي تعيشـون فيه، كنتم وما زلتم وسـتبقون، أبعاضا له وأعضاءً عاملة به، وعوالم فيه، ووجودا منه تتواجدون على مثالـه، يوم يلدكم في فراغ الوجود عالما جديدا لله، يتسـع به الملك، ويقوم بكم على ملكه بملكوته بين جوانحكم وجـوها له وطلعة مشـرقة به مصابيح الظلام، وسـرج العوالم، والفلك المشـحون في أفلاكها سـبحا في الوجـود، على مثال مما بكم في صغير عوالمكم من قلوبكم بين جوانحكم، وفي مشـكاة صدوركم. إنكم إن أشـعلتم مصابيح قلوبكم لمشكاة صدوركم في هذا الطور من الحيـاة أضفت الحيـاة شـعلتها في سـائر جوارحكم، ونمت مشـعلة لتكون سـرجا لعوالم الحيـاة تصدر عن حي وجودكم ورباني إرادتكم. جعل الشمس عليكم في معانيكم دليلا عليكم في حقي وجودكم، ودليلا لكم في خلقي معانيكم، يوم تشـرق جذوة الحيـاة بين جوانحكم مشـعلة به، فتتذوقون الحيـاة وتعرفونها فتتعارفون بها إليها.

إن كبير تواجدكم بذواتكم في خلقيتكم من فعله بفعلكم، إنما هو ما تشـهدون في سـموات الوجود، من شـموس الحيـاة خرجت من سـدم الظلام، وقد انفعلت، وتجمعت، وتناثرت، وانكدرت، واسـتدارت، ودارت، وأخذت مكانها من الوجود وأمكنتها من الفراغ مهيأة بيتا للإنسـان الذي خُلِق كل شـيء من أجله. وما تكاثفت سـدم الوجود إلا مما صدر عن أنفاس الوجود بلطيفه انطلق من كثيفه، خلقه إنسـان أزله لأزلي إنسـانه في أبدي معناه وجديد عنوانه. إنكم أبناء لآدم مكرمين، وما آدم إلا فرد من أوادم على مثالكم منه في إنسـان الوجود. وإنكم آباءكم من أزلي مصطفين في إنسـان أزله، تُقومون أمركم إن تعرضتم للحيـاة يوم تمتد يده إليكم فتصطفي منكم من تصطفي عبادا مكرمين، رواد الحيـاة لطالبيها، وأحواض الحيـاة لوارديها، ومصابيح الحيـاة لمدركي الظلام، وأنهار الحيـاة عذبة للأرض الطالبة للري، وبحار الحيـاة لا ساحل لها للسـائحين والحائرين، تجري فيهم السـفن المواخر كالأعلام تحمل إلى شـاطئ النجاة، وإلى شـاطئ الأمان، وإلى شـاطئ السـعادة، وإلى عالم الأنانية بالـهو، من وحدة العبد والمعبود في النفوس لأحدية الوجـود، لا معبود إلا الله، ولا عابد له إلا من كان في معناه وجها له، كل من عليها فان ويبقى وجه ربك، ويبقى من كسـب وجه ربك لنفسـه، ويبقى من كسـب بذلك وجه الله، ويبقى من كسـب البقاء، ويبقى من كسب الحيـاة، ويبقى من كسـب ما كان فيه، ويبقى من كسـب ما قام به، ويبقى من عرف من هو وما هو عليه، فحرص على من هو وما هو عليه، فبقي له من هو وما هو عليه.

إن الأمانة التي هي هو وما هو عليه، أمانة الحيـاة، ومعنى الحيـاة، وقيام الحيـاة، وإقامة الحيـاة، ولمحة الحيـاة، وساعة الحيـاة، وإرادة الحيـاة، وقدرة الحيـاة، إنما هي في هذا التواجد الموقوت علما على التواجد الأزلي الدائم في معنى الإنسان، وهي شـرف الإنسـان البشـري في هذا الطور البدئي لحيوات الإنسـان. {إنا عرضنا الأمانة على السـموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشـفقن منها…}[١]، وقامها الإنسان، وتعرض لها الإنسـان. (لم تسـعني أرضي ولا سـمائي، ووسـعني قلب عبدي المؤمن)[٢].

إن الإنسـان في قيامه بمعنى الإنسـان يتسـع لما لم تتسـع له السـموات والأرض، ويجرؤ على ما أشـفقت منه السماوات والأرض، ولكنه - والله محقق له ما أراد على ظلمه وجهله، وعلى ظلمه لنفسـه، وعلى تحمله لما لا يسـتطيع على حمله من عبء معناه بمعنى الإنسـان - فقد كان في هذا شـرفه وحظه وسـعادته. ولو أنه في بشـريته عرف معنى الإنسـان في نوعه فطلبه، واعتقد وجوده فسـعى إليه، وجاهد نفسـه ليدركه، وجاهد ليرتبط بالسـبيل لطلب الله في نفسـه، معتقدا بمعبوده معروفا، وطلب أخاه من نوعه رسـولا من أنفسـهم خبيرا بالرحمة موصوفا ممن سـبقه إلى تحقيق ذلك لنفسـه، فاسترشـده واسـتهداه، واسـتعانه، وتحاب معه، وتوحد معه فتخلله وتخاللـه، وأوجده في نفسـه فتواجده، وتواجد فيه فوجده، لكان بذلك مسـتقبله، وعَده وقد وفى عهده إذ سـأل عن الرحمن الخبير بالرحمن، فعرفه يقوم ويتقلب في السـاجدين بلا انقطاع في أزل لا بدء له، وفي أبد لا انقضاء له، وفي قيام لا انقطاع عنه، فشـهد أن لله رسـولا تحَمد، هو منه وهو أحمد، وهو بين قومه في كل حـامد، وهو من كان عند الله المحمد، ومن اعتقده الناس عندهم المحمود منهم فحمدوه ولله حَمَّدوه وبه حَمَدوه، فشهد أن محمدا رسول الله. ومن شـهد أن محمدا رسـول الله دخل باب الله فشـهد أنه لا إلـه إلا الله، ومن شـهد أنه لا إلـه إلا الله دخل باب رسـول الله فشـهد رحمة الله، وشـهد نعمة الله، وأدرك أن الرسـول أولى بالمؤمنين من أنفسـهم حقا، وعلم أن الله دعا إلى رسـوله وجها له، كما دعا الرسول إلى الله ربا له، وأن محمدا عرَّف عن ربه، وأن ربه عرَّف فيه عن وجهه، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسـوله يؤتكم كفلين من رحمته}[٣]. من عَرف نفسـه في الله حالا، وعرف الحي القيوم في حيـاته قائما، قام بلا إلـه إلا الله. ومن عرف فيه رسـول الله بنور حقه سـاريا وفي ضميره قائما رُحم بمحمد رسـول الله، وكان القيام لكلمة الله في بيت الله في وحدانية الله، وأدرك بوحدانيته عبدا وحدانية الأحد الصمد لا إحاطة به ولا إدراك له، وكان مع محمد وربه في وحدانية من تواجد في الموجود الأزلي.

إن المؤمن الصادق، والعبد الراجع الآيب، هو الابن والأب، وهو الأب والآب، وهو الأم والولد، وهو الرحمة والمرحوم والراحم، وهو العالِم والمعلوم والعلم والعالَم، وهو الكتاب والكاتب والمكتوب، وهو القارئ والمقروء والمقرئ. إن الناس بصالحيهم حروف في كتاب الله عاليات لم تقرأ. من كان عبدا لله كان قرآن الله، كان كتاب الله، بكتاب نفسـه أخذه بيمينه مرضيا وعن الله راضيا، فقال هاؤمُ اقرءوا كتابي، كان البعث بمكارم الأخلاق، تطهر قلبه، فمسـه النور المنزل مع الرسـول، فكان عترة له وبيانا كتابه.

هذا كله جاء به الإسـلام على بيان، وجاء به القرآن على وضوح، وجاءت به السـنة على تطبيق وتفصيل، وجـاء به الأثر من السـلف على وجود وتتابع بوجود، وجاء به الصالحون على قيام وشـهود، فهل اسـتيقظت البشرية إلى ما يليق بوصف البشـرية؟ هل كسـبت البشـرية ما كان من الله للبشـر؟ هل صح من البشرية أن تتناول من يد الله ما أعد من الله للبشـر؟ وما أراده الله بإرادة إيجاده البشـرية لنفسـه في قديمها وجديدها وحاضرها وقابلها، بإعدادها لمراده بها في وحدتها في أزمانها، وأطوارها، وعوالمها؟ إن الله كان للناس من الإنس والجن والملك، ما اسـتقبلوا البشـرى باللقاء في أنفسـهم فكانوا بشـراً، وأحسنوا الظن بالله فكانوا البشـرى، وما حققوا البشـرى كانوا من الله الذكرى، وما أقاموا الذكر لله كانوا لله وجوها وأمرا. ماذا يريد الناس لأنفسـهم؟ ولو أرادوا من أنفسـهم لأرادوا من الله، ولو طلبوا أنفسـهم لأنفسـهم على ما لأنفسـهم وفى مكنة أنفسـهم، لطالبوا الله وطلبوا من الله، ألم يقل لهم هو الذي أعطى كل شـيء خلقه ثم هدى؟ ألم يقل لهم معلما إني أقرب إليكم من حبل الوريد؟ ألم يقل لهم منعما إني معكم أين ما كنتم؟ ألم يقل لهم مسـعدا إنه قائم على كل نفس؟ ألم يقل لهم مبشـرا {وإذا سـألك عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ}[٤]؟ ألم يقل لقدوتهم {فكشفنا عنك غطاءك}[٥]؟ فمن منهم دعاه ففي نفسـه ما لقيه؟ ومن منهم طلبه ففي نفسـه ما وجده؟ ولكنهم يخدعون أنفسـهم بدعوى طلبه مغيبين له عن وجوده في وجودهم، فما يزدادون بصلاتهم وطلبهم منه إلا بعدا. فلمن يصلون؟ ومن المــُصلِّي، وأين هي المصلَّى؟ ولو أنهم به صَلُّوا لاتصلوا ووُصِلوا، وتكشـف لهم من كانوا به موصولين، وبالحيـاة به قائمين وكانوا عنه غافلين، ولكنهم يطلبونه بعيدا عن أنفسـهم في هيكل أو منسـك أو سـماء فلا يتصلون به، ويعزلون أنفسـهم عنه بهم موصولا، فلا يصلون له، ولا يصلون به، ولغيره بعيدا عنه يقيمون الصلاة. ولو أنهم صلوا به، لصلوا له، ولو أنهم صلوا له في أنفسـهم لصلوا به. ألم يقل لهم إنه المصلي لنفسـه بنفسـه، والسـبوح لنفسـه بنفسـه، والذاكر لنفسـه بنفسـه، والعابد لنفسـه بنفسـه، في غنائه عن العالمين؟ ألم يقل لهم لو كنا متخذين لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين؟ وما خلقنا السـماوات والأرض وما بينهما لاعبين؟ إنما أنتم الذين تتخذون الدين لهوا وهذرا، وبالدين لمجتمعكم تهزؤون، وبمناسكه لكم تلهون، وبالله معكم تسـتهترون. ماذا عرف الناس من أمر الدين إلا من رحم؟ وماذا عُرف من أمر الدين لعارف إلا من شـكر؟ وقليل من عباده الشـكور، والكل عباده، ولكن الكل في معناه من معاني العبودية لرب على هواه، صوره وخلقه وسـواه جاحـدا كفورا برب في معناه، هو لله عبد، وهو عليه سـاهر، ورب من رحمته. إن الذي لا يؤمن بالله أقرب إليه من حبل الوريد، حتى لهو، وأنه لا وجود له في وجود الحي القيوم، فالكل فيه ميت، والكل فيه موتى، الكل فيه نائم، إنك ميت وإنهم ميتون، إنك نائم وإنهم نائمون، الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، خلق الموت والحيـاة ليبلوكم، وهو يتـوفى النفوس حين موتها والتي لم تمت في منامها… فمتى تسـتيقظون؟ من لم يؤمن بأن الله هو الموجـود في كل وجوده، وأن أنانيته هي بمعاني العبد له المعدوم في معناه وفي وجوده، فما وحـد الله، وما دخل في حصن لا إلـه إلا الله. ومن لم يعرف أن الله فيه رسول الله {واعلموا أن فيكم رسول الله}[٦]، وهو معنى الضمير في الإنسـان، فما شـهد أن محمدا هو الحق من الله في إدراك الحق له في نفسه، يقوم ويتقلب في السـاجدين بإيمانهم، ويبعث ويتواجد في الذاكرين بعنوانهم عنوانا له (يا أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع)[٧] من لم يكن كذلك ما شـهد أن محمدا رسول الله. تأملوا أبا حفص وهو يقول أأجعلُ لك كل صلاتي يا رسول الله!!! فقال له: أفلحت إن صدقت، إذن تُكفى همك، ويُغفر ذنبك يا عمر[٨].

إن عبد الله ورسـوله، إن الحق منه وأمره، إن حوض الحيـاة من الحي القيوم، وماء الحيـاة وميازيبها تتفتح عنها أبواب السـماء. إن نبات الأرض من شـجرة النور في جلابيب التراب، ما كان الحوض والماء إلا عبد الله ورسـوله، وما كانت الشـجرة تثمر وتظل إلا عبد الله ورسـوله، ولن يكونا إلا عبـدا الله ورسـوله، ولن يعرف عارف في الله إلا عبد الله ورسـوله، ولن يلتقي وجه لله بوجه لله، إلا في لقاء عبد لله عبدا لله ورسـوله. إن العبد في غيبه ورسـوله في شـهادته إنما هي وحدة العبد والرب في معناه بالحق.

بهذا وعلى هذا وفي هذا قام الدين، وقام الطريق، وقام العلم، وقامت المعرفة، وقامت الحقيقة في الناس في السـموات والأرض. إن كل من في السـموات والأرض إلا آتِ الرحمن عبدا. هو في السـماء إلـه وهو في الأرض إلـه. لا يعزب عن علمه مثقال حبة من خردل في السـموات أو في الأرض. إنها إن تكن مثقال حبة من خردل فتكن في السـموات أو في الأرض يأتي بها الله. هو قلب الأشـياء. أينما تولوا فوجهه، وبأي أمر تقوموا فأمره، فلا يكن أمركم فيه فرطا، ولا تنحرفوا عن الجادة فتُبعدوه عن أنفسـكم، فتبعد أنفسـكم عنه في طريقها للضلال والهـاوية. آمنوه لا إلـه إلا الله أنتم، وآمنوه الحق من ربكم فاشـهدوا أنه محمد رسـول الله أنتم، واعلموا أنكم بالحضرتين تقومون كلمة لله، وحضرة لله، وعبدا لله. بهذا جاءكم السـلف الصالح فلا تذكروا الطالح من سـلفكم باسـم الصلاح، ولا تتابعوا المخاتل من حاضركم باسـم الولاية والفلاح، ولكن احكموا على الناس بما وصفهم به لكم الله، اتبعوا من لا يسـألكم عليه أجرا وهم مهتدون. ابحثوا عمن يدلكم على الله في أنفسـكم. من دلكم على الدنيا فقد غشـكم، ومن دلكم على العمل فقد أتعبكم، ومن دلكم على الله فقد نصحكم. اكشـفوا عن ظلام أنفسـكم تجدوا الله في نور حيـاتكم. صاحبوا من بينكم من ينهضكم حالـه ويدلكم على الله مقالـه. لا تصاحبوا باسـم الدين لدنيا تقتسـم بوصف غنيمة، ولا لعمل يؤتى باسـم التقوى ولكنها المحبة في الله… انشـدوها واغتنموها.

إن دقات قلوبكم أجراس كنيسـته في صدوركم، وإن هاماتكم مآذن مسـجده بين جوانحكم، وعيون وجهه في صوامع قلوبكم. فلتدق دقات قلوبكم بذكره، ولتردد أنفاسـكم بين جوانحكم اسـمه، ولتراقبوا أنفاسـكم تخرج وتدخل ذهابا إليه وواردا منه بمعاني الحيـاة فيكم به للحيـاة منكم إليه، لمعاني الحيـاة تتخللكم وفيما حولكم، تعلمونها يوم تخرج أنفاسـكم وترتد على ذكـره، وعلى ترديد اسمه، وعلى تأمله، وعلى مراقبته، وعلى إدراك قربه وخلته وإحاطته وإطلاقه ولا نهائيته.

إنه الحيـاة. إنه القيام بالحيـاة. إذا ذكرتم العلم غاية لكم وإذا كان العالم غايتكم، فاذكروا عالم ذاتكم. إذا ذكرتم العالم لكسـبكم وإذا ذكرتم الـهدي طريقا منشـودا منكم، فاذكروا هدي ضمائركم. وإذا ذكرتم الله في حيرة أمركم، فاذكروا الحيـاة في قيامكم. بذلك تدخلون دين الله، وتدخلون الإسـلام، وتتكشـف لكم أموركم يوم تبحثون عن مرآة لمعانيكم وإيمانكم، فيكون لكم تحقيق رجائكم فيمن تخاللون في الله. قل إنما أعظكم بواحـدة أن تقوموا لله مثنى… وأبشـركم بواحـدة أن تقوموا لله فرادى… فيكون المؤمن مرآة أخيه والمؤمن مرآة المؤمن، وجها لله أمام وجه لله، الله من ورائهم محيط بوحدانيته وبأحديته وبصمديته.

على هذا قام الإسـلام وعليه يتجدد، وعلى هذا يقوم الإسـلام، وبه يسـتقيم أمر المسـلم، وعليه يتجمع المسـلمون، فيكونون أمة الإسـلام {فوسـطن به جمعا}[٩]، أمة وسـطا، شـهداء على الناس والرسـول عليهم شـهيد، لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله.

اللهم وقد شـهدنا أنه لا إلـه إلا الله، وشـهدنا أن محمدا عبده ورسـوله، اللهم فأغدق علينا نعمتك في شـهودنا، ورحمتك في وجودنا، وإيمانا بك لا ينقطع ولا يجز في معلومنا عن أنفسـنا. اللهم كما أشـهدتنا فأشـهد بنا، وكما أعلمتنا فأعلم بنا، وكما رحمتنا فارحم بنا. اللهم افعل بنا ما شـئت، وما أردت، وما قدرت بيد رحمتك، وبيد عنايتك، وبيد مغفرتك، وبيد خلاصك، واصطفائك، واسـتخلاصك.

اللهم لا تجعل منا صوت عذاب للناس. اللهم لا تجعل منا يد بطش بالناس. اللهم لا تجعل منا أداة إفناء للناس، واجعل منا أحواض حيـاة، وماء سـقي، ونور طريق، وسـاحة رحمة. اللهم ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا بعملنا. اللهم عاملنا بعفوك وما أنت له أهل، وأقلنا من عدلك وما نحن له أهل. اللهم تولَنا في الصغير والكبير من شـأننا، وخذ بنواصينا إلى الخير، واجعل اللهم خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، حكاما ومحكومين في أنفسـنا مع الحيـاة ووجوها لك.

لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين.

أضواء على الطريق

(افرحوا فإن دفعة قوية قد أعطيت لقدرة الروح كيما تتجلى. انظروا إلى الأجهزة الجديدة التي جيء بها إلى دائرة القدرة الروحية. انظروا إلى خطوط الاتصال الجديد التي عملت. شـاهدوا تحطم الحواجز التي وقفت زمنا في طريق التقدم. نحن جزء من جيش منتصر لا يحارب بالسـيوف ولا بالبنادق، ولكن بالحب في قلوبنا، بالتسـامح، والإحسـان، وحب الخدمة. أسـلحتنا هي الحق والمنطق. إننا لا نرغب إلا في جلب ثروة وجمال أعظم إلى حيـاة الذين رفضوا ميراثهم الحلال).

الروح المرشـد (برش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الأحزاب – ٧٢ ↩︎

  2. حديث قدسي: “لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن.” ذكره الغزالي في “إحياء علوم الدين”، وفي أدبيات المتصوفة. ↩︎

  3. سورة الحديد - ٢٨ ↩︎

  4. سورة البقرة - ١٨٦ ↩︎

  5. سورة ق - ٢٢ ↩︎

  6. سورة الحجرات - ٧ ↩︎

  7. من النشيد المعروف الذي استقبل به الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة. ↩︎

  8. حديث شريف عن الصحابي أبي ابن كعب: “أجعلُ لك صلاتي كلها يا رسول الله؟ قال: إذا تُكفى همك، ويُغفر لك ذنبك.” رواه الترمذي وأحمد. (عبارة “يا عمر” يذكرها السيد رافع مع هذا الحديث الشريف في النسخة الأصلية)، ولكن نذكر هنا الحديث الشريف الموثق. ↩︎

  9. سورة العاديات - ٥ ↩︎