(٣)
الله وراء دين الرحمن بعلمه وعزته
والله وراء دين الشيطان بحلمه وحكمته
فما يكون الصلاح وكيف يكون الإصلاح؟
حديث الجمعة
٤ رمضان ١٣٨١ هـ - ٩ فبراير ١٩٦٢ م
أشـهد أن لا إلـه إلا الله، وأشـهد أن سـيدنا ومولانا محمدا مثَّل لنا عبده ورسـوله. أشـهد أن لا إلـه إلا الله، حصنه القديم، وخلقه الجديد، ووعده على بدء يعيد. أشـهد أن لا إلـه إلا الله، إحاطة الإنسان بالإنسـان، في الإنسـان، للإنسـان، عَلَمًا على ما يحيطه به من الله عبدا له. أشهد أن لا إلـه إلا الله من أَرسـل، وأشهد أن لا إلـه إلا الله من أُرسـل، وأشـهد أن لا إلـه إلا الله، من أُرسِـل إليه عند كل من سـمعها فلباها، ولبى نداء الله فيها بمعناها ومغناها.
إذا لم يقم الدين على أسـاس من الواقع، وعلى أسـاس من الإدراك، وعلى أسـاس من الحس، وعلى أسـاس من الوعي، وعلى أسـاس من الرضا، وعلى أسـاس من القبول والاسـتزادة، فليس هناك قيام للدين. إن الدين إنما هو في معرفة الإنسـان عن نفسـه، عن قديمه، عن قائمه، عن قادمه، عن مسـتقبله، عن أمره في الوجود، آمرا ومأمورا ومحلا لقيام الأمر، ولتلبية الأمر، ولحمل الأمر من الآمر إلى المأمور. إن الإنسـان في ذاته من ظاهره، وإن الإنسـان في معناه من باطنه، وإن الإنسان في علمه عما علم من معلومه، وفي علمه عما لم يعلم، وفي علمه عن عجزه عن العلم بمطلوب، أو مغفل عنده ليعلمه… إن الإنسـان في تشـريحه من أمر رأسـه بين كتفيه كيف تنتصب، ومن أمر صدره وما بين جنبيه كيف يشـعل، ومن أمر ضفيرته الشمسـية، وما تحت الحجاب الحاجز، وكيف يعمل وينشط، ومن أمر أطراف أسـفله، وكيف يحمل ويتحرك، أو أطراف أعلاه وكيف يتعامل، وجوارحه برأسـه من لسـان وشـفتين، من أنف وأذنين، من جهاز وعي وعينين، وكيف تتآلف وتتعاون… إن الإنسـان بتكوينه هذا من مادياته من وحدات وأبعاض في ذات ونفس واحد، أبعاض جمعتها وحدته وشـملتها ذاته، تمثلت بها وحدانيته في أحديته، كما مثلت فيه الأبعاض صفاته. فالإنسـان من حيث ظاهره على ما هو ظاهر، إنما هو واحد وأجزاء الواحد. والإنسـان على ما هو ظاهر يعنون ما هو معناه من حقائق… من حقائق الزمن بقديمه من الآباء، وبحاضره من الأحدية، وبقابله من مفردات في وحدة من بيت وأسـرة، ومن حقائق المعاني بمعلومه ومجهوله وما يصدر عنه. إن الإنسـان في فرده هو عين الإنسـان في جمعه، ما تجمعت مفرداته تكون منها جسد واحد لذات واحد هي آدم الذي هو ذات الإنسـان، وتكون منها روح واحد هو روح الله هو روح الرحمن، وتكون منها نفس واحـد مصدرا للقدرة والطاقة، ومصدرا للعلم والمعرفة بمحصلة وحدته وحدة من وحدات الوجود للموجد هو من ورائها محيط، وبها على كل شـيء قائم.
إن الإنسـان يمثل الحقيقة الكبرى للوجود، بفرده وبجمعه. إنه بجمعه، وإنه بمفرداته، مظهر الحيـاة في كلياتها، يمثل الوجود في شـهوده وفي قيامه وفي غيبه. يتكلم الناس عن الإصلاح وعن الصلاح، وهم فيما يتكلمون فيه إنما يتكلمون عن ألوانهم، إنما يتكلمون عما هو قائم في معانيهم من أنفسهم، وما هم إلا ألوان لحق واحد ولصلاح واحد ولاصطلاح واحد ولإصلاح واحد. إن بداية الصلاح وبداية الإصلاح، إنما هي في أن يبدأ الناس أن يعرفوا أن ما يقوم فيهم وما يقوم في غيرهم، أيا ما كانوا، إنما هو أمر واحد، يجب أن يتجمع وأن يتناثر لهدف وغاية، وإن بدت ألوانه مختلفة أو متضاربة. فالقائم على كل نفس هو حق واحد. والذي من وراء الكل محيط إنما هو قيام واحد. والذي يقوم به الوجود هو أمر واحد. وإن هذا التلون في المفردات، وهذا التصنيف في الآيات، وهذا الذي يبدو متعارضا في اجتماعه ومتناقضا في إبداعه، إنما هو جمال الله، إنما هو جمال الحقيقة، إنما هو جمال الوجود، إنما هو جمال البستان، إنما هو جمال الزهور والورود، إنما هو جمال الحيـاة، إنما هو جمال الحركة، إنما هو جمال التناسـق والتلوين.
إن التنافر والتواد… إن الخشـية والحب… إن الجزع والسـكينة… إن الـهلع والـهدوء… إن الحركة والسـكون… إن الكفر والإيمان… إن الطاعة والمعصية… إن الإدبار والإقبال… إن كل ذلك وما إليه، إنما هو عناصر الحيـاة تقوم في الفرد في المعركة الكبرى بين جوانحه، معركة الضمير والعقل… معركة الحرية والذل… معركة الضيق والسـعة… معركة الكبت والانطلاق… في الفرد وفي الجماعة، في الجماعات وفي الجنس، في الجنس وفي طبقات الجنس، ما يعلوه وما يسـفله من طبقاته هو منها أو هي منه. كل ذلك إنما هو الحيـاة، وجمال الحيـاة. وما الحيـاة إلا سـاحة الحي القيوم، سـاحة المطلق، سـاحة الوجود. وما الله إلا وجود الموجد لكل موجود يخرج من غيبه بما أوجد كل موجود فيه بما أوجد به. هذا هو الله عند كل موجود أدركه بما أوجد. الإنسـان في حقيقة الله خالق ومخلوق، مخلوق لا ينتهي إبداع صانعه به وإبداع صانعه فيه، لا ينقطع وصفه عن صفة المخلوق فيه وصف الخالق أبدا وسـرمدا كما كان قديما وأزلا، ولا ينقطع وصفه بصفة الخالق وهو في صفة المخلوق أبدا إذ لا يتوقف فعل قديمه به أو فعله في جديده أبدا، ولا ينقطع عن الخلق والإبداع قائمه أبدا، وسـيبقى كذلك خالقا ما كان في الله مخلوقا نسـب نفسـه الى ربه خالقا، وانتسـب بمعناه إليه مخلوقا عرف ربه خالقا له ولما خلق، وعرف نفسـه مخلوقا منه به هو الخالق. وبذلك عرف الإنسان معنى الحق لمبدعه كما عرف معنى الحق لنفسـه، وشـهد معنى الحق فيه لما خلق لأنه وإن كان منه مخلوقا، فسـيكون منه فيه وعلى مثاله به ما يخلق، على ما خلق خالقه من خلقه وما خلق، فيعرف أنه في الله في طريق نمو، ورقي، وتعال، وتدان، وانتشار، وحيوية في قيام وقيومية لا تتوقف أبدا.
إذا عرف الإنسـان نفسـه، وعرف في معرفة نفسـه كتاب ربه عرف الإنسـان صنعه، وعرف في صنعه عينه، وبذلك عرف الإنسـان حقيته ولقي حقه فقام الإنسـان قيامته في معاني قيامه بمعناه، إنسـانا لمولاه، ومولى به لصنعه، يرى حقية الله فيما قبله كما يرى حقية الله فيما بعده، فيعرف حقية الله فيه، ويدرك ويشـهد حقية الله فيه فيدخل في حصن وحدانيته، فيشـهد أنه لا إلـه إلا الله. فإذا شهد أنه لا إلـه إلا الله، وشهد لمعلمه أنه ما كان إلا لا إلـه إلا الله شهد أن محمدا رسـول الله، فشهد الله بمحمد رسـول الله يشـهده لنفسـه، وشـهد محمدا رسـول الله بشـهادة لا إلـه إلا الله يشـهده ربه، فيعرف أن الإنسـان ما صلح كان كلمة لله وذكرا لله وروحا لله قوامها الله ورسـول الله، فعرف كيف أن أبعاض الواحـد تقوم الواحد، وكيف أن الواحد يقوم أبعاضه بوجوهه وأسـمائه وصفاته، وبذلك يعرف الدين، ويقوم الدين، ويصير هو الدين، فيظهره على الدين كله دين الشـيطان ودين الرحمن، لا يجـزع من دين الشـيطان وأهله، ولا يتعالى بدين الرحمن وأهله، فالله من وراء الكل محيط. هدى الناس وهدى الإنسـان… هداه السـبيل إما شـاكرا وإما كفورا، فيحمد الله إن كان من المؤمنين، ولا ييأس من رحمـة الله إن رآه من الضالين، فيعلم ويطلب من يجمع المتناجين ثلاثة كانوا أو أقلين أو أكثرين، متآلفين أو متنافرين. اسـتغفر الله لي ولكم، وأحمد الله لي ولكم، وأشـهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمدا عبده ورسـوله لي ولكم.
اللهم إنا إليك نجأر وبك نسـتعين، اللهم فاكشـف عنا حجب الغفلة، اللهم خذ بنواصينا لطريق الحق، اللهم خذ بنواصينا في سـبيل النجاة والسـلامة. اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شـأننا. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السـفهاء منا. اللهم ادفع عنا من البلاء ما نعلم، وما لا نعلم، وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. اللهم ارحمنا برسـول رحمتك، واغفر لنا وتب علينا بجاهه عندك، وألف اللهم بين قلوبنا بنوره، ولا تتركنا لأنفسـنا طرفة عين ولا أدنى من ذلك بعيدا عنه، وعافنا من إقامة عدلك فينا بوصلته، وعاملنا بعفوك ورحمتك بنعمته. اللهم تولَنا برحمتك حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، مجاهدين ومتابعين، يقظين وغافلين. اللهم أنزل سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا.
أضواء على الطريق
(ما يجب عليكم محاولة تعلمه هو أن كرم الروح الأعظم يجب أن يوزع بين الناس بالقسـطاس المسـتقيم. عندكم أناس ليس لديهم من الزاد ما يسـد الرمق، وعندكم آخرون لديهم من الطعام ما يتخمهم. هذا خطأ بالطبع، عليكم أن توزعوا ما عندكم من أرزاق على من لديكم من الناس، أليس هذا أمرا يسـيرا!)