(٤)

السبيل
بمحمد بصيرة ميسرة
وبحقيقته قيامة مقدرة

حديث الجمعة

١١ رمضان ١٣٨١ هـ - ١٦ فبراير ١٩٦٢ م

أعوذ بالله من الشـيطان الرجيم، وأسـتعين باسـم الله الرحمن الرحيم. قال روح الإحاطة في كتابه الكريم {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سـبلنا}[١]. كما أمر رسـوله أن يقول {قل هذه سـبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}[٢]. كما ورد بنطقه الكريم بالكتاب من ذات معناه {إن ربي على صراط مستقيم}[٣]، فقال له من لم يكن هو غيره {وإنك لتهدي إلى صراط مسـتقيم}[٤]. قل هذه سـبيلي سـقط الفرق بيني وبينك.

هذه العبارات توجهنا لأن نفكر ما هي السـبيل إلى الله؟ وما هي المجاهدة في الله؟ فالناس يرددون دائما لفظ الطريق إلى الله، ويقولون - بحق وبغير حق - إنهم يدعون إلى الله، وإنهم يأمرون بمعروف وينهون عن منكر، وما تحددت في أنفسهم معاني لمعروف ولا معالم لمنكر. وما تحددت في نفوسـهم معاني المجاهدة في الله ومرماها ومغزاها، وبدؤها وانتهاؤها. وما تحددت أيضا في معارفهم معاني السـبيل لله، أو السـبيل إلى الله، أو السـبيل من الله. وما تحدد في وعيهم معرفةٌ عن الله الذي يكون له الولاء وإليه المصير وإليه المسـير، ولا عن أنفسـهم ما تكون في قيامها، وفي ماضيها، وما ترجو لقابلها، وما هي في الله، وما كانت من قبل في الله، وما تكون من بعد في الله. كل هذه قضايا يثيرها وعينا لقوله {والذين جاهدوا فينا}[٥]، وما يَعِد الذين جاهدوا فيه بقوله {لنهدينهم سـبلنا}[٦]. الذين جاهدوا في الله يهديهم الله إلى سـبيله، وإن صدقوا يهديهم الله سـبيله، يهديهم الله إلى من جعلهم الله منه إلى الناس سـبيل الحق إلى الناس، إذ جعلهم الله منه بباطنهم إلى الناس سبيلا للناس من الناس بظاهرهم، فكانوا سـبيلا لله من الله إلى الناس، وسـبيلا للناس من الناس إلى الله. وبذلك كانت السـبيل هم الناس رحمة من الله يميتهم عنهم، ويبعثهم به فيبعث بهم الحق منه في قيامهم في أنفسـهم، يهديهم الله باصطفائه سـبيله، ويغير ما بهم فيجعلهم في أحسـن تقويم مثالية مرتضاة للناس، قدوة وأسـوة على ما هم من الناس ليكونوا رحمة الله للناس، وأحواض الحياة للناس، وماء الحيـاة للناس، ومصابيح النور للناس، ويد نجدته للناس، وسـفن خلاصه بين الناس يركبها الناس، رواسـي الأرض أن تميد بالناس، جاؤوا ببعثهم بالحق ومثله من الله المدين له بالولاء دينا، المتوجه إليه بالرجاء جهادا، المرتبط به بالحياة اسـتقامة، له المثل الأعلى من الناس للناس في السـموات والأرض المرجو في وصلته للنجاة…

النجاة من أي شـيء؟

النجاة من أنانية العزلة عنه والفرقة منه، بقيام الشـرك به بأنانية النفس، وهو لا يقبل أن يشـرك به، ويغفر ما دون الشـرك به لمن يشـاء. وكيف يضاف إليه موقوت النفس وهو الدائم! ومظلم الحس وهو المشرق! فلابد من وسـيط يحمل للناس بينهم معناهم، ويحمل للحق في حضرته معناه. ذلك هو الرسـول بوجهه من الله إلى الناس، وبوجهه من الناس إلى الله. خلق مع الخلق، وحق مع الحق، باطنه مع الله حق، وظاهره مع الناس خلق. أمين الحق بباطنه، وأمين الخلق بظاهره، واجتماع الخلق بالحق بحضرته.

هذه صورة للسـبيل تقوم من الحقيقة إلى الخليقة ببعث الخلائق بالحق، ومفارقتهم لصفات النفس من الخلق إلى وصفها من الحق نفسا للحق وبيتا له، يعنونها بين الناس كلمات الله تترى من لدنه إلى عوالم خلقه في السـموات أو في الأرض، يتابع الناس فيها أحواض الحيـاة بينهم على ما هدى الله وعلى ما هدى رسـول الله. بها لزم الإمام منها وجها لها. قيل للهادي فإن لم يكن؟ قال لهم الزم الجماعـة، قيل له وإن لم تكن؟ قال لهم (عضوا ولو على جذع شجرة)[٧]، لا تحيا منفردا، ولا تجاهد شاردا، فالذئب يأكل من الغنم القاصية. لو اعتقد أحدكم في حجر لنفعه اعتقاده، وخلصه من نفسـه. يد الله مع الجماعة ما تواد الناس وما تناجى الناس في الله على أمره. فما اجتمعوا على ذكر الله إلا كان رب الناس في رعايتهم، وفي تأليف قلوبهم، وفي كشـف حجب الغفلة عنهم، وفي نصرتهم على أنفسـهم {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سـبلنا}[٨]. وما نصروا على أنفسـهم إلا كان ملك الناس بينهم وإلـه الناس في قلوبهم.

إذا تجمع الناس على جذع شـجرة من بينهم… إذا تجمع الناس متوسـمين الخير في رجل منهم، قدروا له بشـجرة الجنس شـهدوها في إمام بشـريتهم لها صلة ما بصاحبهم كيف، وقد يكون صاحبهم صالحا لكلمة لله تم لها في مجاهدتها قسـط من المسـير فنالت نصيبا من الحق، وعرفت شـيئا من العلم، وقد تكون في طريقها لذلك، ولكنه في ظاهره بحاضره يقوم في مأمور التشـريع وينتهي عن منهي الأمر، ويجاهد نفسـه على ظاهر من أمره، ويتواد مع إخوانه من المسـلمين ومن المؤمنين، يعطي ما عرف، ويأخذ مما عرفوا، يتأملهم ويتأملوه، يتوحدهم ويتوحدوه، يتواجدهم ويتواجدوه، يندمج معهم ويندمجون معه على ذكر الله والنجوى فيه… إن فعلوا ذلك أبرز الله فيهم به ومنهم - ما صدقوا - وجها له وعبدا له يكشـف الغطاء عنه، وينعكس بصره في بصيرته فيرى ما احتفظ به الرسـول لنفسـه، يرى من ليس كمثله شيء، يرى ما ينشـد، يرى ما يطلب، يرى الله في حيـاته ومعاني الحيـاة، ويرى أن نوال الحق من الله في هذه الحيـاة مما تحقق له وما كان إلا باجتياز باب مماته كما فعل به، إذ بعث بجمعه وغاب عن نفسـه وفرقه، اقتحم العقبة، مات عن نفسـه، ماتت نفسـه، فأمسـكت يد الله نفسـه أن تزول، وأحيتها بمن تعول، يدا دائمة لله، ووجها له وعلما عليه، فنى عن عنوان كل من عليها فان، وبقي بعنوان من ليس منها فهو بالمحبة باق، وجها لله، ومصباحا لنفسه فيمن يعول، في ظلمات الطريق يشـهد به من يتابعه، ويسـعد به من يجتمعه، وينجو به من يتوحده.

هذه طريق من الخلق إلى الخالق بالحق في الخلق… هذه سـبيل من الحيـاة الدانية إلى محاكاة الحيـاة العلوية المتدانية… هذه سـبيل إلى الله يعنونها إنسـان وجمع…

فالقول بأن الطريق أو السـبيل يعنونها آت من الخالق إلى الخلق بروح أمين مرشـد وجمعه وملئه وأمته ودائرته وعالمه، فهذه رسـالة الروح من الآبـاء يلبيها الأبناء من الخلق إلى الخالق بإمام وعبد وبرسـول وجمعه وصحبه ومتابعيه وأمته ومحبيه، فهذه رسـالة النبوة وأئمتها. فإذا تسـاءلنا ما هي الوحدة في الرسـالة؟ وجدناها الوحدة في الإنسـان، وجدناها الوحدة في الحيـاة، كلنا ذوو نفوس، ولكل منا أنانيته، فماذا يعني الله بقيامه على كل نفس بما كسـبت؟ إن الله ينظر إلى قوم كفاتا وينظر إلى أقوام من قلوب آخرين. نعم إن الله قائم على كل نفس بقيام معاني كلماته لهم. فما هي وحدة الإنسان في كلماته بالكلمة منه؟ من يكون الباعث للكلمات والمقيم للآيات والمسـتقبل للخلق والأوادم؟ إن الكلمة الواحدة في الله هي إنسـانية كاملة في حقيقة الأمر. إن أرضكم هذه ومن عليها إنما تقوم بكلمة واحدة تأتي من الله رحمة للناس، وتفتح باب الرجاء لكل نفس على الأرض، كلمة بعد كلمة تتخذ من ظاهر الأوادم منكم جلبابا لها هو لها دثار، من عباد الرحمن يمشـون على الأرض هونا، هم أناها، وهي في معناهم معناها، إذا خاطبهم الجاهلون سالموهم ما خاصموهم، ولا مقتوهم، ولا عن السـبيل ردوهم، ولا من اليتم في الله حرموهم، ولا عن أحواض الحيـاة بهم منعوهم، ولا عن أبواب الرحمة فيهم نهروهم. إذا ما تجمع الناس بأنفسـهم حول وجه الله بها وكلمته لهم بينهم توسـموها عرفوا أن كلمة الله إليهم ما أسـفرت لمن له أسـفرت من بينهم إلا وهي عنده قيام جماعهم وسـاحة اجتماعهم، إلا وهي مائدة غذائهم وحوض ورودهم، إلا وهي سـبيل سـيرهم، وسـفينة خلاصهم، وعلم عسـكرهم، يوم يدعو الله كل أناس بإمامهم…

تترك المتخلفين، وتسـرى بالمتابعين. تترك المتخلفين مُنظَرِين مرجئين، غير يائسـين ولا مبتورين، انتظارا لكلمة لله منهم تنشـأ أو إليهم تعود من واسـع رحمة الله بهم. فالكلمات على جانبي الحيـاة هي وصلات الحيـاة، ما كانت الحيـاة على الأرض، أو ما كانت الحيـاة في غيبها عنها في السـموات.

لو أن الناس كانوا في قيامهم على إيمان مرضي بالله أو على إسـلام حقي لله ما كانوا في حاجة لأن يجاهدوا في الله جهادا أكبر أو جهادا أصغر. إن الناس فقراء إلى الله، والله وحده هو الغني الحميد. والله وحده هو الذي يبدأ ويعيد. والله يقوم به القديم كما يقوم به الجديد. إن الناس يقومون في الله وبهم لهم يظهر الله. فما تكون المجاهدة؟ ولِمَ تكون المجاهدة؟ أليسوا قائمين بالله؟ أليس الله قائم بهم وعلى كل نفس شهيد؟ أليس الله من ورائهم محيط؟ أليس الله أقرب إليهم من حبل الوريد؟ ففيمَ تكون المجاهدة؟ وهم بهذا الوصف ولكنهم في غفلة عن هذا، فدفع بعضهم ببعض ليبلوهم في صدق إيمانهم، وليكشـف لهم الغطاء بالاستشـهاد في الجهاد الأصغر. إن الرسـول يوم قال لقومه في عصره: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، فتسـاءل الناس وسـألوه - أهناك جهاد أكبر من أن يقدم الناس ذواتهم على مذبح الحق في ميدان القتال، تاركين خلفهم أزواجهم وأولادهم وأهلهم، مجاهدين في سـبيل الله؟ قال نعم… هذا جهاد صغير أن تجمع نفسك وأن تندمج مع جمعك فتتوجه في غضبة في الله إلى ميدان القتال، ترجع إلى الله بشـهادة مستشـهد فيه أو ترجع إلى أهلك بغنيمة. إنها فترة قصيرة ووثبة جامحة. إنها لمحة في حيـاتك الأرضية بها تسـعد وبالتخلف عنها تشـقى، ولكنها فرصة تتاح يوم يؤمر الناس بالقتال في الله مع إمام صادق لهم، فهي فرصة عارضة وليسـت فرصة دائمة، وهي في الوقت نفسـه لها جزاؤها على قدر عنائها. أما الجهاد الأكبر فهو في أنك تثير معركة مسـعرة تشـب بين ظاهرك من المادة بهذا القيـام وبين باطنك من الروح من الحق في هذا القيام من ذاك القيام، تحارب أنانيتك من الخلق لتميتها في مجالها الجديد وفي معركتها الجديدة، وتنصر عليها روح الله وروح الحيـاة بمعناه، في معركة مشـبوبة دائمة لا تفتر في نهارك ولا في ليلك. إنك على ما تموت في ميدان القتال كما تعرف بيد غيرك يعينك على الاسـتشـهاد، يجب أن تموت في ميدان القتال بين أبعاضك على ما عرفت بيد نفسـك، فتدرك ما إليه تشـرف - كما يدركه شـهيد الميدان - في مجال الرحمن، روحا منطلقا في الله في جنة عرضها السـموات والأرض أعدت للمتقين ينالها المستشـهدون، ويتصدرهم بحق من جاهدوا في الله حق جهاده أنفسـهم في ميدان الجهاد الأكبر، فيجزون الغرفة بما صبروا قبلة للمستشـهدين وقبلة للمؤمنين.

الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سـبلنا. إن الذين استشـهدوا في ميدان الجهاد الأصغر، لا بل والذين استشهدوا في ميدان الجهاد الأكبر، إنما ينحصر العطاء والجزاء في أن يجمعهم قائد من الله على كلمة لله في السـموات أو في الأرض. إن الذين جاهدوا الجهاد الأكبر في الأرض يجمعهم الله ليكونوا مسـحاء حقيقة له على كلمته في الأرض في زمانهم، وعلى عبد له بها في الأرض ما صدقوا طلب الله، وما صدقوا طلب الاجتماع على كلماته هدفا لهم، وغاية لأنفسـهم وعقولهم، فهي منهم وهم منها. والذين جاهدوا مع كلمة لله في الأرض كتب عليهم القتال معها ما أدركوها وما عرفوها، إنما وعدهم الله أن يكونوا معها في مسـراها فيعرفونها بحقها ومعناها في مآلهم في حيـاتهم من الروح بها. إن الذين عرفوا كلمة من كلمات الله على الأرض أو وجها من وجوه كلمة لله عليها، فبمجاهدتهم واجتماعهم يتابعونها في معراجها إلى السـماء، كما يتابعونها في امتدادها إلى الأرض ركبوا سـفينة النجاة والسـلامة. إن الجنة في جوارها، وإن حضرة الله في التوحد بها، وإن الحيـاة في تواجدها، وإن النور في فيوضاتها، وإن السـعادة في ارتضائها، وإن وحدانية الله في وحدانيتها، والقيامة في القيام بعينها وجها له.

إن الله هو من نتوجه إليه بالولاء، ومن نتوجه إليه بالعقيدة، ومن نتوجه إليه بالاسـتعانة، في أمرنا من أمره نتوجه إليه بتنزيهه عنا وبتنزيهه عن وجودنا بغيره. شـرفنا في الولاء له، وإيماننا في العرفان به، لا حدود له، لا غيـاب له، لا اجتماع عليه، فالاجتماع عليه قائم بروح الحيـاة فينا، فكيف نزعم أننا لسـنا مجتمعين عليه وهو روح الحيـاة لنا؟ إن الكفر في طلب الاجتماع عليه وإنكار الاجتماع عليه بقائم الحيـاة فينا، ولكنا نطلب بمن هو فينا أن يجتمع علينا بكشـف الغطاء عنا، ومضاعفة الحيـاة لنا باجتماعنا على من هو منه معنانا لنا كلمة الله وأحسن تقويم للإنسـان علينا بيننا، رسـولا من أنفسـنا هو منه لنا، ومنه آدما وأبا لنا هو منه أوجـدنا. إننا في كلمة لله، في آدم لله، في روح قدس لله، في ابن لإنسـان الله، في بيت لله علينا يقوم، وعلينا قائم، ومنا يتجدد، وفينا يبعث. إن كلمة الله في تمامها إنما هي باطن آدمنا، وآدمنا باطن أمومتنا، وأمومتنا باطن بنوتنا، وجامع أخوتنا، فالأصـل كلمة الله، منها خلق، وبها سـوى، وكلمات الله في الوجود تترى على جانبي الحيـاة، وهي كما قلنا الطريق من الخلق إلى الخالق بأوادمها، والطريق من الخالق إلى الخلق بأنوارها وروحها.

إذا عرفنا هذا عرفنا أن كتاب الله مع كل نبي، ما كان إلا معناه، وما كان بمعناه إلا كلمة لله، إلا كتـابا لله جمع بين دفتيه صحائفه من قومه، في قديمه وفي قائمه وفي مسـتقبله. وليس محمد بدعا من ذلك ولا منفردا به، ولا ممنوعا منه، فمحمد عليه السلام والصلوات كان كلمة قبل أن يجيء بآدمها، ويصير كلمة بعد أن جاء بآدمها، وما كان في قيامه يوم قام إلا كلمة بآدمه جمعت من اجتمع عليها رحمة من الله. فهو من نوح إلى موسـى آدم الثاني مع القديم المعروف، وهو آدم الأول مع الجديد الموصوف.

وما كان قرآنه إلا كتاب يمينه، عَرف به نفسـه، وعرَّف به عن نفسـه بحقه، وعرف به ربه، وعرَّف به عن ربه، وما كان ربه إلا كلمة لله تامة، وما كان رفيقه الأعلى المنشود منه إلا كلمة لله، أوجده الله في خلقية على مثالها قديما له في قديمه، ومحدثا له في محدثه، وإماما له في قديمه، وإماما لها في قابلها بمعناها لمعناه في مسـتديمه، بها عرف ربه، وعرف نفسـه، وعرف ما كان وما يكون من أمره، وعرف أن المعـراج بالتعالي عن الخلق وعالمه لا يتناهى في الله، وأن الخلق في تداني لا يتناهى إلى عالمه من الله. عرف دوام الخلق في دوام صفات وفعل الخالق الكل في الله، والكل من الله، والكل إلى الله.

إن محمدا عليه السـلام والصلوات كشـف لنا شـرف الكلمة في حقيتها وخلقيتها. كشـف لنا شـرف الكلمة في نورانيتها ويومها وظلاميتها وليلها. كشـف لنا شـرف الكلمة في دثارها بقوالبنا بمدثرها بدثار وصفه من خلقه بآدمها. كشـف لنا أن ناشـئة الليل أشـد وطئا وأقوم قيلا. كشـف لنا فينا نورانية الكلمة في نور باطننا وحقيتها في حقي قلوبنا. كشـف لنا أن للكلمة في النهار سـبحا طويلا. كشـف لنا أن ليلة القدر خير من ألف شـهر. كشـف لنا سـر تحجب الصادق بالصادقين وتكنزه بواحدية الله في الموحدين. كشف لنا عن عظمة العبد لله يوم يعرف فيقول إني عبد الله. كشـف لنا معنى الحيـاة، وروح الحيـاة، وسـر الحيـاة. كشـف لنا معاني النجاة وهيأ لنا أسـباب النجاة بسـفين من الله يوم قال (مثل أهل بيتي كسـفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك)[٩]. أقام فينا كتاب الله حيـا في عترة لا تغيب يوم قال لنا (تركت فيكم كتاب الله وعترتي، ما إن تمسـكتم بهما لا تضلون أبدا، فإنهما لا يفترقان أبدا)[١٠]. كشـف لنا الطمأنينة، وهيأ لنا أسـباب السـكينة يوم قال (لا تزال طائفة من أُمتي قائمون على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى أن تقوم السـاعة)[١١]، وأمننا على بلاغه وحكمته يوم قال (لا زال هذا العلم يحمله عدول من هذه الأمة طبقة بعد طبقة، إلى أن تقوم الساعة)[١٢] أو إلى يوم القيامة. وما السـاعة أو القيامة عنده إلا أن تقوم دعوة جديدة، ورسـالة جديدة للسـماء وللروح، يتجدد بها دين الفطرة. وآمننا على ما جاءنا به من الخير رحمة مهداة يوم قال: الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة، أي يوم يقوم تجديد الفطرة بداع بينكم بالمقام المحمود لي، كما قمت بالكلمة في تمامها من تمام مقام عيسـى، لم يسـتوفه بعد، ويسـتوفيه يوم يكلمكم كهلا من أمتي منكم، (كيف بكم وقد نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم [فأمكم منكم]؟)[١٣] وهو ما تنتظرون وعن قائمه منه تتغافلون وتتغامزون، ولم أظهر بينكم بما لي من الله فما عرفني غير ربي وأنا روح القدس، لأن الأرض لا تستطيع وطأتي كما عرفكم أخي عيسـى من قبل، فلسـت على هيأتكم، لسـت كأحدكم، ما عرفني غير ربي، وما عرفتني بعد. وإني على عظمة عطائي وقيـامي في الله فإني عبد فيه مسـكين معه، متضائل في عظمتي مع عظمته وعظمة خلقه، أدبني ربي فأحسـن تأديبي، وفتح بي أبواب رحمته لخلقه في عالمي الحيـاة، ما أرسـلني فيهما إلا رحمـة للعالمين، فما أعطيته، وإن أكبرتموه، فهو لمن تابعني، فهو لأمتي، وأكبر منه وأضعافه هو في انتظاري لي لأني أنتظر لي ولأمتي من الله مزيدا عما أخذت عطاءً غير مجذوذ. إني أسـأل الله لي ولأمتي سـيرا فيه لا يتوقف، ومعرفة عنه لا تتناهى فقد عرفته لا يتناهى، وعرفته في معاني عباد، من رفاق أعلى لا يتناهون في الافتقار إليه والاسـتقبال منه والسـير إلى مزيد فيه وغناء به.

هذه عقيدتي فيه، له ولائي وأطلب أن يكون منكم له ولرسـوله ولاؤكم. أقوم عليكم بربي شـهيدا على الشـهداء عليكم حجبا لي وأنا له حجابه، ويقوم عليّ ربي بربه، لا أعرف إلا هذا الذي هو عليّ قائم ونفسـي بيده. أعرف ربي ومرسـلي، أعرفه رسـولا من ربه ومرسـله. وها أنا بينكم رسـول ربي، فكونوا إلى الناس رسـلي لمن لم يشـهدني من خلقه، فما أرسـلت إلا كافة للناس، فليُبلغ الحاضر منكم الغائب بما بلغه مما أحمل إليكم من ربي، فتحملون بلاغ الله إلى الناس عني، فتفقهون بما تحملون، وبما تعلمون، وبما تحبون، وبما تتابعون، فتكونوا رسلي. وقد تكونون رسـلا إلى من هو أفقه منكم وأكثر اسـتعدادا لتقبل قولي، فلا تيأسـوا من ظلام أنفسـكم، واجعلوا رجاءكم في متابعتي ومتابعة من تحملون إليه قولي إن صلح عنكم.

إن ربي كما أعرفه، وإن إلهي كما أعرفه، وإن الله كما أشـرفه في الانتسـاب له عبدا، لا يحده زمن باتجاه، فلا هو القديم ولا هو الآتي ولا هو الحاضر، ولكن الأزمان من خلقه تعرفه وتعرف عنه. لا تيأسـوا من الله ولا تيأسـوا من اتصالي بكم إن غاب عنكم شـبحي المبلغ. لا تيأسـوا من وصلتكم معي فإني بينكم في دوام بتكاثري بعثا فيكم، وبروحي مرتبطة بكم، فأنا حي في قبري وحي في قلوبكم. أنا الناس النيـام في نيامهم، وأنا الناس القيام في قيامهم، أفرغوا من قلوبكم ما بها من أنفسـكم تجدوني. طهروا ما بأنفسـكم من جفوة لله تعرفوني. إن عرفتموني لا يؤخذ بكم يوم العرض دوني. وإن أحدثتم من بعدي فإني بريء ممن أحدث بعدي.

هذا جاءنا به رسـول الله فصدقناه القول بقليل منا، وصدقناه الفعل بالأقل، وتخلف عنه الجمع، ونبذ الناس القوم من الصادقين والصديقين، فزعم الجمع لأنفسـهم الانتسـاب للسـنة، يتكلمون بلسـان الجهل والظلام والمادة باسـم تعاليم الروح. سـبحان الله أهناك أبلغ مسـخا للحقائق وتحريفا للكلم عن مواضعه من مسخ هؤلاء الناس لما جاءهم به الروح وقدمه نبيهم بذاته في بلاغه وبروحـه في إمداد وانتشـار!! يتكلم معهم القوم عن الروح، وأسـرار الروح، وقيام الروح، وقرب الروح، ومعنى الروح، وكشـف غلالة المادة عن الروح قائمة فيهم وقائمة عليهم، هي قيام الله بهم وقيامه عليهم. ساعة الله سـاعة لقائه فيهم، وقيامة الله يوم قيامه بهم، وحشـر الله في جمعهم على ذلك لهم هو معهم بهم، وآخرة الله صاحب الأولى والآخرة قائمة في قيامهم يوم يزحزحون عن مادياتهم إلى روحانيتهم، فيرفضون كل ذلك وهم من الروح وبالروح وإلى الروح، والروح بهم قائم، وفيهم مداني، منكرين على أنفسـهم بإنكاره لهم، ثم يتكلمون مجسدين كل شـيء، ماديين في كل شـيء باسـم تعاليم الروح، والتعاليم الروحية، والمعاني الروحية، والقيم الروحية، الله عندهم بعيد عن حياتهم وعن وجودهم، والروح عندهم في معاني المادة، والملائكة عندهم في صور المادة، فهم عند أنفسهم في قيامهم مادة في حاضرهم لا روح لها، وهم في مستقبلهم مادة لا روح لها، وهم في بعثهم مادة، وقيامتهم مادة، وسـاعتهم عندهم مادية، ثم هم مع ذلك كله روحيون. ما أسـمجهم! ما أرذلهم، ما أحطهم! ما أسـفلهم! ما أتعسهم! انتظروا إنا معكم من المنتظرين. إن موعدهم الصبح وقد أصبح الصبح قريبا، فما هو ببعيد. سـيعرف الناس في ظلامهم عما قريب أمرهم، سيهزم الجمع في ضلالهم، سـيهزم الناس في جمعهم، سـيهزمون في ظلامهم، سـيهزمون في أنانيتهم، سـيهزم الجمع ويولون الدبر.

سـتبرز السـاعة لهم وهي أدهى وأمر. سينكشـف الأمر عما قريب فانتظروا إنا معكم منتظرون. إنها مقاييس من أوقات ببـوادرها تعد، نحن فيها بمعالمها بين الأمس واليوم والغد، يكفينا منها أننا شـهود على ظلم الناس لأنفسـهم في ظلامهم، وأننا نعمل بمن أرسـل رحمة للعالمين، وسـيفعل الله ورسـوله بنا الكثير كما فعل، وسيهدي الله بنا الكثير كما هدى، وكم فعل بأسـلافنا منا ونحن منهم…

وسـيقدم الله بنا ما يشـاء من رحمة الحق، فنحن على الحق، ونحن من الحق بقلوبنا، كما أنا من الخلق بقوالبنا نحنُّ إلى الحق، ونحنو على الخلق، نحنُّ إلى محمد وإلى أمة محمد، ونحنو على محمد وعلى أمة محمد. هذه البشـرية إنها محمد، كلها محمد. البشـرية في ظاهرها وفي باطنها إنما هي محمد، إنها انطلاقاته، إنها آياته، إنها تواجداته، إنها نفحاته، إنها أحواضه، إنها قياماته، إنها سـاعاته، إنها بعثه، إنها حيـاته ومماته، إنه ما بين قبر ومنبر يقوم ويقبر، لا يتوارى له منبر، ولا يجهل له قبر، لا يحتجب ما بين قبر ومنبر، ولا يجحد يوم يعلو المنبر، ولا ينسـى يوم يقبر. إنه الناس… إنه الناس نائمين في الله… وإنـه الناس قائمين بالله… وإنه الناس قائمين في الله… إنه عبد الله وكفى… إنه عبد الله المصطفى… إنه آدم اختياره، وإنه كلمات جواره… وإنه آيات أسـراره… وإنه بحـار معارفه… وإنه أنوار مشـارقه… وإنه خضم خلقه لا يتناهى بدؤه ولا بداية له، ولا يتناهى انتهاؤه ولا نهاية له… لا توقف له يقوم ويتقلب في السـاجدين والكل سـاجد. اعرفوا رسـول الله في أنفسكم، واكشـفوا الغطاء عنه تصيروه، وتبقوه لأنفسـكم وللناس. إنه روح الحيـاة بين جوانحكم… إنه كتابكم تقرأونه، وإنجيلكم تحملونه وتوراتكم تتطورونه… إنه كتاب الله تأخذونه وتشـهدونه وتُشـهدونه برسـالاتكم من الله أعلاما عليه ووجوها له، بروح محمد، بنور محمد، بحيـاة محمد، بماء محمد، بوجه محمد، بيد محمد، بركب محمد، أمة الصالحين، أمة المتقين، أمة العارفين، أمة الداعين، أمة الشهداء، أمة الشـاهدين، أمة الأنبياء والمرسـلين، أمة الأئمة والصديقين.

لا إلـه إلا إلهه، ولا رسـول إلا أمينه، ولا حق إلا حقه، ولا عبد إلا معناه.

اللهم إنا إليك في أنفسـنا رجعنا، لا شـريك لك منا، اللهم فتب علينا وثبت إيماننا، وأوفر منك عطاءنا، وأدخلنا في لا إلـه إلا الله، مدخلا غير مجذوذ، وارضنا عنك من فضل رضائك عنا، عرفناه منك في غنائك وإن عصيناك، يا غنياً عن عملنا، يا من لا تضره معاصينا.

اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شـأننا، اللهم كن لنا فيما نعلم وفيما لا نعلم من أمرنا، اللهم أنزل سـكينتك على قلوبنا والسلم والسـلام على أرضنا، وارفع عنا من البلاء ما نعلم، وما لا نعلم، وما أنت به أعلم، اللهم ارفع الغمة عن البشـرية، وعن هذه الأرض، وعن هذه الأمة، ويسـر أمرها حكاما ومحكومين، روادا ومرودين، يقظين وغافلين، شـاردين ومتجهين، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، واجعل لنا من رسـولك شـفيعا عندك، ووجاءً لنا معنا من أنفسـنا، به ارحمنا، وبه أقمنا، وبه تولَنا، وبه سـلمنا فإنا به وله لك أسـلمنا، لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  2. سورة يوسف - ١٠٨ ↩︎

  3. سورة هود - ٥٦ ↩︎

  4. سورة الشورى - ٥٢ ↩︎

  5. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  6. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  7. من حديث شريف ذات صلة: “تكونُ دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَنْ أجابَهم إليها قذفوه فيها، هم قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا، يَتَكَلَّمُونَ بألسنتِنا، فالزمَ جماعَةَ المسلمينَ وإمامَهم، فإِنْ لم تَكُنْ جماعَةٌ ولَا إمامٌ فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجَرَةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ كذلِكَ.” المحدث: الألباني. المصدر: صحيح الجامع. أخرجه البخاري بصياغة متقاربة، وكذلك مسلم وابن ماجه. ↩︎

  8. سورة العنكبوت - ٦٩ ↩︎

  9. إشارة إلى الحديث شريف: “مثل أهل بيتي مثل سـفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.” أخرجه الحاكم في المستدرك ↩︎

  10. إشارة إلى حديثين شريفين: “إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ألا إنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض”. أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. و"إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما". جاء في سنن الترمذي. ↩︎

  11. من الحديث الشريف: “لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الدِّينِ ظاهرينَ، لعدوِّهم قاهرينَ، لا يضرُّهم مَن خالفَهُم؛ إلَّا ما أصابَهُم مِن لأواءَ حتَّى يأتيَهُم أمرُ اللَّهِ وَهُم كذلِكَ. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وأينَ هُم؟ قالَ: ببيتِ المقدسِ وأَكْنافِ بيتِ المقدسِ”. أخرجه مسلم والبخاري بنحوه وغيرهما عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة. وعبارة “حتى تقوم الساعة”، من الحديث الشريف: “لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.” أخرجه الحاكم. ↩︎

  12. حديث شريف: “يحمل هذا العلم من كل خلَف عدولُه ينفون عنهُ تحريف الجاهِلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين.” المحدث الإمام أحمد، أخرجه العقيلي وأبو نعيم والبيهقي باختلاف يسير. ↩︎

  13. من حديث شريف. أخرجه البخاري ومسلم بلفظ: “كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.” ↩︎