(٢)

القيامة في قيامه قائمة
والفتنة بعد معرفة عبده نائمة

حديث الجمعة

٢٧ شعبان ١٣٨١ هـ - ٢ فبراير ١٩٦٢ م

أعوذ بالله من مادي شـهودي، وأسـتعين به لكسـب قائم الروح لوجودي، عبدا له، وحقا منه، كل شـيء هالك إلا وجهه، في الإنسـان للإنسـان بالإنسـان، من الإنسـان إلى الإنسـان، كسـب به كائن الإنسـان وجوده، وحقق كائن الإنسـان له من فضله شـهوده، فعرف بوجوده موجده وموجوده، علما على من أوجد فتواجد، وخلق فسـوى، له الأسـماء الحسـنى، قائما على كل نفس، لا يفارق إن كسـبته، ولا يفنى إن فارقته، من وراء كل نفس بإحاطته، ألهمها فجـورها وتقواها بحكمته، وأقامها فيما فيه قامت بقدرته، فتنها بعزته، وأحيـاها بمنته، لا وجود بحق إلا له، ولا شـهود لحق إلا به، ولا قيام لحق إلا منه، ولا علم بحق إلا فيه. الإنسـان مظهره، والإنسـان كتابه وخبره. الإنسـان عارفه ومعروفه، واصفه وموصوفه، قائمه وغيبه، أبده وأزله، سـرمديه وموجوده، لمن عرفه ربه فعناه، عرف نفسـه عبده فتولاه، لا إلـه غيره ولا عابد ولا معبود سـواه.

أشـرقت الأرض بنور ربها بما أنزل على عبده من نوره وهو الحق منه من الحق به، فتلاقى حق الأرض وحق السـماء فيه، جعل له نورا يمشـي به في الناس، سـيد الناس، ورب الناس، وسـيد ولد آدم، وعبـد الله، وروح الله، ونـور الله، ووجه الله، والحق من الله لا ريب فيه، لا عوج له، يومَ كتـاب وحسـاب، وليلة قدر وحجاب، وآدم بدء جديد ذكر لأزلي إنسـان وقديم ذكر. أهداه الغيب للشـهادة حوض ورود، جعلت السـاعة في محبته إلى ربه منتهاها، وجعلت القيامة في طاعتـه ووده يقوم ويتقلب في السـاجدين، وجعلت الجنة في رحابه مزلفة للمتقين عبدا تدخله النفوس المطمئنة، وجعلت النـار لمن قلاه وجانبه ولم يدخل في جنابه، بالقطيعة عن متابعة قائم معنـاه، مبرزة للغاوين في النفوس والتوائها، جعل بعثه بين الناس بقائمه بدءا لهم، وذكرا للسـاعة بينهم، وعِلما لها وعَلَمَا عليها، وجعل قيامه فيمن يبعث به، ويقوم فيه بالسـجود لربه، زحزحة عن النار، وإدخالا للجنة، وفوزا بالخلاص، يسـاقون إلى الجنة زمرا برحمته، ويسـحبون إليها بالسـلاسـل بإرادته، ففيمَ يتكلم الناس عن رب الناس، وقيام رب الناس على الناس، وقد جاءهم رحمته، وبقي فيهم على دوام منهم وجهه، به أجاب نداءهم إذا نادوه، وبالحق حققهم، وعبدهم به ربهم يشـهدوه وبربه به يقوموه؟

يتحدثون في هذا الزمان وفي هذه الأيام وفي هذه الآونة، كما تحدثوا قديما وكما سـوف يتحدثون، في قيامهم في قانون الغفلة عنه، بدوام أهل الغفلة بهم كدوام أهل اليقظة بينهم، يتحدثون عما يسـمونه القيامة، يزعجون الناس ويزعجون أنفسـهم بأوهام لا أسـاس ولا سـند لها من الدين أو العلم، يتحدثون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فرحوا بما أوتوا من علم عن حركات الأفـلاك، علما لا ينفع ولا يضر، اللهم إلا إذا زاد من إيمان المؤمن، أو أيقظ في الله الغافل، ورد إلى الله الشارد، وإلا كان ضرره أكبر من نفعه… فهو علم على ما يعلم علماء الفلك عن حركة مادة الأفلاك دون الاتصال بأهلها علم ناقص. فإذا نسـبت القدسـية لأجرام الأفلاك وحركاتها فعقيدة فاسـدة منحرفة لنفوس منزلقة. أي قيامة يعني هؤلاء المرجفون؟ وأي سـاعة يعني هؤلاء المنحرفـون؟ وكم فعلوا مثل ذلك في تاريخ البشـرية وانحسـر الأمر عن خطئهم. إن السـاعة قائمة يكاد الله يخفيها، فهي ليسـت خافية على لبيب، وليسـت خافية على مؤمن، وليسـت مباعَدَة من تقي. فالقائم على كل نفس بما كسـبت، وهو قائم ما فارق، وفي سـفور قيامه بكشـف الغطاء القيامة وسـاعة السـلامة، وفي الغفلة عنه بدوام الغطاء حتى الموت سـاعة الندامة.

السـاعة في لمحة اليقظة لقيومه، من قائمه، في نفس الإنسـان في قيامه. إن لله في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها، حاسـبوا أنفسـكم قبل أن تحاسـبوا، لكل منكم سـاعة، ولكل منكم قيامة، وإنها لقائمة، من مات فقد قامت قيامته، موتوا قبل أن تموتوا، ولكل أجل كتاب. إن عبارات القرآن، كتابا يُتلى، وحروفا تتراص، وكلمات تسـتنطق، وسـور تحفظ، وكتابا يطبع، أمر لا خير فيه ولا غنـاء به إن لم يُتأمل ما فيها مما يعبر عن مشـاهد الروح، وما فيها مما يعبر عن حكمة تطورات موجود المادة ومعانيها. فالذين يجادلون في الكتاب بغير علم، ولا هدى، وبلا اسـتنارة بنور روح الكتاب مفاضة من عترة الكتاب لهم بينهم، لأنهم لا يقومون بصفاء قلوب طاهرة، وبلا تقوى عقول ذاكـرة، ولا بحيـاة نفوس متطهرة، إنما يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتبعون ما تشـابه منه ويرجفون بالظنون، لا علم لهم بها يجسـدون معروف الروح وخطابها مع مشـهود المادة وقيامها، فيخلطون بين الأمرين، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، لم يمسـوه ولم يمسـهم، ولم يقوموه ولم يقمهم، حروفا أو كلمات، أو سـورا أو آيات، فيأخذون بما خوطبت به الروح ليخاطبوا به الجسد، ويأخذون ما خوطب به أهل الجسـد ليجعلوه لعالم الروح، لأنهم لا يعرفون رسـول الله، وهو يعرفهم، وهو لا يجهلهم، ولكنه في رفق أدّبهم، وفي غيب عن شـهودهم بطش بهم ليرحمهم، فما برحمـة ذكروه، ولا بقدرة لله به عرفوه، ولا بحب تابعوه، ولا بصفاء تأملوه. لقد كان رسـول الله كل شـيء لحيـاتهم، وكل الوجود لمعانيهم، وكل الرحمة لنفوسـهم، وكل الكتاب لعقولهم، وكل النور لقلوبهم، وكان ماء الحيـاة لأرضهم، أمطرهم فما اسـتقبلوه، وسـرى فيهم فما بعثوه، وأحيا نفوسـهم ليحيوا بدورهم به قلوبهم فأماتوها وقبروها، ونفوسـهم دسـوها، وما في قلوبهم بعثوها وأحيوها فشـهدوها، ولكنهم أماتوها ثانية، فقبروها المرة بعد المرة.

أي قيامة يذكرون، والقيامة قائمة في قيامهم! من ولد فقد قام، ومن مات فقد قام، الله أقرب إليهم من حبل الوريد كيفما قاموا، ومعهم أينما كانوا، ترد أعمالهم إليهم من الحق بهم كلما أقامهم بعيدا عن قيـام به عملوا فيه جنودا لشـياطين أنفسـهم، بأعمالهم ترد إليهم، فتؤزهم أزا، يَهَلكُـون بقيام أعمالهم عليهم، وإن من قرية إلا هو مهلكها قبل يوم القيامة أو معذبها عذابا شـديدا. فما تكون القيامة؟ إنما هي برد الأعمال على أهلها، أهي غير حال لوبال يحل بالمترفين، ومجيء يوم ينصف بعدل فيه الكادحون سـواء كان ذلك على الأرض أو في السـماء بأحداث الأرض أو بأحداث السـماء؟ وفي السـماء رزقكم وما توعدون، وفي الأرض كما بدأنا أول خلق نعيده، وتلك الأيام نداولها بين النـاس. أتكون القيامة في هلاك القرية بماديات مبانيها، وماديات سـاكنيها! قد يكون! أم أن هلاك القرية إنما هو في قيام أعمال أهلها عليهم، وقيام حسـابهم، ورد عملهم إليهم بتداول الأيام بين الناس يهلكهم الله بمترفيهم حي معانيهم فيهم لأنهم ما عرفوا الله، وما دخلوا في حصن وحدانيته، ما دخلوا في حصن لا إلـه إلا الله، وقد كانوا في حصن لا إلـه إلا الله، بقيوم الله عليهم قائمين على الناس، فبرحمـة الله لم يقوموا، وقاموا بطغيان أنفسـهم، فجانبوا حصن لا إلـه إلا الله فيه يتآخون غنيهم وفقيرهم، سـيدهم ومسـودهم، أخرجوا أنفسـهم من حصنهم بأعمالهم فأصبحت أعمالهم كسـراب بقيعة، وجدوا الله عندهم فقدوه، ووجدهم عبّدوا أنفسـهم لما صنعوا، ثم هو ربا عليهم أنكروه، وإلى ربهم ما نسـبوه فرحمـوه فأدركوه بل إلى أنفسـهم نسـبوه فكفروه، وعلى كفر به لاقوه. فهذه قيامة الأعمال على أصحابها، المقتضية الهلاك في إهلاكها لمصدرها، وكم أهلك الله من قبل أمة محمد، وكم أحيا الله من قبل أمة محمد. إن الله من بعد بعث محمد أقام به أمته، أمة محمودة الآثار، قائمة بالتذكير والأذكار، تؤمن به ربه وتعرفه كتابه، أقرب إلى كل نفس من حبل الوريد، جعلها أمة وسـطا، يقوم عليها قيومها من القديم رفيقا أعلى خلف رسـوله عليها، وتقوم به قيومـة على أبنائها من الجديد حقا مقاربا مدانيا، على حق أبدي متجدد في الناس لا ينقطع ولا يغيب. لقد أشـرقت الأرض بمحمد بنور ربها، ووضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشـهداء وقضي بينهم، أولئك النبيون رفعنا بعضهم فوق بعض درجات، منهم من كلم الله، ومنهم من شـهده، ومنهم من قامه خليفة عنه ووجها له، ثم جاء بمحمد عبدا له قديما فيه لكل إمام رسـول أمن لمن طلب الأمن مع الله، ورسـول سـلام لمن دخل في سـلام مع الله، قـدر الله حق قدره، ووصف نفسـه عبده، وحقق الله فيه للعبد وعده، كان يده ولسـانه، كان قوله وجنانه، كان قدرته وعنوانه، كان عزته وتعاليه، كان رحمته وتدانيه، كان فيه دوام وجود العبد، عنوانا لدوام تواجد الرب في سـرمدي وجود الله كتابا مبينا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ظاهرا بوجوده، معروفا في وحدة شـهوده.

فما الأجرام والكواكب إلا دور عباده من أهل رشـاده ملكا موهوبا، وعطاءً غير ممنون، جعل العمل وسـيلة كسـبه، وداول الأيام بين الناس على أسـاس من فعلهم فظهر فعله في سـائر عوالمه.

أشـرقت الأرض بمحمد حيـا في قبره حقيقة الحجيج له، وحقيقة الطواف به بالطواف ببيته لمن عرف بيته إذا عرف بالدين بيته، معروفا بشـرعته، مرشـدا إليه بسـنته، قائما بحقيقته، جديدا للجديد من الناس بجدتهم بجدته، قديما للقديم من الناس بحقيقتهم لحقيقته، كعبة مدانية بذاته، متجددة في التواجـد بذواته، تتصاعد لبنات للمرفوع من البيت، لا يغيب أبدا لها ظهور قرين ظهور الله، لا يفتقد أبدا عبده ورسـوله قدوة للناس بدوام رحمة الله تتجدد مع تواجد الناس، وتغيب مرفوعة مع غيابهم ورفعهم، بغيابه لا قدوة لهم، وبغير جديده لا حيـاة لهم، وبغير حقه وحقيقته لا تحقق لهم، وبغير إمداده لا امتداد لهم، جذوة الحيـاة في قديمها، وفروع الحيـاة في جديدها، والشـجرة الطيبة للحيـاة في قائمها، أما غيره من قلاته فالأبتر، والشـجرة الخبيثة تجتث فما لها من قرار بمظهر، وأما عينه في بسـتان الحيـاة فالشـجرة الطيبة والكلمة الطيبة أسـوة للناس، أصلها ثابت يعرفه أهل طلبه، فإذا عرفـوه أحبـوه وعرفوا كيف يتحمل عنهم ويؤثرهم على نفسـه، عرفوا كيف هو لهم بجديده وتجدده شـمعة تضيء وتحترق، يهتدي الناس بنورها ويسـتدفئون بنارها، فتصبح نور عقولهم ونار أنفسـهم، ويتأملون بها لهم قدوة، وفيها لهم أسـوة ليقتدي الناس بوجودها هيكلا ونصبا في حركاتهم وتنقلاتهم بفيضها، فيدركون أن رحمة الله بها لهم بما فعلت لنفسـها قدوة، وبما فعلت لهم بنفسـها أسـوة، وأن ذلك من الله لهم لا ينقطع أبدا، إذ لم يجعله ربه في الناس أبترا، وجعله للناس كوثرا بالنور يمشـي في ظلام نفوسـهم، وجعل سـيف الله في يده، يقتل باسـم الله من عشقه وعشـق الله ليبعثه بنور الله به فيحييه، صلى لربه ونحر، وربه في الناس ذكَّـر فذكـر، أعـان من طلب الموت لنفسه والبعث به لربه، على تحقيق مراده، فأماته وبعثه، ثم في الأرض قبره وبنفسـه جدده فنشـره، جديد كل تقي، ومعراج كل علي، وطريق كل ولي، وذكر كل صديق، وآدم كل نفس، وروح كل حي، ونور كل مسـتقيم، وكتاب كل عليم.

فكيف ذكر الناس محمدا؟ كيف ذكر الناس رسـول الله؟ كيف قدر الناس عبد الله؟ جعل الله في تقديره عبـدا له وربا لهم تقديرا لله ربا له. إذا برزت في تقديره عظمته عبدا عرفت وقدرت لله كبرياؤه وعظمته ربا. إذا عرف للناس علوه وتعاليه تعالي الله عندهم في معانيه، وإذا عرفت للنـاس معاني رحمة الله فيه تذكروا لله قربه منهم وتدانيه، وكان الله أقرب إليهم منه في إدراك قربه منهم، قريبا من الناس فيهم ما غلبه على القرب منهم غير ربه بروح الحيـاة فيهم.

إن العبودية لله بقيامها بين الناس مشـهودة لا ريب فيها، ليلة قدر لا عوج لها ولا ريب فيها رسـول رحمة يجيب الناس نداءه إجابة لنداء الله. هذه هي العبودية، فيها قيام حضرته، ودنو جنتـه، وكشـف ناره، وعلم سـاعته، وأهل داره، وأبواب سـاحته، وحقي مزاره. إنها علم القيامة، ترهص لظهورها الطبيعة، على ما ذكر الناس لما أدركوا بوصف المتأملين، أو على ما يذكر الناس بوصف المنحرفين عن منتظر. والحيـاة مليئة بالإرهاص لسـفور قائم عبوديته، مجحودة في قدوة وأسـوة في دوام موجوده، وفيما لم يعلقوا عليه أهمية من أحـداث زمانهم مما رأوه تافها في أمر قيامهم، ما هو أخطر مما هو في السـموات من ظواهر إذا عرفنـا معاني الدلالة عليه بمعرفة حكمة الله في الأشـياء. ألم يتصـدع بيت قبلتهم تنبيها لانحـراف قلوبهم ووجهتهم؟ ألم تسـير الجبال لهم في بلاد الطليان؟ ألم يغر ماء البحيرة في بلاد الإنجليز، كما غار ماء بحيرة سـاوه كما يذكرون؟ ألم يزلزلوا زلزالا شديدا في أورليانز وأغادير من المغرب وغيرها في إيطاليا واليونان؟ ألم ترسـل عليهم الأعاصير في أوربا وأمريكا؟ ألم يشـدهم ما كان من التيارات المائية على سـواحلهم؟ ألم يلفت أنظارهم وبـاء الفيضانات في الشـرق والغرب؟ ألم تلفت نظرهم الأرض وهي تمور في التبت والصين؟ ألم يقرنـوا بين إنذارات الطبيعة مصحوبة بلطف ربها وفعل أنفسـهم في هيروشيما وناجازاكي وقد وضعت كل ذات حمل حملها، وترى النـاس سـكارى وما هم بسـكارى، يفر المرء من أخيه ومن صاحبته وبنيه وعشـيرته التي تؤويه، يخربون بيوتهم بأيديهم من دنياهم؟ ألم يتحدث الحديد إليهم؟ ألم تتشـابه الخشـب المسـندة من الناس يعجبك قولهم بالخشـب المسـندة من المادة، تطربك بأنغامها، وتشغلك بأحلامها؟ ألم يظنوا قدرتهم عليها بالعقل الحاسـب، والإنسـان الآلي، والضوء المتصور، والظلام المتحرك؟ ألم يسـابقوا الضوء والصوت في انتقالاتهم؟ ألم ترتبط أبعاض الأرض لهم في محادثاتهم؟ ألم تكشـف لهم الطبيعة عما طبعها عليه طابعها، وتترجم عما جعل في طبيعتهم؟ ألم يكشـف لهم بالحاكي كيف يتكلمون، خلق لهم لسـانا وشـفتين ففعله يحاكـون، وكشـف لهم لما ذكر اللسـان والشـفتين في كتاب إحاطته؟ ألم يكشـف لهم عن سـر بنانهم بنانا سواه بين جديد الإنسـان وقديم معناه في الكشـوف الروحية، فكشـف لهم ما إليه أشـار بعلم البنان بعلم تحقيق الشـخصية، وأعجز في جزء من سـطح جلد الإنسـان لا يتشـابه فيه إنسـان مع إنسـان قدرة لله ذكرها كتاب البيـان؟ ألم يكشـف لهم بعلوم التشـريح أسـرار جلودهم ووظيفتها في الإحسـاس في قوله: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب؟ ألم يكشـف لهم عن صورة الفلك فيهم بالغدد الصماء ومواضعها من عالم قيامهم ووظائفها لأجسـادهم؟ ألم يكشـف لهم السـلكي واللاسـلكي من الاتصال في ذواتهم بما يكشـفه لهم في وجودهم وعالمهم بالجهاز العصبي وجهاز العقل فيهم؟ ألم يكشـف لهم أنهم والطبيعة سـواء؟ ألم يكشـف لهم أن القوانين السـارية في الطبيعة إنما هي سـارية أيضا على طبائعهم من الوجود؟ وأن ما فوق الطبيعة مما لا يدركون ما زال في أنفسـهم فوق الطبيعة مما يجهلون وفوق ما يدركون؟ ألكل هذا يشـهدون وهو قليل من كثير مما أصبحوا يعرفون، وما زالوا لآية منه في الآفاق وفي أنفسـهم ينتظرون، ومعاني الحـق في ذواتهم وفي أنفسـهم وفي عقولهم يسـتبطئون أو يسـتعجلون أو ينكرون، وفي قلوبهم لا يذكرون ولا يتبصرون؟ أأرحام تدفع وأرض تبلع يتصورون كما قال آباؤهم الأولون مادية التاريخ، ومادية الوجود ومادية الشـهود، ومادية العلم، ومادية القيادة، ومادية السـيادة، ومادية السـياسـة، ومادية الكياسـة؟ لا يعرفون إلا مادي وجودهم ومادي شـهودهم. شـياطين وجودهم يجافون الرحمن بين جوانحهم قابـع. ويتجاهلون الغيب كلهم إليه راجع. ولا ينظرون في مشـكاة صدورهم لنور الحيـاة. يعمهون الله فيهم ملكوته وفي سـرج قلوبهم جبروته، ثم يقولون بأنهم أمم متقدمة وغيرهم أمم متخلفة، وما تخلف المتخلفون إلا عن مادي وجودهم دون إيمانهم بقدسـية إنسانيتهم، وما تقدم هؤلاء المتقدمون إلا بوهم اتصافهم بالمتقدمين، إلا بمادي شـهودهم، ولا روح ولا وجود لهم، إلا من رحم. فالوجود لله هو الوجود للروح، والوجود للنور، والشـهود للحق، والقيام بالحق بما يحفظ من العدم في وهم قيام جلابيب الحق بالمادة بصفات الخلق للأنا من الإنسـان. فالحق قيوم على هذه الجلابيب، مدثر بها، قام فأنذر والرجز فهجر، وربه فكبر، والله في الوجود ذكر. فما عُرِفَ الحق وهو عين الحق لهم، وما عرفت به القيامة وما كان إلا بداية الحشـر لقديمهم والبعث لآبائهم فيهم وفي أبنائهم، لتكون رسـالته للحـق قياما، وبالعلم عن الله في العلم عن النفس كتـابا، يتجمع عليه الناس فيحشـرهم للرحمن وفدا هو يـد الله مع الجماعة، ونعمة الله للفرد ما تابعه، يحيي به الناس، خادما لهم، لا سـيدا عليهم… لا ولا مسـودا منهم، السـيادة فيه لله، والرحمـة منه من أحواض رحمة الله، والخدمة صادرة عنه من كرم الله وجود الله، وتواضع الله، وتداني الله لخلق الله، قياما لعباد الله لله. أفبعد هذا كله وقد جاء به الإسـلام، وتجدد به في الإسـلام عُمُد، وقامت بالإسـلام كلمات، وظهرت للناس بالكلمات آيات، يطلبون قيامة؟! وهم ما طلبوا لأنفسـهم بالإسـلام السـلام، ولو طلبوا بالإسـلام السـلام لسـلموا، فعرفوا معنى القيامة فقاموا، ولكانوا برازخ لما وراءهم من آبائهم، ولما يصدر عنهم من أبنائهم، بروح الآباء يبعثون بعثا لهم، ويدا لله يبعثها منهم في أبنائهم منهم، فكانوا الشـهداء على الناس من أنفسـهم، الرسـول عليهم شـهيد بنفسـه فيهم، بهم يصلح من صلح لصلاحهم من الآباء ومن صلح لصلاحهم من الأزواج والأبناء، بيوتا لله ترفع يذكر فيها اسـمه على سـنن مما أشـهدهم من بيت لله وضع، ما عرفه النـاس، وما طافوه، وما ذكروه، وما حجـوه، وما اعتمروه وما في صلاة لصلة بالله اسـتقبلوه، ولكن في تجسـيد للمادة وتضييع لمعاني الروح وثنوه، فكان لهم وثنا عبدوه، وما كان لهم الرسـول به سـكنا اعتمروه. عاد الإسـلام غريبـا كما بدأ على من شـهدوه وأنكروه فقهرهم فاتبعوه. عاد الناس يعتزون بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم غير راشـدين، ولا بتنزيل حافلين، وعن كل قيام بالحق غافلين.

هذا ما آل إليه الأمر، وهذا ما نحن فيه، تتحرك الدنيا للخرافات، وتقوض بعملها حقها في تأمل الآيات، لا تذكر ما فات، ولا ترجو ما هو آت، ولا تصدق في حركات لها أو سـكنات، تتابـع المحرفين، وتجعل من الكاذبين نبيين، وتجافي الصادقين، وتخاصم المتقين، وتهاجم المصلحين، وتنكر على العارفين، وتجحد الحق من الله رب العالمين، قائما على كل نفس بما كسـبت، وكل نفس بما كسـبت فيه رهينة. وها هي السـماء تجدد الدين على يقين بلغته، وأقامته مرة أخرى لليقظين.

ها نحن نسـأل الله أن يخرجنا من الضالين، وأن يدخلنا في المهتدين، وأن يزج بنفوسـنا في عباده المقربين، وأن يدخلنا فيهم سـاحة حقه، وحصن وحدانيته، ومن أنفسـنا دار اليقين، بهم نشـهد أنه لا إلـه إلا الله، وبهم نقوم محمدا رسـول الله.

اللهم قنا شـرور أنفسـنا وشـرور أشـرار الخلق، اللهم ادفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم اجعل كيد الكائدين في نحورهم، واجعل اللهم هذا البلد آمنا. إنها كنانتك في أرضك، من أرادها بسـوء قصمته، وكم أريدت بسـوء فقصمت مريدها به المرة بعد المرة، والكرة بعد الكرة. اللهم لا تحرمها ما وصفها به رسـولك، وما وصفتها به في كتابك ربـوة ذات قرار ومعين. اللهم اجعل منها للناس بالحق شـهادة، واجعل من الحق بها للناس قيادة، وارزق الناس بها الرشاد كما فعلت بها في قديم. اللهم أذهب الرجس عنها، وعن أهلها، وأعلِ في الناس قيامها وبيتها، وأشـعل مصابيحها، وارفع أعلامها، وثبت أوتادها، ووثق قيـادها، وانشـر رحمتها، واملأ حوضها، واجعل منها لك سـاحة رحمة وكتاب علم، ونور قياد، وصفاء هدى ورشاد. لا إلـه إلا أنت سـبحانك إنا كنا من الظالمين. أغطش اللهم ليلنا وأخرج ضحانا، وأقمنا بمعناك لمعنانا، وداننا وأظهر الحق منا، داننا وقاربنا وأنت منا قريب، لأقرب من هذا رشـدا، ولأكبر من هذا مددا، ولأكثر من هذا عددا. اللهم ألف بين قلوبنا فلا يؤلف بين القلوب إلا أنت، وأشـعل مصابيح قلوبنا فلا يشـعل المصابيح إلا أنت، وحرر أرواحنا فلا يعتق من القيود إلا أنت، وأطلق في وجودك عقولنا فلا يعلم الرشـاد إلا أنت.

الله هيئ لنا من لدنك رحمة، وعلمنا من لدنك علما. اللهم عرفنا بعبدك ورسـولك على ما يليق به وعلى ما يليق بك، وابعثنا به على ما أراد برحمته، وعلى ما أردت بحكمتك، واجعل اللهم وجودنا من وجودكما، علما عليكما، وكتابا ينشـر في الوجود بكما.

أشـهد أن لا إلـه إلا الله وأشـهد أن سـيدنا ومولانا محمدا عبده ورسـوله.

أضواء على الطريق

١:

  • {يوم ندعو كل أناس بإمامهم}[١] {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا}[٢] هو {الرحمن فاسـأل به خبيرا}[٣] {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}[٤] {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}[٥] قرآن كريم.

  • (المرء على دين خليله فلينظر أيكم من يخالل)[٦]. حديث شريف

  • (الروح المرشـد أقرب للمسترشـدين من الرائد المتابع. والرائد المتابع أقرب منهم إلى الروح المرشـد. الرائد المتابع قبلة صلاتهم وإمام سـيرهم، والروح المرشـد غاية قيامهم، وروح حيـاتهم. مع الرائد يتوحدون وبه في الروح يقومون.) الفقراء

٢:

  • ‏من هدي الروح المرشـد (برش): (لا يمكنني أن أحل مشـاكلكم. لو أخبرتكم بما تعملونه لتداخل ذلك مع إرادتكم المطلقة. إن [٧]الطريقة التي تصرفون بها مشـاكلكم هي التي تحـدو لسـريرتكم إلى التقدم. أنتم تزكـون الروح بما يمر عليها من أزمات. قد أتداخل إذا كان في الأمر قاعدة جد حيوية إذا كان عملي خلال وسـيطي سـوف يضطرب. عندئـذ أتداخل كيما يظل الطريق جدا، ولكن عندما تؤثر المشـاكل على تطور وسـيطي وحده فهي مسـئوليته الخاصة، ويجب أن يحلها لنفسـه. الحق يسـير إلى الأمام، وقوى الظلام والجهل والأحاجي والكهانة تتقهقر. إن النصر في جانب الروح التي تشـتد قواها وتفتح أماكن كان فتحها يعتبر مسـتحيلا. تلك هي الرسـالة العظيمة التي نكررها).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الإسراء - ٧١ ↩︎

  2. سورة النحل - ١٢٠ ↩︎

  3. سورة الفرقان - ٥٩. ↩︎

  4. سورة سبأ - ٤٦ ↩︎

  5. سورة يوسف - ٨٧ ↩︎

  6. حديث شريف: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). أخرجه أبو داود، وأحمد، والترمذي. ↩︎

  7. ↩︎