(٢٠)
في السلام يولد
وفي السلام يموت
وبالسلام يبعث
حديث الجمعة
٢١ رجب ١٣٨١ هـ - ٢٩ ديسمبر ١٩٦١ م
أعوذ بالروح الأعظم، وأطمع في كرم الذات الأقدس، وأسـتعين بالأكبر الرحمن الرحيم. وأشـهد أن لا إلـه إلا الله، به أطمع أن أشـهد أن محمدا رسـول الله، فأدخل به في رحمته وفي عبوديته.
عباد الله، على ما أسـأل الله لي ولكم أن نكون له عبادا وخلق الله، على ما أعرف أني وأنكم أن الطريق إلى الله كما رسم رسـل الله، وكما علم الله، وكما أبلغ الله على لسـان أنبيـاء الله، حملوا نبأ الله بذواتهم، بأنفسـهم، بعقولهم، بأرواحهم، بموقوتهم، بدائمهم، بقديمهم، بحاضرهم، بما تجدد لهم مُثلا للناس ارتضاها الله أن يكونها عباد من خلقه، ليكونوا عبادا له ممن خلق، عند من به تخلَّق، فجدد نفسـه من فعله، وقام حقه بأمانة الحق معه، خلقه وما صنع فكان خلقا له، وحفظه بما رضي فكان حـقا له، وأظهره بما شـرف فكان وجها له، وكبَّره بما عرف فكان عالما له، فعرف به رب العالمين.
إن المعركة المشـبوبة بين الخالق والخلق، بين الباطل والحق، بدءا من عالم الظلام بأرضكم، معركة مرادة، معركة اتسـع لها حلم الخـالق اتسـاعا بمغفرته لجفوة المخلوق، معركة اتسـع لها علم العالـِم بجهل الجاهل المبدوء، معركة مقدسـة، خلق الإنسـان فيها من نطفة فإذا هو خصيم مبين. فلمن خَاصم ومن الخِصم؟ إنه خاصم الأبوة الخالقة، وما خاصم اللانهاية المسـتغنية. خاصم الأقدس من ذاته، خاصم الأقوم من جنسـه، وما خاصم الأكبر من قدس الله. خاصم الخالق الذي خلقه وما خاصم من منه خلق خالقه. إن الخصومة إنما هي بين الفرع وأصله، بين البدء المبارك وما صدر عنه، بين آدم اصطفاه الله وأبناء آدم محل كرم الله، بين آدم وآدمه له، بين آدم وأوادمه منه.
أما مصدر الحيـاة، أما قانون الحيـاة فلا خصومة معه. ضرب بينهم بسـور ظاهره من قبله العذاب وباطنه من قبله الرحمة. إنه مصدر الحيـاة يختبر الناس على ما هم عليه حتى يسـلكوا بفعلهم، وبمشـيئتهم، وبإرادتهم، سـبيلهم إلى النار ليصلصلوا أوزار نفوسـهم، أو سـبيلهم إلى النور لأواني عقولهم به تشـرق. هم بين النور والنار يتواجدون، بين نار الله مشـعلة بين جوانحهم مطلعة على أفئدتهم، بل الإنسـان على نفسـه بصيرا، فيه ضمير لا يكذب، فيه حـق لا ينحرف، فيه نار لله موقدة، وفيه نور يهديه سـبيله، ويأخذ بيد الظلام وليله من غلاف نفسـه. فالإنسـان في تكوينه من الظلام بين يدي رحمة من النار والنور، يتقلب بين اليقظة والشـعور، يأخذ الله بناصيته شـاكرا وعاملا، يأخذه في طريق الشـكر ليحمد ربـه غنيا عن حمده، ويعرف ربه غنيا عن معرفته، ويأخذه في طريق العمل أن ليس له إلا ما سـعى، وقد أعطي خلقه وهديه فيتخلق بأخلاق ربه، محمدا محمودا أحمدا، في نفسـه، لنفسـه، بنفسـه، من نفسـه، فيعرف من ليس كمثله شيء… يعرف المتواجد في تجليه بصنعه، لا عن صاحبة ولا ولد… يعرف ربه في نفسـه، ويعرف اللانهائي في معراجه للرفيق الأعلى فالرفيق الأعلى إلى الرفيق الأعلى إلى ما لا نهاية له…
فيداني بذلك آدم وأوادم تواجده في نفسـه، عن طريق بعث سـبقه منهم بجديد لهم من خلالـه ولـدًا له، الأقرب فالأبعد، ليصلح آباؤه ويرتقون ويولدوا بجديد منه للتعارف بقديمهم إلى جديد أنفسـهم، هو روح قدس لهم وحلقة وسـطى بينهم، ويَفعَل به ويُفعَل به، فيداني قديمه بالآباء الوجود الظاهر المتجدد بالأبناء من خلالـه المرة بعد المرة، في سـلام يولد وفي سـلام يموت، وبالسـلام يبعث على جانبي الحيـاة، فيظهر في ظاهري الحيـاة بحاضر رسـولا منه إليه، الكرة بعد الكرة، في فعل يصبح من صنعته، يقوم فيه ويدوم عليه بلا نهاية، فيحيا كتابا بنفسـه، فرده وجمعه، بيته وأهله، قديمه وجديده، بحاضر له، يقرأه وينشـره في العالمين، ويعلنه كتـاب يمينه، عند عوالم تواجده من فعل يمينه، كلتا يديه يمين، ليس على الغيب بضنين، لمن طلب المعرفة منه، فقصده وجها لله، ويصاحبه طريقا لله، ويطرق بابه بابا لله، ومدينة لله، وعوالم حضرات لله، علام الغيوب، كلمة تمت لله، وأمة وسـطا من الشـهداء على الناس في جديدهم وجوه قديمهم رسـلا من أنفسـهم. شـعب الكتاب ونور الأمم.
هذا الذي أقول وهذا الذي أُبين هو ما جاء به كتاب الله مع محمد، وما جاء به بيان الله في حديث محمـد وفعله، ما نطق عن الهوى، وما تفكر في ذات الله وقد شـاهدها وعرفها وقامها، فقد آمـن ذات الله ذاته، وذات الناس، وذات الوجود مما حوله، ومما لم يدرك. عرف أنه أينما ولى فثم وجـه الله في يومه وأمسـه وغـده، إذا نظر في نفسـه وفي داخله، ما كذب فؤاده ما رأى، وإذا قَلَّب وجهه في السـموات ما زاغ منه البصر وما طغى، وإذا نظر في الناس وفي أمر الناس وفي حكمة الله في الناس قرأ كتاب الله له عن نفسـه من الناس، كما قرأ في الوجـود كتاب الله له عن نفسـه من الوجود. فإذا انعكس بصره في بصيرته قرأ كتاب الله له عن نفسـه، وكيف تشـهد، وكيف تعرف، وكيف توصل، وكيف تشـهر، وكيف تقـوم، وكيف تتجدد، وكيف تتكاثر، وكيف تتناثر، وكيف تتوحـد، وكيف دار الزمان بها على هيئته كيوم خلق الله السـموات والأرض.
لم يعرف محمد عبد الله ورسـوله عن الله ورسـوله إليه، إلا ما عرف في نفسـه عن نفسـه منهما. عـرف أن الله ما ظهر في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان لأنه عـرف أن الله قد ظهر به، وهو ما زال في وصفه من معنى الإنسـان، وجها له وحقا منه بعثا بالحق وموتا عن وصف الخلق.
ما عرف محمد من الله حقا متصلا إلا ما قام به فكان به حقا. فأمر أن يقول قد جاء الحق لنفسـه، قبل أن يقولها إلى الناس. عرف أنه عين رسـول الله إليه، من الإنسـان من الروح، فطالب لنفسـه وقد شـهدت أن تشـهد أن محمـدا رسـول الله بيقين لها مسـتقر عندها، قبل أن يقول للناس ها أنذا رسـول الله بينكم. قال له رسـول الله إليه ما أمنت مكر الله إلا بمصاحبتك يا رحمة الله، فقال له ما رُحمت من الله إلا بك أنت يا رحمة الله لي، ويا رسـول الله إليَّ، فإني لسـت غيرك يا أخي ولسـت إلا أنت، وما عرفت لي إلا معناك فأنت لسـت غيري، وسـتبقى لقومي يدعون بدعوتي على ما أنت لي تجمعهم علي، أما قيامي ببشـريتي بين الناس وهو سـابق وقائم قيامك فقد كان منه قلقك كما يقوم منه قلقي، حكمة من الله ورحمة، فقد كنت كما أنت قبل وجودي كما أنا فشـعرتني قبل شـهودي، وها أنا وإياك نبعث، ها أنا رسـول الله بين الناس، وها أنت أخي ورسـول الله لي، فإن كان في الأرض وجـودي وفي السـماء مجالي، ففي السـماء وجـودك وفي الأرض مجالك. فإن كنت لي رسـولا بوجودك، فأنا بوجودي رسـول إليك في مجالك، فالأمر منك وإليك كما علمته بك مني وإلي.
إن الذي جاء به محمد، قولا أو فعلا أو بلاغا عن الله فيه الغنية للناس عن كل ما سـواه، لو صَدق الناس أنفسـهم، ولو قوم الناس أمورهم، ولو جمع الناس أمرهم على أمره، وجمعوا كتبهم على كتابه، فعرفوا كيف أصلح هو نفسـه بنفسـه بما فيه من عقله وإدراكه وحسـه، فما دانته هداية الله مسـفرة، إلا تتم له ما بدأ هو بنفسـه من نفسـه، بما أعطاه الله من قدرة ومن إدراك، ومن بصيرة، ومن هدي، وهو الذي أعطى كل شـيء خلقه ثم هدى.
إن الله الذي أسـعف محمدا بالروح لتتحقق له ما أشـرفت إليه نفسـه وما أدركه عنها بحسـه. ما منع الناس أن يسـعفهم بالروح ما كانوا فيما كان، وهو الذي هدى الناس ابدأ بنفسـك يا صـاحبي ثم بمن تعول، ولأن يهديك الله فيهدي بك رجلا واحدا كان لك ذلك خيرا من الدنيا وما فيها، وكنت بك أو كنت بي رسـول الله، وكنت بذلك أمة لله.
إن يهديك الله فيهدي بك رجلا واحدا، فإن في ذلك نواة الحيـاة. خلقكم أزواجا وكان لكما ظاهر الحيـاة وباطن الحيـاة، كنتما الظـاهر والباطن لله، الله من ورائكما محيط، الله من وراء الداعي إليه محيط برحمته، والله من وراء المدعو إليه المجيب محيط برحمته بتزاوجهما بقيامهما مثنى في الله وواحـدا فيه، يداني أحدهما الداني للناس منهما ويعلو المتداني منهما بجديد لهما في رضائهما ومحبتهما، وما تدانى الداني من علوه للحاضر من أخيه إلا لأن الله لا اتجاه له. إن الله ليس عاليا على عالمك يخشـى أن تعلوه بهمتك، وإن الله ليس دون عالمك ويخشـى أن تذهب إلى ما دونه من بعده. إن الله قريب منك، وهو المتواجد بك لا خصومة بينك وبينه، ولا عداء بينك وبينه، ولا حسـاب بينك وبينـه، ولا عقاب بينك وبينه، إنما الحسـاب والعقاب، والوهب والجزاء، والمنع والعطاء إنما هو منك لك، بما هو فيك منه، في ظل نفاذ قوانين إرادته لا تخطيء، ولا تكسـر، ولا تغلب، ولا تخفى. لا تنفعه طاعة وكم حـذر، ولا تضره معصية وكم عفا وبشـر. غلبت رحمتـه مُشـهرَة، وقيـام قدرته لا يجحـد ولا ينكر ولا يقاوم. إن الإيمـان به هو في الإيمـان بك منه، وإن التوحيد له هو في الإنكار على عزلتك عنه والإنكار عن عزلتك عنه لنفسـك عندك، والشـرك به هو في قيامك مسـتقلا عنه. فلا تقم نفسـك إلها مع الإلـه باسـتقلالك عنه، ولا ربا على الناس بوجهه لك دون وجهه فيهم، ولا تعلو بعبوديتك له فوق عباده ممن تشـهد. عليك نفسـك فقومها، وعليك أمرك لا تفرط فيه ولا تفرطه، فإن كان لك منه الهدى وأدركت منه باليقين، فأحب لأخيـك في البشـرية ما تحب لنفسـك، حتى يكمل به إيمـانك ويتزايـد به فيك حسـك، ما من مقام إلا وعنـد الله أكبر منه، وما من قرب إلا وفي الله أقرب منه، وما من رشـاد إلا وعند الله أكمل منه، عطاءً غير مجذوذ، وأجرا غير منقوص، ونموا غير موقوف، لا يحصره حد بوجوده، لا ينقطع له تواجد في الموجود، أكبر وأكبر، والله أكبر، والله أكبر.
إن الإصلاح إنما هو في أن تصلح نفسـك. المسـلم من سـلم الناس من يده ولسـانه. لا تفسـد أرض نفسـك باسـم الإصلاح، ولا تصلح أرض غيرك باسـم الأمر بالمعروف لم تعرفه، هل شـهدت الله؟ هل عرفت الله؟ هل خلَّفك الله؟ إنه مسـتخلفك على أرضك وعلى نفسـك وبيتـك، فهل أحسـنت خلافته على عالمك من نفسـك حتى تقوم على عوالمه في غيرك؟
إن نهاية الفسـاد أن تكون فاسـدا فلا ترى فسـاد نفسـك، ونهاية الفتنة أن تراك في فسـادك صالحا، فتنشـر ما في نفسـك من فسـاد باسـم الإصلاح لغيرك. إن الشـقي من شـقي بنفسـه، والأشـقى من قام على الغير بشـقائه. كيف يَرحم من لم يُرحم؟ وكيف توجـد الرحمة عند من يفتقد الرحمة؟ إن الرحمة بمن في الأرض، تسـتجلب الرحمة ممن في السـماء. ومن لم يرحم نفسـه، كيف يرحم غيره؟ ومن لم يعرف ربـه في الناس على ما هو به، كيف يهدي إلى الرب في النفس عند من يطلب ربه؟
عباد الله… اتقوا الله في أنفسـكم، في اتقائكم الله في الناس، لا تجعلوا من أنفسـكم مثلا عليـا لغيركم، ولكن انشـدوا في النـاس مثلهم مثلا لكم، فيما تشـهدون فيهم، مما ترون بهم، بما تدركون وتبصرون بمقاييس الحق. من عرف الحق عرف أهله. اطلبوا متابعتَهم فيما تشـهدون من حسـن الخلق، وتنكبوا بأنفسـكم ما تشـهدون في الناس من سـوء الخلق فالعاقل من اتعظ بغيره، واحمـدوا الله أن منع ما ترون عن أنفسـكم… اجعلوا من وجوه الناس لكم - من حسـنت أخلاقهم - وجه الله إليكم، ورسـول الله عندكم، فإذا كنتم تفتقدونه في هذا المجتمع المضطرب اليوم فردا فإنكم لن تفتقدوه في الناس غـدا. وإذا كنتم قد جهلتموه أنه في الناس عدا، فلا أقل من أن تطلبوه بين الناس في المثل من حسـني الخلق فردا. اعتقدوه فردا وجمعا، واطلبوه فردا وجمعا، فإنكم إن فعلتم لن تفتقدوه فردا وجمعا. وقد تكفل لكم الله إذا ما جاهدتم فيه أن يهديكم السـبيل القائم بقيامه والدائم بدوامه. لقد جاءكم كتاب الله وبلاغه بهذا الوعد وهذا الهدي، يهدي به من اتقى، ويُضل به من بغى وطغى.
إن الناس في هذه الدار من عوالم الظلام بين النار والنور. يبدأون بأنفسـهم شـقاءهم أو سـعادتهم، فريق للجنة وفريق للسـعير. كان على رب رسـول الرحمة حتما مقضيا في قانون الوجـود. لا النار تأكل الحق، ولا النور يُطغِي الصدق. ولكن الذي يأكل الناس إنما هو الظلام. إن الذي يطغى الناس إنما هو الظلام، إنما هو ظلام تواجدهم وظلام وجودهم حجابا على ما جعل الله لهم، في باطن الظلام، من كنوزه، من رحمته، من عنايته، من نوره وناره، من كتابه وهديه، من خلقه وحقه، من ظاهره وباطنه. هم في أغلفة الظـلام عالم ما قبل الحيـاة في رحم عالم تواجـدهم، يولدون بالحيـاة بعملهم ما طلبوا الله ليتواجدوه إليه المصير. إن السـير إلى الله إنما هو تواجد الكائن بالله، تواجدا لله، جديد القديم، جدَّ لا عن صاحبة ولا ولد.
إن الذي أُنزل على محمد، وهو الحق من الله، وهو الحق من ربه، كان به محمد جديدا لقديم، جـديدا للحق القديم، ما اتخذ الله به وبإنزاله لنفسـه معاني البشـر من الصاحبة والولد، ولكنه جـدد كائنه المخلوق بموته عنه وبعثه به إلى وصف الحق الخالق بالإنسـان، فجعله يد فعله ويد رحمته، الأرض جميعا قبضته في قيامه، زويت له الأرض. الذين يبايعونه على أنفسـهم مسـلمين له إنمـا يبايعون الله. الذين يضعون أيديهم في يـده، إنما يضعون أيديهم في يد الله، ويد الله فوق أيديهم. إن يـد الله خَلقَ بها السـموات يوما، وإنه بها للسـموات لموسـع. إن يد الله خلق بها الأرض يوما، وإنه بها لجديد من الأرض لخالق، لا ينقطع فعل يده، وما يـده إلا الإنسـان، يوم يصبح به فيه إنسـانا، فيعنونه ويظهره، فيظهر الله به وجه طلعته ويدَ رحمته وقانون قدرته.
هذا ما يجب أن يكون عن الفهم في الدين، وما يكون إليه الطلب بالسـير في طريق، أو بالقيـام في هدى، أو بطلب للحق مع رفيق. هذا مما جاء به الكتاب ومما جاء به محمد، وهذا قائم في الناس كتابا لله، وكتابا لأنفسـهم بمحمد الله، فيمن حُمدت خلقه بينهم فتوبع منهم.
إن الله معنا، وإن الله جامعنا، وإن الله فارقنا، وإن الله مجيبنا، وإن الله مهلكنا، وما الحيـاة إلا بمن هو معنا، نحيـاه ونسـمعه على ما يحيـانا ويسـمعنا. في وحدانيته دليلنا وسـبيلنا، وماضينا وقائمنا ومسـتقبلنا.
هذا جاءنا به الكتاب، كما سـبقت به الفطرة، وقام به الكتاب، كما تقوم به الفطرة. فهلا استيقظت عقولنا فأفاقت من نومها نفوسـنا، فحييت به من مواتها قلوبنا، فانتشـر النور نبعا من قلوبنـا في عالم قوالبنـا، فعرفنانا عوالم الله، وعرفنانا في رسـولنا ورب عوالمنا، وعرفنانا به في اللانهائي، ربه هو له عبـد، وهو لنا به رب، ونحن معه في وحدانيته، على ما هو في وحدانيته مع ربه، نسـير في طريق الهدى وفي طريق الرشـاد، فندخل في حصن لا إلـه إلا الله ونشـهد أن محمدا رسـول الله، بقيام باسـم الله الرحمن الرحيم له ولأمته من الله جئنا، وبالله نكون، وفي الله نعمل، وبالله نقوم؟
اللهم وحدنا مع من توحد مع ربه. اللهم وحدنا فيك عبدا واحدا لك، بمحبتك متحابين في النجـوى عنك في سـرنا وجهرنا. اللهم اغفر لنـا ما تقدم، واغفر لنا ما قام، واغفر لنا ما تأخر من ذنوبنا بغفلتنا، وقوم فيك طريقنا من ماضينا بحاضرنا في مسـتقبلنا.
اللهم خذ بنواصينا إلى الخير على ما وعدت وعلى ما ذكرت وبشـرت.
اللهم جنبنـا طريق الضياع والضُر والهلاك. اللهم كن لنا في الصغير والكبير مما جعلت لنا، ولا تجعل لنا من هـوى أنفسـنا ومن أغيارنا نصيبا يضلنا عنك، إلا ما قدرت بحكمتك لهدايتنا، ويقظتنا، وتعريفنا، وتعليمنا، وتوجيهنا.
اللهم إنا آمنا بك واحدا لا شـريك لك، في وجودك وفي سـرمديك، وفي أزليك وأبديك، وآمنـا أن من أبرزت منا رسـولا من أنفسـنا هو عبد لك ورب لنا من رحمتك، أولى بنـا من أنفسـنا. أنت ربه وأنت مشـهوده وشـاهده، آمنا به ليكون لنا نورنا وحيـاتنا، فنكون فيه بك فنـاءً فيه عنا لنبقى به لك، مبعوثين منه باسـمك كلمات لك، قائمين فيه لوجهك، نشـهد أن لا إلـه إلا الله ونشـهد أن محمدا رسـول الله فيسـتقيم طريقنا في الدهر، ويقـوم بنا العصر، وتحيا عوالمنا بذكرك، ونبعث في الناس بكلماتك. لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك.
أضواء على الطريق
(لقد تعلمت منذ زمن بعيد أنه (سـوف يقودهم طفل صغير)، ولن تتقدموا في عالمكم أو عالمنا قبل أن تتعلموا كيف تقذفون في اليم بالحكمة الجـوفاء عن جهلاء سـبقكم، وترجعوا إلى بـراءة الطفل وهي لكم في مولدكم على الفطرة. إن حاضر عالمكم يميز بين الذين لونت جلودهم شـمس الروح الأعظم. إنهم ينظرون لجلودهم، وينسـون أن أرواحهم جميعا واحدة، وأنهم جميعا من الروح الأعظم، وإليه يعودون، وفيه يسـيحون.
هل من الحكمة إذا عاد إلى الأرض مبعوثين بالمعرفة من كانوا عليها ذوي جلود ملونة عملوا في براءة الطفل، يحملون مشـاعل الحق والحيـاة والإصلاح أن يقول لهم أبناؤها فليغرقنا الطوفان إذا لم يسـاعدنا أناس من ذوي الجلد الأبيض؟
نحن نسـعى لتعليمكم بما تعلمناه في ممالك الروح، كما نسـعى لتشـرب كل معرفة تعطونها لنا. إن السـماء الجـديدة سـوف تأتي في عالمكم خلال قانون المسـاهمة هذا. فإن فيما اكتشفتموه في مدنيتكم، غير القليل مما يعنينا وفيما نأتي به، الكثير مما كان عندكم وتركتموه فأصبح مجهولا، وها نحن نأتي به أضعافا مضاعفة هذه المرة وبعزيمة البقاء به فيكم).
عن الروح المرشـد السـيد (سـلفربرش)