(١٩)

كلمة القيام
النور المدثر بالظلام
أزلي رحمته الإنسان
الأول والآخر في النشأة والقيام

حديث الجمعة

١٤ رجب ١٣٨١ هـ - ٢٢ ديسمبر ١٩٦١ م

أعوذ بالله من شـرور نفسـي، ومن شـر ما خلق، وأسـتعين بالله معيتي يوم أحيـا وأصدق. ويوم أسـتيقظ وأصدق. ويوم أتحرر وأخلُص. ويوم من شـر ما خلق أتخلَّص.

أما بعد فها نحن نتلاقى في مثل هذا اليوم من كل أسـبوع في دورة الأيام. تقطعنا الأشـهر والسـنين، أو نقطعها. فماذا كسـبنا من هذا اللقاء؟ وماذا نرجو أن نكسـب من هذا التـلاقي؟ وماذا نأمل ونرجو لأنفسـنا من الله في مواصلة هذا الاتصال بمعاني السـعي إليه والمجاهدة فيه؟

إن الإناء المليء لا يتقبل المزيد، فهو مليء، ولكن الفارغ هو المتقبل للمزيد والامتلاء. فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب.

إن الماء القذر يملأ الإناء لا يصلح للإناء الكريم، أو لا يصلح الإناء الكريم له، اللهم إلا أن يتطهر هذا الماء من قذارته. فالقذارة غير المـاء، ولا طهارة للماء من القذارة إلا بتبخيره، فإذا بخر من إنائه، واُسـتقبل التكاثف في إنـاء آخر فقد الإناء ماءَه، وأصبح من الماء فارغا، وأصبح بالقذارة محتفظا. ولكنه إذا تخلى عن مائه القذر دون تبخيره لإنـاء آخر يبخر منه، واسـتقبل التكاثف للماء من الإنـاء الآخر يحمل عنه أوزاره، لاسـتقبل هو طاهر مَائِه وغيره معه واحتفظ به طاهرا مطهرا، وتخلص مما كان به من القـذارة. وهذا ما قصد من مصاحبة ومؤاخاة الدليل في الله، في قانـون الفطرة، وهذا ما قصد بمعاني الخلاص والشـفاعة، وركوب السـفينة، والدخول من الباب في الأديان القديمة.

هذه هي طريق الامتلاء بماء مصدره غيره بعد التخلص من ماء قذر مصدره عينه. ولكنه إذا قـام هو بالاحتراق ابتداء بسـوء عمله تبخر ماؤه طاهرا، وبقيت القذارة لإنائه، وأخذه معامله من الغير طاهرا لنفسـه وترك له القذارة في إنائه، فإذا جاءه ماء غيره طاهرا في معاملة بظلم الآخرين له اختلط كسـبه من الماء برواسـب قذارته فأصبح قذرا. فليسـت هذه هي الطريق السـليم لامتلاء الإنـاء بالماء الطاهر، ولكن الطريق السـليم هي التخلص من الماء الموجود بقذارته وطهارته إلى يد أمينة، إلى إناء محترق، إلى إناء مشـتعل بنار الله الموقَـدة في خدمة الآخرين، ثم اسـتقبال تبخر الماء الطاهر من هذا الإناء إلى إناء الذات نفسـها، طاهرا متخلصا من رواسـبه. ولله المثل الأعلى في السـموات والأرض… قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا… هو الذي أعطى كل شـيء خلقه… من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شـرا يره. إن الله لا يظلم الناس. إن الله لا يظلم الخلق. إن الله لا يظلم العباد، ولكن الناس… ولكن الخلق… ولكن العباد كانوا أنفسـهم يظلمون… سـيد القوم خادمهم… ليلة القدر خير من ألف شـهر… والليل إذا يسـر… سـلام هي حتى مطلع الفجر.

إن الذي أعطى كل شـيء خلقه تفضل فهيأ لكل نفس هداها. هداها نعيمها وشـقواها. هداها فجورها وتقواها. هداها طريقها وسـبيلها إلى جنة فردوسـها أو إلى نار معناها ومأواها.

هذا الذي أقول، وهذا الذي أضرب له مثلا، وهذا الذي ندور حوله كلما تلاقينا، وهذا الذي نريد أن نزيده بيانا ووضوحا وقربا للإدراك كلما تناجينا، إنه الدين إن أردنا أن يكون لنا على الدين مدخل، وإنه طريق اليقين إن أردنا أن يكون لنا إلى الحـق مسـير، وإنه حوض الحيـاة إذا أردنا لأنفسـنا من ماء الحيـاة ارتواء. إن هذا الذي تأتينا به السـماء بالرسـالة الروحية في هذا العصر، إنما هو تجـديد لما سـبق أن جاءت به السـماء من قرون عديدة، وتراكم عليه دخان أبناء الأرض يوما بعد يوم، وجيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، حتى عبد الناس تراب اللاهوت أصلا لهم، ونسـوا ما وراء التراب، وما تحت التراب. إن الحي في قبره تحت التراب ووراء التراب بمنشـق الأرض عنه نسـيه الناس وغفل عنه الناس، وهو قابع في مقابر قلوبهم حيـا في قبره، ولو أنهم دفنوا أنفسـهم في أرض الخمول من أنفسـهم، ولم يشـغلهم عنه شـاغل من الدنيا، هذه الدنيا التي يحيونها في مادتها ويطمعون في الظهور فيها والجاه بها، لو أنهم دفنوا أنفسـهم تحت الثرى من ذواتهم، لتلاقوا بالحي المدفون تحت الثرى في أنفسـهم. من حج ولم يزره فقد جفاه. ومن لم يزره فجفاه فقد قلاه، ومن قلاه فلا حج له، ولا قبلة له، ولا بيت طواف له، ولا بيت لله يُعمر في قلبه، ولا عرفات له، ولا منى تتحقق له، فما عرف، وما طاف وما ازدلف.

إن البيت المعمور إنما هو القلب الذاكر والقلب المذكور. إن القلب الذي أشـرق فيه النور فأنار مشـكاة وجـوده، وقبلة عالمه لحواسـه، وعالم عوالمه بجوارحه، وسـراج أعلامه بوجه الله له، هو المقصود بزجاجة المشـكاة من الصدر. وقالب الصدر قلب يقصد قبلة عوالمه، وسـراج أعلامه من التزاوج.

إن بيت الله المعمور في الإنسـان إنما هو قلبه وعقله. إنهما بيتان. إنهما بيت مذكور وبيت ذاكر. إنهما بيت رقيق وبيت عتيق. بيت سـجين وبيت طليق. بيت مرفوع وبيت موضوع. خلقناكم أزواجا. ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم. إن الله قائم على كل نفس. إن الله يبـدأ الكون مع كل كائن. إن الله يبدأ الحقيقة في كل قلب ما طلب القلب الحقيقة فعمر بالحقيقة، وما احتفظ القلب بالحقيقة فقـام بالحقيقة. أما القلوب التي جافت الحقيقة وأنكرت على الحقيقة وهي تعمرها، انطلقت منها الحقيقة متخلصة حرة طليقة، وقد فقدتها القلوب إذ لم تحيا بالقلوب القوالب، فأظلمت العقول ولم تشرق بنـور الحريـة والانطلاق في السماوات والأرض دارا معدة لها، يتواجد بنورها في عالمها ببيتها بالقلب والرأس وجها لمن هو من ورائها محيط، وعليها قائم، إذ اختـارت طريق الفناء بفقدانها إلى معنى وجهه لمعناها، ولم تسـلك طريق البقاء بالعدم بالحرص على معاني وجهها لمادي مبناها في مآلـها ومأواها. اختارت اليتم بالانقطاع عن المادة لأصلها وهي منها وبها أدركت أناها واختارت الروح، وهي منها حيـة، لأصلها وفرعها ومعناها. آمنت أن كل شـيء هالك إلا الشـيء الذي أصبح وجهه والذي حرص على معاني وجهه لشـيئه، إذ ما ظهر الـهو في شـيء مثل ظهوره في الإنسان ما حرص الإنسـان على معناه وعرف أنه لن يترك سدى فحرص على الحياة. فإن لم يحرص على معناه لما أريد له واختار أن يكون إلى سـدى بما أراد فقد اختار لأنانيته مصاحبه من مادته من الطين، وجعل مشـيئته إلى الطين فشـاء الطين لسـيادته فطان، فرُدَّ إلى الطين حيث كان وقد فقد معنـاه وجها للرحمن وعبدا للديان ومعنى للإنسـان في كـريمه، وحرص على معنى الإنسـان في رجيمه وزنيمه، إذ لم يتخلَ عن رجيمه من نشـأته ليكون إلى معنى كـريمه برحمته فطانت مشـيئته، وأظلمت ذاته، فهُدي مباعدا، وبعث مخاصما، وكان الله من ورائه مضله ومضل به من يشـاء.

هذا الذي تأتينا به السـماء اليوم، هو ما جاءتنا به بالأمس على تمام مع من غاب بنفسـه تحت الثرى، فغاب عنا كتابه، وقام منا عنه حجابه، فلم نشـهده جديد قديمه، ومعنى مسـتديمه. ورأيناه مفقودا، ولم ندركه مسـتوفيا ووليدا. لم نقدره بطائره تحرر إلى ما فوق السـموات والأرض، ولم ندركه بظاهره تكرر في الذات والعبد، أمة المؤمنين وأمة الناس ببيته وأهل بيته وعترته وآله. وخاصمناه كلما ظهر، وتابعنا تراب لاهوته كلما قبر. وتكاثف الظلام على المقابر جبالا شـامخة بأسـمائه فتابعنا جبال الظلام من الأرض منارات، وطفنا حول المقابر مزارات وتمسـكنانا ترابا للاهوت نذكره اسـما ولفظا، ولم ننظر إلى دائم المدثر في الدثار، نور سـوادنا، وماء حيـاتنا، وروح قيامنا، ووجه ربنا، وحق إلهنا، والحي القيوم لحيـاتنا. التفتنا عنا عن المدثر شـعلة حيـاتنا، أولى بنا من أنفسـنا. التفتنا إلى موقوت الدثار لنا من التراب وظلامه، فعبدنا معانينا للجلباب لأنفسـنا وعبدناها للجلابيب بيننا، فتواجد بنا لنفسـه الشـيطان، وتخلى عنا حقا لنا الرحمن، ففقدنا العز بالمدثر. وقمنا في الذل بالدثار.

غابت من مجتمعنا عن نواظرنا مرايانا بالمؤمنين، كنا فيها نرانا على أي الأحوال. وما غابت عن وجودها لنا، ودوام تواجدها منا بيننا، ولكنه العمى لحق البصائر والأبصار، والصمم لحـق السـميعة والأسماع، فغابت عن النظر والطرق الأبواب، والتوى لنا منا الطريق فسـرنا إلى عكس ما نريد بانعكاس ما نرى عما نريد. فباعدنا بيننا وبين الدار، وعبَّدنا أنفسـنا للبعد عن المزار، فجيفنا وطفنا حول الجيف، ومتنا والتزمنا المقابر، وانتظرنا القيامة والبعث، والسـاعة والشـفاعة، وفي السـماء كما في الأرض تحقيق الوعد والوعيد، أمر لا يدرك فيهما للدثار الجـديد، وإن كان الظاهر مرآة الباطن للنظر الحديد، كتاب يقرأ فيه الطالب فيهما ما يريد، فيعلم أنه الحاضر من الغيب القديم والجديد، ويعلم أن باطن الحاضر هو على ما هو الحاضر، يطلب بيقظته من قديمه لنفسـه عودا للعالم القديم الجديد، عند من يبدأ ويعيد بمن يبدأ ويعيد، بدءا مبدوءا من جديد، وعودا مشـهودا من القديم بالجديد…

يعلم بالمدثر به يقوم وبالحق يسـفر، أنه به ليلة قدر، ومظهر أمر، وحوض حيـاة، وشـمس حقيقة. تشـتعل منـه مصابيح القلوب، فتشـرق بين الجوانح، فتمحو ظلام الصـدور، وتُجلى لطالب الأمر الأمور، فيسـتقيم في الله أمره، ولا ينفرط عن الله عقده، فيسـود بالله نفسـه، ويبلغ بالله رشـده، ويعطى الحكم صبيا، ويبعث بالطريق فتيا، ويبعث بالحق كهلا محمودا مرضيا. يعطى الحكم كما أعطي يحيى وقد أُعطي الحكم في سـلام مولده فحكم نفسـه، وقَهر نفسه، وبعث من رمسـه في ذات نفسـه وجسـده وحسـه يوم مات عنها في سـلامها، فبعث بالحق حيـا بقيامها، فقام عقله مشـرقا بنور الله على غريزته متطورة بأمر الله، فاسـتقامت على أمـر الله وعلى نهي الله أقوالـه وأفعالـه وأحوالـه، ولو أن يحيى كان قد أعطي الحكم على ظاهر الناس، وكان هذا هو المقصود من قول الله، ما جز الناس بيت عتيقه من قالب العقل موضوعا برأسـه، وما تلهو برأسـه ظاهر نـور الله مرفوعا، وما عبثوا بجدثه ظاهر وجود لحي لا يموت، وقلب عالَمٍ لسـموات وجود.

إن الناس الذين يجعلون هواهم في حكم الناس والسـيادة على الناس، والأمر والنهي في الناس، والقيام في مقام الربوبية والألوهية على الناس، وفرض سـلطانهم وإرادتهم ومشـيئتهم ووعيهم أربابـا على الناس وآلـهة لهم، لا يسـتقيم لهم أمر، ولن يرفع لهم في الناس ذكر. فسـيد الناس، خادم الناس.

إن الذي جاء به دين السـماء قديما، والذي يأتي به دين السـماء جديدا، إنما هو الخدمة للناس، إنما هو الإيثار مرضاة لرب الناس ملك الناس إلـه الناس. أما ما تأتي به الأرض من دين فهو دين الظـلام وأهله، دين الغفلة وأهلها، دين الطين وأهله. إن التوحيد والوحدانية إنما هي رؤية الله من وراء الناس، وجـوه إحاطته وحكمته، لعين الرائي المؤمن به في نفسـه، الطالب من ربـه معه أن يجعل منه له عبـدا، وهو يعلم أنه الغني عنه وعن عبوديته، فليتقرب إليه في الضعفاء والمعوزين والفقراء من خلقه، متصدقا بالكبر على أهل الكبر من قومه، متحملا في سـبيل ذلك غضبة الطاغوت وعبء الإيثار.

إن الله لا يجعل من عباده سـادة على الناس، وهم في دثر الخلق، وهم في ثياب المادة، وهم في جلباب الطين… اللهم إلا خلقا من طين يتحكم في خلق من طين من شـيطان وأبنائه من الشـياطين. ولكن الله يجعل ذلك لقلوبهم يوم تحيا هذه القلوب بأمر ربها في خـدمة الناس، وذلك حتى لا يجعل من أبدانهم مشـاركة لفتنة الشـيطان، وضنا بشـرف وحظ الوصلة بهم عن الابتذال، فيداول الله أيام الله وهي عديد القرون بين النـاس من الأحيـاء بعضهم لبعض، بين يوم من خدمة ويوم من سـيادة، فمن أعطى الناس في يوم حاجتهم عرفهم بالله عليه لضعفهم وجهلهم كان في آخرته مظهر سـيادة الله عليهم بضعفه معه وقدرته فوقهم يحملون عرشـه بصالحـيهم، ويقومون ملائكته بعارفيهم. وهو إذ يكون سـيدا فإنه لا يفارق وصفه من الغناء عنهم تخلقا بأخلاق ربه، ويبقى الراعي لهم، الموفي لحاجتهم كما يبقى المفتقر إليه منهم.

إنها قضية آدم وأبناء آدم المكرمين، وآدم وأبناء آدم المهانين. إن الصالح من يرى فيهم اليوم وجوه أبيه أيا ما وجدهم، وسـوف يتكشـف له فيهم وجه أبيه في يومه أو غده عند قيامته بحقي الحيـاة، فليتأمل مَنْ مِن بينهم يخالـل ليتكشـف له الطريق إلى أبوة الشـيطان، أو إلى أبوة الرحمن، وهو ما نسـميه في الأديان القديمة إبليس وجنوده، والله وملائكته، ولا تقوم العلاقة بينه وبينهم، أو بينهم وبينه في هذه الحالة من الأبـوة لهم والبنوة له أو البنوة له والأبوة لهم، أو الأبـوة له بيتا لفريق، والبنوة له في بيوت لفريق في حال طريق الرحمن، إلا على أسـاس من روابط المحبة والحرية والاختيار، {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}[١]، ولا تقوم في طريق الشـيطان إلا على أسـاس الغلبة لبعضهم فوق بعض بسـلطان القهر والسـيادة والجبروت.

إن إنسـان اليوم، أو إنسـانية اليوم، إنما هم أبناء إنسـانية الأمس وأحفاد من قبلهم في الأمرين أو الآدمين. وإن إنسـانية الأمس، ما لم تُمسـكها يد الله بتوفية وتمام فسـترد خلال إنسـانية اليوم، مبعوثة في إنسـانية الغد. وعلى هذا المثال كانت الإنسـانية، وبه هي كائنة، وعلى نسقه سـوف تكون في دوام، فنحن أبناء إنسـان الأمس، وآباء إنسـان الغد، فإذا كان لكم في الغـد خلال أبنائكم بعث، فإنما هو بعثكم بمعاني الأبوة التي هي لإنسـانية الأمس عليكم مفاضة منها لكم على إنسانية غدكم بكم، قيام آبائكم في الأبناء، وقيامكم أبناء بالآباء كلمات لله لا أول ولا آخـر لها، يوم يتم لها وتتوفى في معنى الإنسـان فيه الابن مثل الأب في الله، والأب مثل الابن في الله. إن الذي فاتـه التمام في أمسـه ليتوفاه الله، لن يفوته التمام في غده أن يتوفاه الله، ما سـعى إلى كسـب معناه من الإنسـان لمعناه بحاضر البنيان من طلب أنانية الحق للحق بالحق ذاته، أو طلب التواجـد بحقية نفسـه مضافة لربه، فالإنسـان ما بين قلب وقالب، وما بين قديم وحـاضر، وما بين حاضر وقادم يتزاوج بقديمه مع حاضره، ويتزاوج بحاضره مع قادمه ممن يتحاب معه بمعنى بيته وزوجه وولده وصحبه. وذلك إذا تزاوج مع قلبه بقالبـه، إذا تزاوج بعقله مع نفسـه، إذا تزاوج بغيبه مع شـهادته، إذا تزاوج بمعلومه مع مجهوله، إذا تزاوج بروحه مع ذاته.

إن الإنسـان لا يعرف طريقه إلى رحمة الله قائمة به، وقائمة عليه، إلا يوم يرحم بما ملك من رحم مسـتحقا لها، فيزداد بإيثـاره مما ملك، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السـماء. الرحمـن علم القرآن. خلق الإنسـان. علمه البيان. هو الذي أعطى كل شـيء خلقه ثم هدى. خلق الإنسـان من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وكان الإنسـان أكثر شـيء جدلا. فإذا رجع عن مخاصمته انقلب حبيبا لأمر ربه له به يبين، وعن الله يتحدث، وبالحق يقوم، فيصبح لله كلمة ولله بيانا. أما بنعمة ربك فحدث.

إن الإنسـان تتخلق فيه المحبة من المخاصمة، ويتخلق فيه العلم من الجهل، ويتخلق فيه القرب من البعد، ويتخلق فيه اليقين من الكفر، ويتخلق فيه الإسـلام من المجانبة، ويتخلق فيه الوجـود من العدم، ويتخلق فيه النور من الظلام، وتتخلق فيه النار من الخمود، وتتخلق فيه الحركة من الركود.

إن الإنسـان أمره في الله عظيم، وأمره في الله عجيب، ما طلب الله وما آمن بالله في نفسـه. فلا تؤمنوا بالله بعيدا عن أنفسـكم، ولا تنكروا على أنفسـكم من الله، وفي أنفسـكم أفـلا تبصرون. فلا تكونوا ممن في أنفسـهم لا يبصرون. اُنظروا وتأملوا فيما حولكم وفي الآفاق، وردوا النظر من الآفاق ومما حولكم بما عرفتم وبما تأملتم، ردوا النظر إلى ما في أنفسـكم مما تملكون وتقدرون، ومما لا تملكون ولا تقدرون، وهو ما في الله تقومون. ارجعوا البصر كما أُمر رسـول الله بإرجـاعه فأرجعه. ارجعوا البصر كرتين، ارجعوا البصر إلى ماضيكم وكيف تواجدتم، وارجعوا البصر إلى مسـتقبلكم فيما أوجدتم، وارجعوا البصر إلى أنفسـكم في حاضركم، إنكم إن صلحتم لأن تكونـوا لله ظلال، كنتم ظـلالا ذات ثلاث شـعب… انطلقتم إلى الماضي عارفين، وانطلقتم إلى المسـتقبل عاملين، وانطلقتم في الحاضر مشـرقين بنور الله وقد جعل لكم نورا تمشـون به في الناس.

هذا هو الحق من ربكم فلا تكونوا من الممترين. لا تذكروا اسـم الله تلوكونه بألسـنتكم ولا أثر له في قلوبكم، ولا تذكروا اسـم رسـول الله لفظا تلوكونه بألسـنتكم ولا تقومونه فيه بمعانيكم. إن اسـم الله يجمعكم في حاضركم من بدئكم من دنياكم، ويكشـف لكم عطـاءً من الله بآخرتكم في أخراكم. إن اليوم الأول هو الله، وإن اليوم الآخر هو الله. فإذا قيل لكم آمنوا بالله وباليوم الآخر، وقد جعل اليوم الآخر قرين اسـم الله، فهذا معناه أن اليـوم الأول من الله أمـر له بإنسـان من حقه توفاه وأكمله، وأمسـكته يده علما عليه، ووجها له، وأصلا لكم، إنسـان أحسـن تقويم واللانهائي هو الذي ما ظهر في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان، وأن هذا الوجـه لله، الذي هو موضع إيمانكم بالله بوصفه القديم يجب أن يقترن إيمانكم به بالإيمان بأنه سـوف يتواجـد مرة أخرى بينكم ومنكم وسـيكون هو اليوم الآخر لكمال آدمكم من ظاهر آدميتكم البـاطن إنسـانكم يتواجد على أرضكم آدما وبيتا لله مسـتخلفا، على ما كان في أزليـة الله لكم بآدم الله لبدئكم، وهذا ما عناه رسـول الله وهو يصارحكم في عبارة خالية من الإشـارة يوم قال (بينا أنا نائم أطوف بالكعبة رأيت رجـلا آدم، قلت من، قيل ابن مريم، ثم رأيت رجلا أحمر بدين، أعور العين، كأن في عينه نبقة، هو أشـبه الخلق بفلان “رجلا سـماه”، قلت من، قيل الدجال، والله ليس بأعور)[٢]. ولا أخالني بعيدا عن الصواب إذا قلت إننا في زمانه، وإن إرهاصات الأحداث تهيئ الأسـماع لصوت بيانه.

إن الذي قال لكم إن الله ما ظهر في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان ما كان غير كائن إنسـاني عبر عن معنى الإنسـان، رآه في أبيه آدم الله اليوم الأول للخلق بالحـق، وهو ما عرف عند نفسـه آدما من تعبير آدم عن نفسـه من الله وجها له عند أبنائه، وربا لهم لا فرق بينه وبينهم في الله.

وإن محمدا عليه السـلام والصلوات، وبه السـلام، وبه تكون الصلات، ما كان في حقيقته المدثرة بمظاهر الثياب من المادة، ما كان في حقيقته إلا آدم في دورة آدم في الله، سـبق بدورات ويلحق بدورات ليسـت غيره، وهذا ما عنـاه بتبليغ الكتـاب يوم بلغ إلينا في قوله {قل إن كان للرحمن ولد [فأنا] أول العابدين}[٣] وفي قوله {إن مثل عيسـى عند الله كمثل آدم}[٤]، وفي قوله {وتمت كلمة ربك}[٥]، فهو ابن إنسـان رحمة الله، وإنسـان رحمة الله، وروح قدسـه، وكلمة الله التامة الجامعة لكلمات لله.

إن لله الأمر من قبل ومن بعد، وفي حاضر. إن لله الأمر، في أول الأمر، وإن لله الأمر في آخر الأمر، وإن لله الأمر في قائم الأمر. إن الذين يؤمنون بالله قديما ولا يؤمنون باليوم الآخر متجليا ظاهرا… إن الذين لا يعرفون أن آدم في تمامه وكمالـه هو وجـه الله، وأن من كان كلمة لله بمعاني الابن له هو وجـه لله فالأب وجه أزلية الله، والابن وجه أبدية الله في تمام لأبيه، فلا يؤمنون بظهور هذا الأمـر في قابل لهم من حيـاة الإنسـان، وقد آمنوا بهذا الأمر في قديمهم من حياة الإنسـان فييأسـون من روح الله لأنفسـهم كافرين، لا يقبل منهم إيمـان. ألم ترَ أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها… هؤلاء لا يعرفون الله، ولا يؤمنـون بالله لأنهم يباعدون بينهم وبين يدي رحمته تقلهم وتظلهم وترعاهم في حاضر، وتسـفر لهم في قابل بإنسـان الله في أنفسـهم.

الدنيا والآخرة يومان لله، حاضر الإنسـان بدنياه يوم أول، وقابل الإنسـان بداني أخراه يوم آخر، وحيثما وجد الإنسـان كانت دنياه، وحيثما صار كانت أخراه. فإذا وجد الإنسان في حيـاة الروح كانت حيـاة عالم المـادة آخرته واليوم الآخر له، إن قـدر له أن يكون له بها عمل. وإذا وجد الإنسـان في حياة عالم المادة، كانت حيـاة عالم الروح آخرته واليوم الآخر إذا قدرت له فيها إفاقة ومواصلة عمل. ولا تختلف حيـاة عالم الروح عن حيـاة عالم المادة عند الأحيـاء بالله فيهما، فهم بين حيـاتين لعالمين من المادة والروح، هم فيهما بين الكسـب والجـزاء، وغيرهم بين اليقظة والغفلة في العالمين حتى يدركوا من الجزاء الرغبة في الكسـب، ومن الكسـب الأمل في الجزاء. إنهما حيـاتان تتبادلان الإنسـان، ويتبادلهما بين ظاهر داني وباطن متداني، بين حاضر مدرك وغيب غير مدرك، بين معلوم ومجهول، بين ميسـر له وممتنع عليه. إن كان في حياة عالم الروح يقظا مدركا فهو في دنياه بها يطلب آخرة له، ويراها حيـاة عمل له على ما تُرى حيـاة عالم المـادة. وإن كان في حيـاة عالم المادة فإنه لا يفارقه وصفه بالروح، ولكنه في حيـاة الكسـب والمجـاهدة والتحصيل، أما الحصيلة فينتظرها في حيـاة عالم الجـزاء. فالإيمـان بالآخرة أمر يقترن بالإيمـان بالدنيا. فحيـاة الروح دنيا لمن يؤمن بها داني حيـاة. فالدنيا أيضا في حاجة لأن يؤمن الإنسـان بها، سـواء في حيـاة عالم المادة، أو حيـاة عالم الروح، وإيمـانه بها يوم يعرفها ما هي وما تكون، فإذا عرفها سـاعة في سـرمدي الحيـاة ولمحة في دهر الوجود، وعرف أن الحيـاة لطالبها هي في الارتباط بالحي من الإنسـان في بارقة من الحب، عَرفَ قوله تعالى {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر}[٦]، أو هو أقرب، وأدرك عبارة رسـول الله - إن لله في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها - وما عنى رسـول الله بالتعرض للنفحات إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإنه إنما يشـير إلى لمحات وبارقات تخفى على العمي، ولكنها تبرق أمام عيون تعرضت لرحمة الله، وتفتحت بنور الله. إنه يعني يوم الجمعة، إنه يعني الداعي الذي كمل في الله أناه ومعناه، وأشـرق سـراجه وذهبت الغيوم عن شمسـه.

فإذا برق البصر وخسـف القمر وجمع الشـمس والقمر، وظهر من كانت الشـمس عليه دليلا في شـمس حقيقته، وابن الإنسـان داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا، داعيا لا عوج له ضرب له ابن مريم مثلا، إذا أجيبت دعوته كانت الإجـابة لله، وكان الاجتماع عليه اجتماع على إنسـان الله، إذا نودي للصـلاة وما الصـلاة إلا الصلة بالله، إذا دعي للصلة بالله ممن فُتـح له فتحا مبينا، فأبان للناس أن الله لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، وما الطاعة إلا لصاحبها، وما المعصية إلا عليه، إذا نودي من هذا الذي لا عوج له، فَتقَبل القلب نداءه، ولبس القلب رداءه، ولقى النفس جزاءه وعلم العقل ما قدمت يده وأخرت، وعرف القيام موقوت قيامه في سـاعة قيـامته، فندم على ما فاته، وطمع فيما هو آت، واسـتقام فيما هو حاضر، عرف نفسـه بفنائها مادة، وعرف نفسـه ببقائها بربها روحا، عرف الله من ورائه، ومن وراء من يرى محيطا، وعرف الله بينهما، وعـرف الله بهما، وعرف الله قبلهما، وعرف الله بعدهما، وعرف الله فيهما، وعرف الله هما فيه، وعـرف الله من ورائهما بإحاطته، دخل في حصن لا إلـه إلا الله فشـهد محمدا رسـول الله حقا وصـدقا، لا يغيب أبدا، ويتجدد سـرمدا، كما كان في أزله هو في أبده، وهو في قائمه عبد الله ورسـول الله، يمتد نور الله فيمن ارتضاه ربا لمعناه، وسـيدا عليه من مولاه، فرآه منفردا في معناه، أمة عديدا بمبناه، لا عن تعديد لمعناه بل وجوهه في ذاته وبيته من تقييده، لا عن قيود فهو المدينة، وهو الطليق المتسـع، وهو السـفينة. لا ينفرط له عقد، فلا تفريق فيه، ولا فُرقة معه، فهو أحدية آحاد الله يوم يظهر بأحديته، وهو واحدية الله يوم تعلم به واحديته، وهو كتاب الله يوم يُقرئ الله من يقرأ، وهو وجه الله يوم يشـهد الله من يشـهد، وهو أذن الله يوم يسـمع الله من يسمع، وهو لسـان الله يوم ينطق الله من ينطق، وهو يد الله يوم يجعل الله من الإنسـان يدا له وعضدا له، يخلق بها السـموات والأرض ويوسـع بها في قائم السـموات والأرض.

ماذا عرف أدعياء الإسـلام عن رسـول الإسـلام؟ وماذا عرفوا بالإسـلام عن أنفسـهم؟ وماذا عرفوا في الإسـلام عن الربوبية لهم وعن الألوهية عليهم؟ وعن الحقيقة قريبة منهم؟ وعن تقدير الله متعاليا لا يدرك على ما يجب أن يعتقده المسـلم في الإسـلام في جلال عظمته، وقريبا لا يشـارك بوجوده أقرب من حبل الوريد عند الموحد على دين الإسـلام وتعاليم الإسـلام؟ وماذا عرفوا عن الشـيطان يجـرى من أنفسـهم مجرى الدم؟ وماذا عرفوا عن تبديل أمثالـهم أوعن منقلبهم؟

إن الذي يأتي هذا البيت بيتا للروح، ودين الروح، وأمر الروح، ومحبة الروح، وفي عقله ذرة من القـديم يحتفظ بها لا يصفو ماء إنائه بورود إذ هو لم يرد، فهو لا يصلح لأن يسـتقبل ماء هذا الحوض وفيض هذه الدار، ليس أهلا لأن ينعم بنعم الروح تُبذل بلا مقابل، وبلا إجهاد، وبلا مطالبة بشـاق من عمل، لن يتعرض لنفحـة الله من روح الله تداني أرض الناس من سـماء النـاس في بيت من بيوت الله موضوع، لبيت من بيوت الله مرفوع. اقذفوا إلى خارجكم بكل وعي حمل إليكم، فما حملت إليكم ما حمل يـد أمينـة، بل حملته إليكم أيدي منحرفة. حـرفوا الكلم عن مواضعه، وحرفوا الدين عن أهدافه، فأبعدوا طالبيه عن مراجعه وأبعدوا الكلم عن مواضعه، وقاموا على الناس بظلمات أنفسـهم، بظلامها يمتـدون باسـم النـور، ويعلِّمُون باسـم التقوى كل أنواع الفجور. أين الدين فيما تقرأون أو فيما تسـمعون؟ اللهم إلا منقول ألفاظ البلاغ من كلمات ترتل في تنغيم، يختـار لها الصوت الوسـيم، فيظهر للأذن التنغيم، ويخفى على العقل المراد والتعليم.

يتحدثون بلغة الإكبار لمحمد والتمييز له، بنفسـية الصديق الجاهل، وليتهم نقدوه. وما أكبر محمد نفسـه وما ميزها عما يتقبل النـاس له، وما قدم نفسـه للناس بما تقبلت له، إلا ليعرف النـاس ما تتقبل له نفوسـهم في الله يوم يصلحونها لربهم معبدين. ويوم يزعمون إيمانا بالله، يرون محمدا على صورتهم، ولا يدركون أن الدين يطلبهم ليكونوا على صورته. ولو كان على صورتهم لكان إخراج الله له قدوة وأسـوة عبثا منه وعبثا بهم.

إن الذي أسـرى بمحمد من المسـجد الحرام إلى المسـجد الأقصى، يسـري بكل عبد له من مكان إلى مكان، وإن الذي عرج بمحمد، يعرج بكل عبـد له من سـماء دنياه إلى سـماء وسماء. وإنه إن أسـرى بإنسـان أو سـرى به، أو عرج بإنسـان أو أعرج به، إنما يكون ذلك في ظل قانون لله ثابت يلحق كل عبد له، وينفذ في كل متقبل له، ويقوم به كل صالح له، ويعمل مع كل طالب له.

إن شـرف محمد، وكرامة محمد، وقيمة محمد، وعظمة محمد أنه طلب فمكن أن يتعادل مع طالب ربـه معه قاب قوسـين أو أدنى مسـتعينا بالرفيق الأعلى قائما به، ليقوم بنفسـه مع طالبه بمطلوبه ثالوثا لإنسـان بيت الله، المؤمن بالرفيق الأعلى ولده وكلمته، وهو له وصلته وروحـه ورحمته، وهو للقيوم عليه الحق آدمه ومعناه. إنها الحقيقة على ما عرفها عيسـى لنفسـه بقيومه في قائمه، بإنسـان سـيادته على إنسـان مسـودته.

إن الذين ينكرون على تثليث وتخميس وتسـبيع وتعديد حقائق الإنسـان في رقيه بوحدانيته، لا يفقهون في فقه التوحيد عن الدين شـيئا. إن ثالوث حقائق إنسـان الله وعبده الحقي، إنما هو ثالوث الإنسـان في معنى بيت الله، وهو ما عناه تبليغ رسـالة الإسـلام ببيوت أذن الله أن ترفـع ويذكر فيها اسـمه، وأنه لا إلـه غيره ولا معبود سـواه، وما أشـار إليه من بيوت أذن الله أن توضع ويذكر فيها اسـمه بأهلها عبـاده وحقائقه من الأب والأم والابن والبنت والأخـوة والأخوات أهلا لبيت لله من بيوت له. اسـتمع للرسـول يقول هؤلاء أهل بيتي، كما يقول سـلمان منـا أهل البيت، واسـمعه وهو يقول من آمن بما آمنت به فكان مني وكنت منـه، وليس مني ولا أنا منه من خالف سـنتي. إن الوحدانية لله جميعا، وإن الوحدانية معي هي معراج الوحدانية مع رحمة الله، وهذا هو معراج الوحدانية إلى رحمة الله. وأمُر أهلك بالصلاة واصطبر عليها.

إن الذي بدأ إيمانه ودينه منتسـبا إلى المحمد له أب وأم وأصل وكُلّ، فآواه محمده، وقد أدرك يُتمه عن سـواه، متخلقا معه بما تخلق ربه به معه، كان يتيما فآواه، وقد أمر أن اليتيم لا يقهر، فلما رأى اليتيم معه متحققا له فلم يقهره بل احتضنه وأحبه وآواه، وسَـرى فيه بنوره، وقد أمر أن يصبر مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشـي يريدون وجهه به، فصبر وما كان الوجـه المراد إلا وجهه عليه السـلام. جاء به الحق إلى حقائق الخلق، ألم يكن الله من ورائه محـيط! ألم يكن الله قائما على نفسـه، وهو القائم على كل نفس، والمحيط من وراء كل نفس! ألم يقل لكم الرسـول: والذي نفس محمد بيـده! ألم يقل الله أنه يتوفى الأنفس حين موتها، وقد بَعث بالحق رسـوله بعد موته! ألم يعرفكم الله أنه يـدا لله وهو يقول لكم إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله! يا يـد الله، يا وجـه الله، يا ذكر الله، يا اسـم الله، إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، وأنت في معناك من يد الله فوق أيديهم. فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شـجر بينهم ولا يجـدوا في أنفسـهم حرجا مما قضيت ويسـلموا تسـليما. إن الذين يقولون إنهم آمنـوا بي ولا يؤمنون بك لا أقبل إيمانهم، لا أقبل منهم إيمانهم بي لأنهم إن صدقوا في الإيمان بي لاسـتجابوا لأمري من الإيمـان بك وبمن على سـننك أولى بهم من أنفسـهم، مقدريَّ بإمامهم حق قـدري، وأنا المعروف لعبادي بعبادي، يوم أتوفاهم قيامهم، فأدعوا كل أُناس بإمامهم، أمة هي فرد وفرد هو أمة ملة إبراهيم حنيفا وقد جعلته أمة هي إبراهيم قانتا لي.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله كما أمركم، وآمنوا برسـوله يؤتكم كفلين من رحمته. إنكم إن لم تؤمنوا برسـولي بينكم منكم لم ينلكم أي الكفلين من رحمتي، فإن الذي يؤتيكم الكفلين من رحمتي هو رسـولي، ما قدرتموني حق قدري. إن إيمانكم بقربي لا يختلف عن إيمان الأرض التي تطأونها بقربي. إن الجـماد يؤمن بي وإن النبات يؤمن بي وإن الحيوان يؤمن بي ويسـبحني، ويعجب من إنكار الكافرين منكم. إني لا أطلب لكم بي إيمانا فيكم كإيمان الجماد، ولا إيمانا كإيمان النبات، ولا إيمانا كإيمان الحيوان، فأنتم في هذا الإيمان قائمون، وإن جهلتم بجهلكم أنفسـكم بي مني روحا خالدا، ولكني أطلب لكم بي إيمانا آخر. إني أطلب إلى نفوسـكم وعقولكم إيمـانا بها لي فأخاطب عقولكم ونفوسـكم، وهما مني ومن واسـع وجودي، جعلتهما لكم من رحمتي وجودي، عقلان أو نفسـان يتقبلان لأمري في نظامي وفعلي، كلاهما خاضع سـاجد لمرادي، ينأى ويقرب فِيَّ، ويجانب ويصالح بحكمتي وإرشـادي في ظل هديي وإرادتي ومشـيئتي، أوجدتهما لنفسـي وليعرفا ويتعارفا ويتحدا ويفترقا بحسـهما من عين حسـي في إدراكهما لوحدانيتي في عين وحدانيتهما. هما عني لا يغفلان، وللوجود الذي أوجدتهما له عين معناي يقومان، وبه لما أوجدت لهما يمتلكان، وبه ينعمان، وله يشـغلان، وبه لا يشـغلان، ولا يمتلئان، ولا يأبهان. فلا الوجود يملأ موجودهما مما خلقت لهما ولكنهما تخليا عن التواجـد بما جعلت لهما ليتجليا بما خلقا له من معاني العبد وربه، أو الرب وعبده ظهورا لنفسـي كتـابا لي ينشـر، وقد خلقت كل شـيء بإحاطتي ووحدانيتي ظهورا بوجهه من كنوز غيبي.

إذا لم يقم الدين، ويدور الفكر، وتقوم الحيـاة اليومية للناس حول هذه المعاني مشـهرة مشـرقة مُجرَّبة، تدرس وتبحث، وتُعلَّم وتُعلَم فلا دين ولكنها الضلالة، ولا يقين ولكنه الموت، ولا طريق ولكنها الـهاوية، ولا صدق ولا صدِّيق ولكنها مصاحبة الشـيطان.

لا تضيعوا أوقاتكم سُـدى. إن الذي يأخذ منكم حديثا واحدا من هذه الأحاديث المتعددة المتكررة يسـمعه فيسـتقبله بآذان قلبه، لكفاه هذا الحديث في دنيـاه وفي أخراه، ولكان له كتاب يمينه يوما، بل في يومه يوم يعمل فكره، ويشـغل تفكيره به، ويحاول الاسـتقامة عليه، والعمل به، والتواجـد فيه في حدود حاضر وعيه متطلعا إلى مزيد من الفهم فيه، والقيام به، والنشـر له.

هذا حديث يخرج من القلب بروح المحبة والرغبة في الخدمة والإيمان بحقيقة الناس، لا تسـتقبله الآذان ولكنها بظلام النفوس تكفره، ولكن تسـتقبله القلوب، يوم يتواجد للقلوب صفاء، ويوم يتواجد للعقول وعي، ويوم تهجع النفوس فلا تسـتعلي ولا تسـتكبر بعروس ظلامها. هذا حديث عن الخلود للخالدين في الخالد. لا يضيع ولا يفقد فهو خالد بطبيعته عن الخالد.

إن الذي يسـتمع لهذا الحديث فيتقبله بصدق، تنهار دنياه من أسـفله، ويسـقط تاج ظلامه عن رأسـه ويتفكر في الله مدركا له، أقرب إليه من حبل الوريـد حقا وصدقا، ملكوته بين جوانح العباد فعلا ويقينا وحسـا. من ورائه ومن وراء الكل بعظمة إحاطة وحدانيته، الناس وجوه الله في الله يُنظر، وهو وجه الله بالله يقوم، لا فضل له فيما وعى، ولا فعل له فيما خدم، ولا اسـتقامة له فيما تواضع، ولا هِمَّة له فيما فعل، ولا ملك له لما بذل. فالأمر من الله وبالله والى الله.

هذه هي حقائق الدين لمن يريد الدين. فأسـأل الله لي ولكم أن نكون من أهل الدين. وأسـألـه لي ولكم أن يجعلنا من أهل اليقين. وأسـألـه لي ولكم أن يجعل لنا يقينا فيه غير مجذوذ ولا متوقف، وأن يجعل معرفتنا به، ومعرفتنا لأنفسـنا فيه، لا ينقطع به مزيدها، ولا يتوقف فيه جديدها، وأن يرفع عنا حجاب الغفلة ليقيم فينا به أصل اليقين ببركة سـيد المرسـلين وإمـام العابدين، وأول السـاجدين، ورب العالمين من رب العالمين، برحمته علينا يقوم، وبربه لنواصينا بالخير والـهدى يأخـذ، وبحقه فينا يتجدد، به نسـعد، وبنا لله يُشـكر فيُحمد، لا إلـه إلا الله محمد رسـول الله.

اللهم إنا نسـألك أن ترفع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. اللهم ولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا بما كسـبنا، وارفع حجاب الغفلة عنـا، وقوم سـبيلنا حكاما ومحكومين، قادة ومقودين، مجاهدين ومتابعين، يقظين وغافلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

وأنزل اللهم سـكينتك على قلوبنا، والسـلم والسـلام على أرضنا، وعافنا من شـرور أعمالنا، ولا تؤاخذنا بما فعلنا، وعاملنا بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

أضواء على الطريق

عن السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش) الروح الإنسـاني القديم، وعبد الله المجرد، والروح القدسـي المبارك، رسـول الروح الأعظم لمعناه، يتحدث عن مهمته ومهمة الأرواح المرشـدة التي تتصل بعالم البشـرية من الجانب الآخر لعالم الحيـاة.

(إني أحاول لكي أفسـر قوانين الروح العظيم بلغتكم، والذين يقرأون كلماتي قد لا يرضون أحيـانا بتفسـيراتي. ولكني في عالم مختلف عنهم وعن عالمهم، فأنا أحيـانا محدود بلغتكم وبوسـيطي، فلا أسـتطيع القيام بينكم ظاهرا بإمكانياتي. فإذا فشـلنا في الاتفاق، فإما أن النفوس في عالمكم لم ترتقِ لكي تفهم ما نقـدم من الحقائق الأعظم، وإما أنني لا أقدر على الإبانة عن كل ما تكنه نفسـي والذي هو أكبر من أن تسـمح بتفسـيره وإبانته لغتكم الأرضية، أو تعجز نفوسـكم عن تقبله مفاضا بالإلـهام الروحي على نفوسـكم المادية. فمن الأفضل… ونحن مسـتعدون دائما للخـدمة وتعليم القانون… أن تتقبلوا منا ما نقدمه حتى يحيا سـكان العالم المادي على ما أراد لهم الروح العظيم أن يحيوا. أليس من الأكرم أن تبصروا بدلا من أن تكونوا عميا؟ وأن تسـمعوا بدلا من أن تكونوا صما؟ وأن تسـتيقظوا بدلا من أن تكونوا غافلين؟ حاولوا أن تفتحوا نفوسـكم للروح العظيم. جاهدوا أن ترنموا نفوسـكم مع قوانينه حتى تتوحـدوا معه ويتوحد معكم، فتصبح قلوبكم ونفوسـكم في سـلام، ويختفي النشـاز من حيـاتكم، وتبدأون في حيـاة لم تحيوها من قبل قط.

لو أن الذين أوتوا المعرفة منكم كانوا أمناء على المعرفة… فما أعظم ما كنا نؤديه! الذين اسـتمعوا لصوت الروح والذين شـاهدوا نفوذ القوانين الروحية في الظواهر التي تربط عالمي الحيـاة سـويا… لو أنهم تناسـوا أنفسـهم وتابعونا إلى عليين لأمكننا الحصول لكم على الكثير).

السـيد الروح المرشـد (سـلفربرش)

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة النور - ٢٧ ↩︎

  2. إشارة إلى الحديث الشريف: “بينما أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدَم سبط الشعر، بين رجلين ينطف رأسه ماء، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مريَم، ثم ذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر جسيم، جعد الرأس، أعور العين، كأن عنه عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: الدجال، أقرب الناس به شبها ابن قطن…” أخرجه البخاري ومسلم باختلاف يسير. وعبارة “إن الله ليس بأعور.” جاءت في حديث آخر للبخاري ومسلم أيضا. ↩︎

  3. سورة الزخرف - ٨١ ↩︎

  4. سورة آل عمران - ٥٩ ↩︎

  5. سورة الأنعام - ١١٥ ↩︎

  6. سورة القمر - ٥٠ ↩︎