(١٨)

محمد بن عبد الله
مسيح الله وإنسانه، وظاهر الحق وعنوانه
مثالية للرضوان للناس وكافة للأجناس

حديث الجمعة

٧ رجب ١٣٨١ هـ - ١٥ ديسمبر ١٩٦١ م

بسـم الله الرحمن الرحيم، أشـهد أن لا إلـه إلا الله، وأشـهد أن محمدا عبده ورسـوله، وبغيرها لا شـهود ولا وجود (البسـملة).

أرسـل الله محمدا وجعل له السـلام وبه السـلام بالـهدى ودين الحق، ثم أظهره على الدين كله وقد بعثه من قديمه في أحسـن تقويم، بحاضره في أحسـن تقويم إلى مسـتقبله لأحسـن تقويم، ليعرف قديمه بقادمه في حاضره فيعرف رب العالمين للعالمين.

بعث من قديم إنسـانه في إنسـانية الله الأزلية، بدءا لإنسـانه في إنسـانية الأبدية بالله، حقا حاضرا في حاضر إنسـانيته أمة المؤمنين.

بعث حاملا لكتاب، وقائما بكتاب، وباعثا لكتاب، ومغلقا لكتاب، وبادئا لكتاب، خاطب الناس على قدر عقولهم فيه، أعطى كل ما يسـتطيع، وهيأه لما سـوف يسـتطيع، وائتمن من اسـتطاع على ما حملَّه مما اسـتطاع.

أمته تزداد في تجددها قدرا، وتمتد بنورها في الأمم روحا ودهرا، عترة قرآنه، وشـعب كتابه وبيانه. يمتد فيها بنوره من نورها، وتمتد في الأمم بنورها من نوره. إنها نور الأمم وهو نورها، الله من ورائهما بإحاطته. إنه مفرداتها وجماعتها للمثل الأعلى الذي وعده الله، إنه لكل من أحب الله ولكل من أحبه الله، ما أعطيه فردا وبيتا وأمة فلأمته جماعتها ومفرداتها.

إنها أمة محمد أناجيلها في صدورها، وعذابها في قبورها. تبقى في الأرض شـهداء، عذابها في دنياها، تتجدد فيها جلودها كلما نضجت حتى تسـتوي وتنضج بيد من خلق فسـوى في منامها. ونعيمها في أخراها، تنطلق من الأرض ملئها الأدنى مجتازة السـموات إلى ملئها الأعلى في قيامها، تتوفى نياما، وتموت قياما، وتبعث بدءا، وتعود مرسـلة، وترفع بيوتا بذكر ربها، وتوضع بيوتا باسـم مرسلها. أمة عاملها الرحمن برحمته، وأعطاها من قدرته ومشـيئته، وقومها لإرادته باسـتقامة إرادتها على مراده، {والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}[١]، تلتئم حول محمدها ما عرف له فيها امتداده، وتسـتمد من نبعه لحيـاتها ما ظهر لها بينها منه رشـاده، لا ترفض الحكمة ولا تفقدها، لا ترفض الحيـاة ولا تفتقدها.

أمة أحيـاها الله بالحق أنزل عليه، وعلمها بالنور الذي أنزل معه. أمة خصها الله بالأمر بالمعروف الذي عرفت من الحـق فيه أنزل عليها منه بالحق نزل، بعث بالحق ومات عن نفسـه من الظلام، تدعو إلى الخير وتقوم بالعدل، ولا ترهب قدرة الظالم فربها أقـدر منه، ولا تجور على الضعيف والله أحنى عليه. أمة جعلها الله خير الأمم إذ جعلها أمة وسـطا. أمة تعرف لها بدءا، تعرفه لنفسـها وتعرف أن الله لا بدء له. أمـة تعرف أن لها انتهاء في أمر نفسـها يوم تنتهي إلى معناها على ما أريد بها من قيام الحق، على وصف الحق عندها، من قيام الروح على المادة، من قيام الغيب على الشـهادة، من كشـف ما بين جوانحها من غيب الصدور، ومعلوم الحيـاة، وتعرف أن هذه النهاية لها إلى الحق بها ولا نهاية لمعبودها، كما لا انتهاء لعطائها، لا يحصر ولا يجز. تشـهد أمرها وربها في اليوم الآخـر ظهورا لأمرها وربها لليوم الأول. وإنها بقديمها وجديدها في لمح بالبصر من اللانهائي في موجودها لمعبودها.

أمة تعرف أن الخير فيها جديد لقديم، بلا بدء لها ولا بدء له، وأن الخير فيها في جديدها من قديمها بلا انتهاء لجديدها ولا انتهاء له. أمة تعرف الله، وتعرف أن الله لا يحده وصف، ولا يحـده مكان، ولا تحده ذات، ولا تحده تسـمية أو أسـماء، ولا تنقضي لصفاته معارف أو أعلام. الله عندها سـرمدي أزلي أبـدي، يقطع الزمـان ولا يقطعه الزمان، ويخلق الزمان ولا يخلقه الزمان. الله عندها يملأ المكان ويخلق المكان، ولا يحده المكان ولا يخلقه المكان، ولا يملأه المكان.

أمة عُرِفَ لها الله برسـوله، بوجهه، بحقه. عُرف لها الله على ما يليق أن يعرف الله، وعلى ما يصح أن يعرف الله، وعلى ما يجب أن يعرف الله.

أمة لا ينقطع وجودها، وكيف ينقطع وجودها وهي تقوم برجلين {وخلقناكم أزواجا}[٢]؟ رجل عرف ورجل طلب أن يعرف. لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها، رجلان هما الناس جميعا. أمـة تتعدد بتواجدها في مشارق الأرض ومغاربها كلما قام رجلان في الله يتناجيان وبالله ينشغلان. تتعدد ظواهـرها في زوج من إنسـان لله سـره ونجواه، وتتوحـد في جوهرها بجمعهم جوهر الإنسـان في حقيقة رسـول الله وعبد الله ووجه الله وحضرة قدس الله من حضرات الله، لا انتهاء لها ولا بدء لها ولا انقطاع لها.

إن الأنانية في الإسـلام بالمادة وبالروح، أما بالمادة لمن أسـلم فهي معاني الكون بالعبودية، وأما بالروح فهي معاني النور بالربوبية. والكائن البشـري في الإسـلام عبد ورب توحـدا في عالم من ذات، كان الروح فيها هو الرب لها، وكانت المادة لها هي العبد له، قائما على كل نفس أقـرب إلى كل نفس من حبل الوريـد، معها أينما كانت. إن الربوبية في الإسلام أمر مدرك للمسلم قائم به، قائم عليه، قائم له. إنها قضية ما بين ماديته وروحانيته. إن الله عند المسـلم لا يغيب أبدا، ولا يحتجب أبـدا، ولا ينفصل عن عبـده أبدا، به يسـتعين وإليه يجأر، وهو له يسـمع، وبه يأتنس، وإليه يأنس، ومنه يسـتمد، وله يخضع، ولذاته يسـتجيب. إن نداء الله عند المسـلم من أعماقه من ضميره… اسـتفت قلبك وإن أفتوك وإن أفتوك وإن أفتوك.

إن في المسـلم ضمير حي بصير، بل الإنسـان على نفسـه بصيرا.

إن فيـه ضمير لا يخطئ أبدا، عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، الحلال بين والحرام بين. إن الإسـلام دين ميسـر، هو دين العقل، هو دين الضمير، هو دين المنطق، هو دين الوعي، هو دين اسـتقامة الغريزة، هو دين الكسـب، هو دين الجوارح، هو دين القلب. لا يخرج من الإسـلام كائن بشـري على الأرض أو في السـماء أو تحت الثرى لأنه دين الفطرة.

أما الإسـلام كتابا فأمر آخر، أما الإسـلام رسـولا فشـأن آخر، أما الإسـلام رحمة مهداة وسـبيلا ميسـرة، وكتابا يأخذه الإنسـان بيمينه بما عمل فشـأن آخر، أما الإسـلام إنجيل في كل صـدر، ورسـول يبعث بكل مسـلم، فشأن آخر، وأمر آخر. إن بداية الحيـاة لأهل الكتاب يوم يطلب العبد المخلوق الحيـاة بربه الخالق في معناه، فيكشـف عنه غطاؤه، ويسـقط عنه رداؤه، ويقـوم بما فيه من روح الله، ومن نور الله حجابا لله، من ورائه رحمة الله عاملة، ومنه معرفة الله مفاضة. مات قبل أن يموت فكان الحـق منزلا، والبيت موضوعا، والأمـر مرفوعا، ووجـه الله معلوما. هذا هو الإسـلام الكتابي الذي غفلنا عنه، وجهلنا أن الكتـاب وحامل الكتاب إنما هما شـأن واحـد، وأن الرسـول وما يحمل الرسـول إنما هما حق واحـد، وجهلنا أن الرسـول وهو الحق لا يموت أبدا، ولا يغيب أبدا، ولا ينقطع عمله أبدا - قل جـاء الحق - فكيف ينقضي الحق؟ وكيف يغيب الحق؟ وكيف يموت الحق؟ إن الرسـول وهو الحق من ربه أعلمنا وعلمنا لنعلم أمر أنفسـنا في متابعته أنه يولج في الأرض حيـا والله معه - أنا حي في قبري - من حج ولم يزرني فقد جفاني- وأنه يُرفَع في السـموات حيـا يرى بالله ما يرى الله، ويستمر في حمد الله وفي شـفاعته لأنه عند الله - عند الرفيق الأعلى - وقل اعملوا فسـيرى الله عملكم ورسـوله والمؤمنون… تعرض على أعمالكم فإن وجـدت خيرا حمدت الله وإن وجدت شـرا اسـتغفرت لكم. كما أنه بالتكاثر لا ينقطع له وجود بيننا فهو الذي امتد ويمتد بما أُنزل عليه من نور الله، أفمن جعلنا له نورا يمشـي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها! وأوحينا إليك روحـا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب وما الإيمان ولكن جعلناه نـورا نهدي به من نشـاء، نور السـموات والأرض. وما جعلنا لبشـر من قبلك الخلـد. هو الذي يـراك حين تقوم وتقلبك في السـاجدين. إنا أعطيناك الكـوثر. نعم أُعطي التكاثر خلقا وحقا، فكان كوثر الحيـاة وهو يقول لنا: (بينا أنـا نائم أطـوف بالكعبة…)[٣]. إنه الناس في نيامهم، وإنه الناس في يقظتهم وقيامهم، وإنه الناس في هاويتهم. (لو ألقينا بحجر على الأرض السفلى لوقع على الله)[٤]، (إن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه)[٥] إن الله لا نهاية له، وإن العبد فيه لاحق بربه، لا نهاية له في نشـأته، ولا نهاية له في كمال خلقه، فهو عبد لا نهاية له لربه اللانهائي.

لقد رضى رسـول الله، لا بل طلب وألح في الطلب أن لا يكون في الله إلا عبدا، سـماءً كان فيه أو أرضًا، يدرك في عبوديته منه وصلته بربوبيته له، أن لا نهاية لمرتقاه، ولا نهاية للرحمة به، فيبقى في عبوديته متجددا منتشـرا متعددا أمة لله، لا نهاية لها، فيملأ ربه بعبوديته فراغ الوجود بالحيـاة، خلقنا السـماء بأيد وإنا لموسـعون. ما كنت متخـذا المضلين عضدا. وقد جعل الله من محمد يده المبايعة، العاملة، الممتدة عن قديمه مغفورا في جديده مشـكورا.

إن محمدا هو العبد الذي شـرفت العبودية به لأنه أراد أن يشـرف بالعبودية على ما عرف العبودية، وعرَّفها غاية تطلب وحظا ينـال. لم ير في العبودية للربوبية ما يكره وما يمج، وما يمقت، لقد جعل من العبودية أمرا يشـغل صاحب العبودية وطالبها ولا ينقضي له فيها طلب ولا يجز له فيها عطاء، ولا تنقضي له بها مشـغولية، عبودية نامية، متسـعة، منتشـرة، مرتقية دونها السـيادة لأنها تطلب ربوبية لا نهائية لا يشـغلها ما ترب عمن تحب من حبيب ورب.

لقد جاء محمد شـرف البشـرية، وحظ البشـرية، وسـعادة البشـرية، وسـكينة البشـرية، وسـلام البشـرية، وكان في قيام متابعته سـاعة الصادق، وقيامة الصديق، وعبودية الموحد، وقدسـية الساري. لقد كان محمد شرف وجود كل موجود ما تواجده، ما طلبه، ما عرفه، ما كانه، ما تابعه. إن الألوهية والربوبية عند محمد أمران للإنسـانية، فيها يقومان، وبها يقومان. إن الألوهية والربوبية عند محمد هما حالان علويان للإنسـانية، يوم ترتقي مرتقاها، فتتحجب بحجبها من تعـدد معناها عن نشـأتها بمعناها، فهي غيب الإنسـانية لشـهادتها بمعناها، ويوم يداني مدانيها لمن يسـعد بها فيها ارتدادا منها فهي الرحمة والربوبية، ويوم يتوحدها الموحـد ويعرف أنه في عبوديته عين من سـبق من أحسـن تقويم للانهائي بمعنى الإنسـان يتعدد ويتجدد فيه، وفيمن تابعه حتى لا يسـتعلي عليه مرشـدا على من يرشـد، ولا يقـوم ولا يعلو ربـا على من به يرشـد. إنه الإنسـان، إنه لا يفكر إلا في كسب العبوديـة، إنـه لا يفكر إلا في نمو الحيـاة الإنسـانية، إنه لا يفكر إلا في كسـب العبوديـة، إنه لا يفكر إلا في نمو الحيـاة الإنسـانية، إن اللانهائي أقرب إليه من حبل الوريد، هو ومن في ريادته وولايته من عباده وأنداده، بعبودية سـبق يعرف أن الربوبية فيه دونها فالعبودية في الإطلاق لا نهاية لها، والغيب والشـهادة للحق إنما هما وصفان في عبد الحق ووجه الحق.

إن كل وصف لعبودية اللانهاية من قبل محمد لم يكن مدركا ولا موفيا، ولا يمكن أن توصف العبودية على ما وصفها محمد، وعلى ما عرفها محمد بخير مما عرفها به. إن محمد عرف العبـد بالكائن الطليق الذي لا تقله أرض ولا تحـده سـماء، عرف العبد متسـعا لما لم تتسـع له السـموات والأرض، متسـعا لأقداس الله، متسـعا لعوالم الله، متسـعا لموجود الوجـود له من الله. إنها إنسـان الله بظاهره والله باطنه، عبـدا لرب وربا لإلـه، وإلـها لغيب في إنسـان لله، قام ذلك كله في العبودية على ما قامها، وعلى ما طلبها للناس يطلبونها في متابعته من ربـه، وحقه من اللانهائي، متابعة لا تنتهي في لانهائية مرتقاه ورقيه هو من اللانهائي عليه في اللانهائي له، باللانهائي منه.

ما أجمل العبودية على ما عرفها محمد! ما أسـعد العباد على ما قام في العبودية محمد! ما أرحب الأمل وما أدنـاه في طلب العبودية، لا ينقضي طلبها خلف محمد! يطلبها لنفسـه، لا ينقضي طلبها، اللهم أحيني مسـكينا وأمتني مسـكينا واحشـرني في زمرة المسـاكين. وما أجمل الربوبية وما أكملها وما أقربها وما أحبها على ما عرفها وعرفها محمد أقرب من حبل الوريد!

هل عرفنا محمدا عبدا لله؟ هل طلبنا ما بعثه به؟ هل تابعناه موجودا حقيا أو كائنا أرضيا؟ هل حددنا آمالنا أن نكون عبادا لله على مثالـه عبدا لله، على ما بشـرنا لنا بنفسـه يوم قال (ما أعطيتـه فلأمتي)[٦]؟ هل طلبنا بحقه لنا حق الله بنا في متابعته بيننا حقا وخلقا؟ هل آمناه حيـا تحت الثرى؟ هل آمنـاه حيـا عند الرفيق الأعلى؟ هل آمناه يرى وربه والمؤمنون في دوامٍ أعمالنا، يشـكر عنا ويسـتغفر لنا؟ هل آمناه في متابعة كوثر الحيـاة فينا وكوثر الحيـاة بيننا بشـعورنا بافتقارنا؟ هل حقيقة نحن جديرون بأن نسـمى أمـة محمد؟ إن محمدا لا يرفضنا، (أمـة مذنبة ورب غفور)[٧]. إن محمدا يعتبرنا أمته على قذارتنا وعلى ظلامنا، وإني لأخجل وأذوب حيـاء من الرسـول أن أزعم أني وقومي أمة له. ولكن هل رضينا نحن الأقذار أن ننفض عنا القذارة لنكسـبه نورا بين جوانحنا من سـرج قلوبنا مشـعلة بجـذوة الحيـاة مفاضة من الروح الأعظم لأرواحنا في انتسـابه إلينا بشـرا، وانتسـابنا إليه أبنـاء لآدمه؟ هل تخلقنا بأخـلاق الله في التخلق بخلقه بيننا حتى نتخلق به بهمة أنفسـنا، فينبثق من قلوبنا نور الله بإشـعال جذوة الحيـاة، بتعرضنا لنفحات الله في أيام دهرنا، برجال منا وجوه قيامه، وأعلام سـلامه؟

ماذا نعرف اليوم عما جاء به محمد؟ يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. إذا قيل لهم أنتم في يوم من قيامة بمحمد ورسـالته، وأنتم بقيام الله عليكم بالحي القيوم منه تقومون، قائما على كل نفس، وما القيامة إلا إدراك قيامه على النفس وبها، انفضوا غبار الغفلة عنكم، وانقلبوا بالبصر إلى أنفسـكم تشـهدوا قيـام الله عليكم، إنها إلى ربـه منتهاها وهو لكم ما كنتم له، اسـتكبروا بأنفسـهم منقطعة عما بها من الله اسـتكبارا على من هداهم، حتى تأتيهم سـكرة الموت بما كانوا عنه يحيدون من الحق، وظلوا يرددون ألفاظا كالببغاوات حملت إليهم من سـفهاء آبائهم وسـلفهم الطالح، ما أدركها حاملوها، وما وعاها مدركوها فاقرين مما كان عليه السـلف والخلف الصالح، حتى إذا جاء البيان بروح العيان يقوم للإنسـان بالإنسـان من الإنسـان، لجـوا معاندين، وجمدوا متكبرين خشـبا مسـندة، أو حمرا مسـتنفرة فرت من قسـورة.

إن الرسـالة الروحية وهي تظهر بوسـطائها غائبين عن أنفسـهم أو يقظين، إنما هي قيام الغيب على الشـهادة وامتداد ملكوت الحقيقة إلى ملكوت العقيـدة. يقوم بها الفعل كما قام في حديثها القول الحق من الله، فقد جاء بها الداعي لا عوج له، جاء ويجيء بها الدعاة لا عوج لهم، ويجيء بها أمر الله، ورسـول الله، وروح الله، وقـدرة الله. جاءت بالبيان وتجيء به، جاءت بالحق وتجيء به، جاءت اليوم بالعيان، ها هي وجوه ناضرة لربها ناظرة، وها هي وجوه عليها غبرة ترهقها قترة، وقد وضعوا أصابعهم في آذانهم حذر الموت إلى الحيـاة، وأيديهم على أبصارهم حذر البصيرة من البصر. لا يريدون أن يبصروا نور الله مشـرقا حتى لا يذهب عنهم عمى القلوب وهو الحبيب إليهم بوهم دين لا عقل ولا روية فيه من تحريف، بأنفسـهم وضعوه وإلى الله نسـبوه. وما قام دينهم وأديـان من قبلهم إلا على وصلة الروح وحديث الروح لمؤسسـي الأديـان، وأبوا إلا أن ينسـبوه إلى الأبدان، ويجسـدوا لعقولهم كل معنى لعنوان. ولكن الله يريـد على ما عرف أمينه ورسـوله، يريد أن يبرز على ما عرّف قائما على كل نفس، ورسـولا بنفسـه من قائمه على أي نفس، محققا ما حَمَّل رسـوله يوم قال الرسـول للنـاس (خلفت الله عليكم)[٨]، ويوم أعلم الناس {وإذا سـألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}[٩]. فإن النبوة ليسـت كالبيـان، والفكرة ليسـت كالعيان، وفي العبوديـة شـرف الإنسـان من الرحمن، وإن الله في هذا الزمان يأتي بالبيان والعيان، فسـيظهر على كل نفس قائما معنى الحيـاة في الإنسـان، وضعف الحيـاة للإنسـان، فكيف تكون القيـامة أيها الناس؟ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك؟ كيف يأتي ربه أيها الناس، وقد جاءت الملائكة في عباد الرحمن يمشـون على الأرض؟ {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا}[١٠]، فما قبلوا لأنفسـهم معناهم، وما عبدوا معهم مولاهم.

أمهلكم ألفا ونصفها من السـنين في يوم القيامة والدين بمحمد الأمين لتعوه، ووعاه من بينكم واعون، وقام به من بينكم قائمون، جددوا الدين بينكم على رأس القرون، في قرون كل نفس، وبكل مكان. وتواجد بينكم ملائكة الرحمن من عباده ممن عزلتموهم عنكم وقلتم: إنهم القوم لا يشـقى جليسـهم ولم تجالسـوهم، وإنهم الصوفية صوفوا ولم تصافوهم، وقال قائل منكم إنهم أهل الخيال وأنتم أهل الواقع، وإنهم أهل المواجيد وأنتم النفوس الرواسـي، وزعمتم السـنة لأنفسكم في إبلاس، وزعمتم لها الإيمـان وما دخلتـم بها الإسـلام. سـالموكم مسـالمة لما عرفوا من روح الله بكم، هم له ملائكة تواجدوا بينكم طائفة بعد طائفة في كل أمة منكم وعند كل جماعة لكم وفي كل مكان، على ما أنبأ الرسـول قيـاما للحق وتعريفا به وحجة للدين والديـان. ما خلت منهم الأرض، وهي لا تخلو منهم أبـدا، ولكنها أغمضت عنهم العيون بزعم انتظار منتظر يظهر للنفوس، والحق لا يظهر إلا للقلوب، وهؤلاء بعثوا بينهم بقلوبهم، ففي أجداثهم اسـتكفوا وسـكنوا، وعن الناس بقوالبهم احتجبوا، وبقلوبهم عنهم ترفعـوا. يمهدون لظهور أمـر الروح وهم بها قائمين، وهم لهـا عاملين، وهم منها مرسـلين. وها هي الروح تظهر من قرن ويزيد من الزمـان، وتثبت وجودها للعيان. ها هم الجاحدون بها يتناقصون والمؤمنون بها يتزايـدون. تخضع نفسـها وظهورها لعلم أهل المادة رحمة بهم. تخفض لهم جناح الذل من الرحمـة. ها هم علماء الأرض يدخلون سـاحتها ويدرسـون بالبحث قضيتها، فيؤمنون ويتابعهم على إيمانهم من بالعقل يؤمنون، وللعلم يتابعون. ها هم العلماء وقد آمنـوا ازدادوا علما. وها علم الروح ينتشـر بين الناس، وها هي الروح تسـرى في أجساد الناس فيتابع بعضهم بعضا. وها هي الروح تنتشـر من بعضهم لبعض فيتوحدون، ويتحابون فيشـهدون، وعلى الله وذكر الله يتلاقون، وعلى علم يتناجون، وبحق الله يتكاتفون.

ها هي ظلمات محترفي العقائد والأديان تنقشـع. ها هو سـلطان الأنبياء الكذبة يتبخر وينكشح. ها هو الإنسـان بعظمة قدسـه وألوهيته يظهر في جلباب عالمه من مادته. ها هي أوثان الأوزار من الأجساد تسـقط عما بها من نور الله. ها هي الظلمات وأهلها تسـتميت دفاعا عن آخر معاقلها ولا تلبث أن تزول.

إن الناس هم الناس، يخاصمون النبيين للحق بغير الحق، ويقتلون النبيين للحق بغير الحق، ويتبعون النبيين لغير الحق بغير الحق من باطل نفوسـهم. ولو أنهم يخاصمون على الحق لتحابوا. ولو أنهم تصارعوا على الحـق لوصلوا للسـلام. ولكنهم يتصارعون على الدنيا ويريدون أن يمتطوا أهل الحق إلى أهدافهم من المادة بلاء وابتلاءً من الله، فإذا امتنعوا عليهم وأعوزهم لحكم العامة رجال للدين يمتطونهم لأغراضهم، اصطفوا أولياءهم من المنافقين ورفعوهم درجات باسـم الراسـخين. ماذا يريد الناس من طلب المعرفة عن السـاعة أو طلب المعرفة عن القيامة، والأمر بينهم أصبح قائما؟ من شـاء فليؤمن ومن شـاء فليكفر. ولكن أوليـاء الطاغوت ما زالوا في غيهم من تسـويف الحقائق وإبعاد النظر إلى الحـق الذي لا غيبة له، باسـم لا نهائيته عند موصوليه وعارفيه وقائميه.

يوم تأتيهم سـكرة الموت بالحق مما كانوا عنه يحيدون، ويتكشـف لهم مفارقة الحق لهم بما كسـبوا مما كانوا يعملون فإنها قيـامة العذاب… قيامة الحرمان من الحق. أما قيامة السـعادة… أما قيامة الجنة… أما قيـامة المعرفة فهي لمن زحزح عن النار وهو فيها وأدخل الجنة وهو فيها فقد فاز جنـة عرضها السـموات والأرض. إن الرسـول إذ يقول لكم موتوا قبل أن تموتوا، وإن الله إذ يقول لكم ولمن خاف مقام ربه جنتان، إنما يعني القيامة بالسـعادة. إن القيامة بالسـعادة إنما هي لمن يشـعر بعد إيمان أن الله قائم على نفسـه. إن الشـعور بقيام الله على النفس أمر لا يوصف، وشـأن ليس محـلا للعبث، وهو أيضا أمر يستسـيغه العقل ولا يسـتعصي عليه تصوره أو اعتقاده، ورجاحة العقل في العمل لكشـفه وتحقيقه. وسـاعتك يوم ينكشـف الروح بك لمادتك ووعيـك فتقوم بالروح في تدبيرك وفي هذا قيامتك. فإذا عم الوعي قوما كانت سـاعتهم. فإذا سـادت الروح مجتمعهم كانت قيامتهم.

هذا هو الدين لمن أراد أن يكون على دين. وهو أمر غريب على الناس أصبحوا عليه كما كان غريبا على الناس يوم جـاء به كل مؤسـس لدين. فمن أراد اليوم أن يجدد دينه، ويجدد إيمانه، ويجـدد إسـلامه، فليجعل من الروح قبلته، ومما تأتي به اليوم شـرعته، وليربط نفسـه بجمعها، وليسـر وراء روادها، فما تأتي به الروح في هـذا الزمـان لا يختلف عما سـبق أن جاءت به في سـائر الديانات في صغير أو كبير عن ما جاء به الكتاب الجامع وما جاء به الرسـول الإمام الآم للمرسـلين عن كتاب الفطرة ورسـالة الفطرة، بدين الفطرة، رق كتابها بالكون منشـور، وبالإدراك في قوانين الوجود مسـطور، العقل في العقلاء مجسـدا أمامنا، وفي الاتقاء رائدنا. لا تنقطع له رسـالة، ولا يتوقف له المزيـد من المؤمنين في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل أمة. في الأرض نباتـه وفي السـماء جمعه. وإلى الأرض بالجمـع عوده، حتى يكون يوما في الأرض كما هو في السـماء، يعلو جمعه وتعم به كلمة الله، للناس أخوة بالحق قيامهم وإمامهم.

نسـأل الله أن يقيم لنا قيامة سـعادتنا به في حاضرنا، وأن يقينا شـر قيامة أنفسـنا من دونه بعملنا بعيدا عنه. كما نسـألـه تعالى أن يخرجنا من دورنا بأجسـادنا سـعيا إليه قبل انقضاء عملها وموتها وتوقف السـعي إليه بها. كما نسـألـه أن يميت نفوسـنا عن أوصافها قبل أن تموت بظلمها فنصبح ولا نفوس لنا، ولا نصيب لنا من دنيانا.

نسـألـه أن يجعل سـاعتنا بهذه الحيـاة منقضية في طاعته وذكره، لامعة في موصول الحيـاة بين ما تقدم وما تأخر لأرواحنا ونفوسـنا لمغفرة ما سـبق لما هو آت، وكسـب ما تخلف لما هو قائم.

اللهم اغفر لوحدتنا فيك من حاكم ومحكوم، وأصلح أمورنا، وارفع حجاب الغفلة عنا، وخذ بنواصينا إلى الخير، وقنا شـرور أنفسـنا وقسـوة قلوبنا. وعاملنا بعفوك ورحمتك.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. سورة الفتح - ٢٩ ↩︎

  2. سورة النبأ - ٨ ↩︎

  3. من الحديث الشريف: “بيْنَما أنا نائِمٌ رأيتُنِي أطُوفُ بالكعبةِ، فإذا رَجلٌ آدَمٌ سَبْطُ الشَّعْرِ، بيْنَ رجُليْنِ يَنطُفُ رأسُهُ ماءً، فقُلتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: هذا ابنُ مَرْيَمَ، ثمَّ ذهبتُ ألْتَفِتُ، فإذا رجُلٌ أحمَرٌ جَسيمٌ، جَعْدُ الرأسِ، أعْورُ العيْنِ، كأنَّ عيْنَهُ عِنبةٌ طافِيةٌ، قُلتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: الدَّجالُ، أقْربُ الناسِ بهِ شبَهًا ابنُ قطَنٍ”. أخرجه البخاري ومسلم باختلاف يسير. ↩︎

  4. حديث شريف ذات صلة: “لو أنكم دلَّيتُم أحدَكم بحبل إلى الأرضِ السابعة لهبط على الله تبارك وتعالى.” أخرجه الترمذي وأحمد والبيهقي. ↩︎

  5. حديث شريف ذكره الشعراني في “لطائف المنن” مشيرًا إلى أن الحكيم الترمذي رواه في نوادر الأصول، كما جاء في الفتوحات المكية لابن عربي، وكذلك تفسيرات بعض الصوفية للقرآن الكريم بنص: “إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم”. ↩︎

  6. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  7. حديث شريف: “دَخَلْتُ الجنةَ فرَأَيْتُ في عارِضَتَيِ الجنةِ مكتوبًا ثلاثةٌ أَسْطُرٍ بالذهبِ – لا بماءِ الذهبِ: السَّطْرُ الأولُ: لا إله إلا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ. والسَّطْرُ الثاني: ما قَدَّمْنا وَجَدْنا، وما أَكَلْنا رَبِحْنا، وما خَلَّفْنَا خَسِرْنا. والسَّطْرُ الثالثُ: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ”. أخرجه الرافعي في تاريخه (٣/ ٩١)  ، الإمام أبو القاسم في تاريخ قزوين، وابن النجار في تاريخ بغداد عن أنس ابن مالك. ↩︎

  8. عبارة للسيد رافع يمكن تأمل معناها ومغزاها في السياق. ↩︎

  9. البقرة - ١٨٦ ↩︎

  10. سورة الأنعام - ٩ ↩︎