(١٧)

الإنسان الخالق
في ثياب الإنسان المخلوق
في اللانهائي بحقه وخلقه

حديث الجمعة

٣٠ جمادى الآخرة ١٣٨١ هـ - ٨ ديسمبر ١٩٦١ م

باسـم الإنسـان لنا نشـهد، وبالإنسـان علينا نبدأ، وإلى الإنسـان بنا نرجع.

باسـم الإنسـان الأزلي في الأبدين لنا منه نسـتعين وإليه من علام الغيوب نسـتكين.

بالإنسـان الرحمن الرحيم نقوم، إلى الإنسـان الخالد بلا صاحبة ولا ولد في أبدي ولدينا لنا منا نتجه لنتواجد خالدين.

بالإنسـان في أنفسـنا يقوم وعلى أنفسـنا قائم، ومن أنفسـنا يقيم، منه نسـتمد وبه نسـتعين، وإليه به نتوسـل.

إن الإنسـان سـرمدي في حقيته، أزلي أبدي في أبوته وبنوته، بحضرتي الله له، من أزلي حضراته بآحاده لا بدء لها ولا انتهاء لقيامها.

إن الإنسـان في قيامه خلقا وحقا، عبدا وربا، ظاهرا وغيبا، يقوم بذكر الله، وبعلم الله، وبأعلام الله، وبكتـاب الله، وبوجه الله، في جماعه وفي اجتماعه بوحدانيته. يحيـا بمفرداته من حيـاته بجماعاته، ويحيا في جماعاته من حيـاته في مفرداته في أبدي تواجده يتواجد، على مثال من أزلي وجوده تواجد، حتى يكون ابنا وأبا، وعبدا وربا في آن واحد، وذات واحد بلا توقف لبنوته، ولا حصر لأبوته صفة اللانهائي بحقه لوجوده في خلقه، لإظهار معناه وعلم وجوده لوجوده، خلقه لنفسـه، وخلقه لإرادته، وخلقه ليعرف في نفسـه بنفسـه من نفسـه من أوجده لنفسـه.

إن الإنسـان هو أزلي الله، في ظهوره من كنزيته، وهو قائم الله في شـهوده من غيبه، وهو باقي الله في دوام الله في أبديته، من قائم ومحدث خلقه لنفسـه.

إن مفردات الإنسـان من الإنسـان وجوهه وأعضاؤه، وأبعاضه تقوم في وحدته، حقا كبيرا وأمرا خطيرا، وحضرة حية قائمة، عنوانا لحضرة مقيمة دائمة، وحضرة ظاهرة عنوانا لحضرة باطنة، حضرة أرضية عنوانا لحضرة علوية. إن عوالم أعضائه أو أعضاء عالمه تقوم في صور أعضائه سـماوات علوية لمفرداته.

إن الظاهر من الإنسـان مرآة الباطن من الإنسـان، علما على الحق فيه، وعلى الحق به، وعلى الحق منه، وعلما على الحيـاة، وعلما على الحي القيوم، خلق الموت والحيـاة ليبلو مفرداته أيهم أحسـن عملا، خلق الموت لمفرداته لا يلحقه موت في جماعه وذاته. خلق الموت يطرأ على الحيـاة المعارة لمفرداته من أمانة وجوده، عند من اؤتمن لها من خلقه. حملها الإنسـان المخلوق، ليمثل بها الإنسـان الخالق، وليفعل بها ما يفعل الخالق بفعله على ما فعل له، وقد أوجده على مثالـه. بدأه من حيـاة جزئية تقوم في حيـاة عمومية ثم خلق له الموت، على جزئي الحيـاة العارية فيه ليسـقط عنه الغفلة، وليحـرره من الضيق، وليدخل به من باب العدم إلى طريق الوجود. باب ظاهره من قبله العذاب، وباطنه من قبله الرحمة، يبدو ثَمَ الخياط، ينفذ الإنسـان منه، على ما هو عليه، من مطية الحيـاة للحي القيـوم إلى حيـاة الحي القيوم، من حيوانيته إلى روحانيته، من فيزيقيته إلى نجميته، ومن نجميته إلى معنويته من فكره ووعيه وإرادته، ينفذ من ثَم الخياط كما تنفذ صور الكائنات من بؤرة عينه إلى صدفتها ومرآتها. ينفذ بوجوده من الله المطلق إلى إطلاقه من مقيد ذاته من بؤرة قلبه.

إنه نور منطلق لا يحجزه ثَم الخياط من محدود ذاته، ولا يحبسـه حابس من غير فعله في عقر داره من بيته من جسـده. إن الموت المخلوق له لا يقوم على حيـاة الخالق فيه. ولكن الموت المخلوق يقوم على جهازه ووجوده المخلوق له.

إن الكائن الإنسـاني من البشـرية بمقامها، لا بقيام فطير تكوينها فيها، وقد نفخ فيه الروح العظيم من روحه، لا يطرأ الموت على روحه ولكن لها تتضاعف الحيـاة. ولكنه فيما خلق له من عالم صغير بجسـد من مادة، فإنه قد يطرأ الموت على ما خلق له من جسـده، ومن مادته، حتى ينطلق روحـا، ويعود إلى حريته، لا تحجزه السـموات ولا تمسـكه الأرض. ينفذ من السـموات ويتحرر من الأرض، وينطلق في لا نهائي الوجـود. يملأ فراغ الوجود بالحيـاة من حيـاته. حرره الله وعلمه الله وأقرأه الله كتاب نفسـه، ومكَّنـه الله من عالم وجوده بذاته في مادياتها وفي نجميها وفي معنوياتها، وأمره وأذن له ومكنـه وخلَّقه أن يوجـد نفسـه لنفسـه بنفسـه على ما كان له من الله، وعلى ما عرفه مرة وأخرى. فأوجد لنفسـه في نفسـه آدمه بأديمه على صورته، وتعارف إليه، بعين معناه، فتعارفا. عرفه آدم باطنـه لظاهره، وجعل من آدم باطنه لظاهره عنده في ملئه لا فرق بينهما. فأوقف الوجه ذو الجلال منه، من اللانهائي ظاهره بين يديه عقلا له، وعبدا له، وأمره في أمره لنفسـه، أدبر فأدبـر، وأقبل فأقبل، فقال له لا فرق بيني وبينك، وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز عليّ منك.

ما كان ما نقل الرسـول إلينا عن نفسـه، أو عن ربه، أو عن أخيه ووحيه من بيت ربه من الأعلى من رفاقه، ما كان كله إلا تعريفا لنا عن الإنسـان، في حقه وخلقه في ظاهره وغيبه، في تواجده وموجده، وفيما أوجد لنفسـه. إن الرسـول قد جمع المعرفة كلها في حيـاة الإنسـان بظاهره ومنها عرف حيـاة الإنسـان في غيبـه، سـواء في أزله من قديمه لا بدء له، أو في أبده من محدثه بباقيـه لا انتهاء له، وهو ما جمعه في ثالوث من كلمات، يوم قال لنا (الظاهر مرآة الباطن)[١]. من طلب أن يعرف الغيب فعليـه أن يتعلم ليعرف عن الشـهادة، يتعلم من الشـهادة بعلم الشـهادة، ليسـتقبل العلم من الشـهادة، وهذا ما عناه اللانهائي في بلاغه يوم حمله معناه في رسـوله إلينا بقوله {الرحمن فاسأل به خبيرا}[٢]. إن الخبير بالرحمن معنى يقوم بعباد الرحمن، بخلق الرحمن، بوجوه الرحمن، الرحمن من ورائهم محيط، وعليهم وبهم قائم، أقرب إليهم من أنفسـهم، كشـفوه لأنفسـهم بوحدانيته، يوم طلبوه، وأسـقطوا معاني الأنا عن فيزيقيهم إلى معاني الروح لهم ومعاني الروح فيهم ليعرفوه فقام الروح في قيامهم.

هذا الحق الصريح، هذا الحق الواضح، هذا الحق القريب، هذا الحق القائم، أن الإنسـان روح من الأعظم من الروح، من الروح اللانهائي. إن الإنسـان عالم صغير من عالم كبير في ذاته، ينمو ويكبر، على مثال من أبويه، من عوالم إيجـاده في بيئة عوالم تواجده في الوجود الأزلي السـرمد الذي لا ينقطع اتسـاعه، ولا ينقضي ولا يزول ولا يحول وجوده، في آحاده من آحاده بواحده.

إن أمة محمد إنما هم القَّيمة على الناس بدينهم، هم نور الأمم بأئمتهم، الذين هم شـعب الكتاب بأناجيل صدورهم، عترة لرسـوله، لا شـرف عندهم لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، شـعبا لله مختـارا من سـائر الأمم، أئمة للنـاس بما نفخ فيهم من الروح العظيم من الروح تعرضوا له حول محمد من أنفسـهم، إماما لهم وبيتا موضوعا لمرفوع بيتهم لمعبودهم اللانهائي.

إن تحريف كلام الله عن مواضعه أضاع الناس في أوضاعهم، وحرمهم من مواضعهم من التواجد فيه، أيدي لله وعضدا لله، وأقباسـا من نور الله، ووجوها لله، وحضرات لله، وكلمات لله، وأسـماء لله، وصفات لله، وبيوت لله يذكر فيها اسـمه. ترفع وتوضع بسـلطانه، وتعرف وتغيب بعنوانه أن الناس من الله تواجدوا، وبالله يقومون، وإلى الله يؤولون، وبيوتا لله يتواجدون، ووجوها لله سـوف يظهرون، يوم يعلمون ويعلِّمون.

ألفاظا بألسـنتكم تلوكون، واسـما تذكرون، ثم معرفة بالله في هذا الترديد تزعمون، وأنتم كالببغاوات ترددون اسـما، وتحددون وتُجَهِّلون لأنفسكم رسـما. وأنتم في أنفسـكم معناه، وبين جوانحكم ملكوته، وفي قلوبكم كعبته وهي لكم قبلته. فإلى أي قبلة تتجهون، ولمن تصلون وحول أي معنى لبيت تطوفون، والله بينكم منكم، وفيكم لكم بوجهه وبيده وبعينه، ينظر ويعمل ويقوم، وفي أنفسـكم لخيرها يسـعى، ومن أنفسـكم لكم يتواجد، وبين أنفسـكم فيكم منكم يظهر؟ هلا سـألتوه بينكم خبيرا؟ هلا عرفتوه منكم عبدا قديرا؟ هلا أدركتموه لكم معينا ظهيرا؟ هلا كنتم وجها لوجـه فيه معكم بينكم؟ جاء الحق وزهق الباطل يوم أنزل الأعلى الحق منه على عبده وخلقه، فزهق باطله من خلقه، وقـام حقه في صورته من ربه لا فرق بينه وبينه، ما ظهر الله في شـيء مثل ظهوره في الإنسـان. فهل عرف الإنسـان الحق لنفسـه في نفسـه يوم جاءه الحق بالمثل المرضي له تحت عنوان المحمد من عباده لعباده باسـم رسـول الله في صورة محمد، وفي قيام محمد، وفي قول محمد، وفي فعل محمد، وفي معنى محمد، وفي آل محمد؟

هل سـاس الناس أنفسـهم في الله على ما سـاس من كان اسـمه محمد؟ فبقي وصفه محمد وانقشـع عن اسـمه وذاته محمد معناه من الخلق إلى الحق من ربكم، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم}[٣]، أذهب عنهم أوزارهم، وأسقط عنهم فيزيقيهم، ومحا باطلهم، وخلع عنهم موقوتهم من نجميهم، كفر عنهم سـيئاتهم، في أنانيتهم معزولة عمن ائتمنهم بأمانته لأنانيته بهم… وأصلح بالـهم وقد أقلق بالـهم، شـوقهم لمعرفة خالقهم والخالق بين جوانحهم، ينبض بالحيـاة بيته في نبض قلوبهم، ويسـري بالحيـاة أمره في سـريان دمائهم، ويتواجد بالحيـاة ظاهره في تواجد ذواتهم، ظاهرا لباطن بأشـباحهم لأرواحهم.

كيف قدم لكم الدين؟ وكيف توارثتم الدين؟ وكيف جهلتم الدين يوم جاءكم الدين؟ ليس الدين إلا أن يعرف المـَدِين بالحيـاة دائنه بها، ومُدِينَه عليها. إنك من روح ومادة. إنك بمادياتك من سـلالتك وتطوراتك عبد روحك… فأنت موصوف العبد بمادياتك، وأنت قائم الرب وموصوفه بروحك. إن روح الله فيك هي معاني الربوبية لك. وإن مصادرها من الروح من معناها لمعناها هي معاني الربوبيـة لها، ومعاني الألوهية لك. وفي معراجها إلى من هي منه لتكونها به يوم يكونها له، تدرك معاني الألوهيـة لها، ومعاني الألوهية عنك، فإذا قدرت أن الإلـه غيرك غائبا عنك فلن تعرفه حتى تؤمنه عينك قائما عليك، غير غائب عنك، في عين روحك، في حرية سـبوحك، في عتق روحك من سـجن ذاتك، تنطلق بأسمائه لك أسـماء، وبصفاته لك صفات، خلقك لنفسـه، فلِمَ تلعب؟ وبددا لِمَ تذهب؟ وخلق كل شـيء في الوجود من أجلك، فلِمَ تتعب، وعلى أمرك لم تغلب؟

أيكما في خدمة الآخر أالعبودية بجسـديتك في خدمة الروح من ربوبيتك؟ أم أنها الروح في خدمتك عبدا لها وربا عليك؟ ألم يقل رسـول الله (سـيد القوم خادمهم)[٤]؟ إن سـيادة الروح عليك إنما هي في خدمتها لك. وإن عبودية الجسـد منك إنما هي في تقبل الخدمة منها لك. إن الإنسـان ينحرف إذ يظن أن ربه في حاجة إليه يوم يطيعه، وأنه في حاجة إلى ربه يوم يلجأ ويجأر فيحقق له سـؤله. إن الله محقق لك سـؤلك وإن لم تسأله، وإن الله بروحك في خدمتك، وإن لم تسـتخدمه، إنه يدير الحيـاة فيك بلا سـؤال منك. إنه يشـفي مرضك، إنه يسـد عوزك، إنه يدبر أمرك، إنه يدفع عنك من البلاء ما تعلم وما لا تعلم دون سـؤال منك. إن روح الله فيك ترجـوك أن تقبل منها فضلها عليك. فهي بغير الفضل منها عليك لا تعرف كيف تعلمك، ولا تعرف كيف ترشـدك، ولا تعرف كيف تهديك، فلا تعرف هي عندك، فتفضل أنت فاقبل فضلها عليك متفضـلا. تفضل فاقبل رحمتها إليك. تفضل فتفتح لندائها بسـمعك، وهي تدانيك من سـماء معناها، سـماء لك لأرض معناها قائمة فيك.

إنها تزاحمك على أرضك لتكونها وتدفع لك ثمنا سـماءها… سـماء لك لتكونها. إنها تزاحمك على عبوديتك لتكونها، وتبذل لك معنـاها بربك لتكونه. ففي حيـاة العمل نمو الحيـاة. وفي حيـاة الجزاء فهم الحيـاة. ولا عمل في حيـاة الجزاء إلا ببذل الحيـاة المكسـوبة، لانتظار الحيـاة الموهوبة. ولا نمو للحيـاة في حيـاة العمل إلا في اسـتقبال فيوضات الحيـاة، بصفاء النفس، وارتواء العقل، واسـتعداد القلب، وطاعة القالب.

إن الرسـالة الروحية التي تحيط بالأرض، وتطبق عليها في هذا العصر، تحيط بها إحاطة الحنان، وتُطبق عليها إطباق الأمان، وتحتضنها بروح السـلام، ترفضها المادة بما تنزع إليه في نزوعها إلى الخصام، بما تتزاحم عليه من أوهام… أوهام في السـلام ترجوه وهي تعمل لتقويض أركانه، وأوهام للسلم تفتقده وبيدها إقامته، أو أوهام للسـكينة، تشـرئب إليها النفوس وهي تعز عليها بفقدان السـبيل، أو أوهام للسـعادة تتخيلها في المال، والسـلطان، والشـهوات، وهي تجافي الدليل. إنها تفكر في السـكينة والسـعادة وهي معها، تفكر في الحق وهو بين جوانحها، تفكر في المال وهي مالكته يلحقها حيث كانت من حيث كان، تفكر في العزة والسـلطان وهي لها وقد خلقت لها من العزيز الملك الجبار، لتكون لها به، ولا تكون لها بغيره، يوم لا تكون هي لغيره، فيذهب عنها حظها وما وجدت له.

يوم تفقده فإنه يتواجد لها نفسـها وما ضعفت عنه في عيان، فترى غفلتها وترى الحرمان وفيه عذابها، وترى الضعف وفيه ضعتها، بينما يحظى به ممن تعرف من يحظى، ممن نافرت، وله كذبت وحديثه ما صدقت، وأمره ما تابعت من عباد الرحمن يمشـون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سـلاما، آتاهم الله من لدنه رحمة، وعلمهم من لدنه علما، وأمر الله بما شـرع من دين، ومن طريق، ومن حكمة، وبما أودع في غريزة أن يرد الناس أحواضهم، وأن يسـألوهم علمهم، وأن يسـتفيضوهم رحمتهم، وأن يسـتحيوهم أنوارهم، أنزل معهم النور يمتدون به في الناس ولكن النـاس يرغبون في أهل الظـلام منهم، يسـتمدونهم ظلامهم ويدخلون في ظلمات بهم بعد ظلمات، من ظلمات أنفسـهم، يضيقون على نـور الله فيهم، ويزيدون أرواحهم أغلالا بعد أغلال، حتى يُحررها الحي الخالد، في دوام خلودها بسـقوط قوالبها عنها، وتحريرها، وانطلاقها، بما تسـمونه الموت فتمقتونه وتكرهونه، وتزعمون محبتكم للحي الذي خلق الموت والحيـاة ليبلوكم. لقد أعطاكم مقياسـا تعرفون به أنفسـكم، ومدى كشـف معاني الحق فيكم، ومدى انقشـاع ظلامكم عن حقي معانيكم، يوم قال لكم {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين}[٥]، إن كانت الدار الآخرة خالصة لكم من دون غيركم من الناس، بما اعتقدتم لكم وقد عبدتم أنفسـكم لربكم بوهمكم.

إن الإنسـان الكبير في خدمة الإنسـان الصغير، فلا ترفضوا خدمات الله لكم، وتخلقوا بخلقه كما هديتم، وكونوا كبارا في خدمة الصغار منكم، واجعلوا دينكم في اسـترضاء الكبير بالعطف على الصغير، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السـماء، واتقوا الله واعلموا أنه بكم لطيف، وعليكم قائم، ولكم بالمرصاد.

فاتقوه أيها المؤمنون به، واعلموا أنه ما من صغيرة أو كبيرة إلا أحصاها بقانون خلقكم في كتاب وجودكم، تكتبونه بأيديكم وتقرأونه بأنفسـكم، وتشـهدونه بعيونكم، وتسـمعونه بآذانكم، وإن شـئتم… سـاعتكم في حاضركم تُشـهد لكم، فالأمر لكم. لا تسـوفوا الله ولا تسـوفوا قضاءه، ولا تسـوفوا حسـابه ولا جزاءه، ولكن اشـهدوا الله فيما هو مشـهود لكم، واشـهدوا الله في أنفسـكم، تشـهدون أنه لا إلـه إلا الله مشهودا لكم، فتعلموا وتشـهدوا أن محمدا رسـول الله، من الله له، ومن الناس لكم، فتشـهدوا وتعلموا أن الله ورسـوله إنما هما أبويكم، في قديمكم من أزلكم لكم يتواجدان، ولولديكم في أبدكم بكم لكم تتواجدون في اللانهائي وبه، فاعلموا واعملوا أنه الله، وأنه لا غيره، وأنه لا وجود لغيره، وأنه لانهائي لا يدرك في لانهائيته، وأنه قريب لانهائي في قربه، لا يجحد في وحدانيته. لا إلـه إلا الله. محمد رسـول الله.

اللهم كن لنا فيما علمنا. اللهم كنا لنا فيما جهلنا. اللهم كن لنا في يقظتنا. اللهم كن لنا في غفلتنا.

إن كنت لنا لم نحرم شـيئا، وإن تناسـيتنا لم نكسـب شـيئا. اللهم وحدنا وتوحدنا. اللهم إليك فوجهنا. اللهم منك فجـددنا، اللهم بك فأقمنا، اللهم عنك لا تشـغلنا. اللهم شـهودك لا تحرمنا، اللهم وجودك لا تمنعنا. اللهم أنزل السـكينة على قلوبنا، اللهم قنا شـرور أنفسـنا وشـرور الأشـرار من خلقك، وادفـع عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به أعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. وولِ اللهم أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا بما كسـبنا، وبعفوك فعاملنا، وبمغفرتك فأوصلنا.

لا إلـه غيرك ولا معبود سـواك، اللهم إنا ظلمنا أنفسـنا فبيد رحمتك ممتدة في دوام فأنقذنا.

(لقد تكلمت مع كثيرين ممن عبروا من عالمكم إلى عالمنا، ولم أقابل بعد واحدا يقول لي، بعد أن رأى بعيون الروح، أن الروح الأعظم لم يقدم له أجل الخدمات.

إنكم جميعا أجزاء من الروح الأعظم، إنه يقول لكم - ها هي قوانيني وها هو جزء مني فيكم. وكل ما يمكن لكم اسـتخدامه لعمل صـالح ها هو بجانبكم. وقد أعطيتكم كل الآلات والإمكانيات فيمكنكم الاختيار بين المسـلك الصحيح بها والمسـلك الخاطئ لاسـتعمالـها بالسـير على ما عرفتم من قوانيني أو ضدها.

وقد ضل الأطفال وسـاروا بعيدا جدا عن قوانين الروح الأعظم حتى أصبحوا عميا عن أمور الروح، ولا يفقهون إلا أمور المادة، فكان على السـادة في عالم الروح أن ينسـخوا في عالم المادة أناسـا مترنمين مع ذبذبات الروح الأعظم، حتى يمكن أن ينفذ عمله خلالـهم).

السـيد الروح المرشـد سـلفربرش.

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. من مقولة من خطبة للإمام عليّ ـ كرم الله وجهه ـ:“…اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطناً على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه…”. بحار الأنوار. المكتبة الشيعية. ↩︎

  2. سورة الفرقان - ٥٩ ↩︎

  3. سورة محمد - ٢ ↩︎

  4. حديث شريف. أخرجه أبو القاسم الشهرزوري في ((الأمالي)) كما في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) للألباني. ↩︎

  5. سورة البقرة - ٩٤ ↩︎