(١٥)

آدم
المعنى والهيكل والقدس
للفرد والبيت والمدينة والأمة والجنس

حديث الجمعة

١٦ جمادى الآخرة ١٣٨١ هـ - ١٤ نوفمبر ١٩٦١ م

تصحيح التاريخ الهجري: ٦ جمادى الآخرة ١٣٨١ هـ

إليك، يا من قدرنانا له عبادا، فعرفناه لنا ربا.

إليك يا من عرفناه لنا ربا، فعرفنانا له وجوها.

إليك يا من عرفناه معروفا لا ينكر، ومعلوما لا يجحـد، وموجودا لا يغيب، وظاهرا لا يختفي، ومنزها لا يظهر، فعرفنانا له عبادا، وللعوالم أسـيادا، به عليها نقـوم، ومنه معها نتواجد، وإليه بها نرجع، ومعه واحدا نتوحد، وفيه أحدا نفنى، وبه بالأشـياء نبقى، وعبادا له نعرف.

إليك نلجأ وبك منا نعوذ، وبفضلك نسـتعين. نؤمنك لا ظاهر إلا أنت، ونؤمنك في جلال عن الظهور بجوهرك، وفي إحاطة بالظهور بعبادك. لا إلـه ولا مألوه إلا أنت، ولا إلـه غيرك.

اصطفيت قديما في أزلك أبانا ومولانا، وأظهرته في كونك، وبين عوالم وجودك، بمعناك وجها لك، وخليفة عنك. وكرَّمت أَبناءَه وأحفاده وذريته، وجعلتهم محل عطائك واصطفائك ومحل رضائك واجتبائك، ومحل توفيتك ووفائك، ومحل خلافتك وصفاتك وأسـمائك. فجعلت آدما معنى فيك وقياما لك في ملئك ملأً له سـجد، وبك منه وجد. أظهرته وأكبرته، وأعليته وكنزته، وأخفيته وعظمته، ثم جددته وأظهرته علما بظاهره على باطنه قدمته، واجتبيته لغيبك فجعلته وبنيه حضرة ذاتك وملئك، يشـهدك فيهم وفي نفسـه، ويشـهدونك فيه وفي أنفسـهم، وحضرة أسـمائك وصفاتك، خليفة عنك، لا تظهر إلا بحضرتك به إكبارا لحضرتك عن الظهور لغيرك، ولا تختفي حضرتك عن حضرته عبدا لك، متسـعا بعلمك وما علمته لأسـمائك وصفاتك، ولمعاني حضراتك.

جعلت من آدم معنى وجوهرا، ورسـما ووصفا، ومظهرا ومخبرا، وزمانا وعصرا ودهرا، فجعلت العالم مظهره، وجعلت من الأرض مخبره، وجعلت من الشـمس علمه ومن القمر ولـده، فجعلته معنى ومعاني، وخبرا ومباني، وجعلته فردا، وجعلته زوجا، وجعلته بيتا، وجعلته أبا وولدا، وجعلته مدينة وبلدا، وجعلته أمـة وجنسـا، وجعلته بشـرية، وجعلته إنسـانية، وجمعته عنوانا على غيب لمعناك من ذاتك وروحك، إنسـانا لمعناك في روحك وذاتك. وجعلته عالما لعبدك. وجعلته وجودًا لعبادك. وجعلته غيبا لمعاني غيبك في غيبك.

عَلَّمته وأعلمته، وكثرته وجددته. قمت به على أولاده فكنت القائم على كل نفس بما كسـبت، وجعلت من أبنائه مظهره ووجوهه فكنت به من وراء كل نفس محيط، وأظهرت الكون بمظهره منك مظهرا له علما عليك فجعلت من مواجيد الكون ومظاهره وجـوها لك بمعناه وجها لك، فكانت به وجوها لك، فكان الناظر أينما ولى فوجهك. قمت به خليفة عنك على كل نفس وعلى كل ذات من أبنائه فكنت به أقرب لكل نفس من حبل الوريـد، كنت عين معناها لأن كل نفس عين معناه منك على ما أوجدته لنفسـك، وكبَّرته لخلقك، وأعلمته وعلمته لرحمتـك، ثم طورته لظهورك، وأخيرا كما كان أولا خلفته ولنفسـك اصطفيته ونسـبته، فكنت به الواحد الأحد الذي توحدت الأشـياء فيه بوحدانيتها فيك علما عليها بك، وإخبارا عنك به. وأنت اللانهائي لا ظهور لك، ولا إحاطة بك، ولا غيبة منك، ولا انفكاك عنك.

جعلت منه بشـرانا بالجديد لنا في أمر أنفسـنا تسـعدنا بكونه أن نكونه هيكلا لك. وجعلت منا به أملنا ورجاءنا أن نكون هياكلك فنكون مظاهر أمرك وإرادتك، بدايات حية لكلمات طيبة لشـجرة مباركة نامية تمتد في الأرض بجذورها، وترتفع إلى السـموات بغصونها، وتغدق بثمرها كل حين بما تحوي نواتها. تتكاثر من وحدتها بعين واحديتها آحادا لك وهياكل قيامك. تشـتتها بقدرتك وتجمع شـتاتها في أمشـاج تبتليها برحمتك، فتوحـدها هيكلا واحدا لقدسـك، وآدما واحدا لموجودك تعطيه تكاثره بقدرتك في قدرته، وتعطيه تعدده بكرمك وجودك ليعرف نفسـه بنفسـه، ويتعارف إلى نفسـه في أبعاض نفسـه على ما أنت في تجلياتك وفي أزلي صفاتك، فيعلم عنـك في علمه بنفسـه عنه، ويعلم عنه في علمه عنك في قديمه في أزلي له منك، وفي جـديده في أبدي له بك على ما أردت، فكان ظل إرادتك فيما يريد، وظل وجودك فيما يتواجد، وظل رحمتك فيما يفعل، وظل وحدتك فيما يتجمع ويتوحد، وظل صنعك وقدرتك فيما يتبعض. جعلت منه الحلقة الوسـطى، والذات الوسـطى، والكتاب الأوسـط، والآدم الوسـط، والأمة الوسط بين أزلية وأبدية، وجعلت من هذه الصفة فيه أكرم المعاني منك، وأعرف الكائنات بك. جعلته خير أمة أخرجت للناس تعرف وتعنون الله، وتؤمن وتتصل به، تعرف الله في قديمها من الناس، وتعرف الله في جديدها باقيا بالله في الناس، وتعرف نفسـها لله أُناسـي، فتعرف الله في الناس قديما لا بدء للناس ولا بدء له، وتعرف الله باقيا… باقيا بالناس لا انتهاء للناس ولا انتهاء له، وتعرف الله قائما قريبا في الناس ولا تعدد فيه ولا شـريك له، فتشـهد أنه لا إلـه إلا الله، وتشـهد أن عبده وخليفته ورسـوله، ما هو إلا الحق منه، وما هو إلا وجهه، وما هو إلا داني حضرته، قيوما به قائما به على الناس بالناس في الناس للناس من الناس إلى الناس، فيشـهدونه محمدا رسـول الله في شـهادة أنفسـهم من روح محمد رسـول الله، وفي شـهادة محمد رسـول الله من أنفسـهم، يعلمون أنهم بدءا من آدم محمدٍ عبد الله تواجـدوا، وأنهم إلى محمد آدم عبد الله يصيرون، وأن محمدا ما كان إلا من عبد الله له، وما هو إلا إلى عبد الله منه، وأنهم في معنـاه لأنفسـهم إنما هم في عين معناه لنفسـه في الله، يعرفون فيه حجابا أعظم لربهم، ويعرفون فيه رحمة مدانية لخلقهم، ويعرفون به في أنفسـهم منه حقا، به يتواجدون، وفيه في الله يسـيرون.

إن محمدا لكل مؤمن محمده ومحموده من صفاته، وإن كل مؤمن بمحمد هو لمحمد بعثه وجديد ذاته، بإبراز محمد عبده ورسـوله على ما أبرزه، وعلى ما أقامه، وعلى ما بعثه، وعلى ما قديما أوجده، وعلى ما في محدث جدده، وعلى ما في خلق أبدعه، وعلى ما بما أنزل عليه في الناس حققـه ونشـره، وجعل فيه ذكره ومعناه وخَبَره. به لم يبقَ للناس على الله حجة. لم تبقَ النبوة أمرا ذا موضوع في النـاس بها يتميزون، فكلهم الأنبيـاء والرسـل لأنفسـهم ولبيوتهم ولجمعهم ما تابعوه، فقد ظهر في الناس رب النـاس ملك الناس إلـه الناس بعبد له من الناس، يقوم بليلٍ باطنُه النهار في مدثر من ذات بحقائق وصفات، بعثا بالحق من الله ذي المعارج.

تدانى ويتدانى الله إلى خلقه كما عرج ويعرج الخلق إلى ربهم. بحث الرب عن عبده بعبده في الخلق فوجـده ولم يقبره، وبحث العبد عن ربه في نفسـه بين العباد فوجده ولم يهجره. وجده قـاب قوسـين أو أدنى، وجده لا شـريك له، وجده لا إلـه إلا الله. وجده بفقد نفسـه وبقيـام معشـوقه وربه، وجده في علمه عن نفسـه علما عمن أبدعه، ومن سـوَّاه وإليه أرجعه، فتواجده فكانه، فوجهه ظهره، وفي مرآة متابع نظره.

لقد جاء محمد ودينه بوحدانية الله في شـهادة أن لا إلـه إلا الله. وقد كشـفها رسـول الله يوم قال للناس على لسـان الله (ما ظهرت في شـيء مثل ظهوري في الإنسـان)[١]. وهو الناطق بأنانية الله أنانية لله به بفقد ذاته لنفسـه، وبفقد نفسـه لعبـده، وبفقد عبده لفعله، وقيامه بغيب أنانيته، وقيـام هويته: مَنْ محمد؟ إن محمدا فُقد ورب محمد وُجـد بما أنزل عليه من الحق. ما ظهر الله… ما ظهر قدس الوجود… ما ظهر سـر كل موجود في كائن مشهود مثل ظهوره في الإنسان. فهل كان محمد غير الإنسـان، أو غير إنسـان؟ ألم يقل ما عرفني غير ربي؟

إنه إنسـان الغيب جدد نفسـه في محدث من آدم هيكل بظهور غيبه بهيكل ذاته في فرد تواجـده، انشـق إلى نجديه وانشـق إلى قديمه بقدميه في ولديه الأعز عليه، والأحب إليه، فكاناه وخلَّفَهما بمعناه ثم جددهما على عينه، وتكنز عن الناس بهما وبجديدهما، ولم يغب عنهما ولا عن جديده منهما.

أبرز القديم من الإنسـان ذاته في المحدث منه بذاته عليه السـلام، وما صدر عن ذاته وصفاته. أبرز به آدما ينشـق عن حوائه وحققه بجديد لآدم له اصطفاه لنفسـه وقد اصطفاه ربه لنفسـه، بعد انشـقاقها منه جديدا لقديم لها، وبجديد لحواء منه، وبجديد لآدم له قام عماد بيته. جددهما منهما شـجرتين طيبتين لكلمتين دائمين به بآدمين.

ولم يفارق قبل أن يكمل بيته وبسـتانه فتجدد منهما لهما جديد معناه وعنوانه من معناهما لمعناه، في ولديه منهما ولدين له، وَرَّثهما حلمه وجـوده وهمته ونجدته فقام في الناس هيكل إنسـان، وآدم إنسـان، وكمال إنسـان، وقام في الناس آدم بيت، وهيكل بيت، وكمال بيت.

ولم يفارق حتى علَّم الطائفين، وأسـجد المسـتقبلين، وقوم المؤذنين، فطاف الناس بالبيت عتيقا قديما، وجـديدا مسـالما، وحقا قائما، مشـتتا مجتمعا موحدا. طاف به الطائفون، وعكف فيه العاكفون، وصلى إلى قبلته المصلون، وسـجد له السـاجدون، وعرفه العارفون، ودخله الآمنون، وبذلك أوجـد نواة مدينته، وهيأ للمدائن قبلته، وبارك القبلة والمدينة، وجعل من أهلهما للناس سـفن نجـاة، وأحواض ماء للحيـاة، وسـرج نور للطريق، ورفاقا للسـائرين في سـبيل الله، كلما طلبت سـبيل الله لمسـير من الحائرين، أو طرقت أبوابها من السـائلين، ما طُلِب الله من العقول، وما طرقت أبوابه في النفوس عند من عرفوا الله بقربه، فطلبوه في قلوبهم، فلحقتهم حقائق الله من مدينة رسـول الله، فسـاروا إليها - رجـالا وعلى كل ضامر من ذوات أنفسـهم، ما تفتحت لهم آذان بسـماع، وقلوب باسـتماع، وعقول باتباع، ونفوس بارتجاع. فكان محمد حق الـهيكل، وحق البيت، وحق المدينة.

ولم يفارق حتى سـلمت المدن واتبعت السـبيل فتواجدت المدائن والأمصار مصلية إلى قبلته، حاجة إلى بيته، آوية إلى مدينته، فتجددته النفوس في هياكلها بقدس من قدس هيكله.

ولم يفارق الأرض بجديد بدء ذاته إلا بعد انتشـاره في جديد ذواته وقد أقام الله به في الإنسـان أمة، قـامته وقامها، وعرفته وعرفها، فأكمل شـريعته، ووضع معالم سـنته، وأبلغ كتـابه قانـون فطرته، تتجـدد به الأمم بتجدد الـهياكل له، تتجدد بها البيوت فتتجدد به المدن، وتتكاثر به المدن فتتواجد به الأمم، فيقوم كتابه فتتجمع الأمم عوالمه وحجابه أمة بعد أمة… ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخَير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله.

فهلا جدد الناس لأنفسـهم هيكله في هياكلهم، ومدينته في مدنهم، وأمته في أممهم فعادوا بجديدهم إلى أحسـن تقويم، وقد بلغ بهم أمر أنفسـهم أسـفل سـافلين؟ هلا اسـتيقظوا لأحسـن التقويم فطلبوه مجاهدين، عاملين، غير وانين، ولأنفسـهم بالله ورسـوله منشـئين مجـددين، وإلى ما خلفهم غير ناظرين، ولآبائهم في غفلتهم غير آبهين، ومما ورثوه متخلصين غير مواصلين أو ناشـرين؟ هلا تجمعوا على جـديد من أمر الله بينهم؟ هلا اتجهوا إلى صعيد؟ هلا بعثوا في جديد؟ هلا قاموا في وليد؟ هلا غيروا ما بأنفسـهم حتى يغير الله ما بهم؟ هلا أفرغوا ما بأنفسـهم من ظلام، وقاموا فارغين في سـلام، لله طالبين ولذكره ناصبين، فدانتهم من الله رحماته، وتكشـفت لهم في أنفسـهم ومن حولهم آياته، فعرفوا حيث أحواضه، وعرفوا حيث مهاده، وعرفـوا الأرض سـواها لهم ومهدها لهم ما دخلوها نفوسـا مطمئنة في عباد للرحمن من بينهم، نفوسـهم آمنـة سـاكنة مطمئنة، فكانوا في رَحِمها منها لها برضائهم أجنة، تدخل في ظلمات السـكينة من بعد ظلمات الطمأنينة هي ظلمات ليل الله، حتى تجتاز بحار الظلمات في أمان إلى بحار النور في ضمان تسـبح في بحار الرحمة وتنزل إلى أراضي الطاعة، فتعرف أراضي الحيـاة في سـموات وجودهم وسـموات معانيهم تفتحت لهم أبوابها بعباد الله بينهم، بمحمد جنـانا تنتظرهم ما بين قبر ومنبر في كل وقت وحين… ما بين قبر نفوسـهم إلى أرضها أرضا أرضا، ومنابر عقولهم بإشـراقها سـماءً سـماءً، يقومون باسـمه عبادا ويذكرون الله باسـمه للناس عمادا، يذكر الناس في قيامهم رسـول ربهم، ويذكرون في قيامهم أحواض الحيـاة من رحيمهم ورحمانهم، يذكرون في قيامهم منهم وجود ربهم بينهم مشـرقا بوجه له، هو مرآة وجهه إليهم، لوجوههم إليه، إن تلاقوا عليه وآمنوا به لله ذاكرين، وعليه متواصين وله صابرين، فعَرفـوا المؤمن مرآة المؤمن من ربهم، وعرفوا المؤمن مرآة المؤمن من أنفسـهم، فآمنوا الله من ورائهم محيـط، وعرفوا الله من وراء مراياه من مراياهم من إخوانهم من روادهم من أنفسـهم من ورائهم محيط، فبعين الله فيهم يرون وجه الله لهم في مرآة إخوانهم، وبنور الله في إخوانهم يرون مرآة وجـه الله لهم يظهرون، وجوها ناضرة لربها في الناس ناظرة، وجوها مشـرقة لذي الجـلال والإكرام، يرون وحدانية الله بوحدانية الله، يرون الجلالة والكرامة في مجتمعهم وفي إنسـانيتهم وفي جمعهم… جمع لا يرى الفرقة ولكنه يرى الوحدة والاجتماع، رِفاقا في الله، ووجوها لله لا غيبة له ولا خوف منه، انتهى أمرهم فيه إلى أُنس به، ورحمة منه، وجمال مسـعد من طلعته، ومن شـهود وحدته وجلال حضرته؟

بهذا كله جاء الإسـلام. وعلى هذا قام القرآن وعنه عَرَّف الكتاب لا يلمسـه إلا المطهرون، ولا يدركه إلا المشـرقون، لمس نور الله قلوبهم فرأوا القرآن نورا، ولمس نور القرآن عقولهم فرأوا في قلوبهم نور الله.

هذا هو الإسـلام على ما جاء به من أسـلم لربه فكان الإسـلام له، ومن رأى وجه ربه في غيبه فكان وجـه ربه في الشـهادة له مرئيا من الناس رحمة الله لهم، ورائيا للناس دينونة الله عليهم بما يراه الناس لأنفسـهم به.

هذا هو رسـول الإسـلام، وهذا هو كتاب الإسـلام، وهذه هي سـنة الإسـلام، فهل أسـلم الناس فسـلموا؟ وهل سـالم الناس فأسـلموا؟

نسـأل الله لنا وللناس السـلامة بالإسـلام رحمة مهداة، والمسـالمة للناس اسـتقامة مرتضـاة، حتى نكون في الإسـلام، وحتى نعرف الإسـلام، وحتى نقـوم بالإسـلام. أشـهد أن لا إلـه إلا الله وأشـهد أن محمدا عبده ورسـوله.

اللهم إنا عرفنا عن محمد فطلبناه، وفي أنفسـنا منك وجدناه، فذكرناه وعلَّمناه. اللهم فانشـره في الناس، عبدا لك. اللهم فانشـره في الناس نورا منك. اللهم فأقمه في الناس حقا لك. اللهم أشـهدهم رسـول الله على ما تحب وترضى، وعلى ما يحب لهم ويرضى. اللهم به فأشـهدهم أنه لا إلـه إلا الله، حتى يشـهدوا أن الله أكبر، وحتى يشـهدوا أنهم لك عباد، وحتى يعرفوا أن محمدا لهم في أنفسـهم عماد، وحتى يدركوا أنه الصلاة، وأنه الحج والزكاة، وحتى ينالـهم منك به دواما رحمتك، وحتى يردوا حوضه من ماء الحيـاة منك بلا انقطاع، وحتى يحيوا بنـوره فيك في سـلام، وحتى يعرفونك الحي القيوم، فيغادروا أوهام أنفسـهم من عذاب ما ذكرته إلا تخويفا، وما جعلته إلا تنظيفا، ومن جنة ما ذكرتها إلا ترغيبا، وما جعلتها إلا تعليما، ومن دنيا ما جعلتها إلا دار كسـب وزرع وعمل وبعث لبدء بقيام، ومن آخرة ما جعلتها إلا دار معرفة وحصـاد وسـلام ودوام، ومن شـيطان ما ذكرته إلا بأدب إبعاد معانيهم عن معنـاه تحذيرا من أوهام أنفسـهم، إذ لا وجود له إلا ظاهر موجودهم، من جلابيب خلقهم، ومن رحمن ما كان غير معناهم من حقائقهم بحقك، فما كانوا إلا محل رحمتك تفاض بك من بعضهم على بعض، ومن كلمة الله بموعود لقائه، ما كان إلا حقائقهم بالحيـاة بك ما قاموا باسـمك، وما رددوا ذكـرك، وما ذكر في ذكرهم، وما تواجد في وجودهم غيرك فكانوا لك وجوها يا ذا الجـلال والإكرام، وياذا الطول والإنعام من ورائهم محيط، وبهم ظاهر أقرب إليهم لهم من أنفسـهم، ما وراء فعلهم، وما وراء إرادتهم بحكمتك حتى يكونوا لك إرادتك، وحتى يكونوا أيـدي فعلك. جعلت الإسـلام لك ولرسـولك دينك لهم، وجعلت غيره دين من كان فيك هالكا، لا وجود له ولا بقاء له. وجعلت دينك باقيا تظهر أهله على الدين كله، وتظهرهم على الوجود كله، وتقيمهم فيك بالأمر كله، في فردوس عوالمهم من ذواتهم حضرة لك. فهل عرف المسـلمون الإسـلام؟ وهل دخل المسـلمون الإسـلام؟ اللهم فأدخلهم الإسـلام، واجعلهم به في سـلام من أمر أنفسـهم، ومن أمر خصومتهم لهم منهم.

اللهم أنزل سـكينتك على قلوبنا والسـلم والسـلام على أرضنا، وولِ أمورنا خيارنا، ولا تولِ أمورنا شـرارنا بما كسـبنا، وعاملنا بعفوك ومغفرتك ورحمتك، لا إلـه غيرك سـبحانك إنا كنا من الظالمين.

أضواء على الطريق

ما كانت رسـالات الله إلا معنى الحق في الناس رسـلا من أنفسـهم من جانبي الحيـاة دانيها وقاصيها، فظاهر الناس بتواجـد هو قديم الناس بوجود – وما حمل الرسـل في حاضر الناس إلا من غيبهم من باطن الناس. حملوا رسـالة السـماء إليهم والى الناس، رسـلا هم في سـماواتهم ما حملوا الرسـالة إلا من أنفسـهم إلى أنفسـهم من أهل الأرض – هذا أخوكم جبريل جاء يعلمكم دينكم – فالخلق الخالق لا بدء له، والخلق المخلوق لا انتهاء له – وما كملت الحيـاة في قاصيها إلا بأهل الصلاحية منهم في آحـاد للحقيقة، تحولوا من مجال الخلق لمجال الخالق، فواصلت الحيـاة من عالم نشـأتهم بتواجدها بهم وقد تواجدوا منها فتضاعفت الحيـاة في بيئة نشـأتها بهم. وهم يضاعفونها في بيئة تواجدهم من بيئة نشـأتهم على ما يضاعفونها في بيئة نشـأتهم من بيئة تواجدهم، كمالا للخلق وقياما له بوصف الخالق مع الخلق المتواصل دواليك إلى لا بدء يعرف وإلى لا انتهاء يتعرف.

حديث الروح المرشـد السـيد سـلفربرش أحد أوادم الملأ الأعلى:

(عندما سُـئلت منذ عدة سـنوات طويلة عما إذا كنت أرغب في العودة إلى عالم المادة، وأجـد على الأرض جماعة تعمل معي على تسـليم رسـالة الروح، فكما سـبق أن فعل كثيرون آخرون من إخواني، أجبت وقلت نعم فليكن. وسـلمت إليّ مهمتي.)

(وقيل لي إنه عليّ أن أبحث وأجد جهازا، وأربط نفسـي بهذا الجهاز حتى يمكن من خلالـه أن أظهر الرسـالة التي كلفت بتسـليمها. وعلى هذا بحثت في تقاريرنا ووجدت وسـيطي).

مصادر التوثيق والتحقيق


  1. عبارة صوفية متناغمة مع الآيات الشريفة التي جاء فيها أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض. ↩︎